منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي

منتدى المودة العالمى

ســـاحة إلكـترونية جــامعـة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 التأويل بين الشرعيتين المعرفة واللامعرفة عند ابن عربي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياسين

avatar

عدد الرسائل : 98
تاريخ التسجيل : 19/08/2007

مُساهمةموضوع: التأويل بين الشرعيتين المعرفة واللامعرفة عند ابن عربي   الأربعاء أغسطس 13, 2008 1:16 am

التأويل بين الشرعيتين المعرفة واللامعرفة عند ابن عربي

مختار لزعر / جامعة مستغانم


إنّ خير ما نبتدئ به هذه المداخلة التي تصب في عمق الجانب التأويلي وهو يتوسط بين ما وسمناه بـ : المعرفة واللامعرفة، تلكم الإشارة القيمة التي أشار إليها ابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ) وهي تصب - في اعتقادنا - في لب ما ينبني عليه مبدأ المثاقفة من مبدأ التحاور والعطاء الفكري والخلقي على السّواء، بل أبعد من ذلك أنّ الحقائق لا يتحقق فهمها وإدراكها إدراكا يقينيا إلا بشدة البحث والمطالعة على كل الأخبار القديمة والحديثة حتى يتسنى الفهم الحقيقي لأي مفهوم تريد الذات الإنسانية فهمه وإدراك غوره العميق. يقول ابن حزم الأندلسي في هذا الصدد ما بيانُه : "إنّ الوقوف على الحقائق لا يكون إلا بشدّة البحث. وشدّة البحث لا تكون إلا بكثرة المطالعة لجميع الآراء والأقوال والنظر في طبائع الأشياء وسماع حجة كل محتج والنظر فيها وتفتيشها، والإشراف على الديانات، والآراء، والنحل، والمذاهب، والاختيارات، واختلاف النّاس. ولا بدّ له من الإطلاع على القرآن ومعانيه. ولا بدّ مع ذلك من مطالعة الأخبار القديمة والحديثة، والإشراف على أقسام البلاد، ومعرفة الهيئة، والوقوف على اللّغة"(1).
وإذا كان الأمر كذلك - والحال هذه - فإنّ أغلى ميزة يمتاز بها التراث الصوفي هو ذلكم الجانب الباطني للأشياء ما علمت منها الذات الإنسانية - المتعاملة مع هذا الرصيد المعرفي - وما لم تعلمه ؛ تلكم المعاني التي راحت الذات المتصوفة تنفرد بها وهي تصبو نحو اللامتناهي أو اللامعرفة أو اللاعقل أي المطلق، وهي إذ تقوم بهذه الطريقة لعلمها اليقيني بأنّ الخالق عزّ وجل قد بثّ في الذات الإنسانية مجموعة من النواميس الفطرية والوجودية لكي تتحلى بالجانب الإطلاقي وهي تريد التعرف على وجودها من جميع الجوانب. ولما كان الأمر كذلك فإننا سنشير ولو من بعيد إلى جانب واحد فقط والمتعلق بالجانب التأويلي وهو يتوسط بين الشرعيتين (المعرفة - واللامعرفة) ؛ هذه الشرعية التصوفية التي استطاعت أو تكوّن لنفسها رصيدا معرفيا أهلها سلفا لأن تقتحم عالم النصوص من الجانب الباطني قاصدة في سيرها هذا أن تعامل النصوص معاملة تختلف عن سابقيها. ولكن للأسف معاملة لم تعط للطرف الآخر المتلقي للحدث نفسه أيّ قدر من الاهتمام والعناية سواء ما تعلق الأمر بالجانب الوجودي كوجود مستقل بذاته، أم الجانب المعرفي، اللهم إلا إذا كان هذا الآخر المتلقي ينتمي إلى هذا الرصيد الصوفي ؛ فإنه يحصل ذلكم التلاقي والانسجام بين الباث والمتلقي معا.
وتجدر الملاحظة إلى أنّ دور العملية التأويلية إنّما يتمركز أساسا في ذلكم التساؤل عن واقع حركية النص في علاقته بالمتلقي. بعبارة أخرى هل يمكن للذات الإنسانية أن تصل في لحظة ما إلى قصدية موضوعية تاريخية لواقع حركية النص ؟ أم أنّ عملية فهم النص - على حدّ تعبير نصر حامد أبو زيد - هي جزء لا يستقل عن موقع المفسّر والموضح ؟(2)هذا هو أهم تساؤل وجيه يقوم عليه واقع الجانب التأويلي ؛ الأمر الذي يجعلنا ندرك إدراكا يقينيا لا يشوبه شك ولا يرتابه ارتياب بأنّ هذا التساؤل التأويلي موجود وكائن في واقع تراثنا العربي الزاخر على اختلاف سياقاته الداخلية والخارجية. إنه كائن منذ بداية ظهور ما يسمى بالتفسير (المأثور - الرأي) ؛ فالمعتزلة يقولون هل يمكن للذات الإنسانية أن تفهم وتدرك القصد الإلهي وهي تتعامل مع واقع الخطاب القرآني المطلق بدون أن تكون لهذه الذات الأخيرة معطيات عقلية اعتزالية مسبقة عن جانبيين اثنين : العدل والتوحيد ؟ ومن ثمة إذا أخذت الذات الإنسانية النص القرآني وراحت تصدقه بأنه من الذات القدسية دون أن تكون لديها معرفة عقلية سابقة بالمفهوم الحقيقي للصدق الربّاني ما الذي يمنع في اعتقاد الذات الاعتزالية أن يكون هذا النص كاذبا ؟ أو إنّ العلاقة الكائنة بين المعنى داخل واقع حركية النص وتلكم المعرفة المسبقة اللازمة لاستكشاف هذا المعنى سؤال كائن في واقع تراثنا العربي الإسلامي(3). والأمر لا يقف عند هذه الفئة الاعتزالية فحسب وإنما يبتعد ليصل إلى معناه الأعمق والأوفر عند المتصوفة ؛ على أساس أنّ القارئ للتراث الصوفي قراءة لغوية مطلقة متأنية تنطلق من عالمها الإطلاقي الفطري الوجودي يدرك لا محالة إنه وهو يقرأ للذات الصوفية فإنه وكأنه يقرأ لهايدجر الألماني أو جدامير والعكس أيضا صحيح ونحن نقرأ لهايدجر وجدامير في تعاملهما مع اللغة وربطها بحركية الوجود المطلق فكأننا نقرأ لابن عربي ومن تبعه من المتصوفة.
لاشك أنّ سند هذه المعاني والحقائق المعرفية المشار إليها آنفا وبشكل وجيز، إنّما منشأها ومنبعها واحد فلسفي وفي الوقت نفسه ديني بمفهومه الواسع الشاسع؛ذلك أنّ هذا الإنسان بمفهومه المطلق عندما نجد الذات القدسية تتحدث عنه سواء في واقع الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية، أم في النص القرآني بشكل خاص ؛ فإنما تتحدث عنه باعتباره كائنا حيا مدعو لأن يحيا ضمن المنظور الأوسع لمفهوم المطلق للذات القدسية ؛ إذ إنّ الإنسان في حقيقة الأمر مرتبط ارتباطا وثيقا بالرؤية، وصاحب الرعاية المطلقة عندما يقترح عليه هذه الرؤية فإنما يقترحها عليه لكي ينمّي مسئوليته المنوطة به وذلك في علاقته مع المطلق، وهذا من شأنه أن يكون سببا في إلغاء كثير من التبعية العمياء المتداولة والسائدة بالنسبة للعلاقات الإنسانية في ما بينها. إنّ في ذلك - بدون شك - إعلاء كبيرا وشاملا لهذه الذات الإنسانية في هذا الوجود لكي تمارس حريتها الشاملة، حين تتعامل مع أي نظام سواء أكان لغويا مكتوبا نصا، أم منطوقا، وذلك من خلال المنظور الأوسع الذي اكتسبته لحظة احتكاكها مع المطلق.
ونحن إذ نريد التحدث عن التراث الصوفي فإننا نقصد شخصية بارزة من الشخصيات المتصوفة التي استطاعت أن تنفرد برصيد لغوي لا يستهان بها بحال من الأحوال وهو إذ يمثل غالبية المتصوفة في اعتمادهم على نفس المنهج أو الطريقة وهم يتعاملون مع واقع النصوص على اختلاف أنواعها وأشكالها. ومن ثم سنشير فقط إلى تلكم الإشارات التي توقف عندها ابن عربي في تعامله مع اللغة من منظور تأويلي تخريجي. إنّه ذلكم التساؤل الوجيه المنصب أساسا على واقع حركية الوجود المطلق بعبارة أخرى هل الوجود المطلق هو وجود موضوعي مستقل في الخارج ؟ أم الوجود المطلق واقع إطلاقي خيالي يشترك فيه كل من : الذات القدسية والذات الإنسانية ؟ تماما ما توقف عنده العالم الألماني هايدجر حين كان يتساءل في كثير من السياقات هل الوجود له استقلال موضوعي خارج الذات المدركة أم خارج المعرفي(4).
إنه بدون شك تلكم الشرعية التصوفية (التأويل) المنصبة أساسا على ما يمكن تسميته بالعقل التأويلي الذي لا يرضى لذاتيته الكينونية والوجودية والمعرفية إلا السير وفق تلكم النواميس الوجودية المطلقة فيتحلى بما يتحلى به من أسرار وأبعاد عميقة ؛ الأمر الذي يؤهله سلفا لأن يقتحم عالم المعرفة ابتداء من ذاتيته كعقل مستقل في حدّ ذاته وانتهاء إلى تلكم العلاقة الكائنة بين الذات الإنسانية والوجود المطلق. ونحن إذ نقول بهذه الحقيقة فإننا على وعي عميق بأنّ مفهوم التأويل ليس حكرا على تلكم الذوات التي ظلت حينا من الدّهر تنظر إلى واقع النصوص على اختلاف نمطيتها الداخلية والخارجية وذلك على اختلاف نحلها ومذاهبها ؛ الشيء الذي جعل في الأيام المستقبلية أن تكونت عدة رؤى منهجية من نفسية لغوية (Schleiermacher)، وظاهراتية (Idmonde Husserl)، ووجودية (Martin Heidegger)، ومنهج - حقيقة (Hans Georg Cadamer) وهلم جرّا.
إنها شرعية التأويل التصوفي التي همها الوحيد هي ذلكم النمط الكينوني الإنساني داخل العالم على حد اعتقاد هايدجر الألماني، ومن ثمة فلا ضير في أن نشير باختصار شديد إلى أهم المحطات التي توقف عندها ابن عربي الصوفي وهو يتناول مفهوم التأويل في علاقته باللغة والوجود محاولين التقاط بعض من النصوص التي تصب في عمق العملية التأويلية التي راحت تتوسط في المخيال الصوفي تارة من واقع المعرفة أي التقييد وتارة أخرى من واقع اللامعرفة أي عالم الإطلاق ؛ وهي إذ تصنع مثل هذا الصنيع إلا لعلمها بأنها تتعامل مع المطلق في اللفظ والمعنى.
يرى ابن عربي (ت 638 هـ) في كثير من السياقات وهو يتعامل مع واقع الخطاب القرآني المطلق بأنّ الوحي إنما يتجدد ويتنوع تبعا لتنوع العارفين بأسرار حركية الوجود على مستوييه الداخلي والخارجي ؛ الأمر الذي جعل من واقع هذا الوحي الإطلاقي المتجدد والمتغير- في حق الذات المتلقية - دلاليا وجوديا بأنه ينصاع لهذا النوع التجدّدي في صور متعددة من المعاني والأبعاد العميقة على الرغم من أنّ النص القرآني واحد في ذاتيته المطلقة، وذلك من حيث هو دلالة صريحة على الحدث الكلامي الربّاني الوجودي على جميع مستوياته التي تناولها يوم تحدث مع الذات الإنسانية، ومن ثمة فالقرآن في نظر ابن عربي "متنوع ينطبع عند النازل عليه في قلبه بصورة ما نزل عليه، فتعيّر على المنزل عليه الحال لتغيّر الآيات، والكلام من حيث ما هو كلام واحد لا يقبل التغير"(5).
ثم إنه إذا كانت العملية التأويلية تعني في ما تعنيه تلكم العلاقة الحميمة بين واقع حركية النص مع المفسّر أو المبيّن ؛ فإننا نجد واقع الخطاب القرآني - على حدّ اعتقاد ابن عربي الصوفي - نفسه يتنوع بتنوع القارئين له بل يتنوع واقع معنى النص بتنوع أحوال القارئ المتلقي الواحد. بعبارة أخرى إنّ العلاقة بين القارئ المستقبل للحدث الكلامي الربّاني وواقع المقروء في حدّ ذاته هي علاقة جدلية يتبادلان فيها التأثير والتأثر. يقول ابن عربي في هذا المقام ما نصّه : "ألا ترى العالم الفهم المراقب يتلو المحفوظ عنده من القرآن فيجد في كل تلاوة معنى لم يجده في التلاوة الأولى، والحروف المتلوة هي بعينها ما زاد فيها شيء ولا نقص وإنما الموطن والحال تجدد، ولا بدّ من تجدّده ؛ فإنّ زمان التلاوة الأولى ما هو زمان التلاوة الثانية"(6). إنها بدون شك تلكم العلاقة الجدلية الأزلية القائمة بين القارئ حركية النص والتي تقوم أساسا على تنوع واقع النص من جهة، وتنوع أحوال ذاتية القارئ المتلقي من جهة أخرى.
ولكي يواكبنا القارئ المتخصص ممّا نريد التوقف عنده بشيء من التحليل والبيان في شأن قضية بُعد مفهوم المثاقفة من زاوية تصوفية التي راحت في الغالب الأعم تعطي للذات الإنسانية بُعدا وجوديا - معرفيا يسير جنبا إلى جنب مع حركية الواقع المطلق ؛ وهي تريد فرض وجودها على الطرف الآخر مهما كان المقام الذي يحتله في وجوده المعرفي والخلقي على السّواء؛لا بأس أن نجعل ذلك في شكل نقاط نراها تصب في عمق المثاقفة التي جعلناها تنصب أساسا في عمق عنوان هذه المداخلة وهي على النحو التالي :
يخرج ابن عربي كلمة القرآن الكريم عن معناها المتداول والمتعارف محاولا أن يربط بين واقع النص القرآني وبين حركية الوجود المطلق بصفة عامة، وهو ما راح يسميه في كثير من المقامات بالكتابة الوجودية وأحيانا بالخيال الوجودي. داخل هذا الإطار يمكننا أن نستشف تلكم النقلة الإيبستمولوجية التي استطاعت أن تحوّل مفهوم اللغة من مستواه الاجتماعي إلى مستوى أكثر شمولا وهو المستوى الأنطلوجي. ثم إنّه إذا كانت لغة التواصل الاجتماعي تفرز مفهوما خاصا عن الجانب التأويلي ؛ فإنّ اللغة الوجودية ستؤسس مفهوما جديدا عن واقع التأويل وهو ما يسميه ابن عربي ومن تبعه من المتصوفة بالكشف الصوفي وهو ما يقارب إلى حد بعيد مفهوم الهيرمنوطيقا أو التأويلية (7).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الياسين

avatar

عدد الرسائل : 98
تاريخ التسجيل : 19/08/2007

مُساهمةموضوع: رد: التأويل بين الشرعيتين المعرفة واللامعرفة عند ابن عربي   الأربعاء أغسطس 13, 2008 1:18 am


يرى ابن عربي بأنّ الوجود هو لغة وأنّ الموجود هي عبارة عن كلمات بعبارة أخرى لا يعني بأنّ اللغة معطى حسيا مباشرا، وإنّما المقصود هو أنّ العارف - على حد اعتقاد ابن عربي - حينما ينظر إلى العالم (الوجود المطلق)، فإنّه ينظر إليه في رمزيته وفي تشابك مباشرته ولا مباشرته، في ارتباط ظاهره بباطنه. وبالفعل حينما تقول الذات المتصوفة بأنّ العالم يتكلم بواسطة الرموز ويكشف عن ذاته فإنّ الأمر لا يتعلق بلغة نفعية وموضوعية. إنّ الرمز الذي ليس همّه الوحيد ذلكم التطابق مع الواقع الموضوعي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. إنّه بكل بساطة تلكم القدرة المطلقة التي بإمكانها أن يكشف عن شيء ما أكثر عمقا وأهمية(8).
إذا كان التأويل كفعل معرفي لا يمكن له بحال من الأحوال أن ينفصل جملة وتفصيلا عن اللغة، بل هو أثر من آثار اصطدام السامع بلغة المتكلم على أساس أنه إفراز للغة التواصل الاجتماعي ؛ فإننا نلفي انتباها إلى أنّ ابن عربي لا يكتفي بهذا المفهوم التقعيدي المعياري للتأويل بل يربطه بمجال الذات العارفة ولغة العالم أيضا أي الكتابة الوجودية. بعبارة أخرى خروج الجانب التأويلي من صفة المعرفة أي المجال الاجتماعي أو المؤسسي إلى صفة اللامعرفة أي الأنطلوجي المطلق. ولن يتم هذا التحويل بطريقة سهلة وإنّما عبر وثبة أنطلوجية ومعرفية ستغير من مفهوم النص اللغوي وصورة الدلالة(9).
إنّ نقد ابن عربي للجانب التأويلي لا يرجع لدوافع ذاتية أو إرادية خاصة، وإنّما يرجع في الغالب الأعم لظروف فكرية وسياسية موضوعية تتعلق بالمجتمع الإسلامي في الغرب الأندلسي والمغرب خلال مدة طويلة (القرنين السادس والسابع الهجريين) وهي ظروف قوي فيها التشدد الفقهي على كل المذاهب الفكرية المخالفة للمذهب المالكي، وبالخصوص الفلسفة والتصوف. أضف إلى ذلك تلكم الاختلافات المذهبية التي راحت منذ أمد بعيد تسير مع الفرق الإسلامية على اختلاف نحلها ومذاهبها سواء في الشرق أم الغرب الإسلاميين؛الشيء الذي دفع كثيرا من المفكرين الإسلاميين التوقف عند مسألة التأويل وقفة نقدية معتبرين في نهاية المطاف بأنّ التشدد الفقهي سببه الرئيسي تلكم الصراعات المذهبية القائمة بين الفرق والطوائف الإسلامية، وهي عموما عدم استقرار وضعية التأويل من جهة، وعدم الوعي بشروطه الإيبستمولوجية وربّما الاجتماعية أيضا(10) .
إنّ واقع الثقافة أو المثاقفة بين البشر عند ابن عربي تقوم على ذلكم التقسيم الثنائي الذي لا يخرج عن العطاء أو الأخذ وهي عملية تستوجب تحقيق ما يسمى بمبدأ الحدود في عالم المعرفة على ضربيها (الحدودي واللاحدودي). بعبارة أخرى "إنّ التأويل عند ابن عربي له القدرة الكافية والشافية بأن يحقق نقلة مزدوجة، سوسيولوجية ومعرفية. ففي مستواه السوسيولوجي ينقل الإنسان المؤوّل من مستوى العامة كشريحة اجتماعية لا تتعاطى إلا للصنائع والحرف وكل ما يتعلق بالعمل الاجتماعي، إلى مستوى الخاصة وهي النخبة المفكرة العالمة في المجتمع. أما في مستواه المعرفي فإنّه ينقل ذلك الإنسان من مستوى المعرفة العامية أي الخطابية على حد تعبير ابن رشد إلى مستوى الخاصة التي تضع العارف وجها لوجه أمام الحقيقة في نقائها وصفائها"(11).
لن نعجب إذا ما وجدنا تقاربا نظريا بين كل من ابن رشد وابن عربي رغم تباينهما الفكري ؛ على أساس أنّ الأول فيلسوف والثاني متصوف، وهو تقارب ينم في اعتقادنا عن حساسية مشتركة بينهما إزاء مسألة التأويل، وشعور بضرورة الطرح النقدي لها بهدف وضع حدّ للهجوم الفقهي المتشدد على الفلسفة كما على التصوف ومحاولة خلق منفذ يخرج المجتمع الإسلامي من الصراعات الإيديولوجية والمذهبية التي عصفت به منذ أمد بعيد. غير أننا إذا كنا نعتبر إلى حد بعيد أنّ كلا منهما يشتركان في ذلك القلق المعرفي إزاء قضية التأويل ؛ فإنّ هذا لا يعني البتة تطابق وجهتي نظرهما لاختلافهما المذهبي. إنّ ما يجمعهما فعلا، وهذا ما ينبغي التأكيد عليه - هو وحدة القلق المعرفي أي وحدة الإشكالية بصدد مسألة التأويل ووحدة الإحساس المشترك بضرورة إعادة طرحها طرحا نقديا عوض رفضها أو قبولها بشكل بديهي. إلا أنّ الاختلاف الأساسي بينهما هو أنّ ابن رشد يقبل التأويل مبدئيا لكي يضع له شروطا نظرية وعملية، بينما سيرفضه ابن عربي رفضا باتا لكي يؤسس مفهوما جديدا عن واقع المعرفة هو بالضبط ما يطلق عليه اسم الكشف الصوفي والذي يلائم في شكله ومضمونه ما يسمى في تاريخ الفكر بالتأويلية(12) .
ثم إنّه إذا كان ابن رشد قد طرح علاقة التأويل بالمنطق باعتبارها العلاقة الوحيدة والممكنة التي يمكن أن يقوم عليها التأويل اليقيني، فإنّ ابن عربي سيعيد طرح معضلة التأويل ولكن في علاقتها باللغة عموما، وبالخصوص لغة التواصل اليومي من جهة، واللغة الرمزية الوجودية من جهة أخرى. ومن ثم غذى مفهوم العملية التواصلية عنده لا يضع الذات الإنسانية أمام عملية حوارية قابلة لأن تحقق عملية اختزالية بين باث (مرسل الخطاب) ومستمع (متلقي للحدث الخطابي) تجمع بينهما رسالة تخضع لشفرتها الخاصة التي تتماشى إلى حدّ بعيد مع سياقها الذي يليق بمقامها، وإنما هي عملية قلقة بين شخصين أو أكثر قد يثير في المتلقي - السّامع استجابة ما هي الفهم، وقد يفتح نحو استجابات أخرى أكثر عنفا وتوترا من الفهم كالذي نجده في واقع حركية التأويل(13) .
لعلنا لا نغالي في الحكم والتقدير إذا قلنا بأنّ أغلى ميزة تمتاز بها المثاقفة هو ذلكم الاختلاف الفطري - الوجودي الذي جعله صاحب الرعاية المطلقة سرّا من أسراره تصبو هذه الذات الأخيرة عن طريقه إلى فرض وجودها المعرفي والخلقي على السواء وذلك في ظل ما يقوم عليه مبدأ الحوار بمفهومه الواسع الشاسع. ومن ثمة فإنّ ابن عربي لا ينظر إلى قضية الصراع الإيديولوجي والمذهبي على أنه مرض اجتماعي أو ظاهرة هامشية، وإنما هو ظاهرة ضرورية اجتماعيا تنتج عن طبيعة اللغة الاجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى عن طبيعة الإدراك البشري للخطاب اللغوي والخطاب القرآني على وجه الخصوص. يقول في هذا السياق ما بيانُه : "واختلفت مقالات الناس في الإله، وإذا اختلفت المقالات، فلابدّ للعاقل - إذا انفرد في علمه بربّه - أن يكون على مقالة من هذه المقالات التي أنتجها النظر وهي مختلفة"(14) .
إنّ العلاقة بين القارئ المستقبل للحدث الكلامي الربّاني وواقع المقروء في حدّ ذاته هي علاقة جدلية يتبادلان فيها التأثير والتأثر وهو من صلب ما تنبني عليه المثاقفة الوجودية - المعرفية. يقول ابن عربي في هذا المقام ما نصّه : "ألا ترى العالم الفهم المراقب يتلو المحفوظ عنده من القرآن فيجد في كل تلاوة معنى لم يجده في التلاوة الأولى، والحروف المتلوة هي بعينها ما زاد فيها شيء ولا نقص وإنما الموطن والحال تجدد، ولا بدّ من تجدّده ؛ فإنّ زمان التلاوة الأولى ما هو زمان التلاوة الثانية"(15) .
إنّ المتأمل جليا بنظرة عقلية نزيهة فاحصة للفطرة الإنسانية التي فطر الخالق النّاس عليها، يدرك لا محالة أنّ الخالق قد منح الإنسان المطلق منذ أن أوجده في هذا الوجود القدرة للبحث عن الصلاح بمفهومه الواسع، وعلى التعرف إليه. إنّ الضمير الشخصي، إنما يكمن في معرفة الإنسان لواقعه الخاص بكونه إنسانا له ملكة العقل، التي تمكنه من إصدار الأحكام بحثا عن الحقيقة. ومن ثمة وجدناها في مجال حقل الفلسفة تنصب أساسا على إمكانية أو قدرة الكائن على معرفة ذاته كذات، والتميّز عن الموضوع وهذه هي غاية المعرفة. ثم إنّ أي حقيقة - مهما كانت - لا يمكن أن تفرض إلا بموجب ذاتها، ذلك أنّ حرمان الشخص من حرية الضمير الكامل، وحرية البحث عن الحقيقة، وفرض طريقة معينة عليه لفهم الحقيقة، وإدراك أبعادها هما أمران لا يلتقيان أبدا مع حقه الأعمق ويتسببان في الوقت نفسه لتصعيد الأحقاد والتوترات التي تهدد بالانتهاء إلى صراع مفتوح أو نشوء علاقات صعبة، ومعادية داخل المجتمع. إنّ مشكلة الإنسانية - في ما بينها - إنّما تكمن في أنّ كل إنسان يريد أن يصطنع الآخر وفق ما يراه هو بالذات، ومن ثمّ نجده يقرأه من الصورة والجهة التي نحتها عنه دون أن يحيد عن ذلك طرفة عين. ونحن في سياقات كثيرة ومتعددة تجدنا نريد ونحرص كل الحرص الشديد أن يكون لنا فكر واحدا ونسق متكامل واحدا، سواء أكان ذلك عن طريق الجانب الفكري أم التأملي.
إنّ المتصوفة وعلى رأسهم ابن عربي استطاعوا إلى حدّ بعيد أن يكونوا لأنفسهم رصيدا معرفيا أو رصيدا تثاقفيا مكّنهم فعلا من سبر أغوار واقع الحقيقة المعرفية من بابها الواسع - الشاسع عن طريق تلكم الصفة التي راحوا منذ أمد بعيد يتحلون بها الباطن. لكن ليث شعري هل استطعنا لحد الآن أن نفقه هذا الرصيد المعرفي الباطني؟هل بمقدورنا نحن أبناء هذا التراث المعرفي الأصيل أن نتحلى بما كانت الذات المتصوفة تتحلى به من خلق معرفي، وجرأة علمية قوية مكّنتها لأن تقتحم عالم المعرفة من بابها الواسع ؛ الأمر الذي جعلها تتحدى الطرف الآخر بالمعنى الذي يتماشى وما يقتضيه الضابط المنهجي الذي يصب في عمق الأدب المقارن حتى نبتعد ونتحدى ذلكم المبدأ الذي يصب في عمق الغيرية المذموم الذي لا يؤمن إلا بتلكم التبعية العمياء والتي همّها الوحيد هو السيطرة على الطرف الآخر بجعله تابعا لا متبوعا ؟
إنها بدون شك تلكم العلاقة الجدلية الأزلية القائمة بين الشرعيتين المعرفة واللامعرفة أي بين التقييد والمطلق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
1- ابن حزم : رسائل ابن حزم الأندلس (أربعة أجزاء). تحقيق : إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1987م، (2/4:344).
2- ينظر في هذا المقام بالذات، نصر حامد أبو زيد : غادامر والتراث العربي الإسلامي، مجلة فكر وفن، ألمانيا 2000، ص 59
3- 4- نفسه.
5- ابن عربي : الفتوحات المكية (أربعة مجلدات)، دار صادر بيروت بدون تاريخ، وهي صورة عن طبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر 1329 م، 4/202.
6- ابن عربي : المصدر نفسه، 4/258، وانظر في نفس المقام الصفحات الموالية التي لها علاقة بهذا الأمر الأخير إلى غاية ص 414.
7- ينظر منصف عبد الحق : الكتابة والتجربة الصوفية (نموذج ابن عربي)، ط1، الرباط. 1988 م، ص 47.
8- ينظر المرجع نفسه، ص 95.
9- ينظر المرجع نفسه، ص 6-7 .
10- 11- ينظر المرجع نفسه، ص 104-108.
12- المرجع نفسه، ص 106-112 بشيء من التصرف.
13- ينظر المرجع نفسه، ص 114-117.
14- ابن عربي : الفتوحات، المصدر السابق، 1/428.
15- ابن عربي : المصدر نفسه،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التأويل بين الشرعيتين المعرفة واللامعرفة عند ابن عربي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المودة العالمى ::  حضرة الملفات الخاصة ::  الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي-
انتقل الى: