منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي

منتدى المودة العالمى

ســـاحة إلكـترونية جــامعـة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 مسألة المعرفة عند ابن عربي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياسين

avatar

عدد الرسائل : 98
تاريخ التسجيل : 19/08/2007

مُساهمةموضوع: مسألة المعرفة عند ابن عربي   الأربعاء أغسطس 20, 2008 3:39 am

توفيق رشد: مسألة المعرفة عند ابن عربي


لعِلْمُ الْمُسْـتَـقِــرُّ هُوَّ الْجَهْلُ الْمُسْـتَـقِرُّ.
النّفري.
المَعْرِفَةُ إِذَا لَمْ تَـتَـنَوَّع مَعَ الأَنْفَاسِ لاَ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا.
ابن عربي.

لم يقدم ابن عربي عقيدة أو مذهبا فكريا يمكن أن ندرجه في تاريخ الأنساق والمذاهب، فلغته رمزية، كل شئ فيها هو ذاته وشئ آخر.

فالكتابة عند ابن عربي هي سَفَرٌ في اتجاه «الأسرار»، فهو يعلن من خلالها تأويلا لحياته وتجاربه الفردية، منفلتا بذلك من الأزواج الميتافيزيقية، من الثنائيات؛ فوحدة الوجود ليست عقيدة، وليست مذهبا، إنما هي استراتيجية لا تُنتج حقيقة، يقينا، طمأنينة*؛ بل تنتج تيها وحيرة، و«الكَاملُ مَنْ عَظُمَتْ حَيْرَتُهُ « 1.


نظرية وحدة الوجود ليست عقيدة، بل هي ملتقى الطاقات الإلهية التي طالما حلُم نتشه باستردادها، إنها تجاوز لتراث «القوانين» وإقامة لتراث «الأسرار»، وهي توحيد بين الكتابة والحياة 2


إذا كانت نظرية وحدة الوجود، تبدأ من معرفة الحق، فإن هذه المعرفة لا يمكن إلا أن تكون ذاتية فردية، غير خاضعة لمنهج عقلي ولا لطقوس مؤسسية، وهي بالتالي خارجة عن القيود العقائدية والمذهبية.


على كل فرد أن يُبْحر وحدهُ دون اتجاه أو هدف، فبحر المعرفة لا قعر له ولا ساحل، يقول ابن عربي في تعريفه للحق سبحانه: «وقال الحق بَحْرٌ قَعْرُه الأزَلُ وساحلُهُ الأَبَدُ فَارْكَبْ سَفينَةَ ذاتك ولا تَرْفَعْ شراعاً فإن الغَرَضَ طَلَبُ السَّاحل ولا ساحلَ فَاتْرُك الموْجَ يُسَيرُك فإني أَخَافُ عَلَيْكَ من الشّراع...


وقال لَيْسَ العَجَبُ من هذا البَحْر، وإنما العَجَبُ من الرّيح التي تُمَوّجُهُ أَلاَ وإنّ الريح أَنْفاسُكَ فَكُلُّ سَفينة لا يَكُونُ ريحُها منْها فَهي فَقيرةٌ فَعَلَيْكَ بوَحْي الماء...» 3


لانهائية الحق، هي لانهائية المعرفة به، ذلك أن الحق سبحانه يُخبر باستمرار عن نفسه، فالنبوة لم تنقطع، ولن تنقطع إلى يوم القيامة، فالنبي محمد (ص) ليس بهذا المعنى خاتم النبيين، إنما هو خاتم المشرعين، لأن التشريع. انقطع معه، أما النبوة فهي: «سارية إلى يوم القيامة في الخلق، و إن كان التشريع قد انقطع فالتشريع جزء من أجزاء النبوة. فإنه يستحيل أن ينقطع خبر الله وإخباره من العالم، إذ لو انقطع لم يبق للعالم غداء يتغذى به في بقاء وجوده» 4


لن ينقطع خبر الله وإخباره رغم انقطاع نبوة التكليف، ورسالة التشريع. وكتاب الفتوحات «إملاء إلهي»: استمرارية كلام الله سبحانه: «والله ما كتبت منه (أي الفتوحات) حرفا إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني هذا جملة الأمر، مع كوننا لسنا برسل مشرعين ولا أنبياء مكلفين فإن رسالة التشريع ونبوة التكليف قد انقطعت عند رسول الله محمد (ص) فلا رسول بعده (ص) ولا نبي يشرع ولا يكلف...»5


يميز ابن عربي بين نوعين من النبوة : نبوة التكليف وقد انقطعت، والنبوة العامة: «فأجزائها لا تنحصر ولا يضبطها عدد، فإنها غير مؤقتة، لها استمرار دائما دنيا وآخرة.»6


يورد ابن عربي عن أبي البدر التماشكي البغدادي عن الشيخ بشير عن «إمام العصر» عبد القادر أنه قال: «‘معاشر الأنبياء! أُوتيتُم اللقب وأُوتينا ما لم تُؤتوا‘ فأما قوله: ‘أوتيتم اللقب’ أي حُجر علينا إطلاق لفظ النبي، وإن كانت النبوة سارية في أكابر الرجال. وأما قوله: ‘ أوتينا ما لم تؤتوا ‘ هو معنى قول الخضر..’يا موسى أنا على علم علمنه الله لا تعلمه أنت‘ فهذا عين معنى قوله : ‘أوتينا ما لم تُؤتوا ‘ وإن أراد رضي الله عنه-بالأنبياء هنا أنبياء الأولياء، أهل النبوة العامة...» 7


هذه النصوص إن كانت تؤكد على انقطاع «نبوة التشريع»، فإنها تفتح آفاق لا نهائية التجلي، ولا نهائية المعرفة، التي هي بالضرورة مختلفة لا تُكرر نفسها، لأنها تعتمد الذوق لا القواعد، الإشراق لا العقل. فالحق يُفصح عن ذاته باستمرار في الإنسان وأفعاله وأحواله. والمعرفة تُصبح فضاء للتغير والتعدد والاختلاف: «المعرفة إذا لم تتنوع مع الأنفاس لا يعول عليها « 8 إن اللغة الصوفية هي أقرب إلى اللغة الشعرية: أي أنها أبعد من أن تُرسي دعائم عقائد أو قوانين وقواعد: «واللغة الشعرية الصوفية تناقض اللغة الدينية-الشرعية من حيث أن هذه تقول الأشياء،كما هي، بشكل كامل ونهائي، بينما اللغة الصوفية لا تقول إلا صورا منها، ذلك أن تجليات المطلق-تجليات لما لا يقال، ولما لا يوصف، ولما تعذر الإحاطة به. فما لا ينتهي لا يُعبر عنه إلا ما لا ينتهي والكلام منته، و المتكلم منته. ستظل قدرة الكلام، إذن، إشارية، ورمزية، وسوف يظل القول الصوفي شأن القول الشعري، مجازا، ولن يكون حقيقة، كمثل القول الديني الشرعي.» 9


اللغة الشعرية هي لغة مجازية إشارية، تتحقق في سياقات خاصة، وليس في أنظمة عقائدية تنبني على أساس سلسلة من الإقصاءات، تشكل الوجه الآخر للعنف و لإرغام المؤسسي الذي يقوم على الزوج: حقيقة/خطأ، حلال/حرام..!


يميز ابن عربي بين ثلاث مراتب للعلوم: «علم العقل»: «وهو ما يحصل لك ضرورة، أو عقيب نظر في دليل...ولهذا يقولون في النظر: منه صحيح، و فاسد.» 10


أما العلم الثاني فهو «علم الأحوال»: «ولا سبيل إليها إلا بالذوق، فلا يقدر عاقل على أن يحدها، ولا يقيم على معرفتها دليلا البتة. كالعلم بحلاوة العسل، ومرارة الصبر ولذة الجماع والعشق والوجد والشوق، وما شَاكَلَ هذا النوع من العلوم. فهذه علوم من المحال أن يعلمها أحد إلا بأن يتصف بها ويذوقها، وشَبَهُهَا من جنسها في أهل الذوق، كمن يغلب على محل طعمه المرةُ الصفراء فيجد العسل مُرًّا. وليس كذلك، فإن الذي باشر محل الطَّعم إنما هو المرة الصفراء .»11


الأمر إذن يتعلق بالذوق السليم، لا بالخطأ والصواب، «ولا يجوز إنكار الذوق على من ذاق» 12


أما العلم الثالث فهو «علم الأسرار»: «وهو العلم الذي فوق طور العقل. وهو نفث روح القدس في الروع، يختص به النبي والولي.»13 هذا الصنف الثالث الذي هو علم الأسرار، العالم به يعلم العلوم كلها، ويستغرقها. وليس صاحب تلك العلوم (الأخرى) كذلك فلا علم أشرف من هذا العلم المحيط، الحاوي على جميع المعلومات» 14


إن هذا الصنف من المعرفة، أي علم الأسرار يطرح معضلة أكبر من أن تتسع لها اللغة العادية الاصطلاحية: «ولذلك لابد من استخدام لغة رمزية جديدة تتغلب على هذه المعضلة وتنفذ من إطار سجن اللغة الضيق.»15


فما هي إذن خصائص لغة علم الأسرار، وهل يمكن أن نقدم سرا شخصيا وفرديا بلغة عامة «تواصلية»؟


إن خصوصية وفردانية السر تنبع من كون الحق سبحانه: «لا يتجلى في صورة واحدة لشخصين، ولا في صورة واحدة لشخص مرتين» 16، ومن ثمة فالوجود كله مبني على التعدد والفرق والإختلاف، فليس ثمة «محاكاة»، أي ليس هناك شيئا يردد أو يحاكي أو يكرر شيئا آخر: «بل كل موجود (هو) متميز عن غيره…» 17 فما في الوجود شيء له مثل، والحق في تجلياته تعدد واختلاف وفرق؛ وهذا يستدعي أن تكون اللغة رمزية إشارية «بغير حرف من الهجاء»، فالحق سبحانه يُفضي بالسر لابن عربي يخاطبه بلغة خصوصية رمزية: «فما خاطبك الحق إلا منك، ولا خاطبك إلا بك... ولقد أنطقني الحق سبحانه في ذلك بما أنا ذاكره من الأبيات إن شاء الله.


ناداني الحق من سمائي بغير حرف من الهجاء.»18


يذهب ابن عربي إلى أن القرآن الكريم لم ينزل على النبي (ص) بالغة المتداولة، إنما جاء بلغة رمزية، كما حدث لابن عربي نفسه، لما جاءه أحد الملائكة في المنام بقطعة من أرض ترمز لآيات محددة من كتاب الله عز وجل: «كنت أرى فيما يراه النائم، شخصا من الملائكة، قد ناولني قطعة من أرض متراصة الأجزاء ما لها غبار في عرض شبر وطول شبر وعمق لا نهاية له. فعندما تحصل في يدي أجدها قوله -تعالى-: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة} إلى قوله: {واشكروا لي ولا تكفرون} فكنت أتعجب، ما كُنت أقدر أن أنكر أنها عين هذه الآيات؛ ولا أنكر أنها قطعة أرض! وقيل لي: هكذا أُنزل القرآن، أُنزل على محمد (ص)»19


فالوحي بالتعريف عند ابن عربي هو: «ما تقع به الإشارة القائمة مقام العبارة من غير عبارة» 20 ذلك أن العبارة تؤدي إلى مقصود معين، أما الإشارة «فإنها ذات المشار إليه»21 فالسر إذن إشاري، وهو الوحي، «الإشارات عبارات خفية وهو مذهب الصوفية» ؛ والإشارات ليست هي اللغة «المتواطأ عليها» وإنما هي لغة يستعملها الصوفية فيما بينهم «عند مجالسة من ليس من جنسهم»، «أو لأمر يقوم في نفوسهم» حتى لا يُفْشَى السّرُّ وهذا «معنى الإشارة» عند القوم، لا يتكلمون بها إلا عند حضور الغير، أو في تآليفهم ومصنفاتهم لا غير. 22


يمكن لنا أن نرصد عند ابن عربي مستويين من مستويات اللغة:


1 - اللغة «المتواطأ عليها» وهي اللغة الاصطلاحية التي أُنزل بها القرآن وهي23.


أ - حروف: منظومة من اثنين إلى خمسة أحرف متصلة ومفردة والحروف تُنْطَقُ بالنَّفَس ولذلك وصف نَفْسَهُ بأن له نـَفَساً فهو خروجه من الغيب وظهور الحروف شهادة، والحروف ظروف للمعاني، التي وُضعت للدلالة عليها بحكم التواطؤ.


ب - الكلمات: لها معاني تخالف معاني الحروف، وللكلمة «أثر في نفس السامع لهذا سميت كلمة في للسان العربي مشتقة من الكَلْم وهو الجُرْحُ في الجسم المكلوم «


ج - الآيات: «علامة على أَمْر» لا يمكن التعبير عنه بالكلمة وحدها.


د - السور: معناها منزلة ظهرت عن مجموع هذه الآيات. وهكذا: «فإذا انتظمت الحروف سُمّيَّتْ كلمة وإذا انتظمت الكلمات سميت آية وإذا انتظمت الآيات سميت سورة.» 24


المستوى الثاني:


2- اللغة الإشارية فهي خاصة بالله والرسول، وهي لغة علم الأسرار، التي تعتمد «الرمز» واللغز، أي «الكلام الذي يعطي ظاهره ما لم يقصده قائله.».25.


يُعَرّفُ ابن عربي الرمز في الصيغة الشعرية التالية:


ألا إن الرمـوز دليل صدق على المـعنى المغيب في الفـــؤاد


وان العالمين له رمـــوز وألغــاز ليدعــى بالعبــــاد


ولولا اللغز كان القول كـفرا وأدى العالمين إلــى العنـــــاد


فلغة علم الأسرار هي لغة إشارية رمزية مُلَغَّزَة، لا تفصح عن نفسها لأي قارئ كان، إنها تبحث عن قارئها الخاص، تراوده عن نفسه، ولغة علم الأسرار كائن أُنثوي لا يفصح عن فتنته إلا عبر مغامرة المراودة، مغامرة هتك حُجُب القوانين ومعانقة فضاء الأسرار، ذلك أن الوجود كله نص«لا تزال الكتابة فيه دائمة أبدا لا تنتهي»، كتابة لا تحدها حدود، فالوجود «مصحف كبير»


يتلوه علينا الله سبحانه: «لما أردنا أن نفتح معرفة الوجود وابتداءَ العالَم، الذي هو عندنا «المصحف الكبير» الذي تلاه الحق علينا تلاوة حال، كما أن القرآن تلاوة قول؛ فالعالم حروف مخطوطة مرقومة في ‘رق الوجود المنشور’ ولا تزال الكتابة فيه دائمة أبدا لا تنتهي.27


فالوجود إذن هونص، متجدد ناطق «فما عندنا في الوجود صامت أصلا» 28 التبدل والتحول والاختلاف، سماتٌ أساسيةٌ للوجود كنص يعطي نفسه للقراءة، هذا النص المتجدد اللامنتهي، هو عين الحق، فلقد: «وقع التبديل في العالم لما هو الحق عليه في الصور... إن عين تبدل العالم هو عين التحول الإلهي في الصور»29 فالوجود باعتباره لغة مرموزة، في تبدل مُسْتَمرّ، والعلم به ليس جامدا وثابتا ومستقرا، وإنما هو منفتح على تبدل التجليات «فالله لا يزال خلاقا إلى غير نهاية فينا، فالعلوم إلى غير نهاية، وليس غرض القوم (=المتصوفة) من العلم إلا ما يتعلق بالله كشفا ودلالة وكلمات الله لا تنفد وهي أعيان موجوداته فلا يزال طالب العلم عطشانا أبدا لا ري له...»30


فاللغة إذن هي الوجود عينه، فكما أن الكلمة والحرف بالنسبة للغة تقتضي نَفَسَ المتكلم لكي تتحقق كصوت، كذلك الوجود باعتباره حروف وكلمات يقتضي نَفَسَ المتكلم الذي هو الحق: «فلنرجع إلى النَّفَس الرحماني الذي ظهر عنه حروف الكائنات وكلمات العالَم على مراتب مخارج الحروف من نَفَس المُتَنَفّس الإنساني الذي هو أكمل النشئآت كلها في العالم»31


ـــ الكلمات: لُغَةً مُشْتَقَّة من الكَلْم وهو الجرح، كذلك بالنسبة للوجود ككلمات، فهو جٌرْحٌ وافتضاض للممكن: فأَوّلُ كلام شَقَّ أسماع الممكنات كلمة‘ كُنْ!’على عين من الأعيان، تنفتح في ذلك النَّفَس شخصية ذلك المقصود، فَيُعَبَّر عن ذلك الكون بالكلام، وعن المتكوّن فيه بالنَّفَس.» 32


إذا كانت أهم خاصية للحرف هي أنه يصدر عن نَفَس الناطق به إذ هو عين ذلك النَّفَس، فإن له خاصية أخرى لا تقل أهمية وهي أن له شكلاً: «واعلم أن هذه الحروف لم تكن لها هذه الخاصية من كونها حروفا، وإنما كانت لها من كونها أشكالا.» 33


غير أن هذه الأشكال ليست فقط أشكالا خطية، بل أشكالا وجودية. أي أن الحروف تأخذ أشكال الكائنات، يقول ابن عربي في كتاب «شجرة الكون»: «خلق آدم على صورة اسمه محمد، فرأس آدم دائرة بتدويرة على صورة الميم الأولى من اسمه، وإرسال يده مع جنبه على صورة الحاء وبطنه على صورة الميم الثانية ورجلاه في انفتاحهما على صورة الدال، فَكَمُل خلق آدم على صورة اسم محمد (ص)...» 34


إن الخبر بالنسبة لابن عربي ينقسم إلى قسمين : اصطلاحي، وإشاري؛ والإشارة لغة علم الأسرار، وهي لا تُحَدُّ بحدود، لأنها على غرار الحق، وهي غير قابلة للتأويل لأنها غير «متواطأ عليها» كما هو شأن اللغة الاصطلاحية.


الإشارة لا تفصح عن السر لكن يمكن أن تشير إليه من بعيد، فالسر يَحْرُمُ كشفه، يقول ابن عربي: «فهناك سرٌّ عجب مركب صعب، يَحْرُم كشفه لأنه لا يُطاق حَمْله، لأن العقل لا يعقله، ولكن الكشف يكشفه. فلنسكت عنه، وربما نشير إليه من بعيد... يتفطن إليه الباحث اللبيب.»35


يمكن أن نستخلص مما تقدم أن المعرفة عند ابن عربي لا تنتج عقيدة أو مذهبا يقدم نفسه على أنه الحقيقة الثابتة المستقرة، ف "العلم المستقر هو الجهل المستقر" كما يقول النفري، فالعقيدة والمذهب هما أساس التعصب والعنف والإقصاء، بل هما قاعدة الحروب العقائدية. فابن عربي يؤسس تفكيره خارج المذهب والعقيدة إذ أنه لا يُقر بوجود حقائق أو قوانين ثابتة، بل يفتح آفاق التعدد والفرق والاختلاف، آفاق لا نهائية المعرفة المبنية على أساس لا نهائية التجلي.


الحيرة:


إن لا نهائية المعرفة و لا محدودية التجلي تتعارض مع محدودية الفرد العارف، الذي يتيه ويحتار أمام هذه للامحادودية. فالحيرة مرتبطة بطلب المعرفة والعلم، سواء تعلق الأمر بالدليل السمعي» أو «بالدليل العقلي» أو بالمعرفة الصوفية، يقول ابن عربي: «اعلم -أيدك الله بروح منه! أن سبب الحيرة في علمنا بالله طلبنا معرفة ذاته -جلّ وتعالى!- بأحد الطريقين: إما بطريق الأدلة العقلية، وإما بطريقة تسمى المشاهدة، فالدليل العقلي يمنع من المشاهدة، والدليل السمعي.


قد أومأ إليها وما صرَّح. والدليل العقلي قد منع من إدراك حقيقة ذاته، من طريق الصفة الثبوثية النفسية، وما أدرك العقل بنظره إلا صفات لا غير. وسمى هذا معرفة.»36


الحيرة عند ابن عربي ليست توجها عدميا أو تعجيزيا، بل هي انخراط في مسيرة الإبداع المعرفي؛ فالحيرة تنبني على أساس التعارض الوجودي بين المحدود واللامحدود، بين المنتهي واللامنتهي وبعبارة أعم بين الفيزيقي والميتافيزيقي. وإذا كانت الحيرة سارية تشمل الفلسفة والتصوف وغيرهما فإن حيرة المتصوفة هي أعظم حيرة: «فقوله (ص)! أو قول من يقول من هذا المقام: ‘زدني فيك تحَيرا’طلب لتوالي التجليات عليه- فهذا هو الفرق بين حيرة أهل الله، وحيرة أهل النظر» 37.


الحيرة إذن هي نقيض الاطمئنان والوثوق والجمود العقائدي، و الحيرة لا تتنافى مع العقل ولا مع الإيمان ذلك أن «أصحاب العقل السليم والنظر الصحيح والإيمان العام فَهُمْ الذين أثبتواْ الحيرة في مقامها وموطنها فقال صلى الله عليه وسلّم زدني فيك تحيرا» 38


هوامش


*»كل طمأنينة يسكن القلب بها لا يعول عليها »، ابن عربي، رسالة لا يعول عليه، ضمن رسائل ابن عربي.


-1- ابن عربي، الفتوحات المكية، السفر الأول، تحقيق وتقديم، د. عثمان يحيى، تصدير ومراجعة، د. إبراهيم مذكور، الهيئة المصرية للكتاب، 1975 ، ص.256 ، الفقرة، 181. (بالنسبة للجزء المحقق سنعتمد الأربعة عشر سفرا المحققة، وسنشير إلى السفر والصفحة والفقرة، أما بالنسبة للجزء غير المحقق فسنشير فقط إلى المجلد والصفحة.)


- 2 - أنظر أدونيس ، «الصوفية والسريالية».


- 3 - ابن عربي، «كتاب الشاهد»، ضمن رسائل ابن عربي، ص. 20


- 4 - السفر الثاني عشر، ص. 420، فقرة، 357.


- 5 - المجلد الثالث (غير محقق) الباب 373. ص.456 .


- 6 - السفر الثاني عشر، الفقرة، 360. ص. 422.


- 7 - السفر الثاني عشر، الفقرة، 361، ص. 422-423 .


- 8 - رسالة لا يعول عليه، ضمن رسائل ابن عربي، ص. 12.


- 9 - أدونيس، الصوفية والسريالية، ص. 23-24.


- 10 - السفر الأول، الفقرة، 66 ،ص. 139.


-11 - السفر الأول، الفقرة، 67.


- 12 - طه عبد الباقي سرور، محيي الدين بن عربي، ص. 91.


- 13 - السفر الأول، الفقرة، 68.


- 14 - السفر الأول، الفقرة، 70.


- 15 - د. نصر حامد أبو زيد، فلسفة التأويل (دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين ابن عربي)، ص. 31.


- 16 - السفر الثاني عشر، الفقرة، 261، ص. 327.


- 17 - السفر الثالث،الفقرة.313، ص. .347


- 18 - السفر التاسع، الفقرة،301، ص. 262.


- 19 - السفر العاشر، الفقرة، 391، ص. 391.


- 20 - السفر الثاني عشر، الفقرة، 264، ص. 329.


- 21 - المجلد الرابع، ص. 336. (غير محقق).


- 22 -السفر الرابع، الفقرة، 336، ص. 277.


- 23 - المجلد الثالث، (غير محقق)، ص. 95، الباب 325، في معرفة منزلة القرآن من الحضرة المحمدية.


- 24 - المجلد الثالث، (غير محقق)، ص. 95.


- 25 - السفر الثالث، الفقرة، 80، ص. 12


- 26 - السفر الثالث، الفقرة، 161، ص. 196.


-27- السفر الثاني، الفقرة، 155، ص. .133


- 28 - السفر الثاني، الفقرة، 259، ص. 324.


- 29 - المجلد الثالث، ص. 457.


- 30 - المجلد الثاني، (غير محقق)، ص.552


-31 - نفس المرجع، ص. 394


- 32 - السفر الثالث عشر، الفقرة، 639، ص. 588.


- 33 - السفر الثالث، الفقرة، 172، ص. 205.


- 34 - شجرة الكون ويليها حكاية إبليس، ص. 10.


- 35 - السفر الأول، الفقرة، 413 ،ص.248.


- 36- السفر الرابع، الباب الخمسون، في معرفة رجال الحيرة والعجز، الفقرة 287. ص.215 /216.


- 37 - نفس المرجع، الفقرة، 299، ص. 223.


- 38 - المجلد الثالث، (غير محقق)، ص. 329.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مسألة المعرفة عند ابن عربي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المودة العالمى ::  حضرة الملفات الخاصة ::  الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي-
انتقل الى: