منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي

منتدى المودة العالمى

ســـاحة إلكـترونية جــامعـة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 البحث الكامل : الأمير عبد القادر الجزائري والخلافة: بين الظاهر والباطن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فقير الاسكندرية

avatar

عدد الرسائل : 192
تاريخ التسجيل : 14/10/2007

مُساهمةموضوع: البحث الكامل : الأمير عبد القادر الجزائري والخلافة: بين الظاهر والباطن   السبت ديسمبر 08, 2012 1:57 pm

إسمحوا لى سادتى بإيداع البحث الكامل على الإنترنت فإن من الناس ما لا يكتفي بالمختصر ويبحث عن الإستكمال والكمال لله وحده فلا يزال هذا الباحث في ترحال {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ} [الأحزاب: 13]
.
الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الأمير عبد القادر الجزائري والخلافة: بين الظاهر والباطن
بقلم: محمد ياسر فوزي عبد الحميد حمزة
الإسكندرية - مصر
الحمد لله الكبير المتعال والصلاة والسلام على سيد الرجال سيدنا محمد والصحب والآل.
أما بعد...
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وسلام الله على الأمير عبد القادر الجزائري رحمه الله ورضي عنه وهو سبب جمعنا الكريم..
ثم أما بعد..
فإن من أول ما يستوقفنا في شخصية الأمير عبد القادر الجزائري رضي الله عنه سعة الشخصية سعة تجمع بين أطراف قد يكون ظاهرها الإختلاف.
سعة الشخصية والحقية الإعتدالية
وقد تكلم كثير من الناس على مثل هذه الأبعاد في شخصية الأمير، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
• جمعه بين السيف والقلم
• جمعه بين العلوم الدينية والأدب والشعر والفلسفة والتاريخ وبين علوم الرياضيات والفلك والطب.
• جمع بين كونه من المرابطين والأجواد على المسمى في زمنه، وكان ذلك الجمع نادراً. والمرابطين هم المختصين في الدين والأجواد هم المختصين في الفروسية وفنون القتال.
• جمعه بين كونه أديباً وشاعراً وكاتباً وبين كونه فارساً.
• جمعه بين طريق السلوك وطريق العرفان، وبين التصوف السلوكي في الطرق المختلفة والتصوف العرفاني بنسبته الأكبرية إلى الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين وهو ما ظهر في الكثير من كتاباته.
• جمعه بين الطريقتين القادرية ثم الشاذلية (وغيرهما).
• جمعه بين محاربة الإستعمار الفرنسي على الجزائر وبين احتضانه للمسيحيين في دمشق حين اندلعت فيها فتنة طائفية بين الدروز والنصارى، فقام بإطفاء نار الفتنة المندلعة وتصدى لها محافظاً على حياة آلاف المسيحيين.
وقبل أن نبدأ في النقطة التي أخترناها نريد أن نقول إن سعة هذه الشخصية التي نحن بصددها والتي توهم بالإختلاف أحياناً إنما يرجع إلى تحققه بالحقية الإعتدالية الوسطية التي تعطي كل ذي حق حقه والتي هي سمة الأمة قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (1)
لقد كان الأمير رضي الله عنه كلمة من كلمات الله، قال تعالى: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} (2).
والنقطة التي اخترناها هي الإشارة إلى هذا التحقق الإعتدالي الوسطي بين الظاهر والباطن المتمثل في سيره الجهادي وسيره السلوكي.
ومن أمثلة الحقية الإعتدالية في شخصية الأمير أنه حين كان أهل الكتاب يمثلون حرباً واستعماراً للجزائر كان حق الوقت هو السيف والجهاد في حين كان موقفه في دمشق هو احتضان أهل الكتاب – أهل الذمة - وإخماد نار الفتنة وكان ذلك أيضاً حق الوقت، فليس الموقف من أهل الكتاب في الحالتين واحداً وإن كان الموقف في الحالتين واحداً (3) ولكن لكل مقامٍ مقال ...
ومن أعجب العجب أن الأمير كان محبوباً مقدراً من الصديق والعدو، حتى إن كثيرين من جنود الفرنسيين انضموا إليه وأسلموا وصاروا جنداً في صفوفه ومعينين له على تصنيع السلاح اللازم لجهاده، في حين أن حسن معاملته لأسرى الفرنسيين لحين استبدالهم بأسرى الجزائريين حدت بالكثيرين من أولئك الأسرى من الفرنسيين أن يزوروه حين سجن في فرنسا!
وحتى أشرس أعدائه اعترفوا بوسع رحمة إنسانيته ومثالية معاملاته خصوصا مع الأسرى والمغلوبين والمستضعفين، حتى أن السفاح الجنرال بيجو يشبهه في إحدى رسائله بالمسيح (4)
وفي سنة (1269 هـ - 1852 م) عندما يطلق سراح الأمير من سجنه في فرنسا، ويلقاه بباريس الجندي الفرنسي " أيبوليت لانغلوا Hyppolyte Langlois " الذي كان أسيرا عند الأمير من قبل، وتحدث " لانغلوا " عن هذا اللقاء في كتابه : " مذكرات أسير عند عبد القادر " فقال : [ إنني رأيت الرجل نفسه بوجهه الرصين، وبنظرته الملهمة، وكلامه القليل، عليه مسحة الأنبياء، فكأنه كان يعيش في عالم علوي مترفعا عن كل مبتذل] (5).
مراحل حياة الأمير
ويمكننا على العموم تقسيم حياة الأمير إلى مجموعة من المراحل:
1- التأهيل من مولده 1807 (أو 1808) إلى 1825 = 18 سنة إلى أن صار عمره 18 سنة.
2- رحلة الحج وزيارة مقام سيدي عبد القادر الجيلاني وتجديده للعهد القادري وإجازته في نشر الطريقة القادرية ثم عودته إلى الجزائر من جديد وذلك من عام 1825 إلى 1828 م = 3 سنوات من سن 18 إلى سن 21.
3- استكمال التأهيل: من 1828م إلى 1832 م = 4 سنوات من سنة 21 إلى سن 25.
4- الإمارة وجهاد الفرنسيين من 1832 إلى 1847 = 15 سنة من سن 25 إلى سن 40.
5- الحبس والنفي في فرنسا (فترة يوسفية) من 1847 إلى 1852 = 5 سنوات من سن 40 إلى سن 45
6- زيارة تركيا ولقاؤه بالسلطان خليفة المسلمين 1852 – ربما 1856 = 4 سنوات من سن 45 إلى سن 49.
7- الاستقرار في دمشق (القلم) وتولي الخلافة الباطنية من 1856 إلى 1883 = 27 سنة من سن 49 إلى سن 76 ويشرق على هذه الفترة تلك الفترة التي ذهب فيها للحج في الحجاز وأخذ العهد الشاذلي وفتح الله عليه بالفتح المبين. فقد ختم الأمير تربيته الصوفية لما انخرط في الطريقة الدرقاوية الشاذلية وعمره 55 سنة على يد شيخه ومربيه الشيخ محمد الفاسي بمكة المكرمة (6).
ومضة الخلافة في حياة الأمير (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته)
والنقطة التي نريد تسليط الضوء عليها في هذه المقالة هي ومضة الخلافة في حياة الأمير.. إنهم حين قدموه وبايعوه في الجزائر اختاروا له لقب السلطان فعدل هو إلى لقب الأمير واختار له أبوه لقب ناصر الدين فكانت هذه اللقطة هي مولد الأمير ناصر الدين عبد القادر بن محيي الدين الجزائري، إنها فترة جهاد يتخللها في فترات الهدنات المتكررة التي عقدها الفرنسيون معه بعد انتصاراته الباهرة، وفي فترات الهدنة هذه كان يقيم أمر الدولة ويصلحها حتى شهد له العدو قبل الصديق بتأمينه حتى للطفل السائر في إمارته ولو على رأسه تاجاً.. إن الومضة ومضة برقية تذكرنا بالخلافة الراشدة ولكن مطبقة على نطاق محدود هو الإمارة التي يرعاها الأمير.. لقد أحيا الأمير في إمارته الخلافة الراشدة و"أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه" (7).
الخلافة الظاهرة
إنَّ واحداً من أهم حصون الإسلام هو حصن الخلافة، والتي بدأت من الصديق الأكبر رضي الله عنه كخليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قيل له: يا خليفة الله قال: "أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راض به" (8).
ثم انتقلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وانتقل المسمى من خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمير المؤمنين، وينبغي أن ننبه هنا إلى أنه لما جاءت مبايعة الأمير عبد القادر اختاروا له لقب السلطان فعدل هو إلى لقب الأمير.
والخلافة خلافتان: الخلافة الراشدة، ومطلق الخلافة (9).
والإمارة إمارتان: الإِمَارَة الْعُظْمَى وَهِيَ الْخِلافَة ، وَالصُّغْرَى وَهِيَ الْوِلايَة عَلَى بَعْض الْبِلاد(10).
قلنا: والأمير وإن كانت إمارته صغرى لأنها ولاية على بعض البلاد إلا أنها أشبه بالعظمى لأن الخليفة ليس هو الذي ولاه هذه الولاية، بل لما هرب الوالي العثماني على الجزائر لجأ الناس إلى البحث عمن يجاهدون تحت قيادته فكانت البيعة. والبيعة أشبه بالإمارة الكبرى فكانت إمارته برزخاً بين الإمارتين العظمى والصغرى وكان له نصيب من الخلافة الظاهرة الراشدة والله تعالى أعلم.
ومما يؤكد ما نحينا نحوه ما أورده الشيخ عبد الرزاق البيطار في حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر حيث قال عن مبايعة الأمير(11):
"نادى المنادون بلا توان باجتماع الأكابر والأعيان. فاجتمع العلماء والأشراف، وأهل الصولة من الأطراف، وكان اجتماعهم بوادي فروحه من غريس فجلس سيدي المترجم تحت دردارة هناك عظيمة، وتقدم والده إليه فبايعه ثم بايعه الناس بيعة عميمة. وفي الحال لقبه والده بأمير المؤمنين ناصر الدين، وكانت هذه البيعة خصوصية في محل معلوم، لكنه لما تسامع خبرها حضر إليه الناس من كل جانب وبايعه العموم، حتى أنه لم يبق أحد ممن لم يحضر إلا وقد صدق على بيعته واتقاد لسلطنته وإمرته، وكان ذلك سنة ألف ومائتين وثمان وأربعين، فأسس ربوع الخلافة والسلطان، وشيد أركان دولته برفع الظلم وهدم جدار الطغيان، ثم قامت الحروب بينه وبين الفرنسيس على ساق، واتسع الخرق وقوي الشقاق، ولم يزل يصول عليهم ويوجه سهام الموت الأحمر إليهم، إلى آخر تلك القصة، التي لا يساعدنا الاختصار على ذكر تفصيلها". انتهى.
ونعود إلى أمر الخلافة الراشدة فإنه بعد عمر جاء عثمان ثم علي ثم ستة أشهر تولى فيها الحسن بن علي رضي الله عن الجميع.
وعن سفينة قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" وفي لفظ "يملك الله من يشاء" (12).
قال المناوي في فيض القدير: قالوا : لم يكن في الثلاثين إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن فمدة الصديق سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام وعمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام وعثمان إحدى عشرة سنة وإحدى عشرة شهرا وتسعة أيام وعلي أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام (13).
أما خلافة الإمام الحسن بن علي فستة أشهر (14). قلت: وضبطها عندي إنها خمسة أشهر وخمسة وعشرين يوماً لأنه تولاها بعد أبيه - رضي اللّه تعالى عنهما - لِعشر ليال بقين من رمضان، سنة أربعين من الهجرة ثم نزل عنها لمعاوية في النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين من الهجرة (15).
قلت: وقد أوقعنا هذه المدد في الجدول التالي وجمعناها ورحلنا الأيام إلى الأشهر والأشهر إلى السنوات فكانت ثلاثون سنة بالتمام (ملحوظة: رحلنا 59 يوماً إلى الأشهر كشهرين شهرا ثلاثون يوما وشهراً تسعة وعشرون يوماً فهكذا حال الأشهر القمرية إما الأول أو الثاني).
فدل ذلك على أن الحسن بن علي كان له نصيب من الخلافة الظاهرة الراشدة .. خلافة النبوة، وقد تنازل عن الخلافة الظاهرة حقناً لدماء المسلمين مصداقاً لقول جده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عنه: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ" (16).
الخلافة الباطنة
فلما تنازل الحسن بن علي - رضي الله عنهما - عن الخلافة الظاهرة حقنا لدماء المسلمين عوضه الله بالخلافة الباطنة وهي القطبانية ولذا قالوا إن أول الأقطاب الحسن بن علي رضي الله عنهما (17).
ولنا أن نقول إن أمر الخلافة هو جزء لا يتجزأ من تمام الإسلام، ولما كان الأمر سينقلب إلى ملك عضوض مع بقاء لقب الخلافة، كان لا بد من إنتقال معنى الخلافة الراشدة الكاملة من الظاهر إلى الباطن حفاظاً عليها فكان ذلك على يدي فتى من فتيان آل البيت أهل الفتوة ألا وهو سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. فالأربعة خلفاء الراشدين قبله كانت لهم الخلافة التامة فلم يحتج الأمر للتفريق بين الخلافة والقطبانية، فلما خرجت الخلافة عن حقيقتها إلى الملك العضود كان لا بد للخلافة الحقيقية – خلافة النبوة – لكي تبقى هذه المرتبة – كان لا بد أن تنتقل من الظاهر إلى الباطن ليحملها العدول الواحد عن الواحد.
وفي تفسير الألوسي (18) قال:
"ورأيت في مكتوبات الإمام الفاروقي الرباني مجدد الألف الثاني قدس سره ما حاصله أن القطبية لم تكن على سبيل الأصالة إلا لأئمة أهل البيت المشهورين ثم إنها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة عنهم حتى انتهت النوبة إلى السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني فنال مرتبة القطبية على سبيل الأصالة فلما عرج بروحه القدسية إلى أعلى عليين نال من نال بعده تلك الرتبة على سبيل النيابة عنه فإذا جاء المهدي ينالها أصالة كما نالها غيره من الأئمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين اهـ". انتهى من تفسير الألوسي رحمه الله.
وكما أن الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما لما تنازل عن خلافة الظاهر حقناً لدماء المسلمين، كذلك فإن الأمير عبد القادر الجزائري تنازل عن إمارة الظاهر حقناً لدماء المسلمين، فإنه بعد نقض الفرنسيين لآخر معاهدة وقعوها معه بدأوا يلجأون إلى الوحشية في هجومهم على المدنيين العزل فقتلوا النساء والأطفال والشيوخ، وحرقوا القرى والمدن التي تساند الأمير مستخدمين سياسة الأرض المحروقة. فاضطر الأمير إلى التسليم للفرنسيس، بعد المشاورة مع وكلائه ووزرائه وأمرائه، حقناً لدماء من تبقى من المجاهدين والأهالي، وتجنيباً لهم من بطش الفرنسيين، وبدلاً من أن يوفي الفرنسيون باتفاق التسليم من السماح له بالسفر إلى تركيا أو دمشق، قاموا بأسره واقتياده إلى سجون فرنسا وظل يتنقل بين السجون قرابة الخمس سنين. وهو قد ترك إمارته وضحى بحريته في سبيل حقن دماء المسلمين، ومن ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه، فكأن الله قد من عليه بخلافة الباطن – هذا ما نحسبه والله تعالى أعلم.

الخلوة اليوسفية (السجن) والبشارة بالخلافة
ومما يؤيد ما نحونا إليه ما أشار إليه الأستاذ الفاضل الدكتور عبود عبد الله العسكري في كتابه (تاريخ التصوف في سورية النشأة والتطور) (19) حين قسم حياة الأمير إلى مراحل قال في المرحلة الثانية منها: هي التي انتهى بها إلى الأفق الروحاني بوقدة الاضطرار والشوق في السجن أو على الأصح في خلوة ( أمبواز ) ، وقد أشار إليها في كتاب المواقف ( الموقف 211 ) ، حيث يروي لنا المحنة الروحية التي أصابته ، وكيف استطاع تجاوزها بالصلاة والدعاء ". انتهى
وبالرجوع إلى الموقف 211 (20) نجد أن الأمير أشار بوضوح إلى إنقلاب حدث أثناء دخوله الخلوة "فعندما دخلتها إنكسرت نفسي وضاقت علي الأرجاء وفقدت قلبي وإذا المعرفة نكرة والأنس وحشة والمطايبة مشاغبة والمسامرة مناكرة فكان نهاري ليلاً وليلي ويحاً وويلاً.." يشير هذا الكلام إلى أزمة نفسية شديدة مر بها الأمير حين دخل السجن الذي اعتبره خلوة ولكن مثل هؤلاء الرجال الذين حفظ الله بهم الأمة إلى الآن لا يستسلمون ولا يذعنون بل هم نقطة القلب التي تنقلب فيها الخلوة إلى جلوة والمحنة إلى منحة والليل إلى نهار ولذلك فقد رأى رؤيا تحمل إليه هذه المبشرات أولاً قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] ثم بعده قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ثم بعده قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، ومن الواضح بالنظر إلى الآية الأولى أن القبلة التي كان يرضاها هي دمشق بجانب قبر شيخه الأكبر محيي الدين بن العربي وهو ما كان قد اتفق عليه مع الفرنسيس فخانوه وسجنوه، ثم بالنظر إلى الآية الثانية نجد فيها بشرى بخلافته الباطنة في الأرض، ثم بالنظر إلى الآية الثالثة نجد مفاتيح التأييد والتثبيت الصادّية: الصبر والصلاة حتى تتحقق له تلك البشارات.
وخلافة الباطن قد تكون بالقطبانية وقد تكون بخلافة الزمان أو بما يشاء الله خصوصاً وأن خلافة الظاهر كانت قد أوشكت على الانقضاء اسماً ومعنىً فإنه بعد وفاة الأمير بنحو واحد وأربعين سنة سقطت الخلافة العثمانية وانتقلت الخلافة حساً واسماً ومعنىً بالكلية إلى الباطن للحفاظ على سر الإسلام الساري فيها.
وما ذكرناه عن خلافة الإمام الباطنة يؤكده ما ترجم له به الشيخ عبد الرزاق البيطار في حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر وننقل منه هنا طرفاً يسيراً حيث قال (21):
الأمير الكبير السيد عبد القادر بن محي الدين الجزائري المغربي
هو الهمام الكامل العارف، والإمام المتحلي بأعلى العوارف، الراسخ القدم في العلم الإلهي والكاشف عن أسرار الحقائق حتى شهدها كما هي، قد حل من طرف الفضل في سواده، وتبوأ من صدر الشرف أوج فؤاده، فمحامده تملأ المجامع والمسامع، ومناقبه تنير المطالع وتقف عندها المطامع، فلا ريب أنه مفرد الزمان القائم مقام الجمع، المستجمع لصفات الكمالات الإنسانية لدى كل منطق وسمع، فهو البحر الذي سارت فيه سفن الأذهان فلم تدرك قراره، وعجزت أفكار النظراء وألباب البلغاء عن أن يخوضوا تياره. ما برز جواد علمه في ميدان البحث إلا وازدان على قاص ودان، ويقال لمن سأل عن حقيقة حاله ليس الخبر كالعيان. وأما جوده فهو القطر الذي عم الفجاج نتاجه، والبحر الذي طاولت الأبراج أمواجه. فلله دره من كامل قد استدارت منطقة المجد حول قطب سيادته، واستنارت كواكب المعالي الزاهرات بأضواء شمس سعادته. فهذا الذي تقتبس من مشكاته أنوار التقوى والصلاح، وتختلس من جانب طوره أطوار النجاة والنجاح. وحل من الشرف في طالع سعوده، واستوى على ذروة الغرف المشيدة لبذل نداه وجوده، وشهرته قد فاقت ضوء المصباح والصباح، وسيرته قد رقت فهي لسامعها الراح المباح. ولا غرو فهو فرع الشجرة الطيبة المنابت، قد ثبت أصلها وزاحمت أغصانها الثوابت، تسامت بالنسبة إلى شرف النبوة أعاليها، واخضرت بماء الفتوة أدواح معانيها ومعاليها. انتهى المقصود نقله.
ويقول شيخنا رزق السيد عبده الحامدي الشاذلي في مجموعة "ويسألونني"(22): وليس ثمة شك بأن الأمير عبد القادر الجزائرى هو مفجر ثورة المليون شهيد بالجزائر إذ حارب الفرنسيين وكان له عليهم انتصارات ، تشهد بذلك معركة سيدى إبراهيم فى 23 أيلول 1845 التى انتصر فيها الأمير انتصارات باهرة وكانت على الفرنسيين كارثة عظيمة، ثم توالت انتصاراته حتى كاد يسترد البلاد، وهى حرب دامت ستة عشر عاما قال خلالها قصيدته التى قال فيها:
ومن عادة السادات بالجيش تحتمى .. وبى يحتمى جيشى وتحرس أبطالى
وعنى سلوا جيش الفرنسيين تعلموا .. بأن مناياهم بسيفى وغسانى

والذى يجب أن يعرف أن الأمير عبد القادر تلقى الطريقة القادرية ثم الشاذلية ككل أفراد أسرته، وهو الذى تولى نشرها والتهيئة النفسية للكفاح، فأوجد مراكز فى القرى والأحياء وبين القبائل، وبث فيها دعاةً إلى الله، وكان هؤلاء الذين غذوا حركة الجهاد التى قام بها الأمير عبد القادر الجزائرى رحمه الله. انتهى.
ولنا لقاء آخر قريب مع باقى البحث والمسطور والصلاة والسلام على النبي النور وآله وصحبه مداد الصدور والحمد للـه الرحيم الغفور.

(الهوامش)
(1) [البقرة: 143]
(2) [الأنفال: 7]
(3) الوحدة الإطلاقية تجمع في ذاتها بين الأضداد وهي عين تعانق الأطراف والتفاف الساق بالساق.
(4) الأمير عبد القادر الجزائري والفتوة - للشيخ الأستاذ عبد الباقي مفتاح
(5) المرجع السابق.
(6) المرجع السابق.
(7) رواه أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود والترمذى ولفظ مسلم أورده عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ. وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ. وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ. أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"
(8) قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : وعن ابن أبي مليكة قال: قيل لأبي بكر يا خليفة الله قال: أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راض به". رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن ابن أبي مليكة لم يدرك الصديق. انتهى وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.
(9) قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري في شرح الحديث رقم 6486 – حديث أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ: "مَعَ أَنَّهُ لَا تَعَرُّضَ فِي الْحَدِيث إِلَى إِثْبَات الْخِلَافَة وَلَا نَفْيهَا بَلْ فِيهِ إِخْبَار بِمَا سَيَكُونُ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ مُعَاوِيَة خَلِيفَة لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَة لِحَدِيثِ الْخِلَافَة بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَة لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ خِلَافَة النُّبُوَّة وَأَمَّا مُعَاوِيَة وَمَنْ بَعْده فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى طَرِيقَة الْمُلُوك وَلَوْ سُمُّوا خُلَفَاء ، وَاَللَّه أَعْلَمُ." انتهى.
(10) وقال في فتح الباري في شرح الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ" قال ابن حجر: "قَوْله ( عَلَى الْإِمَارَة ) دَخَلَ فِيهِ الْإِمَارَة الْعُظْمَى وَهِيَ الْخِلافَة ، وَالصُّغْرَى وَهِيَ الْوِلايَة عَلَى بَعْض الْبِلاد ، وَهَذَا إِخْبَار مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعه فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ .
(11) الشيخ عبد الرزاق البيطار في حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر (1/ 392، بترقيم الشاملة آليا).
(12) قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري: وروى أبو داود في سننه في كتاب السنة والترمذي في الفتن والنسائي في المناقب من حديث سعيد بن جمهان عن سفينة قال: قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك ) وفي لفظ يملك الله من يشاء قال سعيد قال لي سفينة أمسك معك خلافة أبي بكر قال وخلافة عمر قال وخلافة عثمان قال وخلافة علي فوجدناها ثلاثين سنة قال الترمذي حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري لابن حجر (10/ 494 بترتيب الشاملة): وَاحْتَجَّ فِي التَّرْبِيع بِعَلِيٍّ بِحَدِيثِ سَفِينَة مَرْفُوعًا " الْخِلَافَة ثَلَاثُونَ سَنَة ثُمَّ تَصِير مُلْكًا " أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَغَيْره.
(13) قال المناوي في فيض القدير (3/ 678 بترتيب الشاملة) في شرح الحديث رقم 4146 : (الخلافة) قال الحافظ في الفتح : أراد بالخلافة خلافة النبوة وأما معاوية ومن بعده فعلى طريقة الملوك ولو سموا خلفاء (بعدي في أمتي ثلاثون سنة) قالوا : لم يكن في الثلاثين إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن فمدة الصديق سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام وعمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام وعثمان إحدى عشرة سنة وإحدى عشرة شهرا وتسعة أيام وعلي أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام. انتهى
(14) قال الإمام العلامة أبو زكريا محيى الدين بن شرف النووى في تهذيب الأسماء والصفات (2/ 127، بترقيم الشاملة آليا) "وستة أشهر خلافة الحسن". وقال ابن الأثير في أسد الغابة (3/ 27، بترقيم الشاملة آليا) "وستة أشهر خلافة الحسن" وكذا قال في الكامل في التاريخ (2/ 107، بترقيم الشاملة آليا) "وكانت خلافة الحسن ستة أشهر".
(15) قال في سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي (2/ 36، بترقيم الشاملة آليا) عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: "ولي الخلافة بعد أبيه - رضي اللّه تعالى عنه - لِعشر ليال بقين من رمضان، سنة أربعين من الهجرة - ستة أشهر، وبايعه أكثر من أربعين ألفَاً، ثم نزل عنها لمعاوية في النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين من الهجرة، وقيل: لخمس بقين من ربيع الأول، وقيل: في ربيع الآخر، قال ابن الأثير: قول من قال سنة إحدى وأربعين أصح ما قيل فيه، وأما من قال بنزوله سنة أربعين فقد وهم". انتهى
(16) روى البخاري في صحيحه (9/ 211 بترتب الشاملة) حديث 2505 - عن سُفْيَانُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ أَيْ عَمْرُو إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ وَقُولَا لَهُ وَاطْلُبَا إِلَيْهِ فَأَتَيَاهُ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا وَقَالَا لَهُ فَطَلَبَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا قَالَا فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ قَالَ فَمَنْ لِي بِهَذَا قَالَا نَحْنُ لَكَ بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا نَحْنُ لَكَ بِهِ فَصَالَحَهُ فَقَالَ الْحَسَنُ وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
(17) قال سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه: "طريقتنا هذه لا تنسب للمشارقة ولا للمغاربة بل واحد عن واحد إلى الحسن بن على بن أبي طالب وهو أول الأقطاب" - راجع كتاب لطائف المنن في مناقب سيدي أبي العباس المرسي وشيخه سيدي أبي الحسن لسيدي إبن عطاء الله السكندري تحقيق الدكتور الإمام عبد الحليم محمود طبعة دار المعارف الطبعة الثانية ص 88.
(18) تفسير الألوسي (16/ 120، بترقيم الشاملة آليا) نسخة إلكترونية على المكتبة الشاملة.
(19) تاريخ التصوف في سورية النشأة والتطور للدكتور عبود العسكري - ج 1 ص 77 - 79 .
(20) راجع الموقف الحادي عشر بعد المائتين من المواقف الروحية والفيوضات السبوحية للأمير عبد القادر الجزائري طبعة دار الكتب العلمية بيروت ج1/378.
(21) انظر ترجمة الأمير التي ذكرها الشيخ عبد الرزاق البيطار في حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر (1/ 389، بترقيم الشاملة آليا).
(22) مجموعة "ويسألونني" للعارف بالله رزق السيد عبده الحامدي الشاذلي – طبعة مكتبة أم القرى ص17.
ولنا لقاء آخر قريب مع باقى البحث والمسطور والصلاة والسلام على النبي النور وآله وصحبه مداد الصدور والحمد للـه الرحيم الغفور.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فقير الاسكندرية

avatar

عدد الرسائل : 192
تاريخ التسجيل : 14/10/2007

مُساهمةموضوع: رد: البحث الكامل : الأمير عبد القادر الجزائري والخلافة: بين الظاهر والباطن   الأحد ديسمبر 09, 2012 9:32 am

تعظيم الأمير لأمر الخلافة
ولننتقل الآن إلى لقطة وصول الأمير لعاصمة الخلافة الإسلامية والتقاؤه بالسلطان خليفة المسلمين - قال الشيخ عبد الرزاق البيطار (23):
"ولما فصل رئيس جمهورية فرانسا وتولاه البرنس لويس نابليون، فاجتهد غاية الاجتهاد وسلك مناهج السداد، في تخليص الأمير من سجنه، وتسريحه إلى مكان يحول بينه وبين كدره وحزنه، فلم يزل يوجه إليه الرسائل، ويعمل في الحضور لديه الوسائل، إلى أن توجه نابليون إلى امبواز، ووعده بالوفاء بالعهد على الحقيقة لا المجاز، وقال له إنك بعد أيام تكون في باريز عاصمة ملكنا، ويكون لك كمال القدر عندنا، وكان قد أقام في امبواز أربع سنوات، فما مضى قليل من الأيام إلا وجاء الأمر بحضور الأمير إلى باريز بالجلالة والاحترام، فدخل في موكب لم يكن لغيره، وساق الله إليه جميل بره وإحسانه وخيره. ولم يزل في عز واحترام وجلالة وإعظام. يدور حيث شاء ويجتمع مع الأكابر والعظماء، إلى أن صدر الأمر من الذات الإمبراطورية بتسريح حضرته الآستانة العلية، وذلك في ربيع الأول سنة تسع وستين ومائتين وألف، فسافر هو ومن معه إلى الآستانة ولا يمر في طريقه على بلدة إلا ويتلقاه أهلها بالحبور وغاية السرور إلى أن وصل إلى الآستانة دار الخلافة العثمانية، واجتمع بأمير المؤمنين مولانا السلطان عبد المجيد فأجله وعظمه وأكبره واحترمه، وقال له أنت صاحب الرأي في سكناك في أي محل شئت من الممالك العثمانية والبلاد الإسلامية، فخرج من عنده حامداً شاكراً، داعياً له بدوام السعادة أولاً وآخراً، وأنشأ هذه القصيدة وقدمها لحضرته العالية السعيدة، وهي:
الحمد لله تعظيماً وإجلالا ... ما أقبل اليسر بعد العسر إقبالا
والشكر لله إذ لم ينصرم أجلي ... حتى وصلت بأهل الدين إيصالا
وما أتت نفحات الخير ناسخة ... من المكاره أنواعاً وأشكالا
وامتد عمري إلى أن نلت من سندي ... خليفة الله أفياء وأظلالا
فالله أكرمني حقاً وأسعدني ... وحط عني أوزاراً وأثقالا
قد طال ما طمحت نفسي وما ظفرت ... لكن للوصل أوقاتاً وآجالا
... إلى أن قال:
وابشر بقرب أمير المؤمنين ومن ... قد أكمل الله فيه الدين إكمالا
عبد المجيد حوى مجداً وعز علاً ... وجل قدراً كما قد عم أفضالا
وهي قصيدة طويلة فليرجع إليها من يشاء في المرجع السابق وهي تبين لك تعظيم الأمير لأمر الخلافة.

خلافة الزمان
ونعود إلى أمر الخلافة وإلى لقطة تاريخية سابقة هي سقوط بغداد في أيدي التتر. إنه سقوط الخلافة في زمن من الأزمان. إن هذا الأمر كان يحتاج وقتها لرجل من أهل الفتوة يحمل في الباطن أعباء الخلافة الساقطة في الظاهر، فمن هو يا ترى؟ إنه الإمام الولي الصديق الحسيب النسيب قطب الأقطاب سيدي أبو الحسن علي الشاذلي رضي الله عنه.

إن سيدي أبا الحسن الشاذلي رغم أن شيخه سيدي عبد السلام بن بشيش القطب الشهيد رضي الله عنه وعده بأنه سيرث القطبانية في الشرق في مصر إلا أنه بعد رحلة الحج عاد إلى تونس بالرغم من كل ما لاقاه من حسد وحقد ابن البراء ولكنه قال عندما التقى بتلميذه سيدي أبي العباس المرسي "ما ردني إلى تونس إلا هذا الشاب!" (24). فكيف كان أول لقاء بينهما؟ إن هذا اللقاء فيه سر فما هو يا ترى؟
قال سيدي أبو العباس المرسي "لما نزلت بتونس وكنت أتيت من مرسية بالأندلس، وأنا إذ ذاك شاب سمعت بالشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه، فقال لي رجل نمضي إليه فقلت: حتى أستخير الله. فنمت تلك الليلة فرأيت كأني أصعد إلي رأس جبل فلما علوت فوقه رأيت هناك رجلاً عليه بُرنس أخضر وهو جالس عن يمينه رجل وعن يساره رجل فنظرت إليه فقال: (عثرتَ علي خليفة الزمان)... قال: فإنتبهت فلما كان بعد صلاة الصبح جاءني الرجل الذي دعاني إلي زيارة الشيخ فسرت معه. فلما دخلنا عليه رأيته بالصفة التي رأيته بها فوق الجبل، فدهشت فقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: (عثرتَ علي خليفة الزمان. ما إسمك؟) فذكرت له إسمــي ونسبي. فقال لي: (رفعت إليْ منذ عشر سنين). انتهى. (25)
وكان هذا الشاب هو الذي سيرث مرتبة خليفة الزمان الذي كان يبحث عنه سيدي أبو الحسن الشاذلي حين كان يردد دعوة شيخه في الصلاة المشيشية التي يقول فيها "اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا" فإن سيدنا زكريا عليه السلام إنما طلب الوارث الذي يرث ما عنده من العلوم والمعارف والمقامات والأحوال بقوله {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} (26)
إن سيدي أبا الحسن الشاذلي قال لسيدي أبي العباس: (رفعت إليْ منذ عشر سنين) فظل عشر سنين ينتظره ليربيه وهذا أحد أسرار قوله له: "يا أبا العباس فيك ما في الأولياء وليس للأولياء ما فيك" (27)، وما الذي فيه وليس في الأولياء؟ إنه سيدي أبو الحسن الشاذلي نفسه فها هو يقول له "يا أبا العباس ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا. وأنا أنت" (28).
ويؤهل سيدي أبو الحسن الشاذلي سيدي أبا العباس رضي الله عنهما لهذا المقام – مقام الخلافة – في إحدى رحلاته التالية، يقول سيدي أبو العباس المرسي: "كنت مع الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه ونحن قاصدون الأسكندرية حين مجيئنا من تونس فأخذني ضيق شديد حتي ضعفت عن حمله. فأتيت الشيخ أبا الحسن فلما أحس بي قال يا أحمد ؟ قلت نعم يا سيدي . فقال: آدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته ثم نزل به إلي الأرض قبل أن يخلقه بقوله : (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، ما قال في السماء أو الجنة . فكان نزول آدم عليه السلام إلى الأرض نزول كرامة لا نزول إهانة، فإنَّ آدم عليه السلام كان يعبد الله في الجنة بالتعريف فأنزله إلى الأرض ليعبده بالتكليف ، فإذا توافرت فيه العبوديتان إستحق أن يكون خليفة. وأنت أيضا لك قسط من آدم: كانت بدايتك في سماء الروح في جنة التعريف ، فأنزلت إلي أرض النفس تعبده بالتكليف، فإذا توفرت فيك العبوديتان أستحققت أن تكون خليفة. قال الشيخ أبو العـباس رضي الله عنه: فلما إنتهي الشيخ من هذه العبارة شرح الله صدري وأذهب عني ما أجد من الضيق والوسواس". انتهى (29).
والمراد من ذكر ما سبق إثبات مرتبة "خليفة الزمان" لسيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه. فإن قال قائل هذه المرتبة هي نفسها القطبانية، قلنا له: لا فإن سيدي أبا الحسن الشاذلي سيرث القطبانية في رحلته التالية إلى مصر فإن قدوم سيدي أبي العباس إلى تونس كان سنة 640هـ أما ميراث سيدي أبي الحسن للقطبانية فكان في رحلته إلى مصر والتي حين دخوله إياها انتقل القطب آنذاك وكان سيدي أبو الحجاج الأقصري وتسلم سيدي أبو الحسن الشاذلي القطبانية، ودخل الإسكندرية سنة 642 من الهجرة.
قال في درة الأسرار (30): قال (سيدي أبو الحسن الشاذلي) رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : "ياعلي انتقل إلى الديار المصرية تربي بها أربعين صِدّيقاً" وكان في زمان الصيف وشدة الحر فقلت: يا سيدي يا رسول الله الحر شديد فقال لي: "إن الغمام يظلكم" فقلت: أخاف العطش ، فقال : "إنَّ السماء تمطركم في كل يوم أمامكم" ، قال فوعدني في طريقي بسبعين كرامة قال فأمر أصحابه بالحركة وسافر متوجها للديار المصرية وكان ممن صحبه في سفره الشيخ الولي الصالح أبو علي بن السماط - نفعنا الله ببركتهما في الدنيا والآخرة - قال ابن الصباغ حدثني والدي - رحمه الله - قال حدثني الشيخ الصالح المقري أبو عبد الله الناسخ قال توجهت صحبتهم في خدمة الشيخ الشيخ أبي علي، فلما وصلنا إلى مدينة طرابلس قال الشيخ نتوجه على الطريق الوسطى واختار الشيخ أبو علي طريق الساحل ، قال: فرأى الشيخ أبو علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : "يا أبا علي أنت ولي الله وأبو الحسن ولي الله ولن يجعل الله لولي على ولي من سبيل امش على طريقك التي اخترت وهو على طريقه التي اختار" ، قال فافترقنا إلى أن اجتمعنا بمقربة من الإسكندرية. قال: فلما صلينا الصبح توجه الشيخ أبو علي إلى خباء الشيخ أبي الحسن ونحن بصحبته فدخل عليه وجلس بين يديه وتأدب معه أدباً لاأعتاده منه وتحدث معه بكلام ما فهمنا منه كلمة ، فلما أراد الإنصراف قال له يا سيدي هات يدك أقبلها فقبل يده وانصرف وهو يبكي فتعجبنا من حاله معه ، فلما كان في أثناء الطريق التفت إلى أصحابه وقال : رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لي يا يونس: "كان أبو الحجاج الأقصري بالديار المصرية وكان قطب الزمان فمات البارحة ، وأخلفه الله بأبي الحسن الشاذلي" قال : فأتيته حتى بايعته بيعة القطابة ، قال: فلما وصلنا إلى الإسكندرية ، وخرج الناس يتلقون الركب رأيت الشيخ أبا علي يضرب بيده على مقدم الرحل ويقول وهو يبكي: يا أهل هذا الإقليم لو علمتم من قدم عليكم في هذا الركب لقبلتم أخفاف بعيره، قدمت والله عليكم البركة. انتهى.

ومضة أخرى من خلافة الزمان مع خامس الخلفاء الشاذلية
ويمر الزمان وتأتي ومضة من مرتبة خلافة الزمان – فيما نعتقد – في اللقاء الذي كان بين إثنين من أكابر الشاذلية سيدي علي وفا وكان هو قطب الزمان في هذا اللقاء، وسيدي شمس الدين محمد الحنفي خامس خلفاء الشاذلية والذي بشر به سيدي أبو الحسن الشاذلي حيث كان يقول: "سيظهر بمصر رجل يعرف بمحمد الحنفي يكون فاتحاً لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن عظيم" (31) ، واللقاء بين قطب زمانه سيدي علي وفا وبين سيدي محمد الحنفي ينقله لنا سيدي عبد الوهاب الشعراني في ترجمة سيدي شمس الدين الحنفي في طبقات الأولياء حيث يقول (32):
وكان سيدي علي بن وفا رضي الله عنه يوماً في وليمة فقال الناس ما تتم الوليمة إلا بحضور سيدي محمد الحنفي، فجاء إليه صاحب الوليمة فدعاه فأتى فقال: من هنا من المشايخ. فقال سيدي علي بن وفا، وجماعته، فقال: ادخل، واستأذنه لي فإن من أدب الفقراء إذا كان هناك رجل كبير لا يدخل عليه حتى يستأذن له فإن أذن، وإلا رجعنا خوف السلب، فدخل صاحب الوليمة فاستأذن له فأذن له سيدي علي، وقام له، وأجلسه إلى جانبه فدار الكلام بينما، فقال: سيدي على ما تقول: في رجل رحى الوجود بيده يدورها كيف شاء فقال له: سيدي محمد رضي الله عنه فما تقول: فيمن يضع يده عليها فيمنعها أن تدور فقال له: سيدي علي والله كنا نتركها لك ونذهب عنها، فقال: سيدي محمد رضي الله عنه لجماعة سيدي علي، ودعوا صاحبكم فإنه ينتقل قريباً إلى الله تعالى فكان الأمر كما قال، وسمع سيدي محمد رضي الله عنه هاتفاً يقول: بالليل يا محمد، وليناك ما كان بيد علي بن وفا زيادة على ما بيدك فعلمت أن ذلك لا يكون إلا بعد موته، فأرسلت شخصاً من الفقراء يسأل عن بيت سيدي علي بحارة عبد الباسط فوجد الصائح أنه قد مات، انتهى.
وكان سيدي شمس الدين الحنفي يقول: " والله لقد مرت بنا القطبية، ونحن شباب فلم نلتفت إليها دون الله عز وجل" (33).

مظاهر الخلافة الباطنة النفسية والغيبية: نون والقلم الأعلى
ولقائل أن يقول: كان سيدي شمس الدين الحنفي من الأفراد الخارجين عن نظر القطب. كما قال الأمير في الموقف الخمسين بعد الثلاثمائة من المواقف (34):
قال: "والأفراد والأقطاب في مرتبة واحدة فلذا كانوا خارجين عن دائرة القطب وتصرُّفه فلا يمدُّهم ولا يستمدُّون منه، فكان لهم شبه بالأرواح المهيمة الكروبيين فإنهم خارجون عن دائرة العقل الأول حيث إنهم وإياه في مرتبة واحدة فلا يتصرَّف فيهم ولا يمدُّهم ولا يستمدُّون منه، فالأفراد والمهيمة يأخذون من غير واسطة، فهذا وجه الشبه بين الأفراد والمهيمة، لأنَّ الأفراد مثل المهيمة في الغناء عن العالم وعن أنفسهم، غائبون عن غير ما هاموا فيه". انتهى.
ونقول لهذا القائل: نعم ولكن الأقطاب الخارجين عن نظر القطب وعن دائرته ليس لهم يدٌ في التصريف فوق يد القطب، فإنهم مع القطب كالملائكة المهيمين مع القلم الأعلى فإنهم ليس لهم تصريف في الوجود كما أن المهيمين لا علم عندهم بالخلق أصلاً،
ولكن هذا ينطبق على المهيمين إلا نوناً قال الشيخ الأكبر في الفتوحات (35):
"واعلم أن الله تعالى لما تسمى بالملك رتب العالم ترتيب المملكة. فجعل له خواص من عباده وهم الملائكة المهيمة جلساء الحق تعالى بالذكر. "لا يستكبرون عن عبادته ولا يتسحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون". ثم اتخذ "حاجباً" من "الكروبيين" واحدا أعطاه علمه فى خلقه وهو علم مفصل فى إجمال. فعلمه سبحانه كان فيه مجلى له
وسمى ذلك الملك نونا فلا يزال معتكفاً فى حضرة علمه عز وجل وهو رأس الديوان الإلهى. والحق من كونه عليما لا يحتجب عنه .
ثم عين سبحانه من ملائكته ملكا آخر دونه فى الرتبة سماه "القلم" وجعل منزلته دون "النون" واتخذه كاتبا فيعلمه الله سبحانه من علمه ما شاءه فى خلقه بوساطة النون ولكن من العلم الإجمالى ومما يحوى عليه العلم الإجمالى علم التفصيل. وهو من بعض علوم الإجمال لأن العلوم لها مراتب من جملتها علم التفصيل. فما عند القلم الإلهى من مراتب العلوم المجملة إلا علم التفصيل مطلقا وبعض العلوم المفصلة لا غير.


واتخذ (الله) هذا الملك "كاتب ديوانه" وتجلى له من اسمه "القادر" فأمده من هذا التجلى الإلهى . وجعل نظره إلى جهة عالم التدوين والتسطير. فخلق له لوحاً وأمره أن يكتب فيه جميع ما شاء سبحانه أن يجريه فى خلقه إلى يوم القيامة خاصة. وأنزله منه منزلة التلميذ من الأستاذ . فتوجهت عليه هنا الإرادة الإلهية فخصصت له هذا القدر من العلوم الإلهية . وله تجليان من الحق بلا واسطة. وليس للنون سوى تجلّ واحد فى مقام أشرف . فإنه لا يدل تعدد التجليات ولا كثرتها على الأشرفية وإنما الشرف من له المقام الأعم.
فأمر الله النون أن يمد القلم بثلاث مائة وستين علماً من علوم الإجمال . تحت كل علم تفاصيل. ولكن معينة منحصرة. لم يعطه غيرها. يتضمن كل علم إجمالى من تلك العلوم ثلاث مائة وستين علماً من علوم التفصيل. فإذا ضربت ثلاث مائة وستين فى مثلها فما خرج لك فهو مقدار علم الله تعالى فى خلقه إلى يوم القيامة خاصة. ليس عند اللوح من العلم الذى كتبه فيه هذا القلم أكثر من هذا لا يزيد ولا ينقص. ولهذه الحقيقة الإلهية جعل الله الفلك الأقصى ثلاث مائة وستين درجة. وكل درجة مجملة لما تحوى عليه من تفصيل الدقائق والثوانى والثوالث إلى ما شاء الله سبحانه مما يظهره فى خلقه إلى يوم القيامة وسمى الله هذا القلم "الكاتب".". انتهى
قلنا فكان سيدي شمس الدين الحنفي رضي الله عنه مع سيدي علي وفا كنون مع القلم. وخليفة الزمان مع القطب كذلك – هذا ما ارتأى لنا من هذه القصة – ثم إن سيدي شمس الدين الحنفي لما قيل له: " وليناك ما كان بيد علي بن وفا زيادة على ما بيدك " فإنه ورث القطبانية زيادة على ما معه، قال الشعراني في الطبقات الكبرى (36): وكان سيدي الشيخ إسماعيل نجل سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه يقول: إن الشيخ رضي الله عنه أقام في درجة القطبانية ستة وأربعين سنة، وثلاثة أشهر، وأياماً، وهو القطب الغوث الفرد الجامع هذه المدة. انتهى قال الفقيركاتب هذه الرسالة: وقد حسبت المدة من وفاة سيدي علي وفا إلى وفاة سيدي شمس الدين الحنفي فكانت كما ذكر، وذلك أن سيدي علي وفا إنتقل سنة 801 هـ وسيدي شمس الدين الحنفي إنتقل سنة 847 هـ.

عودٌ على بدء
وهنا نعود إلى لقاء سيدي عبد القادر الجزائري بالسلطان عبد المجيد. إن هذا اللقاء كأنه تمهيد لتسليم الخلافة بالكلية إلى دولة الباطن – أعني الولاية – لأن الخلافة العثمانية سقطت بعد إنتقال الأمير بنحو 41 سنة ولم تقم لها قائمة في الظاهر حتى تاريخه إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وإن مرحلة القلم التي جاءت في السبعة وعشرين عاماً الأخيرة من حياة الأمير والتي كانت في دمشق قد تشير إلى القلم الأعلى الذي يأخذ عن نون الإجمال.
وكونها سبعة وعشرون سنة = عدد فصوص حكم الشيخ الأكبر، وبإعتبار حقيقة أن الكتاب كله فصاً غيبياً مضافاً لخاتم الولاية المحمدية والذين ورثوا منه يكون عدد الفصوص ثمانية وعشرين وهو نفس عدد حروف الهجاء العربية، فكأن الأمير تنقل في الفصوص وتحقق بها وسرى فيه الفصل الثامن والعشرون فصل خاتم الأولياء الساري في الفصوص كلها فجمع بين الخلافتين الظاهرة والباطنة في غيب الخاتم الأعظم.
واعلم أخي قاريء هذه العجالة أن الخلافة التي حفظها أهل الولاية لا بد وأن تعود إلى الظاهر مرة ثانية في آخر الزمان مع خليفة الله المهدي الذي وردت به الأحاديث مع القوم الذين "يحبهم ويحبونه" كما ورد في كلام الأمير في الموقف 324 من كتابه المواقف.

بدء على عود
لقد كان الأمير تجسيداً حياً ومظهراً كاملاً لارتباط ظاهر الإسلام بباطنه وشهادته بغيبه.
إن السير الوجودي للأمة قد دخل منذ نحو القرن ونصف بمرحلة حاسمة هي لقاء الإسلام والحداثة. والأمة في هذا اللقاء لا ينبغي أن يستغني ظاهرها عن باطنها كما حدث في الحداثة الغربية التي انقطعت فيها صلة التقدم والتطوير بالمرجعية الكنسية.
إن الأمير كان المثل الأعلى في اسلوب التعامل مع الحداثة من حيث جمعه بين الخلافتين الظاهرة والباطنة فربط بذلك بين نهار الأمة وليلها فكان مثلاً يٌحتذى وإماماً يُتبع.

الختام بل الفاتحة
وهنا عاد القلم إلى الختام الذي هو في الحقيقة الفاتحة. نحن نعتقد بحق أن الأمير كان كلمة من كلمات الله التي أظهرها الله في وقت حاسم وهو وقت تفوق وعلو الحداثة الغربية لكن الكلمة لا تتكون إلا من حروف تحمل الحقائق الإلهية. فما هي الحروف التي تضاهي حقيقة سير الأمير (37)؟
نحن نعتقد أن سير الأمير كان متناسباً مع حرف القاف التي تشير إلى القوة والقدرة والقهر والقيومية في مرحلة جهاده مع الفرنسيس قال تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } (38).
ثم إنتقل سيدي عبد القادر إلى حرف الصاد في سنين سجنه اليوسفية لما في ذلك من الاستعانة بالصبر والصلاة وصدق اللجوء إلى الله ودوام الذكر والدعاء قال تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ } (39).
ثم اختتم سيدي عبد القادر ذلك كله بالتناسب مع حرف النون وما انطوى فيه من العلم الذي تشرب رحيقه من المشرب الشاذلي ومن شيخه خاتم الولاية المحمدية سيدي الكبريت الأحمر والنور الأزهر محيي الدين بن العربي الحاتمي الطائي وظهر ذلك وأشرق في كتابه العظيم المواقف. قال الله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } (40)
ونحن نعتقد أن سيدي عبد القادر كان من أفذاذ تاريخ هذه الأمة التي احتمعت فيه عبقرية الإسلام ظاهراً وباطناً في مجلى من أجلى مجاليها فكان مثلاُ رائعاً في الجمع بين الظاهر والباطن.
إن أولئك القلائل الأفذاذ لا بد أن يتحقق كل منهم بإسمه ولقبه بحيث يجتمع الإسم والمسمى، وتتجلى حقيقة المسمى من خلال الإسم.
لقد كان ناصر الدين عبد القادر بحق ناصراً للدين وعبداً للقادر.
والحمد لله على ما منَّ به وتكرم وصلى الله على الحبيب الأعظم وآله وصحبه وسلم.

(الهوامش)
(23) المرجع قبل السابق (1/ 395، بترقيم الشاملة آليا).
(24) درة الأسرار وتحفة الأبرار لإبن الصباغ طبعة قديمة للمطبعة التونسية الرسمية سنة 1304هـ وهي متاحة على الإنترنت ص 13.
(25) لطائف المنن في مناقب سيدي أبي العباس المرسي وشيخه سيدي أبي الحسن لسيدي إبن عطاء الله السكندري تحقيق الدكتور الإمام عبد الحليم محمود طبعة دار المعارف الطبعة الثانية ص 79.
(26) [الأنبياء: 89]
(27) لطائف المنن في مناقب سيدي أبي العباس المرسي وشيخه سيدي أبي الحسن لسيدي إبن عطاء الله السكندري تحقيق الدكتور الإمام عبد الحليم محمود طبعة دار المعارف الطبعة الثانية ص 92.
(28) المرجع السابق ص 92.
(29) المرجع السابق ص 84.
(30) درة الأسرار وتحفة الأبرار لإبن الصباغ طبعة المطبعة التونسية الرسمية سنة 1304هـ ص 13.
(31) الطبقات الكبرى للشعراني – نسخة إلكترونية بالمكتبة الشاملة (ص: 313، بترقيم الشاملة آليا).
(32) المرجع السابق (ص: 315، بترقيم الشاملة آليا).
(33) المرجع السابق (ص: 320، بترقيم الشاملة آليا)
(34) راجع الموقف الخمسون بعد الثلاثمائة من المواقف الروحية والفيوضات السبوحية للأمير عبد القادر الجزائري طبعة دار الكتب العلمية بيروت ج2/314.
(35) الفتوحات المكية – الباب الستون – تحقيق د. عثمان يحيى طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب- الطبعة الأولى - السفر الرابع ص 353
(36) الطبقات الكبرى للشعراني (ص: 316، بترقيم الشاملة آليا)
(37) في مضاهاة الحروف للحقائق راجع كتب الشيخ الأستاذ عبد الباقي مفتاح وخصوصاُ المفاتيح الوجودية لفصوص الحكم.
(38) [ق: 1]
(39) [ص: 1]
(40) [القلم: 1]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
البحث الكامل : الأمير عبد القادر الجزائري والخلافة: بين الظاهر والباطن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المودة العالمى ::  حضرة السادة و الأحباب ::  ســـــــاحة الإســــــــــكندرية-
انتقل الى: