منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي

منتدى المودة العالمى

ســـاحة إلكـترونية جــامعـة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي   الجمعة مايو 18, 2018 1:52 pm

 خطبة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

 كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه
"يهدي الى الحق والي طريق مستقيم" 35 سورة يونس 
بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الكتاب للمؤلف الجيلي

الحمد لله لمن قام بحقّ حمده اسم الله، فتجلى في كلّ كمال استحقه وافتضاه، وحصر بنقطة خال جلاله حروف الجمال واستوفاه.
سمع حمد نفسه بما أثنى عليه المعبود، فهو الحامد والحمد والمحمود ، حقيقة الوجود المطلق.
 عين هوية المسمى بالخلق والحقّ، محتد العالم الظاهر على صورة آدم معنى لفظ الكائنات، روح صور المخترعات.
الموجود بكماله من غير حلول في كل ذرّة، اللائح جمال وجهه في كل غرّة، ذي الجلال المستوجب، حائز الكمال المستوعب.
 ذات حقيقة الجواهر والأعراض، صورة المعاني والأغراض، هوية العدم والوجود، إنية عين كل والد ومولود، بصفاته جمّل الجمال فعمّ، وبذاته آمل الكمال فتمّ، لاحت محاسنه على صفحات خدود الصفات، واستقامت بقيومية أحديته قدود الذات، فنطقت ألسن الصوامت أنه عينها، وشهدت عين المحاسن والمساوئ أنه زينها، توحد في التعداد، وتفرّد بالعظمة في الآزال
والآباد، تنزّه عن الاحتياج إلى التنزيه، وتقدّس عن التمثيل والتشبيه. 
وتعالي في احديته عن العد وعز في عظمته أن يحصره الحد ، لا يقع الكم عليه ولا كيف ولا اين  ، ولا يحيط به العلم ولا تدركه العين حياته نفس وجود الحياة و ذاته عين قيومته بكنه الصفات .
مجلي الأعالي والاسافل عين الاواخر والأوائل هيولي الكمال الباذخ منشأ عظمة المجد الشامخ ، سريان حياته في الأشياء آل  معدن علمه بالوجود، وعلمه بها محل بصره المدرك لكل غائب و مشهود ، رؤياه للأشياء مجلي.
 سماعة لكلامها وسماعه للموجودات عين ما افتضاه منه حتى نظامها إرادته مركز كلمته الباهرة.
 وكلمته منشأ صفته القادرة، بقاؤه هوية بطون العدم وظهور الوجود ، ألوهيته الجمع بين ذل العابد وعز المعبود.
 تفرد بالوصف المحيط، وتوحد فلا واله ولا ولد ولا خليط، تردى بالعظمة والكبرياء، وتسربل بالمجد والبهاء، فتحرك في كل متحرك بكل حركة، وسكن في كل مماكن بكل سكون بلا حلول كما يشاء.
ظهر في كل ذات بكل خلق، واتصف بكل معنى في كل خلق وحق، جمع بذاته شمل الأضداد وشمل بواحديته جمع الأعداد.
 فتعالى وتقدس في فرديته عن الأزواج والأفراد، أحديته عين الكثرة المتنوعة وتريع عين الازواجيات المتشفعة، بساطة تنزيه نفس تركيب التشبيه ، تعاليه في ذاته هويه عزة التنويه ، لا تحيط بعظمته العلوم، ولا تدرك كنه جلاله فهومه الفهوم ، اعترف العالم بالعجز عن ادراكه ،ورجع العقل في ربقه من رتقه خائبا من  فتقة، وفكاكه دائرة الوجوب والجواز، نقطة التصريح والإلغاز، هوية طرفي الإمكان في المشهد الصحيح ، والغرض، آنية الجوهر والعرض .
والحياة في طالع الشهود، ومستهل النبات والحيوان عند تزل السريان ، بحر تنزل الروحانيات العلى، مصعد أوج الملك ، وحضيض مهبط الشيطان والهوى، طامس ظلام الكفر والإشراك، نور بياض الايمان والإدراك ،صبح جبين الهدى.
 ليل دجى الغي والعمى، مرآة الحديث والقديم، مجلي هوية العذاب والنعيم ، حيطته بالأشياء كونه ذاتها ذاته، عجزت عن الحيطة بكنهها صفاتها، لا أول لأوليته ، ولا آخر لآخريته، قيوم أزلي باق أبدي، لا تتحرك في الوجود ذرة إلا بقوته وقدرته وارادته ، يعلم ما كان وما هو كائن من أمر بدء الوجود ونهاتيه.
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله المتعالي عن هذه العبارات، المتقدّس عن أن تعلم ذاته بالتصريح والإشارات.
 كل إشارة دلت عليه فقد أضربت عن حقيقته صفحاً، وكل عبارة أهدت إليه فقد ضلّت عنه جمحاً، هو كما علم نفسه حسب ما اقتضاه، وبذاته حاز الكمال واستوفاه.
وأشهد أن سيدنا محمداً (ص) المدعو بفرد من أفراد بني آدم، عبده ورسوله المعظم، ونبيه المكرَّم، ورداؤه المعلم، وطرازه الأفخم، وسابقه الأقدم، وصراطه الأقوم، مجلى مرآة الذات، منتهى الأسماء والصفات، مهبط أنوار الجبروت، منزل أسرار الملكوت، مجمع حقائق اللاهوت، منبع رقائق الناسوت، النافخ بروح الجبرلة، والمانح بسرّ الميكلة، والسابح
بقهر العزرلة، والجانح بجمع السرفلة عرش رحمانية الذات.
آرسي الأسماء والصفات، منتهى السدرات، رفرف سرير الأسرات، هيولى الهباء والطبيعيات، فلك أطلس الألوهيات، منطقة بروج أوج الربوبيات، سموات فخر التسامي والترقيات، شمس العلم والدراية، بدر الكمال والنهاية.
 نجم الاجتباء والهداية، نار حرارة الإرادة، ماء حياة الغيب والشهادة، ريح صبا نفس الرحمة والربوبية، طينة أرض الذلة والعبودية، ذو السبع المثاني، صاحب المفاتيح والثواني، مظهر الكمال، ومقتضى الجمال والجلال.
مرآة معنى الحسن مظهر ما علا .... مجلى الكمال عذيب الينبوع 
قطب على فلك المحاسن شمسه .... لا آفلاً ما زال ذا تطليع 
كل الكمال عبارة عن خردل ...     متفرّق عن حسنه المجموع
صلّى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه القائمين عنه في أحواله، النائبين منابه في أفعاله وأقواله، وأشهد أن القرآن كلام الله، وأن الحق ما تضمنه فحواه، نزل به الروح الأمين على قلب خاتم النبيين والمرسلين.
وأشهد أن الأنبياء حق والكتب المنزّلة عليهم صدق، والإيمان بجميع ذلك واجب قاطع، وأن القبر والبرزخ وعذابه واقع، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأشهد أن الجنة حقّ والنار حقّ والصراط حق والحساب يوم النشور حق؛ وأشهد أن الله يريد الخير
والشر، وبيده الكسر والجبر، فالخير بإرادته وقدرته ورضاه وقضاه، والشر بإرادته وقدرته وقضائه لا برضاه، الحسنة بتأييده وهداه، والسيئة مع قضائه بشؤم العبد واغتواه، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، كل من عند الله، منه بدء الوجود وإليه أمره يعود.
أما بعد، فإنه لما كان كمال الإنسان في العلم بالله وفضله على جنسه بقدر ما اكتسب من فحواه، وكنت معارف التحقيق المنوطة بالإلهام والتوفيق حرماً آمناً يتخطف الناس من حوله بالموانع والتعويق، قفارها محفوفة يكون للسالك إلى رفيقها الأعلى الرفيق الرقيق، وآملاً أن يكون للطالب لتلك المطالب الشقيق الشفيق، فيستأنس به في فلواتها البسابس ، ويتطرّق به في معالمها الدوامس، ويستضئ بضياء معارفه في ظلمات نكراتها الطوامس، فقد فقدت شموس الجذب من سماء قلوب المريدين.
وأفلت بدور الكشف عن سماء أفلاك السائرين، وغربت نجوم العزائم من همم القاصدين، فلهذا قلّ أن يسلم في بحرها السابح، وينجو من مهالك قفرها السائح:
كم دون ذاك المنزل المتعالي  ... من مهمه قد حفّ بالأهوال
وصوارم بيض وخضر أسنة .... حملت على سمر الرماح عوال
والبرق يلهب حسرة من تحته .... والريح عنه مخيب الآمال
وآنت قد أسست الكتاب على الكشف الصريح، وأيدت مسائله بالخبر الصحيح، وسميته
 بــ  [الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
لكني بعد أن شرعت في التأليف، وأخذت في البيان والتعريف، خطر في الخاطر أن أترك هذا الأمر إجلالاً لمسائل التحقيق، وإقلالاً لما أوتيت من التدقيق،
فجمعت همتي على تفريقه، وشرعت في تشتيته وتمزيقه، حتى دثرته فاندثر، وفرقته شذر مذر، فأفل شمسه وغاب، وانسدل على وجه جماله برقع الحجاب، وتراته نسياً منسياً، واتخذته شيئاً فرياً، فصار خبراً بعد أن كن أثراً مسطوراً، 
وتلوت { هل اتي على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا] سورة الانسان . وأنشد لسان الحال
بلطيف المقال:
كن لم يكن بين الحجون إلى الصفا .... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع، فقلت طوعاً للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه، متكلاً على الحق في تعريفه، فها أنا ذا كرع من دنه القديم بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم، خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود
والعديم:
سلاف تريك الشمس والليل مظلم  ..... وتبدي السها والصبح بالضوء مقحم
تجلّ عن الأوصاف لطف شمائل .... شمول بها راق الزمان المصرم
إذا جليت في كؤس من حبابها .... وديرت بدور الدهر وهو مزمزم
وآم قلدت ندمانها بوشاحها ..... مقاليد ملك الله والأمر أعظم
وربّ عديم ملكته نطاقها ..... فأصبح يثري في الوجود ويعدم
وآم جاهل قد أنشقته نسيمها ..... فأخبر ما إبليس كن وآدم
وآم خامل قد أسمعته حديثها ..... رقى شهرة عرشاً يعزّ ويكرم
فلو نظرت عين أزجة كوسها .... لما كحلت يوماً بما ليس تعلم
هي الشمس نوراً بل هي الليل ظلمة ... هي الحيرة العظمى التي تتلعثم
مبرقعة من دونها كلّ حائل   .....     ومسفرة كالبدر لا تتكتم
فنور ولا عين وعين ولا ضيا   .....   وحسن ولا وجه ووجه ملثم
شميم ولا عطر وعطر ولا شذى ......  وخمر ولا كس وكس مختم
خذوا يا ندامى من حباب دنانها  .....    أماني آمال تَجلّ وتعظم
ولا تهملوا باللَّه قدر جنابها       .....    فما حظّ من فاتته إلاَّ التندّم
لِيَهْن أخلائي الذين حظوا بها  ......  عليهم سلامي والسلام مسلم

 تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - Word





عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الإثنين يوليو 02, 2018 12:55 pm عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: مقدمة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي   الجمعة مايو 18, 2018 1:53 pm

مقدمة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرَّحيم
 الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، لما كن الحق هو المطلوب من إنشاء هذا الكتاب، لزمنا أن نتكلم فيه علي الحق سبحانه وتعالي من حيث اسماؤه أولا  إذ هي الدالة عليه ، ثم من حيث أوصافه لتنوع كمال الذات فيها؟ 
ولأنها أول ظاهر من مجالي الحق سبحانه وتعالى ولا بعد الصفات في الظهور الا الذات، فهي بهذا الاعتبار أعلى مرتبة من الاسم ، ثم نتكلم من حيث ذاته على حسب ما حملته العبارة الكونية.
ولا بد لنا من التنزل في الكلام على قدر العبارة المصطلحة عند الصوفية، ونجعل موضع الحاجة فيها موشحاً بين الكلام ليسهل فهمه على الناظر فيه.
وسأنبه على أسرار لم يضعها واضع علم في كتاب من أمر ما يتعلق بمعرفة الحق تعالى ومعرفة العالم الملكي والملكوتي.
 موضحاً به ألغاز الموجود كشفاً به الرمز المعقود، سالكاً في ذلك طريقه بين الكتم والإفشاء، مترجماً به عن النثر والإنشاء، فليتأمل الناظر فيه كل التأمل؛ فمن المعاني ما لا يفهم إلاَّ لغزاً أو إشارة.
 فلو ذكر مصرّحاً لحال الفهم به عن محله إلى خلافه، فيمتنع بذلك حصول المطلوب، وهذه نكتة كثيرة الوقوع. 
ألا ترى إلى قوله تعالى: "و حملناه علي ذات الواح ودسر"  [القمر، الآية: 13 ] 
فلو قال: على سفينة ذات ألواح ودسر لحصل منه أن ثم سفينة غير المذكورة ليست بذات ألواح. 
ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئاً في هذا الكتاب إلاَّ وهو مؤيد بكتاب الله أو سنّة رسوله (ص).
 أنه إذا لاح له شيء من كلامي بخلاف الكتاب والسنة، فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح الله تعالى عليه بمعرفته.
 ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله تعالى أو سنّة نبيه، وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك.
 فإن من أنكر شيئاً من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكراً، ولا سبيل إلى غير ذلك، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقاً بالإنكار أول وهلة، ولا طريق له إلاَّ الإيمان والتسليم.
واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنّة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيداً بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ الله بيدك إليه، 
لأن كل علم يرد عليك لا يخلو من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: 

المكالمة، وهو ما يرد على قلبك من طريق الخاطر الرباني والملكي، فهذا لا سبيل إلى رده ولا إلى إنكاره، فإن مكالمات الحق تعالى لعباده واخباراته مقبولة بالخاصية لا يمكن لمخلوق دفعها أبدأ؟ 
وعلامة مكالمه الحق تعالى لعباده أن يعلم السامع بالضرورة أنه كلام الله تعالى.
وأن يكون سماعه له بكليته ، وأن لا يقيد بجهة دون غيرها، ولو سمعه من جهة فإنه لا يمكنه أنه يخصه بجهة دون أخرى؟ 
ألا ترى الى موسى عليه السلام سمع الخطاب من الشجرة ولم يقيد بجهة والشجرة جهة، ويقرب الخاطر الملكي من الخاطر الرباني في القبول ولكن ليست له تلك القوة ، إلا أنه اعتبر قبل بالضرورة.
وليس هذا الأمر فيما مرد من جناب الحق على طريق المكالمة فقط بل تجلياته أيضأ كذلك ، فمتى تجلى شيء من أنوار الحق للعبد علم العبد بالضرورة من أول وهلة أنه نور الحق، سواء كان التجلي صفاتيأ أو ذاتيأ علميأ أو عينيأ.
 فمتى تجلى عليك شيء وعلمت في أول وهلة أنه نور الحق أو صفة أو ذاته فإن ذلك هو التجلي فافهم، فإن هذا البحر لا ساحل له.
وأما الإلهام الإلهي فإن طريق المبتدي في العمل به أن يعرضه على الكتاب والسنّة، فإن وجد شواهده منهما فهو إلهام إلهي، وإن لم يجد له شاهداً فليتوقف عن العمل به مع عدم الإنكار لما سبق.
وفائدة التوقف أن الشيطان قد يلقي في قلب المبتدئ شيئاً يفهمه أنه إلهام إلهي، فيخشى ذلك أن يكون من هذا القبيل، وليلزم صحة التوجه إلى الله تعالى والتعلق به مع التمسك بالأصول إلى أن يفتح الله عليه بمعرفة ذلك الخاطر.

الوجه الثاني: 

هو أن يكون العلم وارداً على لسان من ينسب إلى السنة والجماعة، فهذا إن وجدت له شاهداً أو محملاً فهو المراد، وإلاَّ فكف وآن مما لا يمكنه الإيمان به مطلقاً لغلبة نور عقلك على نور إيمانك، فطريقك فيه طريقك في مسألة الإلهام بين التوقف والاستسلام.

الوجه الثالث: 

أن يكون العلم وارداً على لسان من اعتزل عن المذهب والتحق بأهل البدعة فهذا العلم هو المرفوض، ولكن الكيِّس لا ينكره مطلقاً، بل يقبل منه ما يقبله الكتاب والسنة من كل وجه ويرد منه ما يرده الكتاب والسنة من كل وجه، وقلّ أن يتفق مثل هذا في مسائل أهل القبلة،
وما قَبِلَه الكتاب أو السنة من وجه ورده من وجه فهو فيه على ذلك المنهج، وأما ما ورد في الكتاب والسنة من المسائل المتقابلة كقوله:  {انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وانك لتهدي الى صراط مستقيم} [القصص، الآية: 56 ] 
وقوله صلي الله عليه وسلم : "أول ما خلق الله العقل"
وقوله صلي الله عليه وسلم  : " أول ما خلق الله القلم "
وقوله صلي الله عليه وسلم  : “ أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"
فتحملها علي احسن الوجوه و المحامل واتمها واجمعها واعمها كما قيل في الهداية التي ليست إليه صلي الله عليه وسلم  هي الهداية إلى ذات الله تعالى.
وفي الهداية التي جعلها الله إليه هي الهداية الطريق الموصلة الى الحق ، وكما قيل ان الاحاديث الثلاثة ان المراد بها شيء واحد و لكن باعتبار نسبيها تعددت، كما في الأسود الامع و البراق عبارة عن الحبر و لكن باختلاف النسب.
وما قدمت لك هذه المقدمة كلها إلاَّ لتخرج عن ورطة المحجوبين بالوجه الواحد عن وجوه كثيرة، ولتجد طريقاً إلى معرفة ما يجريه الله على لساني في هذا الكتاب، فتبلغ بذلك مبلغ الرجال إن شاء الله تعالى.

إشارة: 

جمعنا الوقت عند الحق بغريب من غرباء الشرق متلثماً بلثام الصمدية ، متزراً بإزار الأحدية ، متردياً رداء الجلال ، متوجاً بتاج الحسن والجمال ، مسلِّماً بلسان الكمال ؛ فلما أجبت تحية سلامه أسفر بدره عن
لسانه، فشاهدته أنموذجاً فهوانياً حكمياً حكيماً برنامجاً مقدراً على سبيل الفرض، وبه لا بغيره تبرأ الذمة من رقّ الغرض، فاعتبرته في معياري ونظمت به عقود الدراري، فانقطع من أول وهلة مني علاقة الفقار
فأصلحته بانكسار عمود الآن، فلما استقامت شواة المعيار وحصل ربّ العرش في الدار نصبت كرسي الاقتدار وأقمت به ميزان الاعتبار، فاعتبرت مالي في مآلي بقوانين تلك المعالي، فلم يزل ذلك دأبي وأنا كاتم عني ما بي إلى أن نفدت الأرطال وانقطع الاعتبار بالمثقال، ظفرت بقيراط  التدقيق فأحكمت به عيار التحقيق، فصبغت يدي بالحنا وكحلت عيني الوسنى، فلما فتحت العين وكسرت القفلين خاطبني بحديث الأين، فأجبته بلسان البين، وأنشدت هذه الأبيات، وجعلتها بين النفي والإثبات:
صحّ عندي أنها عدم  ....   مذ غدت بالوجود مشتهره
قد رآها الخيكل من بعد  .....  قدرة في الوجود مقتدره
لم تكن غير حائط نصبت ..... لك فيها الكنوز مدخره
أنا ذاك الجدار وهي له   .... آنزه المختفي لأحتفره
فاتخذها بصورة شبحاً .....  وهي روح له لتعتبره
كمل اللَّه حسنها فغدت ......  بجمكل الإله مشتهره
لم تكن في سواك قائمة  .....   فافهم الأمر آي ترى صوره
فلما سمع مني مقالتي وتحلى بحالتي أدار بدره في هالتي، ثم أنشأ وما
أفشى وقال:
حسنا مبرقعة منها ستائرها  .... ثعبانها صدغها والسحر ناظرها
وذاقت الخمر في السكران فانثملت .... وبان بالسكر ما تحوي مآزرها
تخيلت كل بدر تمَّ فاتخذت  .....    منه لها خلقاً حتى نوادرها
رأت نقوش خضاب في معاصمها   .....  فاستكتبته بها فيها غدائرها
وتوجت قيصراً بتاج تبعها           ..... وقام في ملك دارها دوائرها
تملكت لرقاب الخلق قاطبة           .....  ببيض مخضرة حمر شفائرها
واستكملت كل حسن كن يحسبه    ..... من جملة الحسن في ليلاه عامرها
فظاهر العزّ ما يخفيه باطنها     ..... وباطن الحسن ما يبديه ظاهرها
فلما سمعت خطابه الشهيّ وفهمت فحواء النجيّ، أقسمت عليه بالذي كن  وما كن ووفى بعهده وما خان، ولبس برديه وتعرى عن ثوبيه، ونشر في  الآفاق جماله ولم يكن شيء منها له، وبالذي استعبدته الأفكار والعقول لبيانه وقربته الأرواح والأسرار لحنانه، وبمن أدهش في حيطته وأنعش في مطيته وانحاز في نقطته، وزاد على دائرة الحيطة أن يرفع برقع الحجاب ويصرح لي بالخطاب، فتنزل وما زال، ثم أنشأ فقال رحمه الله تعالى:
أنا الموجود والمعدوم     .....   والمنفي والباقي
أنا المحسوس والموهوم     ...... والأفعاء والراقي
أنا المحلول والمعقود    ....... والمشروب والساقي
أنا الكنز أنا الفقر   ...... أنا خلقي وخلاقي
فلا تشرب بكاساتي   ...... ففيها سم درياقي
ولا تطمع ولوجاً ....... فهو مسدود بإغلاق
ولا تحفظ ذماماً لي ....... ولا تنقض لميثاقي
ولا تثبت وجوداً لي   ...... ولا تنفيه يا باقي
ولا تجعلك غيراً لي ...... ولا عيناً لآماقي
ولكن ما عنيت به   ....... به غيبت أشواقي
فكن فيما تراني     ...... فيه واشرب كاس إدهاقي
ولا تخلع قبا بندى    ..... ولا تلبس لغَلَل طاقي
وقل أنا ذا ولست بذا  ......   بأوصافي وأخلاقي
فبي يرد وهذا القلب   ...... ملتهب بإحراقي
وبي ظمأ ويا عجبي  ....... وفي جيحون إغراقي
وقد أعياني الحمل  .......  وما شيء بأعناقي
أخف وفيّ أثقالي  ........  وأثقل والهوى ساقي
يحا آيني النعام   . ......  بحالتي طربي وإشفاقي
فهو طير بأجنحة .........  وهو جمل بأعناقي
ولا جمل ولا طير ........  ولكن رمز سباقي
فلا عين ولا بصر ........   ولكن سرّ آماقي
ولا أجل ولا عمر ........  ولا فان ولا باقي
هو جوهر له عرضان وذات لها وصفان.
 هوية ذلك الجوهر علم وقوى، فإما عليم حكيم جرى في أنابيب القوى فخرج على شكل ثلاثي القوى.
 وإما قوى ترشحت بعلوم حكمتها فرأيت البسيط على ثلث هويتها.
 إن قلت العلم أصل فالقوى فرع.
 أو قلت القوى أرض فالعلم زرع،

  وهذا العلم علمان:  علم قولي، وعلم عملي

العلم القولي: 
هو الأنموذج الذي تركب على هيئة صورتك وتعرى على كنية صورتك.
والعلم العملي: 
هو الحكمة التي بها يهتدي الحكيم إلى الانتفاع بعلمه، ويبلغ بها الأمير إلى الاختراع بحكمه.

وهذي القوى أيضاً قسمان:

قوى جملي تفصيلي: وشرطه الاستعداد من حسن المزاح واستقامة الأصول وآمال الفعل مع صحة المنقول.
وقوى جملي تخييلي: وشرطه القابلية من آون الجوهر له التحيز والاثنان بينهما التميز.
وأما الذات التي لها وصفان فهو أنت وأنا، 
فلي بك ولك بنا الهنا، فأنت من حيث هويتك لا من حيث ما يقبله معقول.
 أنت من الأوصاف العبدية وأنا من جهة حقيقتي لا من جهة ما يقبله معقول.
 أنا من الأوصاف الربية فهو المشار إليه بالذات.
وأنا من جهة أنيتي باعتبار ما يقبله معقول.
 أنا من أحكام هو الله، وأنت من حيث الخليقة هو العبد.
 فانظر ذلك إن شئت باعتبار أنا، وإن أردت باعتبار أنت 
فما ثم إلاَّ الحقيقة الكلية، فسبحانه وحده لا شريك له:
ذات لها في نفسها وجهان   ....   للسفل وجه والعلا للثاني
ولكلّ وجه في العبارة والأدا ...   ذات وأوصاف وفعل بيان
إن قلت واحدة صدقت وإن تقل .... اثنان حق إنه اثنان
أو قلت لا بل إنه لمثلث  .....   فصدقت ذاك حقيقة الإنسان
انظر إلى أحدية هي ذاته ....   قل واحد أحد فريد الشان
ولئن ترى الذاتين قلت لكونه ....    عبداً ورباً إنه اثنان
وإذا تصفحت الحقيقة والتي .....    جمعته مما حكمه ضدان
تحتار فيه فلا تقول لسفله .....    علو ولا لعلوه هو داني
بل ثم ذلك ثالثاً لحقيقة   .....     لحقت حقائق ذاتها وصفان
فهي المسمى أحمد من آون ذا ....  ومحمد لحقيقة الأكوان
وهو المعرف بالعزيز وبالهدى ..... من كونه ربّاً فداه جناني
يا مرآز البيكار يا سرّ الهوى ..... يا محور الإيجاب والإمكان
يا عين دائرة الوجود جميعه .....  يا نقطة القرآن والفرقان
يا كملاً ومكمِّلاً لكامل  ......    قد جملوا بجلالة الرحمن
قطب الأعاجب أنت في خلواته ...... فلك الكمال عليك ذو دوران
نزهت بل شبهت بل لك آلما  ...... يدري ويجهل باقياً أو فاني
ولك الوجود والانعدام حقيقة ...... ولك الحضيض مع العلا ثوبان
أنت الضياء وضدّه بل إنما  ..... أنت الظلام لعارف حيران
مشكاته والزيت مع مصباحه  ..... أنت المراد به ومن أنشاني
زيت لكونك أولاً ولكونك الم .....  خلوق مشكاة منير ثاني
ولأجل رب عين وصفك عينه ..... ها أنت مصباح ونور بياني
آن هادياً لي في دجى ظلماتكم  .... بضيائكم ومكملاً نقصاني
يا سيد الرسل الكرام ومن له   .....  فوق المكان مكانة الإمكان
أنت الكريم فخذ فلي بك نسبة  ......  عبد الكريم أنا المحبّ الفاني
خذ بالزمام زمام عبدك فيك آي ...... يرخي ويطلق في الكمال عناني
يا ذا الرجاء تقيّدت بك مهجتي ......  بل للمحبة قد دعتك لساني
صلّى عليك الله ما غنت على ......  معنى تصاوير لهن معاني
وعلى جميع الكل والصحب الذي .....  كنوا لدار الدين كالأركان
والوارثين ومن له في سوحكم  .....  نبأ ولو بالعلم والإيمان
وعليك صلّى اللَّه يا حاء الحيا .......  يا سين سرّ اللَّه في الإنسان
فلما سمعت مقالته وشربت فضالته قلت له: أخبرني بأعاجيبك التي وقعت عليها في تركيبك.
 فقال لي: إني لما صعدت جبل الطور وشربت البحر المسجور وقرأت الكتاب المسطور، فإذا هو رمز تركبت عليه القوانين فما  هو لنفسه بل هو لك، فلا يخرجك عن خبرك ما يصح عندك له من العلامات فتقول: هذا له وهذا لي، إذ ليس حاله بمشابه لحالي، فإنما جعله الله لك جعلاً فهوانياً مرآة لسانياً، لا حقيقة له. 
كل ذلك آي تعاين فيه ما هو لك، فتتخذ حوله حولك، ولهذا لا تراه ولا تدرآه ولا تجده ولا تملكه، لأنه
لو كن ثمة شيء لوجدته بالحق سبحانه وتعالى، فإن العارف إذا تحقق بحقيقة آنت سمعه وبصره لا يخفى عليه شيء من الموجودات.
 إذ العين عين خالق البريات، ثم لا يصح نفيه مطلقاً لأن بانتفائه تنتفي أنت إذ هو أنموذج، وكيف يصح انتفاؤك وأنت موجود وأثر صفاتك غير مفقود، ولا يصح أيضاً إثباته لأنك إن أثبته اتخذته صنماً، فضيعت بذلك مغنماً، وكيف يصح إثبات المفقود؟ أم كيف يتفق نفيه؟
 وهو أنت الموجود، وقد خلقك الله سبحانه وتعالى على صورته حياً عليماً قادراً مريداً، سميعاً بصيراً متكلماً، لا تستطيع دفع شيء من هذه الحقائق عنك لكونه خلقك على صورته ثم تفرّد بالكبرياء والعزّة وانفردت بالذلّ والعجز، وآما صحت النسبة بينك وبينه أولاً انقطعت النسبة بينك وبينه هنا.
 فقلت له: يا سيدي قربتني أولاً وأبعدتني آخراً، ونثرت لباً وفرشت عليه قشراً، 
فقال: أنزلته على حكم قانون الحكمة الإلهية، وأمليته على نمط ميزان المدركة البشرية ليسهل
تناوله من قريب وبعيد، ويمكن تحصيله للقريب والشريد.
فقلت له: زدني من رحيقك وعلني بسلاف ريقك.
 فقال: سمعت وأنا في القبة الزرقاء بعالِم يخبر عن وصف عنقاء ، فرغبت إليه وتمثلت بين
يديه، ثم قلت له: صرح لي خبرك وصحح أثرك، فقال: إنه المعجب الحقيقي والطائر الحمليق الذي له ستمائة جناح وألف شوالة صحاح، الحرام لديه مباح، واسمه السفاح ابن السفاح، مكتوب على أجنحته أسماء مستحسنة، صورة الباء في رأسه والألف في صدره والجيم في جبينه والحاء في نحره.
 وباقي الحروف بين عينيه صفوف، وعلامته في يده الخاتم، وفي مخلبه الأمر الحاتم، وله نقطة فيها غلطة، وله مطرف فوق الرفرف، فقلت له: يا سيدي أين محل هذا الطير؟ 
فقال: بمعدن الوسع ومكان الخير، فلما عرفت العبارة وفهمت الإشارة أخذت أقطع في جو الفلك جائزاً عن الملك والملك، وأنا أدور على هذا الأمر المعجب المسمى بعنقاء مغرب، فلم أجد له خبراً ولم ألق له أثراً، فدلني عليه الاسم وأخرجني الوصف عن القيد والرسم؛ فلما خلعت الصفات وأخذت في فلك الذات غرقت في بحر يسمى بحيرة،.
فالتقم أجنحتي النون وجال بي فوق الدر المكنون، فنبذني موجه بالعراء 
 فمكثت مدة لا أسمع ولا أرى، فلما فتحت العين وانطلقت من قيد الأين لقيت تلك الإشارات إليّ وتلك العبارات لديّ، فإذا أنا بالأجنحة وعليها سمات المسبحة، وإذا أنا بالألف صدري والجيم كما قال والحاء في نحري، ولم يبق مما ذكرناه ذرّة إلاَّ وهي لديّ واردة صادرة، فعلمت أني هو الذي كن يعني، فحينئذ ظهرت النقطة وانتفت الغلطة، فأبرزت العلامات بإحياء من قد مات.
قال الراوي: فقلت له: يا سيدي ما هو الأمر المحتوم والكأس المختوم، فرطن بلغة أعجمية وترجم، ثم أوعد بكلامه وزرجم، وتغرب ثانياً ثم ترجم.
 ثم قال: الأنموذج العالي المعقول مجمل الإيراد لنفسه بل للمحمول والمنقوش فيه لا له بل للأسفل المنقول، والأسفل هو المشار إليه، وكل الحديث له، والمدار علي.
 فإذا انتقش الأنموذج في المشار وحمل ما في ذلك المحمل هذا الحمار، كن الأسفل عين الأعلى وصارت العالية موجودة في السفلى. 
فلهذا قال من قال: لا نسبة بين الأنموذج المنقوش المشار إليه، ولو أخطأ في كونه ليس المراد بالأنموذج إلاَّ عين ما هو المنقوش المشار إليه. 
ولهذا قال من قال: إن المشار إليه عين الأنموذج، ولو أخطأ في كون الأنموذج إنما هو ذو العُلا من غير غلط، والمشار إليه في الاصطلاح ذو السفل فقط. 
ولهذا قال من قال: إن الأنموذج جامع، ولو أخطأ لكونه اسماً لصفات الكمال فقط، وبقي كونه اسماً لصفات النقص والغلط. 
ولهذا قال من قال: إن المنقوش المشار إليه جامع للأنموذجية المنقوشة، ولو أخطأ في أن المنقوش المشار إليه إنما هو اسم لمحل صفات النقص.
 ألا تراه محل التعيين بالإشارة وموقع الحد والحصر في العبارة؟ 
ولهذا الجمع قال من قال: بالعجز عن درك إدراك الذات، ولو أخطأ لأن المشار إليه شرطه أن ينتقش فيه ما في الأنموذج، فيكون له من الإدراك بمجانسته ما للأنموذج في مكامنه، فليس له عجز، فلا يصح أن
يكون العجز عن الإدراك من أوصاف العارف.
 والدليل عليه أن العارف إذا اعترف بعجزه عن إدراك شيء ما هو إنما لمعرفته بصفات ذلك الشيء
فإنها لا تدرك كما لعدم التناهي وإما لعدم قابليته الإدراك، وذلك القدر هو معرفة ذلك الشيء كما ينبغي، فإذا عرفته كما ينبغي فقد أدركته كما  ينبغي، فجاء كلام الصديق الاكبر رضي الله عنه : "إدراك العجز عن درك الادراك ادراك"  : وفي رواية أخرى ؛" العجز عن درك الإدراك إدراك “ ، وبحصول الإدراك لا عجز عن الإدراك، فاتصف العبد هنا بالعز وانتفى عنه الحصر والعجز،.
وقوله تعالى: { لا تدركه الابصار }[الأنعام، الآية: 103 ] يعني الأبصار المخلوقة، وأما البصر الخفيّ القديم الذي يراه العبد به فإنه غير مخلوق إذ هو حقيقة آنه بصره الذي يبصر به. فافهم.
لي في الغرام عجائب    .... وأنا وربك ذو العجائب
قطبي يدور على رحى   ..... فلك تدور به الغرائب
رمزي الذي لي في الهوى   ..... عيا قراءة كل كتب
أظهرته بعبارة        .....   دقت فلم تفهم لصائب
عرضته لوحته       .....   صرحته بين الحبائب
فزويت عنه عيونهم  ..... ورويت منه كل شارب
وغرسته فجنيته   ...... وخبأته بين الترائب
أبديته وكتمته      ...... واللَّه عن كل الحبائب
عذل العذول فعندما   ...... ظهر وفشا بين الأجانب
قد كن عني أجنبي     .......  ياً فاغتدى في الحبّ صاحب
فافهم مقالة ناصح    ........ أهدى إليك التبر ذائب
واعرف إشارته التي   .......   جمحت إلى تلك المراتب
واشكر إذا عرفته     ......  فالشكر من خير المذاهب
اعلم أن الطلسم ، القطبي، الذي هو محور فلك الأنموذج، وقطب رحى الأنموذجات أول الطلسمات وبه قامت صور النفس.
 وإلا فلا سبيل إلى إحكامه بدون ذلك، ولولا تحقيقه لما أحكم وظهر على هيئة منقوشة.
وهذه المرآة لولا ما تصور لك الهيكل مقابلاً على دائرتها لما أعطت العكس في المرآة.
ومن أين يلقى العكس في المرآة إذا حكمت بعدم الصورة المقابلة.
 ولا سبيل إلى وجود صورة في المرآة من غير مقابلة آما أن لا سبيل إلى صورة في غير المرآة.
 وآما أنه لا سبيل إلاَّ أن وجود الشيء زاد في المرآة من غيرها ولو عند المقابلة.
 لأنها ما امتزجت بشيء فلا يوجد فيها غيرها، وقد رأيت فيها ما تسميه بشيء آخر.
 وقد حوى كتابنا الموصوف بـ: [قطب العجائب وفلك الغرائب]، بقية الطلسمات، وهي ثلاثون طلسماً مرموزة كامنة في الوجود.
فأوجدناها في كتابنا مصرّحة ونبهنا عليها جميعها في هذا الكتاب وهو [الإنسان الكامل]  
فلا يفهمه حق فهم الا من كان وقع علي كتاب قطب العجائب وفلك الغرائب ، ثم نظر إليه فوجده جميعه فيه. فإن هذا الكتاب له كالأم بل كالفرع، وهو لهذا الكتاب كالأصل بل كالفرع، فافهم المراد بالكتابين والمخاطب بالخطابين تحل الرموز وتحوز الكوز، فليس المراد بقطب العجائب إلا المشار اليه ، وبفلك الغرائب الا ما بين يديه، فكما أنه لا يمكن حله إلا بالإنسان الكامل وتبيانه ، كذلك الحق سبحانه وتعالى لا سبيل الى معرفته الا من حيث أسماؤه وصفاته ، فيشاهده العبد أولا في أسمائه وصفاته مطلقا ويرقى بعد إلى معرفة ذاته محققا، فافهم معنى ما أشرنا اليه فإن الجميع لغز دللناك عليه.
قد حرت فيك وضاقت في الهوى سبلي    .....  ما العقل فيك وما التدبير يا أملي
اللَّه منك لقلبي آم تحمله        .....       أشغلت قلبي وصيرت الهوى شغلي
اللبّ مكتئب والدمع منصبب     .....   والنار في آبدي والماء من مقلي
إن قلت لست بموجود فقد عدمت  ......  روحي فها أنا في قولي وفي عملي
أو قلت إني موجود كذبت فما    ......   رأيت في الناس موجوداً بلا علل
فكل طابع فمطبوعه على هيكله من الاستدارة والتربيع والتثليث، وعلى صورة ما قابله من المطبوع والمنقوش، لا على جرميته وغلظه، فإن المطبوع فيه قد يكون أجلّ من الطابع جرماً.
وقد يعكس فيكون الطابع أجلّ من المطبوع.
 وهذا موضع تفاوت المحققين الكمل من أهل الله بعد الكمال وتقارب الجمال والجلال، ثم يتفق أن يكون المطبوع على عكس الطابع فيظهر ما كن من اليمين إلى الشمال في الطابع.
 ومن الشمال إلى اليمين في المطبوع، وهذا موضع التضادّ ومظهر سرّ العبودية في الربوبية.
 وهو معنى سرّ الحديث المروي عن النبي (ص) أنه لما عرج به واخترق جميع الحجب حتى لم يبق له إلاَّ حجاب واحد، فأراد أن يخترقه فقيل له : "قف “ . 
وهذا سرّ جليل لا يدرآه إلاَّ الكُمَّل من حيث اسمه الكامل، " فإن ربك يصلّي" وقد يقع لبعض العارفين عثوراً لا تحقيقاً، فذلك الوقوع من حيث الجمال،
ولكن جمال الكمال لا من حيث الجمال المطلق، ولا من حيث كمال الجمال، ويدركه بعضهم في تجلي جلالي وهو أيضاً من جلال الكمال لا من الجلال المطلق ولا من كمال الجلال.
فصل
الشيء يقتضي الجمع، والأنموذج يقتضي العزة، والرقيم يقتضي الذلة، وكل من هؤلاء مستقلّ في عالمه سابح في فلكه، فمتى خلعت على الأنموذج شيئاً من صفات الرقيم انخرم قانون الأنموذج عليك.
 ومتى كسوت الرقيم شيئاً من حلل الأنموذج لم تره فيه لظهوره بما ليس له، ومتى نسبت الذات إلى أحد منهما ولم تنسبه إلى الآخر احتجت للآخر ذاتاً ثانياً فوقعت في الاشتراك.
فإذا تصرفت الذات بيد الرقيم سميت ذات تنزل، وتسمى رقيماً إذا تصرفت فيها للرقيم بيد الرقيم.
 وأنموذجاً إذا تصرفت فيها للأنموذج بيد الأنموذج ولا اسم ولا رسم إذا كنت على صرافتها الذاتية.
ونعني بالرقيم العبد، وبالأنموذج قطب العجائب وفلك الغرائب، وبالذات كتابنا هذا المسمى بالإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل.
تلوين هذا الحسن في وجناته    .....  أبداً ولا تلوين في طلعاته
يلقاك أحمر أبيض في أغبر    .....  فبياضه في سود خضراواته
من كن سيمته التلون وهو     .....     فيه فما تلوّن عند تلويناته
فإذا تركب حسن طلعة شادن   .......  من كل حسن فهو واحد ذاته
يا أيها الرشأ الربيب نعمت في  .....  حسن تنزّه بين تشبيهاته
أفأنت جؤذر لعلع أم زينب   .....   يحتار فيك الصبّ في حيراته
باللَّه خبِّر هل أحطت بكل ما  ......   يحويه خالك من غريب نكاته
وهل العذار المسبلات عقوده  .....   فوق المنكب عد في عقداته
شرك العذار وجب خالك صيرا ......  طير الحشا ولهان في قبضاته
قسماً بقائم بانة أحدية        .......   ماست على كثبان جمع صفاته
ما في الديار سوى ملابس مغفر  .....  وأنا الحمى والحيّ مع فلواته

فصل

الأحدية تطلب انعدام الأسماء والصفات مع أثرها ومؤثراتها، 
والواحدية تطلب فناء هذا العالم بظهور أسماء الحق وأوصافه. 
والربوبية تطلب بقاء العالم.
 والألوهية تقتضي فناء العالم في عين بقائه.
وبقاء العالم في عين فنائه.
 والعزة تستدعي دفع المناسبة بين الحق والخلق.
 والقيومية تطلب صحة وقوع النسبة بين الله وعبده.
 لأن القيوم من قام بنفسه وقام به غيره.
 ولا بد من جميع ما اقتضته كل من هذه العبارات فنقول: من حيث تجلي الأحدية ما ثم وصف ولا اسم. ومن حيث تجلي الواحدية ما ثم خلق لظهور سلطانها بصورة كل متصور في الوجود.
 ومن حيث تجلي الربوبية خلق وحق لوجود الحق ووجود الخلق.
 ومن حيث تجلي الألوهية ليس إلاَّ الحق وصورته الخلق وليس إلاَّ الخلق ومعناه الحق.
 ومن حيث تجلّي العزّة لا نسبة بين الله وبين العبد.
 ومن حيث تجلي القيومية لا بد من وجود المربوب لوجود صفات الربّ.
ولا بد من وجود صفات الربّ لوجود صفات المربوب. 
نقول: إنه من حيث اسمه الظاهر عين الأشياء، ومن حيث اسمه الباطن أنه بخلافها.
نزّه فهذا واجب الله      .....   لا الحاضرون دروا ولا اللاهي
ما فيهم من ذاته وصفاته    .....  إلا شميم روائح ما لا هي
هم يحسنون فيحسبون بأنهم   ..... إياه حاشاه عن الأشباه
ليس الإله بعده آلا ولا   ......     ناه بذات غير ذات تناهي
الذات واحدة وأوصاف العلا .....  للَّه والسفلى لعبد واهي
تمت المقدمة، وقد آن شروعنا في الكتاب، والله يهدي للصواب، وقد جعلناه نيفاً وستين باباً.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - Word








عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الإثنين يوليو 02, 2018 12:59 pm عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: فهرست الكتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي    الجمعة مايو 18, 2018 1:54 pm

فهرست الكتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي 
كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه
فهرست الكتاب
الباب الأول: في الذات.
الباب الثاني: في الاسم مطلقاً.
الباب الثالث: في الصفة مطلقاً.
الباب الرابع: في الألوهية.
الباب الخامس: في الأحدية.
الباب السادس: في الواحدية.
الباب السابع: في الرحمانية.
الباب الثامن: في الربوبية.
الباب التاسع: في العماء.
الباب العاشر: في التنزيه.
الباب الحادي عشر: في التشبيه.
الباب الثاني عشر: في تجلي الأفعال.
الباب الثالث عشر: في تجلي الأسماء.
الباب الرابع عشر: في تجلي الصفات.
الباب الخامس عشر: في تجلي الذات.
الباب السادس عشر: في الحياة.
الباب السابع عشر: في العلم.
الباب الثامن عشر: في الإرادة.
الباب التاسع عشر: في القدرة.
الباب العشرون: في الكلام.
الباب الحادي والعشرون: في السمع.
الباب الثاني والعشرون: في البصر.
الباب الثالث والعشرون: في الجمال.
الباب الرابع والعشرون: في الجلال.
الباب الخامس والعشرون: في الكمال.
الباب السادس والعشرون: في الهوية.
الباب السابع والعشرون: في الإنية.
الباب الثامن والعشرون: في الأزل.
الباب التاسع والعشرون: في الأبد.
الباب الثلاثون: في القدم.
الباب الحادي والثلاثون: في أيام الله.
الباب الثاني والثلاثون: في صلصلة الجرس.
الباب الثالث والثلاثون: في أمّ الكتاب.
الباب الرابع والثلاثون: في القرآن.
الباب الخامس والثلاثون: في الفرقان.
الباب السادس والثلاثون: في التوراة.
الباب السابع والثلاثون: في الزبور.
الباب الثامن والثلاثون: في الإنجيل.
الباب التاسع والثلاثون: في نزول الحق إلى سماء الدنيا.
الباب الأربعون: في فاتحة الكتاب.
الباب الحادي والأربعون: في الطور وكتاب مسطور.
الباب الثاني والأربعون: في الرفرف الأعلى.
الباب الثالث والأربعون: في السرير والتاج.
الباب الرابع والأربعون: في القدمين والنعلين.
الباب الخامس والأربعون: في العرش.
الباب السادس والأربعون: في الكرسي.
الباب السابع والأربعون: في القلم الأعلى.
الباب الثامن والأربعون: في اللوح المحفوظ.
الباب التاسع والأربعون: في سدرة المنتهى.
الباب الخمسون: في روح القدس.
الباب الحادي والخمسون: في الملك المسمى بالروح.
الباب الثاني والخمسون: في القلب وأنه محتد إسرافيل من محمد (ص).
الباب الثالث والخمسون: في العقل الأول، وأنه محتد جبريل من محمد (ص)
الباب الرابع والخمسون: في الوهم، وأنه محتد عزرائيل من محمد (ص).
الباب الخامس والخمسون: في الهمة، وأنها محتد ميكائيل من محمد (ص)
الباب السادس والخمسون: في الفكر، وأنه محتد باقي جميع الملائكة من محمد (ص).
الباب السابع والخمسون: في الخيال وأنه هيولى جميع العوالم.
الباب الثامن والخمسون: في الصورة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وأنه النور الذي خلق منه الجنة والجحيم، والمحتد الذي وجد فيه العذاب والنعيم.
الباب التاسع والخمسون: في النفس وأنه محتد إبليس ومن تبعه من الشياطين من أهل التلبيس.
الباب الستون: في الإنسان الكامل ومقابلته للحق والخلق، وأنه محمد (ص).
الباب الحادي و الستون: في أشراط الساعة، وفيه ذكر الموت والبرزخ
والقيامة والحساب والميزان والصراط والجنة والنار والأعراف والكثيب.
الباب الثاني و الستون: في السبع السماوات وما فوقها، والسبع الأرضين
وما تحتها، والسبع البحار وما فيها من العجائب والغرائب وما يسكنها من أنواع المخلوقات.
الباب الثالث و الستون: في سرّ سرائر الأديان والعبادات ونكتة جمع الأحوال والمقامات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الأول في الذات. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي    الجمعة مايو 18, 2018 1:57 pm

الباب الأول في الذات. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الأول في الذات

اعلم أن مطلق الذات هو الأمر الذي تستند عليه الأسماء والصفات في عينها لا في وجودها، فكل اسم أو صفة استند إلى شيء فذلك الشيء هو الذات، سواء كن معدوماً كالعنقاء فافهم.
 أو موجوداً، والموجود نوعان:
نوع موجود محض، وهو ذات الباري سبحانه وتعالى. 
ونوع موجود ملحق بالعدم، وهو ذات المخلوقات.
واعلم أن ذات الله سبحانه وتعالى عبارة عن نفسه التي هو بها موجود لأنه قائم بنفسه، وهو الشيء الذي استحق الأسماء والصفات بهويته فيتصوّر بكل صورة يقتضيها منه كل معنى فيه، أعني اتصف بكل وصف يطلبه كل نعت، واستحق لوجوده كل اسم دلّ على مفهوم يقتضيه الكمال، ومن جملة الكمالات عدم الانتهاء ونفي الإدراك، فحكم بأنها لا تدرك، وأنها مدرآه لاستحالة الجهل عليه فاعلم، 
وفي هذا المعنى قلت في قصيدة:
أحطت خبراً مجملاً ومفصلاً ....   بجميع ذاتك يا جميع صفاته
أم جلّ وجهك أن يحاط بكنهه ...... فاحتطه أن لا يحاط بذاته
حاشاك من غاي وحاشا أن تكن .....  بك جاهلاً ويلاه من حيراته
واعلم أن ذات الله تعالى غيب الأحدية التي كل العبارات واقعة عليها من وجه، غير مستوفية لمعناها من وجوه كثيرة، فهي لا تدرك بمفهوم عبارة ولا تفهم بمعلوم إشارة، لأن الشيء إنما يفهم بما يناسبه فيطابقه، أو بما ينافيه فيضادُّه، وليس لذاته في الوجود مناسب ولا مطابق ولا مناف ولا مضاد، فارتفع من حيث الاصطلاح إذاً معناه في الكلام وانتفى بذلك أن يدرك للأنام، المتكلم في ذات الله صامت، والمتحرك ساكن والناظر باهت، عزّ أن تدركه العقول والأفهام، وجلّ أن تجول فيه الفهوم والأفكار، لا يتعلق بكنهه حديث العلم ولا قديمه، ولا يجمعه لطيف الحد ولا عظيمه، طار طائر القدس في فضاء الجو الخالي، وسبح بكليته في هواء هذا الفلك العالي.
فغاب عن الأكوان واخترق الأسماء والصفات بالتحقيق والعيان ، ثم طار محلقا على أوج العدم بعد أن قطع مسافة الحدوث والقدم، فوجده واجبأ لا يجوز وجوده ولا يغيب مفقوده، فلما أراد الرجوع الى العالم المصنوع طلب حصول العلامة ، فكتب على جناح الحمامة: أما بعد؟ 
فإنك أيها الطلسم الذي لا ذات ولا اسم، ولا ظل ولا رسم، ولا روح ولا جسم، ولا وصفر ولا نعت، ولا وسم .
 لك الوجود والعدم ، ولك الحدوث والقدم، معدوم لذاتك موجود في النفس، معلوم بنعمتك مفقود بالجنس، كأنك ما خلقت الا معيارا وكأنك لم تكن الا أحبارا، برهن عن ذاتك بصريح لغاتك، فقد وجدتك حيا عالما مريدا قادرا متكلما سميعا بصيرا.
 حويت الجمال وحزت الجلال، واستوعبت بنفسك أنواح الكمال، أما ما تصورت من اثبات موجود غيرك فما ثم، وأما حسنك الباهي فقد ثم المخاطب بهذا الكلام ذاك.
 بل أنت بل أنا، يا من عدم هناك فقد وجدناك هنا:
عزّت مداركه غابت عوالمه  .....     جلّت مهالكه أصمت صوارمه
لا العين تبصره لا الحد يحصره   ..... لا الوصف يحضره من ذا ينادمه
آلت عبارته ضاعت إشارته   ......    هدت عمارته قلب يصادمه
عكل ولا فلك روح ولا ملك   .....     ملك له ملك عزّت محارمه
عين ولا بصر علم ولا خبر  ......   فعل ولا أثر غابت معالمه
قطب على فلك شمس على حبك  ..... طاوس في سكك تجلى عظائمه
أنموذج سطرا بالاصطلاح سرى  ..... عن الوجود عرى روحي عوالمه
حرب ملوّنة دار مكوّنة   ......  نفس مدوّنة ميت همى دمه
ذات مجرّدة نعت مفرّدة  ......  آي مفردة يقراه راقمه
محض الوجود له والنفي يشمله ...... يدري ويجهله من قام نائمه
نفى وقد تثبتت سلب وقد وجبت ...... رمز وقد عرفت نشر وناسمه
لا تطمعن فما تلقى له حرما .....   إن كنت مغتنماً هذي مغانمه
عنقاء مغربه أنت المراد به .....   تنزيه مشتبه مما يلائمه
موج له زخر بحر به غرر .....   نار له شرر والعشق ضارمه
مجهولة وصفت منكورة عرفت ....  وحشية ألفت قلباً يسالمه
إن قلت تعرفه فلست تنصفه  ......  أو قلت تنكره فأنت عالمه
سري هويته روحي إنيته ......   قلبي منصته والجسم خادمه
إني لأعقله مع ذاك أجهله  .....   من ذا يحصله صدت غنائمه
يعلو فكتمه يدنو فأفهمه  .....    يملي فأرقمه يدهيك قائمه
نزهته فعرى شبهته فسرى  .....   جسمته فطرا ما لا أقاومه
نزلته فأبى بالحسن منتهياً   .....   يلقاه منتسباً في الهُدب صارمه
في خده سجل في ناره شعل  ....  في جفنه كحل كالرمح قائمه
في ريقه عسل في قده أسل   ....  في جعده رسل والظلم ظالمه
سمر سواعده سود جعائده   .....  بيض نواجذه حمر مباسمه
خمر مراشفه سحر معاطفه  .....   وهم لطائفه التيه لازمه
مجهولة وصفت مملوآة عرفت  .....  وحشية ألفت قلبي تكالمه
الفتك صنعته والقتل شيمته    ......   والهجر حليته مرت مطاعمه
مرآب بسطا مقيد نشطا    ......   مصور غلطا نور طواسمه
ما جوهر عرض ما صحة مرض  .....  سهم هو الغرض حارت قواسمه
فرد وقد آثرا جمع ولا نفرا    ......   أمامنا وورا الكل عالمه
جهل هو العلم حرب هو السلم   .....  عدل هو الظلم مدت قواصمه
يبكي ويطربني يصحو ويسكرني  .....   ينجو ويغرقني أبغي أحكمه
طوراً ألاعبه طوراً أصاحبه  .....   طوراً أجانبه طوراً اكالمه
طوراً يخاللني طوراً يواصلني  .....  طوراً يقاتلني حتى أخاصمه
إن قلت قد طرباً ألقاه مغتضبا  ..... أو قلت قد وجبا تبقى عزائمه
وحش وما ألفا نكر وما عرفا  ....  ذات وما وصفا عكل دعائمه
شمس وقد سطعت برق وقد لمعت ..... ورق وقد سجعت فوقي حمائمه
ضدان قد جمعا فيه وما امتنعا .....   عين إذا نبعا هاجت ملاطمه
سم لذائقه مسك لناشقه بحر ....... لغارقه ضاعت علائمه
ثم كتب على جناح الطير الأخضر بقلم مداد الكبريت الأحمر: كما بعد، فإن العظمة نار والعلم ماء والقوى هواء والحكمة تراب، عناصر بها يتحقق جوهرنا الفرد.

ولهذا الجوهر عرضان:

 الأول الأزل، والثاني الأبد. 
وله وصفان: 
الوصف الأول: الحق، 
والوصف الثاني: الخلق. 

وله نعتان:

النعت الأول القدم، 
والنعت الثاني الحدوث. 

وله اسمان: 

الاسم الأول الربّ،
والاسم الثاني: العبد. 

وله وجهان: 

الوجه الأول الظاهر وهو الدنيا،
والوجه الثاني: الباطن وهو الأخرى. 

وله حكمان: 

الحكم الأول الوجوب،
والحكم الثاني: الإمكان. 

وله اعتباران: 

الاعتبار الأول أن يكون لنفسه مفقوداً ولغيره موجوداً، 
والاعتبار الثاني: أن يكون لغيره مفقوداً ولنفسه موجودا.

وله معرفتان: 

المعرفة الأولى وجوبيته أولا وسلبيته آخرا. 
المعرفة الثانية سلبيته أولا ووجوبيته آخرا. 
وله نقطة للمفهوم فيها غلطة وللعبارات عن معانيها انحرافات وللإرشادات عن معانيها انصرافات . 
والحذر أيها الطير في حفظ هذا الكتاب الذي لا يقرأه الغير. 
فلم يزل الطير طائرا في تلك الأفلاك حيا في ممات باقيا في إهلاك، إلى أن نشر جناحه، وقد كان لف، وكشف بصره وقد كان كف . 
فوجده لم يخرج عن نفسه ولم ينطق في سوى جنسه، داخلا في البحر خارجا عنه شاربا ريانا فيه ظمآنا منه ، ولا يكلمه قطعا ولا يفقد منه شيئا، تجد الكمال المطلق محققا عبارة عن نفسه وذاته ، ولا يملك تمام صفاته.
يتصف بأسماء الذات والأوصاف حق الاتصاف، وليس له زمام يملكه بحكم الاتفاق والاختلاف. 
يتمكن من التصرف بصفاته كل التمكين، وليس له شيء بكماله في التعيين، له كما الجولان في محله وعالمه، وليس له سرى الانحصار في منازله ومعالمه، يرى كمال بدره محققا في نفسه، ولا يستطيع منعا لكسوف شمسه ، يجهل الشيء وهو به عارف  ويرحل من المحل وهو فيه واقف، يسوغ الكلام فيه بغير لسان ولا يسوغ، ويستقيم عرفانه ولا يزوغ.
أدخل العالم فيه عرفانا أبعدهم عنه بيانا، أقصى الناس عن سوحه أقربهم منه، حرفه لا يقرأ ومعناه لا يفهم ولا يدري.
وعلى الحرف نقطة وهمية دارت عليها دائرة، ولها في نفسها عالم ، ذلك العالم على هيئة الداثرة المستدرة فوقها وهو أعني النقطة نقطة من تلك الدائرة .
وهي جزء من هيئة أجزائها، والدائرة بجميعها في حاشية من حواشي بساطها، فهي بسيطة من نفسها مركبة من حيث هيئتها.
فرد من جهة ذاتها، نور باعتبار وضوحها، ظلمة باعتبار عدم الوقوع عليها.
وكل هذا المقال لا يقع على حقيقة ذات المتعال "جل جلاله"، كل فيه اللسان وانحصر، وضاق عنه الزمان وانحسر، تعالى الله العظيم الشأن، الرفيع السلطان العزيز الديان، ثم قال: 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني في الاسم مطلقاً. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي    الجمعة مايو 18, 2018 1:59 pm

الباب الثاني في الاسم مطلقاً. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثاني في الاسم مطلقاً

حيّ لهند ممنع الأعتاب   ...    عالي المكان شامخ الأبواب
من دونه ضرب الرقاب وكل ما ....   لا تستطيع الخلق من إعراب
لو أن نشراً هب من أرجائها .... سلب العقول وطاش بالألباب 
الاسم ما يعين المسمى في الفهم، ويصوّره في الخيال، ويحصره في الوهم، ويدبره في الفكر، ويحفظه في الذكر، ويوجده في العقل، سواء كان المسمى موجوداً أو معدوماً، حاضراً أو غائباً، فأول كمال تعرّف المسمى نفسه إلى من يجهله بالاسم.
فنسبته من المسمى نسبة الظاهر من الباطن، فهو بهذا الاعتبار عين المسمى، ومن المسميات ما تكون معدومة في نفسها، موجودة في اسمها كعنقاء مغرب في الاصطلاح.
فإنها لا وجود لها إلاَّ في الاسم، وهو الذي كسبها هذا الوجود، منه أعلمت صفاتها التي تقتضيها لذات هذا الاسم، وهو أعني الاسم غير المسمى.
باعتبار أن مفهوم عنقاء مغرب في الاصطلاح: هو الشيء الذي يغرب عن العقول والأفكار، وكن بنقشه على هيئة مخصوصة غير موجودة المثال لعظمها، وليس هذا الاسم بنفسه على هذا الحكم فكأنه ما وضع على هذا المعنى إلاَّ وضعاً آلياً على معقول معنى ليحفظ رتبته في الوجود كيلا ينعدم، فتحسب أن الوجود في ذاته ما هو بهذا الحكم.
فهو السبيل إلى معرفة مسماه، ومنه يصل الفكر إلى تعقل معناه، فألق الإلف من الكلام، واستخرج الورد
من الكِمام ، وعنقاء مغرب في الخلق مضادّ لاسمه الله تعالى في الحق، فكما أن مسمى عنقاء في نفسه عدم محض، فكذلك مسمى الله تعالى في نفسه وجود محض.
فهو مقابل لاسم الله باعتبار أن لا وصول إلى مسماه إلا به، فهو أي عنقاء مغرب بهذا الاعتبار موجود، فكذلك الحق سبحانه وتعالى لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق أسمائه وصفاته.
إذ كل من الأسماء والصفات تحت هذا الاسم، ولا يمكن الوصول إليه إلاَّ بذريعة أسمائه وصفاته فحصل من هذا أن لا سبيل إلى الوصول إلى الله إلاَّ من طريق هذا الاسم.
واعلم أن هذا الاسم هو الذي اكتسب الوجود بحقيقته، وبه اتضحت له سبيل طريقته، فكان ختماً على المعنى الكامل في الإنسان. 
وبه اتصل المرحوم بالرحمن، فمن نظر نقش الختم فهو مع الله تعالى بالاسم، ومن عبر المنقوشات فهو مع الله تعالى بالصفات، ومن فكّ الختم فقد جاوز الوصف والاسم، فهو الله بذاته غير محجوب عن صفاته، فإن أقام الجدار الذي يريد أن ينقض، وأحكم الختم الذي يريد أن ينفض، بلغ يتيماً حقه وخلقه أشدهما واستخرجا كنزهما.
واعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعل هذا الاسم مرآة للإنسان، فإذا نظر بوجهه فيها علم حقيقة “ كان الله ولا شيء معه “  وكشف له حينئذ أن سمعه سمع الله وبصره بصر الله وكلامه كلام الله وحياته حياة الله وعلمه علم الله وإرادته إرادة الله وقدرته قدرة الله تعالى.
كل ذلك بطريق الاصالة ويعلم حينئذ ان جميع ذلك انما كان منسوبا اليه بطريق العارية والمجاز، وهي لله بطريق الملك والتحقيق.
قال تعالي : "والله خلفكم وما تعملون" 96 سورة الصافات ، وقال في موضع اخر : "إنما تعبدون دون الله أوثانا وتخلقون افكا" 17 سورة العنكبوت.
فكأن ذلك الشيء الذي يخلقونه هو الشيء الذي بخلقه الله ، فكأن الخلق منسوبا اليهم بطريق العارية و المجاز، وهو الله بطريق الملك والنسبة.
والناظر وجهه في مرآة هذا الاسم يكتسب هذا العلم ذوقاً يكون عنده من علوم التوحيد علم الواحدية، ومن حصل له هذا المشهد كن مجيباً لمن دعا الله، فهو إذن مظهر لاسمه الله، ثم إذا ترقى وصفا من كدر العدم إلى العلم بوجود الواجب، وزكاه الله بظهور القدم من حيث الحدث صار مرآة لاسمه الله.
 فهو حينئذ مع الاسم كمرآتين متقابلتين توجد كل منهما في الأخرى.
ومن حصل له هذا المشهد كان الله مجيباً لمن دعاه، يغضب الله لغضبه ويرضى لرضاه، ويوجد عنده من علوم التوحيد علم الأحدية فما دونها.
وبين هذا المشهد والتجلي الذاتي لطيفة، وهي أن صاحب هذا المشهد يتلو الفرقان وحده، والذاتي يتلو جميع الكتب المنزلة فافهم.
واعلم أن هذا الاسم هيولي الكمالات كلها، لا يوجد كمال إلاَّ وهو تحت فلك الاسم، ولهذا ليس لكمال الله من نهاية، لأن كل كمال يظهره الحق من نفسه فإن له في غيبه من الكمالات ما هو أعظم من ذلك واكمل، فلا سبيل إلى الوقوع على نهاية الكمال من الحق بحيث أن لا يبقى مستأثراً عنده،
وكذلك الهيولي المعقولة أيضاً لا سبيل إلى بروز جميع صورها بحيث أن لا يبقى فيها قابلية صورة أخرى، هذا لا يمكن البتة فلا يدرك لما في الهيولى من الصور غاية.
وإذا كان هذا من المخلوق فكيف في الحق الكبير المتعال. 
ومن حصل من تجليات الحق في هذا التجلي قال: بأن درك العجز عن الإدراك إدراك.
ومن تجلى له الحق في تجلي معناه عين الله حيث علمه وتحققه حيث عينه فهو لا يقول بالعجز عن الإدراك ولا بما ينافي ذلك، بل يتداعاه الطرفان، فيكون مقامه المقام الذي لا يمكن عنه تعبير.
وهو أعلى مشهد في الله، فاطلبه ولا تكن عنه لاه، وقال فيه رحمه الله تعالى:
الله كبر هذا البحر قد زخرا   .....   وهيّج الريح موجاً يقذف الدررا
فاخلع ثيابك واغرق فيه عنك ودع  .....  عنك السباحة ليس السبح مفتخرا
ومت فميت بحر الله في رغد   ..... حياته بحياة اللَّه قد عمرا
واعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعل هذا الاسم هيولي كمال صور المعاني الإلهية.
وكان كل من تجليات الحق التي لنفسه في نفسه داخلاً تحت حيطة هذا الاسم وما بعده، إلاَّ الظلمة المحضة التي تسمى بطون الذات في الذات.
وهذا الاسم نور تلك الظلمة فيه يبصر الحق نفسه، وبه يتصل إلى معرفة الحق، وهو باصطلاح المتكلمين علم على ذات استحقت الألوهية.
وقد اختلف العلماء في هذا الاسم، فمن قائل يقول: إنه جامد غير مشتق، وهو مذهبنا لتسمي الحق به قبل خلق المشتق منه. 
ومن قائل: إنه مشتق من ألِهَ يأله إذا عشق، بمعنى تعشق الكون لعبوديته بالخاصية في الجري على إرادته والذلة لعزة عظمته، فالكون به من حيث هو هو لا يستطيع مدافعة لذلك، لما نزل ماهية وجوده عليه من التعشيق لعبودية الحق سبحانه وتعالى كما يتعشق الحديد بالمغناطيس تعشقاً ذاتياً.
وهذا التعشق من الكون بعبوديته هو تسبيحه الذي لا يفهمه الكل "العاجز" .
وله تسبيح ثان وهو قبوله لظهور الحق فيه.
وتسبيح ثالث وهو ظهوره في الحق باسم الخلق. 
وتسبيحات الكون كثيرة لله تعالى، فلها بنسبة كل اسم لله تسبيح خاص يليق به بذلك الاسم الإلهي، فهي تسبيح لله تعالى باللسان الواحد في الآن الواحد بجميع تلك التسبيحات الكثيرة المتعددة التي لا يبلغها الإحصاء.
وكل فرد من أفراد الوجود بهذه الحالة مع الله، فاستدل من قال بأن هذا الاسم مشتق بقولهم إله ومألوه.
فلو كان جامداً لما تصرف، 
ثم قالوا: إن هذا الاسم لما كن أصله إله ووضع للمعبود دخله لام التعريف فصار الإله، فحذف الألف الأوسط منه لكثرة الاستعمال فصار الله.
وفي هذا الاسم لعلماء العربية كلام كثير فلنكتف بهذا القدر من كلامهم للتبرّك.
واعلم أن هذا الاسم خماسي لأن الألف التي قبل الهاء ثابتة في اللفظ ولا يعتد بسقوطها في الخط لأن اللفظ حكم على الخط.
واعلم أن الألف الأولى عبارة عن الأحدية التي هلكت فيها الكثرة ولم يبق لها وجود بوجه من الوجوه.
ذلك حقيقة قوله تعالى: { كل شيء هالك الا وجهه}[القصص، الآية:
88 ] يعني وجه ذلك الشيء، وهو أحدية الحق فيه ومنه، له الحكم فلا يقيد بالكثرة إذ ليس لها حكم.
ولما كنت الأحدية أول تجليات الذات في نفسه لنفسه بنفسه كان الألف في أول هذا الاسم، وانفراده بحيث لا يتعلق به شيء من الحروف تنبيهاً على الأحدية التي ليس للأوصاف الحقيقية ولا للنعوت الخلقية فيها ظهور.
فهي أحدية محضة اندحضت فيها الأسماء والصفات والأفعال والتأثيرات والمخلوقات، وإليه إشارة بسائط هذه الحروف باندحاضها فيه، إذ بسائط هذا الحرف ألف ولام وفاء، فالألف من البسائط يدلّ على الذات الجامعة.

وثم نكتة أخرى: 

وهي النقطة التي في رأس الفاء كنها هي التي دائرة رأس الفاء محلها، 
وهنا إشارة لطيفة إلى الأمانة التي حملها الإنسان، وهي، أعني الأمانة كمال الألوهية، كما أن السماء والأرض وأهليهما من
المخلوقات لم تستطع حمل هذه الأمانة.
وكذلك جميع الفاء ليس محلاً للنقطة سوى رأسها المجوف الذي هو عبارة عن الإنسان. 
وذلك لأنه " أول ما خلق الله روح نبيك يا جابر " : رئيس هذا العالم، وفيه قيل فكذلك القلم من يد الكاتب أول ما يصوّر رأس الفاء، فتحصل من هذا الكلام وما قبله أن أحدية الحق يبطن فيها حكم كل شيء من حقائق أسمائه وصفاته وأفعاله ومؤثراته ومخلوقاته.
ولا يبقى إلاَّ صفة ذاته المعبر عنها من وجه بالأحدية، وقد تكلمنا في هذا الاسم بعبارة أبسط من هذا في كتابنا المسمى بـ [الكهف والرقيم، في شرح بسم الله الرحمن الرحيم] ، فلينظر هناك.

والحرف الثاني من هذا الاسم: هو اللام الأول، فهو عبارة عن الجلال

ولهذا كان اللام ملاصقاً للألف لأن الجلال أعلى تجليات الذات ، وهو أسبق اليها وقد ورد في الحديث النبوي : "العظمة إزاري، والكبرياء ردائي " ولا اقرب من الازرار و الرداء الي الشخص ، فثبت ان صفات الجلال أسبق اليه من صفات الجمال: إليها من الجمال. 
ولا يناقض هذا قوله تعالي "سبقت رحمتي غضبي" فان الرحمة السابقة انما هي شرط العموم ، والعموم من الجلال .
واعلم أن الصفة الواحدية الجمالية إذا استوفت آمالها في الظهور أو قاربت سميت جلالاً ، لقوة ظهور سلطان الجمال، فمفهوم الرحمة من الجمال وعمومها وانتهاؤها هو الجلال.

الحرف الثالث هو اللام الثاني: وهو عبارة عن الجمال المطلق الساري في مظاهر الحق سبحانه وتعالى، 

وجميع أوصاف الجمال راجع إلى وصفين: العلم واللطف.
 كما أن جميع أوصاف الجلال راجع إلى وصفين: العظمة والاقتدار

ونهاية الوصفين الأولين إليهما، فكأنهما وصف واحد، ومن ثم قيل:
إن الجمال الظاهر للخلق إنما هو جمال هو الجلال، والجلال انما هو جمال الجمال المتلازم كل واحد منهما الاخر .
فتجليتهما في المثل كالفجر الذي هو اول مبادئ طلوع الشمس الى نهاية طلوعها فنسبة الجمال  نسبة الفجر و نسبة الجلال نسبة شروقها .
وهذا الاشراق من ذلك الفجر وذلك الفجر من ذلك الاشراق ، فهذا معني جمال الجلال و جلال الجمال.
ولما كان هذا اللام إشارة إلى هذين المظهرين لكن باختلاف المراتب، وكنت بسائطه لام ألف ميم، وجملة هذه الأعداد أحد وسبعون عدداً، وتلك هي عدد الحجب التي أسدلها الحق دونه بينه وبين خلقه.
وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم :"ان لله نيفا وسبعين حجابا من نور وهو الجمال وظلمة وهو الجلال لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ".
يعني الواصل إلى ذلك المقام لا يبقى له عين ولا أثر، وهي الحالة التي يسميها الصوفية المحق والسحق. فكل عدد من أعداد هذا الحرف إشارة إلى مرتبة من مراتب الحجب التي احتجب الله تعالى بها عن خلقه وفي كل مرتبة من مراتب الحجب ألف حجاب من نوع تلك المرتبة العزّة مثلاً، فإنها أول حجاب قيد الإنسان في المرتبة الكونية، ولكن له ألف وجه.
وكل وجه حجاب، وكذلك بواقي الحجب، ولولا قصد الاختصار لشرحناها على أتم الوجوه واكملها وأخصها وأفضلها.

الحرف الرابع من هذا الاسم: هو الألف الساقط في الكتابة، ولكنه ثابت في اللفظ، 

وهو ألف الكمال المستوعب الذي لا نهاية ولا غاية له، وإلى عدم غايته الإشارة بسقوطه في الخط لأن الساقط لا تدرك له عين ولا أثر.
وفي ثبوته في اللفظ إشارة إلى حقيقة وجود نفس الكمال في ذات الحق سبحانه وتعالى، فعلى هذا الكامل من أهل الله في أكمليته يترقى في الجمال.
والحق سبحانه وتعالى لا يزال في تجليات، وكل تجلّ من تجلياته في ترقّ في أكمليته، فإن الثاني يجمع الأول، فعلى هذا تجلياته أيضاً في ترق.
 ولهذا قال المحققون: إن العالم كله ترقّ في كل نفس لأنه أثر تجليات الحق وهي في الترقي، فلزم من هذا أن يكون العالم في الترقي.
فإن قلت بهذا الاعتبار: إن الحق سبحانه وتعالى في ترقّ وأردت بالترقي ظهوره لخلقه، جاز هذا الحديث في الجناب العالي الإلهي، تعالى الله سبحانه عن الزيادة والنقصان،وجلّ أن يتصف بأوصاف الاكوان.

الحرف الخامس من هذا الاسم: هو الهاء، فهو إشارة إلى هوية الحق الذي هو عين الإنسان،

قال الله تعالى: { قل يا محمد { أي الإنسان { "قل هو الله أحد" ، فهاء الإشارة في هو راجع الى فاعل قل و هو انت، والا لا يجوز إعادة الضمير الى غير مذكور ، أقيم المخاطب هنا مقام الغائب التفاتا بيانيا إشارة الى ان المخاطب بهذا ليس نفس الحاضر وحده ، بل الغائب و الحاضر في هذا علي السواء.
قال الله تعالي :"ولو تري اذ وقفوا"27 سورة الانعام
ليس المراد به محمدا وحده، بل كل راء. 
فاستدارة رأس الهاء اشارة الى دوران رحى الوجود الحقي والخلقي على الانسان، فهو في عالم المثال كالدائرة التي أشار الهاء اليها، فقل ما شئت.
ان شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق، 
وان شئت قلت ان الدائرة خلق وجوفها حق فهو حق وهو خلق.
وان شئت قلت الأمر فيه بالإلهام .
 فالأمر في الإنسان دوري بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز وبين أنه على صورة الرحمن، فله الكمال والعز.
قال الله تعالى: " والله هو الولي " 9 سورة الشوري يعني الإنسان الكامل الذي قال فيه: "الا إن اولاياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" 62 سورة يونس،  لأنه يستحيل الخوف والحزن ، وأمثال ذلك على الله؟!
لأن الله هو الولي الحميد ، "وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير"9 سورة الشوري، أي الولي؟ 
فهو حق متصور في صورة خلقية ، آو خلق متحقق بمعاني الإلهية.
فعلى كل حال وتقدر وفي كل مقال وتقرير هر الجامع لوصفي النقص والكمال، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال، فهو السماء والأرض وهو الطول والعرض؟ 
وفى هذا المعني قلت :
لي الملك في الدارين لم أر فيهما  .... سواي فأرجو فضله أو فأخشاه
ولا قبل من قبلي فألحق شأنه     ..... ولا بعد من بعدي فأسبق معناه
وقد حزت أنواع الكمال وإنني  ..... جمال جلال الكلّ ما أنا إلاَّ هو
فمهما ترى من معدن ونباته  .....   وحيوانه مع أنسه وسجاياه
ومهما ترى من عنصر وطبيعة   .... ومن هباء للأصل طيب هيولاه
ومهما ترى من أبحر وقفاره    .... ومن شجر أو شاهق طال أعلاه
ومهما ترى من صورة معنوية  ......   ومن مشهد للعين طاب محياه
ومهما ترى من فكرة وتخيل    ..... وعقل ونفس أو فقلب وكحشاه
ومهما ترى من هيئة ملكية    ...... ومن منظر إبليس قد كن معناه
ومهما ترى من شهوة بشرية ...... لطبع وإيثار لحق تعاطاه
ومهما ترى من سابق متقدم  ......  ومن لاحق بالقوم لفاه ساقاه
ومهما ترى من سيد ومسود  ...... ومن عاشق صبّ صبا نحو ليلاه
ومهما ترى من عرشه ومحيطه  ......  وكرسيه أو رفرف عز مجلاه
ومهما ترى من أنجم زهرية    ...... ومن جنة عدن لهم طاب مثواه
ومهما ترى من سدرة لنهاية .......  ومن جرس قد صلصلا منه طرفاه
فإني ذاك الكلّ والكلّ مشهدي ....... أنا المتجلي في حقيقته لا هو
وإني ربّ للأنام وسيد  ........ جميع الورى اسم وذاتي مسماه
لي الملك والملكوت نسجي وصنعتي ..... لي الغيب والجبروت مني منشاه
وها أنا فيما قد ذكرت جميعه .......       عن الذات عبد آيب نحو مولاه
فقير حقير خاضع متذلل  .......    أسير ذنوب قيدته خطاياه
فيا أيها العرب الكرام ومن همو        ......   لصبهم الولهان أفخر ملجاه
قصدتكم أنتم قصارى ذخيرتي   ......   وأنتم شفيعي في الذي أتمناه
ويا سيداً حاز الكمال بأثره     ......   فأضحى له بالسبق شأو تعالاه
لأستاذ شيخ العالمين وشيخهم  .....    ونور حواه الأكملون ولألاه
عليكم سلامي كل يوم وليلة     ......    تزيد على مرّ الزمان تحاياه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث في الصفة مطلقاً كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي    الجمعة مايو 18, 2018 2:00 pm

الباب الثالث في الصفة مطلقاً كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث في الصفة مطلقاً

الصفة ما تبلغك حالة الموصوف: أي ما توصل إلى فهمك معرفة حاله، وتكيفه عندك وتجمعه في وهمك وتوضحه في فكرك، وتقرّبه في عقلك فتذوق حالة الموصوف بصفته، ولو قسته بك ووزنته في نفسك فحينئذ إما أن يميل الطبع إليه لوجود الملائم، وإما أن ينفرد لذوق المخالف، فافهم.
وتأمله وذقه ليختم في سمعك بطابع رحمن جمعك، ولا يمنعك هذا القشر فهو على اللبّ حجاب وعلى الوجه نقاب.
ثم إن الصفة تابعة للموصوف أي لا تتصف بصفات غيرك ولا بصفات نفسك ولا بنعتك، ولا تكن منه على شيء إلاَّ إذا علمت أنك عين ذلك الموصوف وتحققت أنك العليم، فحينئذ العلم تابع لك ضرورة لا تحتاج فيه إلى زيادة تكيد، لأن الصفة متعلقة بالموصوف تابعة له توجد بوجود الموصوف وتفقد بانعدامه.
والصفة عند علماء العربية على نوعين: صفة فضائلية، وصفة فاضلية.
فالفضائلية هي التي تتعلق بذات الإنسان كالحياة، والفاضلية هي التي تتعلق به وبخارج عنه كالكرم وأمثال ذلك.
وقال المحققون: أسماء الحق تعالى على قسمين: يعني الأسماء التي تفيد في نفسها وصفاً فهي عند النحاة أسماء نعوتية.

القسم الأول: 

هي الذاتية، كلأحد والواحد والفرد والصمد، والعظيم والحيّ والعزيز والكبير والمتعال، وأشباه ذلك.

القسم الثاني:

 هي الصفاتية، كلعلم والقدرة، ولو كنت من الأوصاف النفسية كالمعطي والخلاق، ولو كنت من الأفعالية، وأصل الوصف في الصفات الإلهية اسمه الرحمن فإنه مقابل لأسماء الله في الحيطة
والشمول، والفرق بينهما أن الرحمن مع جمعه وعمومه مظهر للوصفية، والله مظهر للاسمية.
واعلم أن الرحمن علم على ذات المرتبة العلية من الوجود بشرط الشمول للكمال المستوعب الذي لا نقص فيه من غير نظر إلى الخلق، واسمه تعالى الله علم على ذات واجب الوجود لكن بشرط الشمول للكمال الحقي، والعموم للوصف الخلقي.
فالله عام والرحمن خاص، أعني اسمه الرحمن مختص بالكمالات الإلهية، واسمه الله شامل للحق والخلق، ومتى تخصص الرحمن بكمال من الكمالات انتقل معناه من محله إلى اسم لائق بذلك الكمال، كاسمه الرب والملك. 
وأمثال ذلك، فإن آلاً من هذه الأسماء ينحصر معناه على ما يعطيه وصفه من المرتبة، بخلاف اسمه الرحمن فإن مفهوم معناه ذو الكمال المستوعب لجميع الكمالات، فهو صفة جامعة لجميع الصفات الإلهية.
واعلم أن الصفة عند المحقق هي التي لا تدرك وليس لها غاية، بخلاف الذات، فإنه يدرآها ويعلم أنها ذات الله تعالى، ولكن لا يدرك ما لصفاتها من مقتضيات الكمال، فهو على بينة من ذات الله ولكن على غير بينة من الصفات.
مثاله أن العبد إذا ترقى من المرتبة الكونية إلى المرتبة القدسية وكشف له عنه، علم أن ذات الله تعالى هي عين ذاته، فقد أدرك الذات وعلمها، وبقي عليه أن وقال صلي الله عليه وسلم " من عرف نفسه فقد عرف ربّه " .
يعلم ما لهذه الذات من الصفات كما هو لها بحق حقيقة مما اتصفت الذات الإلهية بأوصافها ولا سبيل إلى درك غاية الصفة البَتَّة، مثاله في الصفة العلمية إذا حصلها العبد الإلهي فإنه لا يدرك منها على التفصيل إلاَّ القدر الذي ينزل على قلبه.
فأدرك من الصفة العلمية مثلاً آم في الوجود رجلاً، وبقي عليه أن يعلم أسماءهم كلا على حدته، فإن علم بقي عليه أوصافهم ثم ذواتهم ثم أنفاسهم ثم حالاتهم إلى ما لا يتناهى.
وكذلك باقي الصفات كل واحدة بهذه المثابة، وهذا لا سبيل إلى استيعابه مفصلاً، ولكن على سبيل الإجمال، فإنه يحصل من حيث الذات لدرآه ذاته فلا يفوته شيء من ذلك، فإذن ما المدركة إلاَّ الذات وما غير مدركة إلاَّ الصفات .
لأن عدم التناهي هو من صفات الذات لا من الذات، فالذات مدركة معلومة محققة، والصفات مجهولة غير متناهية.
وكثير من أهل الله حجبوا بهذه المسألة، فإنهم لما كشف الله لهم عن ذاته أنه هم طلبوا إدراك صفاته فلم يجدوها من أنفسهم فأنكروه، فلم يجيبوه إذ ناداهم ولم يعبدوه إذ قال لموساهم: {إنني انا الله لا اله الا انا فأعبدني  }[سورة طه، الآية: 14 ] 
وقالوا له: لست إلاَّ المخلوق، لأنهم ما اعتقدوا في الحق أن تدرك ذاته وتجهل صفاته، وكن التجلي على خلاف المعتقد فحصل الإنكار.
وظنوا أن الصفات تدرك في الذات شهوداً كما تدرك الذات، ولم يعلموا أن هذا ممتنع حتى في المخلوق
لأنك إنما ترى وتعاين منك ذاتك.
وأما ما فيك من صفة الشجاعة والسخاوة والعلم فإنه لا يدرك بشهود، بل يبرز منك شيئاً فشيئاً على قدر
معلوم، فإذا برزت الصفة وشوهد منها هذا الأثر حكم لك بهذا، وإلا فتلك الصفات جميعها منطوية فيك جميعها غير مدركة ولا مشهودة، لكن العقل ينسبها إليك بطريق العادة وجرياً على القانون المفهوم.
واعلم أن إدراك الذات العلية هو أن تعلم بطريق الكشف الإلهي أنك إياه وهو إياك، وأن لا اتحاد ولا حلول، وأن العبد عبد والرب ربّ، ولا يصير العبد ربّاً ولا الربّ عبداً، فإذا عرفت هذا القدر بطريق الذوق والكشف الإلهي الذي هو فوق العلم والعيان ولا يكون ذلك إلاَّ بعد السحق والمحق الذاتي.
وعلامة هذا الكشف أن يفنى أولاً عن نفسه بظهور ربّه، ثم يفنى وأما كون ما لهويتك من العلم والقدرة والسمع والبصر والعظمة والقهر والكبرياء وأمثال ذلك، فإن ما هو من مدارك الصفات يدرك منه كل من
الذاتيين على قدر قوة عزمه وعلوّ همته ودخول علمه، فقل ما شئت:
إن قلت: إن الذات لا تدرك فباعتبار أنها عين الصفات، وإلى هذا المعنى أشار
بقوله: {لا تدركه الابصار} [سورة الأنعام، الآية: 103 ] لأن الأبصار من الصفات، فمن لم يدرك الصفة لم يدرك الذات.
وإن قلت: إنها تدرك، فباعتبار ما قد سبق.
وهذه مسألة خفيت على كثيرين من أهل الله تعالى، فلم يتحدث عليها أحد قبلي، فليتأمل فيها فهي من نوادر الوقت، وهذا مجلى من كشف له عنه ذاق لذّة اتصاف الله بأوصافه.
فإذا ترقى فيه بلغ إلى معرفة كيفية الاتصاف بأوصافه، وفيه التناهي والدخول فافهم.
على أنه لا يفهمه إلا المتهيئون للكمال المقرّبون من ذي الجلال والاكرام، وكم دون هذا المقام
من أسمر وحسام.
أولع قلبي من زَرود بمائه   ....  ويا ولهي كم مات ثمة والع
ولي طمع بين الأجارع عهده  .... قديم وآم خابت هناك المطامع
هذا قد مضى، ولنا في هذا المعنى كلام آخر وهو مضاد للمعنى الأول في ظاهر اللفظ، وإلاَّ فلا تضادّ، ولأن متضادات الحقائق جميعاً كلها متحدة المعنى في الحقيقة.
وذلك أن الصفات من حيث الإطلاق هي معاني معلومة، والذات هي أمر مجهول، فالمعاني المعلومة أولى بالإدراك من الأمر المجهول.
فإذاً قد صح عدم الإدراك فيها، أعني في الصفات، فلا سبيل إلى إدراك الذات بوجه من الوجوه، فعلى الحقيقة لا صفاته مدركة ولا ذاته.
واعلم أن اسمه الرحمن على وزن فعلان، وهو يكون في اللغة لقوّة اتصاف المتصف به وظهوره عليه، ولذا وسعت رحمته كل شيء حتى مآل أمر أهل النار إلى الرحمة.
واعلم أن هذا الاسم تحته جميع الأسماء الإلهية النفسية، وهي سبعة:
الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.

فأحرفه سبعة:

الألف وهي الحياة: 

ألا ترى إلى سريان حياة الله في جميع الأشياء، فكانت قائمة به، واذا الألف سار بنفسه في جميع الأحرف حتى أن ما ثم حرف وأما لفظاً، فإن الحرف إذا بسطته وجدت الألف من بسائطه أو من بسائط بسائطه ولا سبيل إلى أن تفقده،.
فالباء مثلاً إذا بسطته قلت: باء فظهرت الألف.
 والجيم الف معوجة الطرفين، وكذلك البواقي.
واما لفظا فان الحرف اذا بسطته وجدت الالف من بسائطه او من بسائط بسائطه و لا سبيل ان تفقده .
فالباء مثلاً إذا بسطته قلت باء فظهرت الالف ، و الجيم مثلا اذا بسطته قلت: جيم ياء ميم والياء توجد فيها الألف، والميم كذلك وجميع الأحرف على هذا المثال.
فكان حرف الألف مظهر الحياة الرحمانية السارية في الموجودات.

واللام مظهر العلم، 

فمحل قائمة اللام علمه بنفسه ومحل تعريفه علمه بالمخلوقات؛ 

والراء مظهر القدرة المبرزة

من كون العدم إلى ظهور الوجود، فترى ما كان يعلم وتواجد ما كان يعدم؛ والحاء مظهر الإرادة ومحلها غيب الغيب؛ ألا ترى إلى حرف
الحاء آيف هو من آخر الحلق إلى ما يلي الصدر، والإرادة كذلك مجهولة في نفس الله فلا يعلم ولا يدرى ماذا يريد فيقضي به، فالإرادة غيب محض.

والميم مظهر السمع،

ألا تراه شفوياً من ظاهر الفم إذ لا يسمع إلا ما يقال، وما قيل فهو ظاهر سواء كن القول لفظياً أو حالياً، فدائرة رأس الميم المشابهة لها الهوية محل سماعه آلامه، لأن الدائرة يعود آخرها
إلى المحل الذي ابتدأت منه، وآلامه فمنه ابتدأ وإليه يعود.
وأما تعريفه الميم فمحل سماعه لكلام الموجودات حالياً كان أو مقالياً.
وأما الألف التي بين الميم والنون فمظهر البصر وله من الأعداد الواحد، وهو إشارة إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يرى إلاَّ بذاته. 
وكان الألف مسقطاً في الكتابة ومثبتاً في اللفظ، فسقوطه إشارة إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يرى المخلوقات إلاَّ من نفسه فليست بغير له، وإثباته في اللفظ، فإشارة إلى تمييز الحق بذاته في ذاته عن المخلوقات، وتقدّسه وتعاليه عن أوصافهم وما هم عليه من الذلّة والنقص.

وأما النون فهو مظهر لكلامه سبحانه وتعالى،

 قال الله تعالى: {ن و القلم وما يسطرون }[سورة القلم،
الآية: 1] وكناية عن اللوح المحفوظ، فهو كتاب الله الذي قال فيه : { ما فرطنا في الكتاب من شيء}[ سورة الأنعام، الآية: 38 ] وكتابه كلامه.

واعلم أن النون عبارة عن انتقاش صور المخلوقات بأحوالها وأوصافها آما هي عليه جملة واحدة، وذلك الانتقاش هو عبارة عن كلمة الله تعالى فهي تكون، على حسب ما جرى به القلم في اللوح الذي هو " كن " لها فهو تحت حيطة “كن “ مظهر لكلمة الحضرة.

لأن كل ما يصدر من لفظة "كن" فهو تحت حيطة اللوح المحفوظ.
 فلهذا قلنا: إن النون مظهر كلام الله تعالى.
واعلم أن النقطة التي فوق النون هي إشارة إلى ذات الله تعالى الظاهرة بصورة المخلوقات، فأول ما يظهر من المخلوقات ذاته ثم يظهر المخلوق لان نون ذاته أعلي واظهر من نون المخلوق .
وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "الصدقة اول ما يقع في ايدي الرحمن ثم تقع في يد السائل".
وكيف الحال وقد قال الصديق الأكبر رضي الله عنه : "ما رأيت شيئا والا رأيت الله قبله."
فاذا علمت ان النقطة إشارة الى ذات الله تعالي فاعلم ان دائرة النون إشارة الى المخلوقات.
وقد تحدثنا في اسم الرحمن بأبسط من هذا الكلام في كتابنا المسمى ب: [الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم]، فمن أراد معرفة ذلك فليطالع هنالك، فانظر إلى هذا الاسم الكريم وما حواه من الأسرار التي تحتار فيها الأفكار.
ولو تحدثنا في أسرار حروف هذا الاسم وكمية أعداده مع بسائطه وما تحت كل حرف منه من الاختراعات والانفعالات في الاكوان لأظهرنا عجائب وغرائب يحار الفهم فيه من أين يأخذه. 
وما تركناه مضنة به ولا بخلاً، ولكن قصدنا الاختصار في هذا الكتاب لئلا يملّ قارؤه وكاتبه فيفوته ما أردناه له من الانتفاع، وقد أودعنا هذا الكتاب من الأسرار ما هو أعظم من ذلك، والله المستعان وعليه التكلان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الرابع في الألوهية. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي    الجمعة مايو 18, 2018 2:03 pm

الباب الرابع في الألوهية. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الرابع في الألوهية

اعلم أن جميع حقائق الوجود وحفظها في مراتبها تسمى الألوهية،

وأعني بحقائق الوجود أحكام المظاهر مع الظاهر فيها، أعني الحق والخلق، فشمول المراتب الإلهية وجميع المراتب الكونية، وإعطاء كل حقه من
مرتبة الوجود هو معنى الألوهية.
والله اسم لربّ هذه المرتبة، ولا يكون ذلك إلاَّ لذات واجب الوجود تعالى وتقدّس، فأعلى مظاهر الذات مظهر الألوهية إذ له الحيطة والشمول على كل مظهر وهيمنة على كل وصف أو اسم، فالألوهية أم الكتاب.
والقرآن هو الأحدية، والفرقان هو الواحدية القرآنية، والكتاب المجيد هو الرحمانية، كل ذلك باعتبار، وإلا فأمّ الكتاب باعتبار الأول الذي عليه صلاح القوم هو ماهية كنه الذات.
والقرآن هو الذات، والفرقان هو الصفات، والكتاب هو الوجود المطلق، وسيأتي بيان هذه العبارات من هذا الكتاب في محله إن شاء الله تعالى.
وإذا عرفت الاصطلاح وعرفت حقيقة ما أشرنا إليه، علمت أن هذا عين ذلك، ولا خلاف في القولين إلا في العبارة، والمعنى واحد، فإذا علمت ما ذكرناه تبين لك أن الأحدية أعلى الأسماء التي تحت هيمنة الألوهية،
والواحدية أول تنزلات الحق من الأحدية.
فأعلى المراتب التي شملتها الواحدية المرتبة الرحمانية، وأعلى مظاهر الرحمانية في الربوبية وأعلى
مظاهر الربوبية في اسمه الملك.
فالملكية تحت الربوبية والربوبية تحت الرحمانية، والرحمانية تحت الواحدية، والواحدية تحت الأحدية والأحدية تحت الالوهية.
لان الالوهية إعطاء حقائق الوجود وغير الوجود حقها مع الحيطة والشمول .
والأحدية حقيقة من جملة حقائق الوجود، فالألوهية أعلى، ولهذأ كان اسمه الله أعلى الأسماء وأعلى من اسمه ألأحد  والأحدية أخص مظاهر الذات لنفسها، والألوهية أفضل مظاهر الذات لنفسها ولغيرها  ومن ثم منع أهل الله تجلى الأحدية ولم يمنعوا تجلي الألوهية ،فإن الأحدية ذات  محض لا ظهور لصفه فيها ، فضلا عن ان يظهر فيها مخلوق، فامتنع نسبتها الى المخلوق من كل وجه.
فما هي الا للقديم القائم بذاته ، ولا كلام في ذات واجب الوجود فانه لا يخفي عليه شيء من نفسه ، فان كنت انت هو ، فما انت انت ، بل هو هو ، و ان كان هو انت فما هو هو ، وانما أنت أنت.
فمن حصل في هذا التجلي فليعلم انه من تجليات الواحدية ، لان تجلي الاحدية لا يسوغ فيها ذكر انت ولا ذكر هو ، فافهم.
وسيجيئ الكلام عن الواحدية في موضعه من هذا الكتاب ان شاء الله .
واعلم أن الوجود والعدم متقابلان، وفلك الألوهية محيط بهما، لأن الألوهية محيط تجمع الضدين من القديم والحديث والحق والخلق والوجود والعدم.
فيظهر فيها الواجب مستحيلاً بعد ظهوره واجباً ويظهر فيها المستحيل واجباً بعد ظهوره فيها مستحيلاً، 
ويظهر الحق فيها بصورة الخلق مثل قوله : " رأيت ربي في صورة شاب أمرد " .
ويظهر الخلق بصورة الحق مثل قوله : "خلق آدم على صورته".
وعلى هذا التضاد فإنها تعطي كل شيء مما شملته من هذه الحقائق حقها، فظهور الحق في الألوهية على اكمل مرتبة وأعلاها وأفضل المظاهر وأسماها.
وظهور الخلق في الألوهية على ما يستحقه الممكن من تنوّعاته وتغيراته وانعدامه ووجوده.
وظهور الوجود في الألوهية على كمال ما تستحقه مراتبه من جميع الحق والخلق وأفراد كل منهما. 
وظهور العدم في الألوهية على بطونه وصرافته وانمحاقه في الوجه الاكمل غير موجود في فنائه المحض، وهذا لا يعرف بطريق العقل ولا يدرك بالفكر.
ولكنه من حصل في هذا الكشف الإلهي علم هذا الذوق المحض ، من هذا التجلي العام المعروف بالتجلي الإلهي.
وهو موضع حيرة الكمَّل من أهل الله تعالى، وإلى سرّ هذه الألوهية أشار صلي الله عليه وسلم “ أنا أعرفكم بالله وأشدكم خوفاً منه “ .
فما خاف صلي الله عليه وسلم من الربّ و لا من الرحمن، وإنما خاف من الله ، وإليه الإشارة بقوله : " ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ".
على أنه أعرف الموجودات بالله تعالى وبما يبرز من ذلك الجناب الإلهي، أي لا أدري أي صورة أظهر بها في التجلي الإلهي ولا أظهر إلاَّ بما يقتضيه حكمها وليس لحكمها قانون لا نقيض له.
فهو يعلم ولا يغلم ويجهل ولا يجهل ، اذ ليس التجلي الإلهي حد يقف عليه في التفصيل .
فلا يقع عليها الادراك التفصيلي بوجه من الوجوه .
لانه محال علي الله ان يكون له نهاية, ولا سبيل الى ادراك ما ليس له نهاية ، لكن الحق سبحانه وتعالي قد يتجلي بها على سبيل الكلية و الاجمال .
و الكمل متفاوتون في الحظ من ذلك التجلي كل على قدر ما فصل من ذلك الاجمال و بحسب ما ذهب اليه الكبير المتعال ، وبحكم ما ظهر من ذلك علي حده من آثار الكمال.
بلِّغي يا نسيم أهل الديار    .... خبر الصبّ بين ماء ونار
وانزلي تلكم الديار بليل  .....   ما تطيقي نزولها بنهار
فهناك الظبا تصيد أسودا    وهناك الأسود ليست ضواري
قد فقدنا القرار عنهم فباتوا   ..... ورضينا لهم ببعد المزار
كتب الحسن في الفؤاد قرآناً   .... أنزلوه عليه بالاقتدار
فتلا القلب آية العشق حتى  .... كمل السرّ سورة الاشتهار
فتبدى من النقاب جمال    ..... قتل الناظرين بالاستتار
نطق الثغر منه عجباً لحسن   .....  أسكرت ريقه بخمر خماري
قال لما رأى القلوب أسارى ....  قد غنيتم بصحة الافتقار
كل ما في الوجود غيري فمني   .....  هو ذاتي نوّعته باختياري
أنا كالثوب إن تلوّنت يوماً   .....  باحمرار وتارة باصفرار
ومحا الحمرة البياض وجاءت ......   كثرة فهي للتلوّن طاري
فمحال عليَّ في انقسام   ....    ومحال عليّ فيّ دثاري
إنما الدثر في التلوّن حق  ..... إنما الستر فيه لا فيّ جاري
كل ما في عوالمي من جماد  .....  ونبات وذات روح معاري
صور لي تعرضت وإذا ما   ..... أزلتها لا أزول وهي جواري
اتفاق جميعها باختلاف   .....  رتبة قد علت مطار مدار
لي معنى إذا بدا آنت معنى  ...... من معانيه ذا غناء افتقاري
وإذا زال لم أزل في لباس   .....    لم كن منه منذ ما آنت عاري
وعليها تركبت كل معنى   .....    لي من ذاتي العزيز المنار
فألوهيتي لذاتي أصل    ......  بل هو الفرع فاعلمن شعاري
عجباً للذي هو الأصل حكماً   ......   أن يسير لفرعه فهو ساري
لا يهولنك المقال فإني    .....   لم كن فرعه سوى في استتاري
وعليه مؤصل كل فرع   .......    هو أصل لباطني وظهاري
وإذا ما بدا تجليت فيه   ......  وإذا ما أزيل فهو خماري
فهو تدريه لا تراه وإني   .......  قد تراني ولم تكن لي داري
سنة لي جرت بذاك وإني   .....   لغنيّ بأن أرى أو أواري

فالألوهية مشهودة الأثر مفقودة في النظر يعلم حكمها ولا يرى رسمها، 

والذات مرئية العين مجهولة الأين ترى عياناً ولا يدرك لها بياناً.
ألا ترى أنك إذا رأيت رجلاً تعلم أنه موصوف مثلاً بأوصاف متعددة، فتلك الأوصاف الثابتة له إنما تقع عليها بالعلم والاعتقاد أنها فيه ولا تشهد لها عينا.
واما ذاته فانت تراها بجملتها عيانا ولكن تجهل ما فيها من الاوصاف التي لم يبلغك علمها اذ يمكن ان يكون لها الف وصف مثلا وما بلغك منها الا بعضها.
فالذات مرئية و الاوصاف مجهولة ولا تري من الوصف الا الأثر ، اما الوصف نفسه فهو الذي لا يري ابدا البتاه.
مثله ما تري من الشجاع عند المحاربة الا اقدامه ، وذلك اثر الشجاعة لا الشجاعة .
ولا تري من الكريم الا اعطاءه، وذلك اثر الكرم لا نفس الكرم.

لان الصفة كامنه في الذات لا سبيل الى بروزها ،

 فلو جاز عليها البروز، لجاز عليها الانفصال عن الذات وهذا غير ممكن. فافهم.
وللألوهية سرّ، وهو أن كل فرد من الأشياء التي يطلق عليها اسم الشبيه قديماً كان أو محدثاً.
معدوماً كان أو موجوداً، فهو يحوي بذاته جميع بقية أفراد الأشياء الداخلة تحت هيمنة الألوهية.
فمثل الموجودات كمثل مراء متقابلات يوجد جميعها في كل واحد منها، فإن قلت: إن المرائي
المتقابلات قد وجد في كل منها ما وجد في الأخرى، فما جمعت الواحدة من المرائي إلاَّ ما هي عليه، وبقي الأفراد المتعددات من المرائي التي تحت كل فرد منها جميع المجموع، 
ساغ بها الاعتبار أن نقول: ما حوى كل فرد من أفراد الوجود إلاَّ ما استحقته ذاته لا زائداً على ذلك.
وإن قلت باعتبار وجود الجميع من المرائي في كل واحدة أن كل فرد من أفراد الوجود فيه جميع الموجودات جاز لك ذلك. 
وعلى الحقيقة فهذا أمر كالقشر على المراد وما وضع لك إلاَّ شرك، عسى أن يقع طيرك في شبكة الأحدية فتشهد في الذات ما استحقته من الصفات، فاترك القشر وخذ اللبّ ولا تكن ممن عمي عن الوجه وتراءى الحجب.
قلبي بكم متصلب    .....   متسكن متقلب
وخيال حبكم به    .....     أبداً يجيء ويذهب
ما أنتم مني سوى   .....    نفسي فأين المهرب
ألقيت نفسي فاغتدت    ......   مما لكم أتقلب
وتركتني فوجدتني    .....   لا أم ثم ولا أب
وجحدت ما قبلي وما  ......   بعدي ولا أتريب
ونفيت عني الاختصاص ......   بوجهه يتقرّب
أنا ذلك القدوس في   ......   قدس العماء محجب
أنا ذلك الفرد الذي     .......   فيه الكمال الأعجب
أنا قطب دائرة الرحى   .....     وأنا العلا المستوعب
وأنا العجيب ومن به   .......    مما حوى ذا المعجب
فلك المحاسن فيه شمس  ......   مشرق ولا مغرب
لي في العلا فوق المكان  .......   مكانة لا تقرب
في كل منبت شعره   .......    مني كمال معرب
وبكل صوت طائر     ......    في كل غصن يطرب
وبكل مرأى صورتي  .....    تبدو وقد تتحجب
حزت الكمال بأسره  .......   فلأجل ذا أتقلب
وأقول إني خلقه    ......   والحق ذاتي فاعجبوا
نفسي أنزّه عن مقا  ......  لتي التي لا تكذب
اللَّه أهل للعلا    ......    وبروق خلقي خلب
أنا لم كن هو لم يزل  ......   فلأي شيء أُطنِب
ضاع الكلام فلا آلا     .......    م ولا سكوت معجب
جمعت محاسني العلا .....    أنا غافر والمذنب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الخامس في الأحدية. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي    الجمعة مايو 18, 2018 2:04 pm

الباب الخامس في الأحدية. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الخامس في الأحدية

الأحدية عبارة عن مجلى الذات ليس للأسماء ولا للصفات ولا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور، فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية والخلقية.

وليس لتجلي الأحدية في الاكوان مظهر أتمّ منك إذا استغرقت في ذاتك ونسيت اعتباراتك وأخذت بك فيك عن ظواهرك، فكنت أنت في أنت من غير أن ينسب إليك شيء مما تستحقه من الأوصاف الحقية.
أو هو لك من النعوت الخلقية، فهذه الحالة من الإنسان أتمّ مظهر للأحدية في الاكوان فافهم.
وهو أول تنزلات الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي، فأعلى تجلياتها هو هذا التجلي لتمحضها وتنزّهها عن الأوصاف والأسماء والإشارات والنسب والاعتبارات جميعاً بحيث وجود الجميع فيها، لكن بحكم البطون في هذا التجلي لا بحكم الظهور.

وهذه الأحدية في لسان العموم هي عين الكثرة المتنوعة 

فهي في المثل كمن ينظر من بعد إلى جدار قد بني ذلك الجدار من طين وآجر وجص وخشب، ولكنه لا يرى شيئاً من ذلك ولا يرى إلاَّ جداراً فقط فكانت أحدية هذه الجدار مجموع ذلك الطين والآجر والجصّ والخشب، لا على أنه اسم لهذه الأشياء، بل على أنه اسم لتلك الهيئة المخصوصة الجدارية.
كما أنك مثلاً في مشهدك واستغراقك في أنيتك التي أنت بها أنت لا تشاهد إلاَّ هو ولا يظهر لك في شهودك منك في هذا المشهد شيء من حقائقك المنسوبة إليك على أنك مجموع تلك الحقائق.
فتلك هي أحديتك على أنها اسم لمجلاك الذاتي باعتبار هويتك لا باعتبار أنك مجموع حقائق منسوبة إليك، فإنك ولو آنت تلك الحقائق المنسوبة فالمجلى الذاتي الذي هو مظهر الأحدية فيك إنما هو اسم لذاتك باعتبار
عدم الاعتبارات، فهي في الجناب الإلهي عبارة عن صرافة الذات المجردة عن جميع الأسماء والصفات وعن جميع الأثر والمؤثرات، وكان أعلى المجالي لأن كل مجلى بعده لا بد أن يتخصص حتى الألوهية فهي متخصصة بالعموم.

فالأحدية أول ظهور ذاتي، وامتنع الاتصاف بالأحدية للمخلوق،

لأن الأحدية صرافة الذات المجرّدة عن الحقيَّة والمخلوقية، وهو أعني العبد قد حكم عليه بالمخلوقية، فلا سبيل إلى ذلك.
وأيضاً الاتصاف افتعال وتعمل، وذلك مغاير لحكم الأحدية، فلا يكون للمخلوق أبداً فهي لله تعالى مختصة به، فإن شهدت نفسك في هذا التجلي فإنما شهدت من حيث إلهك وربك فلا تدعيه بخلقيتك، فليس هذا المجال مما للمخلوق فيه نصيب البَتَّة.  فهو لله وحده أول المجالي الذاتية، 
فأنت بنفسك قد علمت انك المراد بالذات والحق بالخلق، فاحكم على الخلق بالانقطاع ، واشهد للحق سبحانه وتعالي بما يستحقه في ذاته من اسمائه وصفاته ممن شهد لله بما شهد لنفسه :
عيني لنفسك نزهت في ذاتها  ......    وتقدّست في اسمها وصفاتها
فاشهد لها ما تستحق ولا تقل    ......   نفسي استحقت حسنها بثباتها
واشرب مدامك بالكؤوس ولا تقل   ....   يوماً بترك الراح في حاناتها
ماذا يضرّك لو جعلت كناية   .....   عنك اسمها وحفظت حرمة ذاتها
وجعلت مجلى الذات لاسمك مظهراً  .....    والعزّ مظهر اسمها وسماتها
وأقمت فوق الكنز منك جدارها    .....   كي لا يشاهد جاهل حرماتها
هذي الأمانة آن بها نعم الأمي     .....   ن ولا تدع أسرارها لوشاتها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السادس في الواحدية. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي    الجمعة مايو 18, 2018 2:06 pm

الباب السادس في الواحدية. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السادس في الواحدية

الواحدية مظهر للذات     ......  تبدو مجمعة لفرق صفاتي
الكل فيها واحد متكثر    .....     فاعجب لكثرة واحد بالذات
هذاك فيها عين ذا وكمثل     .....    ماتياك في حكم الحقيقة آتي
فهي العبارة عن حقيقة كثرة     ......   في وحدة من غير ما أشتاتي
كل بها في حكم كل واحد      ......   فالنفي في ذا الوجه كالإثبات
فرقان ذات اللَّه صورة جمعه    ......    وتعدد الأوصاف كالآيات
فاتلوه واقرأ منك سرّ كتابه       ......  أنت المبين وفيك مكنوناتي
واعلم أن الواحدية عبارة عن مجلى ظهور، الذات فيها صفة، والصفة فيها ذات، فبهذا الاعتبار ظهر كل من الأوصاف عين الآخر، فالمنتقم فيها عين الله، والله عين المنتقم، والمنتقم عين المنعم.
وكذلك ظهرت الواحدية في النعمة نفسها، والنقمة عينها، كنت النعمة التي هي عبارة عن الرحمة عين النقمة التي هي عبارة عن عين العذاب، والنقمة التي هي العذاب عبارة عن النعمة التي هي عين الرحمة، كل هذا باعتبار ظهور الذات في الصفات وفي آثارها وفي كل شيء مما ظهر فيه الذات بحكم الواحدية هو عين الآخر.
ولكن باعتبار التجلي الواحدي لا باعتبار إعطاء كل ذي حق حقه، وذلك هو التجلي الذاتي.
واعلم أن الفرق بين الأحدية والواحدية والألوهية، أن الأحدية لا يظهر فيها شيء من الأسماء والصفات وذلك عبارة عن محض الذات الصرف في شأنها الذاتي.
والواحدية تظهر فيها الأسماء والصفات مع مؤثراتها لكن بحكم الذات لا بحكم افتراقها، فكل منها فيه عين الآخر. والألوهية تظهر فيها الأسماء والصفات بحكم ما يستحقه كل واحد من الجميع.
ويظهر فيها أن المنعم ضد المنتقم، والمنتقم فيها ضد المنعم، وكذلك باقي الأسماء والصفات، حتى الأحدية فإنها تظهر في الألوهية بما يقتضيه حكم الأحدية وبما يقتضيه حكم الواحدية؛ فتشمل الألوهية بمجلاها أحكام جميع كن الله ولا “ المجالي فهي مجلى إعطاء كل ذي حق حقه، والأحدية مجلى "كان الله ولا شيء معه ".

 والواحدية مجلى قوله :"وهو الآن على ما عليه كائن " .

قال الله تعالى: { كل شيء هالك الا وجهه}[القصص، الآية: 88 ] فلهذا كنت الأحدية أعلى من الواحدية
لأنها ذات محض، وكنت الألوهية أعلى من الأحدية لأنها أعطت الأحدية حقها، إذ حكم الألوهية إعطاء كل ذي حق حقه، فكانت أعلى الأسماء وأجمعها، وأعزها وأرفعها، وفضلها على الأحدية كفضل الكل على الجزء.
وفضل الأحدية على باقي المجالي الذاتية، كفضل الأصل على الفرع.
وفضل الواحدية على باقي التجليات كفضل الجمع على الفرق.
 فانظر أين هذه المعاني منك وتأملها فيك.
اجن الثمار فإنما     .....     غرست لكي تجنيها
ودع التعلل بالشواهد    ......    فهي لا تهديها
واشرب من الثغر المدام   .....   فخمر فيها فيها
وأدر كؤوسك راشداً       ......   رغم الذي يطويها
أبدت محاسنها سعاد     ......      فلا تكن مخفيها
ودع اغترارك بالسوى   .....    ليس السوى يدريها
وكل اللبابة وارم      .....    بالقشر الذي يبديها
واحذر من الواشي الثقيل   .....    فأنت من واشيها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
قدرى جاد
Admin
avatar

عدد الرسائل : 5146
العمر : 61
تاريخ التسجيل : 14/09/2007

مُساهمةموضوع: رد: كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي   الإثنين مايو 21, 2018 9:44 am



جميل وفى انتظار المزيد..أحسنت أحسن الله إليك
555
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السابع في الرحمانية كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه   الخميس مايو 24, 2018 2:01 pm

الباب السابع في الرحمانية كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السابع في الرحمانية

الرحمانية هي الظهور بحقائق الأسماء والصفات، 

وهي بين ما يختصُّ به في ذاته كالأسماء الذاتية، وبين ما لها وجه إلى المخلوقات كالعالم والقادر والسميع وما أشبه ذلك مما له تعلق بالحقائق الوجودية.
 فهي إلى الرحمانية اسم لجميع المراتب الحقية، ليس للمراتب الخلقية فيها اشتراك.
فهي أخصُّ من الألوهية لانفرادها بما ينفرد به الحق سبحانه وتعالى، والألوهية تجمع الأحكام الحقية والخلقية، فكان العموم للألوهية والخصوص للرحمانية.
فالرحمانية بهذا الاعتبار أعزّ من الألوهية، لأنها عبارة عن ظهور الذات في المراتب العلية، وتقدسها عن المراتب الدنية.  
ليس للذات في مظاهرها مظهر مختص بالمراتب العلية بحكم الجمع إلاَّ المرتبة الرحمانية، فنسبة المرتبة الرحمانية إلى الألوهية نسبة سكر النبات إلى القصب.
فالسكر النبات أعلى مرتبة توجد في القصب، والقصب يوجد فيه السكر النبات وغيره.
فإن قلت بأفضلية السكر النبات على القصب بهذا الاعتبار، كنت الرحمانية أفضل من الألوهية.
وإن قلت بأفضلية القصب على النبات لعمومه وجمعه له ولغيره، كنت الألوهية أفضل من الرحمانية. 
والاسم الظاهر في المرتبة الرحمانية هو الرحمن، وهو اسم يرجع إلى أسمائه الذاتية وأوصافه النفسية،

 وهي سبعة: 

الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر. 
والأسماء الذاتية كالأحدية والواحدية والصمدية والعظمة والقدوسية وأمثالها، ولا يكون
ذلك إلاَّ لذات واجب الوجود تعالى في قدسه الملك المعبود.
واختصاص هذه المرتبة بهذا الاسم للرحمة الشاملة لكل المراتب الحقية والخلقية، فإن بظهوره في المراتب الحقية ظهرت المراتب الخلقية،
فصارت الرحمة عامة في جميع الموجودات من الحضرة الرحمانية، فأول رحمة رحم الله بها الموجودات أن أوجد العالم من نفسه، قال تعالى:  {وسخر لكم ما في السموات وما الأرض جميعا منه}13 سورة الجاثية.
ولهذا سري ظهوره في الموجودات ، ، فظهر كماله في كل جزء وفرد من أفراد أجراء العالم، ولم يتعدد بتعدد مظاهره ء بل هو واحد في جميع تلك المظاهر ،أحد على ما تقتصيه ذاته الكريمة في نفسها الى غير ذلك من صفات الكمال، والى ظهوره في كل ذرة من ذرات الوجود امتازت الطائفة بالوجود الساري في جميع الموجودات، وسر هذا السريان أن خلق العالم من نفسه وهر لا يتجزأ فكل شيء من العالم هو بكماله، واسم الخليقة على ذلك الشيء بحكم العارية، لا كما يزعم من زعم أن الأوصاف الإلهية هي التي تكرن بحكم العارية على العبد، وأشار الى ذلك بقوله
أعارته طرفها رآها به   ....  فكان البصير لها طرفها
فإن العارية ما هي في الأشياء ليست إلاَّ نسبة الوجود الخلقي إليها، وإن الوجود الحقي لها أصل فأعار الحق حقائقه اسم الخلقية لتظهر بذلك أسرار الألوهية ومقتضياتها من التضاد.
فكان الحق هيولي العالم، قال الله تعالى: { وما خلقنا السموات و الأرض وما بينهما الا بالحق}[الحجر، الآية: 85 ] .
فمثل العالم مثل الثلج، والحق سبحانه وتعالى الماء الذي هو أصل هذا الثلج، فاسم تلك الثلجة على ذلك المنعقد معار واسم المائية عليه حقيقة، وقد نبهت على ذلك في القصيدة المسماة بـ [البوادر الغيبية في النوادر العينية] ، وهي قصيدة عظيمة لم ينسج الزمان على آم الحقائق مثل طرازها، ولم يسمح الدهر بفهمها لاعتزازها وموضع التنبيه قولي:

وما الخلق في التمثال إلاَّ كثلجة    ......   وأنت بها الماء الذي هو نابع
وما الثلج في تحقيقنا غير مائه      ......   وغيران في حكم دعته الشرائع
ولكن بذوب الثلج يرفع حكمه    .....    ويوضع حكم الماء والأمر واقع
تجمعت الأضداد في واحد البها    ......   وفيه تلاشت وهو عنهن ساطع

واعلم أن الرحمانية هي المظهر الأعظم والمجلى الكمل الأعم،

 فلهذا كنت الربوبية عرشها والملكية كرسيها والعظمة رفرفها، والقدرة جرسها، والقهر صلصلتها.
وكان الاسم الرحمن هو الظاهر فيها بجميع مقتضيات الكمال على نظر تمكنه واعتبار سريانه في الموجودات، واستيلاء حكمه عليها وهو استواؤه على العرش، لأن كل موجود يوجد فيه ذات الله سبحانه وتعالي بحكم الاستيلاء ، فذلك الموجود هو العرش لذلك الوجه الظاهر فيه من ذات الحق سبحانه وتعالي ، وسياتي الكلام في العرش من هذا الكتاب عند الوصول الى موضعه ان شاء الله تعالي .
وأما استيلاء الرحمن فتمكنه سبحانه وتعالى بالقدرة والعلم والإحاطة من موجوداته مع وجوده فيها بحكم الاستواء المنزَّه عن الحلول والمماسة.
وكيف يجوز الحلول والمماسة وهو عين الموجودات نفسها، فوجوده تعالى في موجوداته بهذا الحكم من حيث اسمه الرحمن لأنه رحم المخلوق بظهوره فيه وبإبرازه المخلوق في نفسه وآلا الأمرين واقع فيه.
واعلم أن الخيال إذا تشكل صورة ما مثلاً في الذهن كان ذلك التشكل والتخيل مخلوقاً، والخالق موجوداً في كل مخلوق، وذلك التخيل والتشكل موجود فيك وأنت الحق باعتبار وجوده فيك، فوجب لك التصوير في الحق ووجد الحق فيه.
قد نبَّهت في هذا الباب على سرّ جليل القدر يعلم منه كثير من أسرار الله، كسرّ القدر وسر العلم الإلهي وكونه علماً واحداً يعلم به الحق والخلق، وكون القدرة منشؤها الأحدية ولكن من المجلى الرحماني، وكون العلم أصله الواحدية ولكن من المجلى الرحماني، وخلف هذا كله نكيتات أشارت إليها تلك الكمالات، فتأمل من أول الباب وارم القشر وخذ اللباب، والله الموفق للصواب.

فصل

اعلم أن الرحيم والرحمن اسمان مشتقان من الرحمة، ولكن الرحمن أعمّ، والرحيم أخص وأتم. 

فعموم الرحمن لظهور رحمته في سائر الموجودات، وخصوص الرحيم لاختصاص أهل السعادات به. فرحمة الرحمن ممتزجة بالنقمة، مثلاً كشرب الدواء الكريه الطعم والرائحة، فإنه ولو كن رحمة
بالمريض فإن فيه ما لا يلائم الطبع، ورحمة الرحيم لا يمازجها شوب، فهي محض النعمة ولا توجد إلاَّ عند أهل السعادات الكاملة. 
ومن الرحمة التي تحت اسم الرحيم رحمة الله تعالى لصفاته وأسمائه بظهور آثارها ومؤثراتها، فالرحيم في الرحمن كلعين في هيكل الإنسان أحدهما الأعزّ الأخص الرفيع، والآخر الشامل للجميع.
 ولهذا قيل: إن الرحيم لا تظهر رحمته بكمالها إلاَّ في الآخرة لأنها أوسع من الدنيا ولأن كل نعيم في الدنيا
لا بد أن يشوبه آدر، فهو من المجالي الرحمانية. 
وقد أوسعنا القول في هذين الاسمين في كتابنا المسمى بـ: [الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم] ،
 فمن أراد معرفتها فلينظر في ذلك الكتاب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثامن في الربوبية كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 24, 2018 2:04 pm

الباب الثامن في الربوبية كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثامن في الربوبية

الربوبية اسم للمرتبة المقتضية للأسماء التي تطلبها الموجودات، فدخل تحتها الاسم العليم والسميع والبصير والقيوم والمريد والملك وما أشبه ذلك، لأن كل واحد من هذه الأسماء والصفات يطلب ما يقيم عليه، فالعليم
يقتضي المعلوم والقادر يقتضي مقدوراً عليه، والمريد يطلب مراداً وما أشبه ذلك.
واعلم أن الأسماء التي تحت اسمه الرب هي الأسماء المشتركة بينه وبين خلقه، والأسماء المختصة بالخلق اختصاصاً تأثيرياً، فالأسماء المشتركة بين ما يختص به وبين ما له وجه إلى المخلوقات كاسمه العليم، فإنه اسم نفسي تقول: يعلم نفسه ويعلم خلقه ويسمع نفسه ويسمع غيره.
وتقول: يبصر نفسه ويبصر غيره، فأمثال هذه الأسماء مشتركة بينه وبين خلقه،

فأعني بالمشتركة أن الاسم له وجهان:

 وجه مختص بالجناب الإلهي، ووجه ينظر إلى المخلوقات كما سبق.
وأما الأسماء المختصة بالخلق فهي كالأسماء الفعلية واسمه القادر.
تقول: خلق الموجودات، ولا تقول: خلق نفسه.
وتقول: رزق الموجودات، ولا تقول: رزق نفسه ولا قدر على نفسه.
فهذه وإن كنت تسوغ على تأويل فهي مختصة بالخلق لأنها تحت اسمه الملك، ولا بد للملك من مملكة، والفرق بين اسمه الملك واسمه الربّ أن الملك اسم لمرتبة تحتها الأسماء الفعلية وهي التي أشرت إليها بما يختص بالخلق فقط. 

والرب اسم لمرتبة تحتها نوعا الأسماء المشتركة والمختصة بالخلق.

والفرق بين الرب والرحمن، أن الرحمن اسم لمرتبة اختصت بجميع الأوصاف العلية الإلهية، سواء انفردت الذات بها كالعظيم والفرد، أو حصل الاشتراك كالعظيم والبصير، أو اختصت بالمخلوقات كالخالق
والرازق.

والفرق بين اسمه الرحمن واسمه الله:

أن الله اسم لمرتبة ذاتية جامعة لحقائق الموجودات علوّها وسفلها فدخل اسم الرحمن تحت حيطة اسمه الله، ودخل اسم الربّ تحت حيطة اسم الرحمن، ودخل اسم الملك تحت
حيطة اسم الرب، فكانت الربوبية عرشاً، أي مظهراً ظهر فيها وبها نظر الرحمن إلى الموجودات، ومن هذه المرتبة صحت النسبة بين الله تعالى وبين عباده.
ألا ترى إلى قوله  صلي الله علية وسلم :"إنه وجد الرحم أخذ من حقو الرحمن“  
والحقو: محل الوسط لأن الربوبية لها وسط الرحمانية، إذ الرحمانية جامعة لما ينفرد به الحق ولما يشاركه فيه الخلق، وبما يختص بالمخلوقات فكانت الأسماء المشتركة وسطا أي هي محل الربوبية .
فتعلق الرحم بحقو الرحمن للصلة بين الرب والمربوب، اذ لا رب الا و له مربوب.
وكانت هذه النسبة في هذه المرتبة لازمة بين الله تعالي وبين العباد .
فانظر لهذا التعلق بهذا الحقو وافهم سر التعلق.
فانه سبحانه وتعالي منزه عن ان يتصل به منفصل عنه، او ينفصل عنه عنه متصل به.
فلم يبق بغد ذلك الا تنوعات تجلياته فيما يسميه حقا او نكية بمخلوقاته:

ما نحن إلاَّ أنتمو      .....    قاربتمو أو بنتمو
ما في الوجود سواكم     .....    أظهرتم أو صنتمو
هو صورة لجمالكم    ......     معناه هذا أنتم
كن الوجود بكونكم    ......    وبكونه قد كنتم
وكشفتمو ثوب السوا   ......    عن حسنكم فأبنتم
سميتم الحسن العزيز   .....   بعزّكم فأهنتم
قلتم سوانا قسوة     ....     هلا فنحن ألنتم
دان الخليفة باسمكم    .....    وباسم خلق دنتم
نوعتم حسن الجمال      .....  وفي الوفا ما خنتم
فلكم كمال لا يزال    .....     له البرية ينتمو
واعلم أن للربوبية تجليين: تجلّ معنوي، وتجلّ صوري. 

فالتجلي المعنوي

ظهوره في أسمائه وصفاته على ما اقتضاه القانون التنزيهي من أنواع الكمالات.

والتجلي الصوري

ظهوره في مخلوقاته على ما اقتضاه القانون الخلقي التشبيهي، وما حواه المخلوق من أنواع النقص.
فإذا ظهر سبحانه في خلق من مخلوقاته على ما استحقه ذلك المظهر من التشبيه، فإنه على ما هو من التنزيه، والأمر بين صوري ملحق بالتشبيه، ومعنوي ملحق بالتنزيه.
 إن ظهر الصوري فالمعنوي مظهر له، وإن ظهر المعنوي فالصور مظهر له ، وقد يغلب حكم احداهما فيستتر الثاني تحته، فيحكم بالأمر الواحد علي الحجاب فافهم.
و الله تعالي يقول الحق وهو يهدي السبيل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب التاسع في العماء كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 24, 2018 2:07 pm

الباب التاسع في العماء كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب التاسع في العماء

إن العماء هو المحل الأول   ......   فلك شموس الحسن فيه أَفَل
هو نفس نفس اللَّه كن له بها    .....    كون ولم يخرج فلا يتبدّل
مثل له المثل العلي كمونه     .....     ككمون نار قد حواه الجندل
مهما بدت نار من الأحجار فهي     .....    بحكمها وكمونها لا ترحل
والنار في الأحجار كامنة وإن      .....     ظهرت فهذا الحكم لا يتحلل
ولكم رأينا ناظراً هو في عمى   .....      عنه تعالى اللَّه لا يتمثل
هو حيرة الألباب في دهشاتها      .....     عنها فتلك لها عماء يهمل
هو نفسه لا باعتبار ظلامها       .....     بل باعتبار ضيائها إذ يعقل
من غير ما أحدية مجهولة        .....      أو واحدية كثرة لا تجهل
لطفت فغابت في لطيفة ذاتها      .....       فكمونها فيه العماء الأول
واعلم أن العماء عبارة عن حقيقة الحقائق التي لا تتصف بالحقية ولا بالخلقية، فهي ذات محض لأنها لا تضاف إلى مرتبة لا حقية ولا خلقية، فلا تقتضي لعدم الإضافة وصفاً ولا اسماً، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام : “ إن العماء ما فوقه هواء وما تحته هواء “ يعني لا حق ولا خلق، فصار العماء مقابلاً للأحدية، فكما أن الأحدية تضمحل فيها الأسماء والأوصاف ولا يكون لشيء فيها ظهور، فكذلك العماء ليس لشيء من ذلك فيه مجال ولا ظهور.

والفرق بين العماء والأحدية،

 أن الأحدية حكم الذات في الذات بمقتضى التعالي وهو الظهور الذاتي الأحدي، والعماء حكم الذات بمقتضى الإطلاق فلا يفهم منه تعال وتدانٍ وهو البطون الذاتي العمائي، فهي مقابلة للأحدية تلك صرافة الذات بحكم التجلي وهذه صرافة الذات بحكم الاستتار، فتعالى الله أن يستتر عن نفسه عن تجل أو يتجلى لنفسه عن استتار وهو على ما تقتضيه ذاته من التجلي والاستتار والبطون والظهور والشئون والنسب والاعتبارات والإضافات والأسماء والصفات لا تتغير ولا تتحول .
ولا يلبس شيئا فيترك غيره ولا يخلع شيئا فياخذ سواه.
بل حكم ذاته هو على ما هو عليه منذ كان ، ولا يكون الا على ما كان "لا تبديل لخلق الله "30 سورة الروم أي لوصف الله الذي هو عليه، وانما هذه التغييرات والتحويلات في الصور وغيرها من النسب والإضافات والاعتبارات وأمثال ذلك ، وانما هو بحكم ما يتجلى به علينا ويظهر به لنا، وهو في نفسه على ما هو عليه من الأمر الذي كان له قبل تجليه علينا وظهوره لنا.
وبعد ذلك الحكم لا تقبل ذاته الا التجلي الذي هو عليه فليس له إلا تجل واحد، وليس التجلي الواحد إلا اسم واحد، وليس الاسم الواحد إلا وصف واحد  وليس للجميع الا واحد غير متعدد، فهو متجل لنفسه في الأزل بما هو متجل له في الأبد.

على العهد من تلك المعاهد زينب    ....    وما غيرتها الحادثات فتحجب
لقد حفظت تلك العهود ولم تكن   .......   تضيّع عهداً بالمُحَصَّب زينب
فإن نقلت عنها الوشاة تجنباً   .......   فمن أجل ما تهوى الوشاة التجنب
وإن أرعدوا فيها بصدّ وهجرة    ......  فبرق الوفا في وابل اللطف خُلَّب
خذوا يا نداماها كؤوس رضابها   ......    فكف يد الندمان فيها مخضب
ولا تأملوا منها اعتناقاً وسلمة      ......  فليس إلى الشمس الخفافيش تقرب
فما أسفرت عنه لكم فبعطفها .....    ومن رحمة للصبّ لا تتحجب
وليس على التحقيق كفء جمالها     .....    سواها فإيكم وعنقاء مغرب
وهذا التجلّي الواحد هو المستأثر الذي لا يتجلى به لغيره، فليس للخلق فيه نصيب البتة، لأن هذا التجلي لا يقبل الاعتبار ولا الانقسام، ولا الإضافة ولا الأوصاف ولا شيئاً من ذلك، ومتى كن للخلق فيه نسبة او وصف او شيء من ذلك .
وكل هذا ليس من حكم هذا التجلي الذي هو عليه في ذاته من الأزل الى الأبد ويوافي التجليات الالهية ذاتية كانت أو فعلية ، صفاتيه كانت أو اسمية، فإنها ولو كانت له حقيقة فهي ما تقتضيه من جهة ظهوره وتجليه على عباده. 

وعلى الجملة. فإن هذا التجلي الذاتي الذي هو عليه جامع لأنواع التجليات لا يمنعه كونه في هذا التجلي أن يتجلى بتجلّ آخر، ولكن حكم التجليات الأخر تحته كحكم الأنجم تحت الشمس موجودة معدومة، على أن نور الأنجم في نفسها من نور الشمس.

وكذلك باقي التجليات الإلهية 

إنما هي رشحه من سماء هذا التجلي أو قطرة من بحره، وهي على وجودها
معدومة في ظهور سلطان هذا التجلي الذاتي، المستأثر الذي استحقه لنفسه من حيث علمه به، وبواقي التجليات استحقها لنفسه من حيث علم غيره به، فافهم.
جرى جواد البيان في مضمار هذا التبيان إلى أن أبدى حكم ما لا يظهر أبداً، فلنقبض العنان في هذا البرهان، ونبسط اللسان فيما فيه كن الترجمان.
فنقول: بعد أن أعلمناك أن العماء هو نفس الذات باعتبار الإطلاق في البطون والاستتار، وأن الأحدية هي نفسه باعتبار التعالي في الظهور مع وجوب سقوط الاعتبارات فيها، وقولي باعتبار الظهور
واعتبار الاستتار إنما هو لإيصال المعنى إلى فهم السامع، لا أنه من حكم العماء اعتبار البطون، أو من حكم الأحدية اعتبار الظهور، فافهم.
واعلم أنك في نفسك ولله المثل الأعلى في عماء عنك إذا اعتبرنا عدم ظهورك لك مطلقاً بكلية ما أنت عليه، ولو آنت عالماً بما أنت به وعليه، ولكن بهذا الاعتبار فأنت ذات في عماء، ألا تراك باعتبار أن الحق سبحانه وتعالى عينك وهويتك وقد تغفل عن حقيقة ما هو أنت به أحق.
 فتكون عنك في عماء بهذا الاعتبار، وأنت من حيث حقك لم يحتجب عنك، لأن حكم الحق أن لا يحتجب عن نفسه فكنت في ظهورك لنفسك بحكم الحق على ما أنت عليه من العماء، وهو استتارك عن حقيقتك بحكم الخلق، فكنت ظاهراً لنفسك باطناً عنك، وهذا ضرب من الأمثال التي نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ولهذا لما سئل رسول الله صلي الله علية وسلم : أجاب بقوله  " أين كان الحق قبل أن يخلق الخلق " أجاب بقوله : “ في عماء “
 لأن التجلي في نفسه لا بد أن يقتضي من حيث اسمه أن يكون لا استتار قبله، وهذه القبلية قبلية حكم لا قبلية توقيت، لأنه تعالى أن يكون بينه وبين خلقه توقيت أو انفصال أو انفكاك أو اتصال أو تلازم، إذ الوقت والانفصال والانفكاك والتلازم مخلوقات له، فكيف يكون بينه وبين مخلوقاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب العاشر في التنزيه كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 24, 2018 2:09 pm

الباب العاشر في التنزيه كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب العاشر في التنزيه

التنزيه عبارة عن انفراد القديم بأوصافه وأسمائه وذاته، كما يستحقه من نفسه لنفسه بطريق الأصالة والتعالي، لا باعتبار أن المحدث ماثله أو شابهه.
 فانفرد الحق سبحانه وتعالى عن ذلك، فليس بأيدينا من التنزيه إلاَّ التنزيه المحدث، واُلتحق به التنزيه القديم ، لأن التنزيه المحدث ما بإزائه نسبة من جنسه وليس بإزاء التنزيه القديم نسبة من جنسه.

لأن الحق لا يقبل الضدّ ولا يعلم كيف تنزيهه، فلأجل ذا نقول:

 تنزيه عن التنزيه، فتنزيهه لنفسه لا يعلمه غيره ولا يعلم إلاَّ التنزيه المحدث.
لأن اعتباره عندنا تعري الشيء عن حكم كن يمكن نسبته إليه فينزّه عنه، ولم يكن للحق تشبيه ذاتي يستحق عنه التنزيه، إذ ذاته هي المنزّهة في نفسها على ما يقتضيه كبرياؤها، فعلى أي اعتبار كن وفي أيّ مجلى ظهر او بان تشبيهياً كان قوله صلي الله علية وسلم :  “ رأيت ربي في صورة شاب أمرد “
أو تنزيهياً: كقوله : "نور أنَّى أراه “ .  

فإن التنزيه الذاتي له حكم لازم لزوم الصفة للموصوف، 

وهو من ذلك المجلى على ما استحقه من ذاته لذاته بالتنزيه القديم الذي لا يسوغ إلاَّ له ولا يعرفه غيره، فانفرد في أسمائه وصفاته وذاته ومظاهره وتجلياته بحكم قدمه عن كل ما ينسب إلى الحدوث ولو بوجه من الوجوه، فلا تنزيهه كالتنزيه الخلقي ولا تشبيهه كالتشبيه، تعالى وانفرد.
وأما من قال: إن التنزيه راجع إلى تطهير محلك لا إلى الحق فإنه أراد بهذا التنزيه الخلقي الذي بإزائه التشبيه يعم، لأن العبد إذا اتصف من أوصاف الحق بصفاته سبحانه وتعالى تطّهر محله وخلص من نقائص
المحدثات بالتنزيه الإلهي فرجع إليه هذا التنزيه.
وبقي الحق على ما كان واعلم أني متى أذكر لك في كتابي هذا أو غيره من مؤلفاتي أن هذا الأمر للحق وليس للمخلوق فيه نصيب، أو هذا مختص بالخلق ولا ينسب إلى الحق، فإن مرادي بذلك أنه للوجه المسمى بذلك الاسم من الذات، لا أنه ليس للذات ذلك، فافهم .
لأن هذا الأمر مبني على أن الذات جامعة لوجهي الحق والخلق ، فللحق منها ما يستحقه الحق، وللخلق منها ما يستحقه الخلق على بقاء كل وجه في مرتبته بما تقتضيه ذاته من غير ما امتزاج.
فإذا ظهر أحد الوجهين في الوجه الآخر كن كل من الحكمين موجوداً في الآخر، وسيأتي بيانه في باب التشبيه، تعالى من ليس بعرض ولا جوهر.

يا جوهراً قام به عرضان    ....   يا واحداً في حكمه اثنان
جمعت محاسنك العلى فتوحدت   .....  لك باختلاف فيهما ضدان
ما أنت إلاَّ واحد الحسن الذي   .....   تمَّ الكمال له بلا نقصان
فلئن بطنت وإن ظهرت فأنت في  ....     ما تستحق من العلا السبحاني
متنزّهاً متقدِّساً متعالياً      .....     في عزّه الجبروت عن حدثان
لم يدرك المخلوق إلاَّ مثله   ......    والحقُّ منّزه عن الاكوان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الحادي عشر في التشبيه كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 24, 2018 2:11 pm

الباب الحادي عشر في التشبيه كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الحادي عشر في التشبيه

التشبيه الإلهي عبارة عن صورة الجمال، 

لأن الجمال الإلهي له معان، وهي الأسماء والأوصاف الإلهية، وله صور وهي تجليات تلك المعاني فيما يقع عليه من المحسوس أو المعقول، فالمحسوس 
كما في قوله: “ رأيت ربي في صورة شاب أمرد “ . 
والمعقول كقوله:" أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء" وهذه الصورة هي المرادة بالتشبيه، ولا شك أن الله تعالى في ظهوره بصورة جماله باق على ما استحقه من تنزيه، كما أعطيت الجناب الإلهي حقه من التنزيه، فكذلك أعطه من التشبيه الإلهي حقه.
واعلم أن التشبيه في حق الله حكم بخلاف التنزيه، فإنه في حقه أمرعيني، وهذا لا يشهده إلاَّ الكُمَّل من أهل الله تعالى، وأما من سواهم من العارفين فإنه لا يدرك ما قلناه إلاَّ إيماناً وتقليداً لما تقتضيه صور حسنه
وجماله.
إذ كل صورة من صور الموجودات هي صورة حسنه، فإن شهدت الصورة على الوجه التشبيهي ولم تشهد شيئاً من التنزيه، فقد أشهدك الحق حسنه وجماله من وجه واحد.
وإن أشهدك الصورة التشبيهية وتعلق فيها التنزيه الإلهي، فقد أشهدك الحق جماله وجلاله في
وجهي التشبيه والتنزيه {فأينما تولوا فثم وجه الله }[ البقرة، الآية: 115 ] فنزّه إن شئت وشبِّه إن
شئت، فعلى كل حال أنت غارق في تجلياته ليس لك عنه منفك إذ أنت وماعليه هويتك من حال وعمل ومعنى بأجمعك صورة لجماله.
فإن بقيت على تشبيهك الخلقي فأنت تشهد صورة حسنه، وإن فتح لك عين التنزيه فيك على تشبيهك فأنت صورة حسنه وجماله ومعناه، وإن ظفرت بما وراء التشبيه والتنزيه منك فأنت وراء التشبيه والتنزيه، وذلك الذات.

فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي واعلم أن للحق تشبيهين:

 تشبيه ذاتي، 

وهو ما عليه من صور الموجودات المحسوسات أو ما يشبه المحسوسات في الخيال. 

وتشبيه وصفي ،

 وهو ما عليه صور المعاني الأسمائية المنزّهة عما يشبه المحسوس في الخيال، وهذه الصورة تتعقل في الذهن ولا تتكيّف في الحس.
فمتى تكيّفت التحقت بالتشبيه الذاتي، لأن التكيّف من كمال التشبيه والكمال بالذات أولى فبقي التشبيه الوصفي وهذا لا يمكن التكيّف فيه بنوع من الأنواع ولا جنس بضرب المثل.
ألا ترى الحق سبحانه وتعالى كيف ضرب المثل عن نوره الذاتي بالمشكاة والمصباح والزجاجة، وكان
الإنسان صورة هذا التشبيه الذاتي، لأن المراد بالمشكاة صدره، وبالزجاجة قلبه، وبالمصباح سرّه، وبالشجرة المباركة، الإيمان بالغيب وهو ظهور الحق في صورة الخلق، والإيمان هو الإيمان بالغيب، والمراد بالزيتونة الحقيقة المطلقة التي لا نقول بأنها من كل الوجوه حق، ولا بأنها من كل الوجوه خلق، وكانت الشجرة الإيمانية " لا شرقية" .
فتوجب التنزيه المطلق بحيث أن ينفي التشبيه "ولا غربية "، فنقول بالتشبيه المطلق حتى أن ينفي التنزيه، فهي تعصر بين قشر التشبيه ولبّ التنزيه، وحينئذ  "يكاد زيتها "الذي هو يقينها " يضيء " فترفع ظلمة الزيت بنوره  "ولو لم تمسسه نار" بالمعاينة التي هي نور عياني وهو"نور"  التشبيه "علي نور" إيماني وهو نور التنزيه "بهدي الله تعالي لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس و الله بكل سيء عليم" [النور، الآية: 35 ] .
وكان هذا التشبيه تشبيهاً ذاتياً وهو وإن كن ظاهراً بنوع من ضرب المثل، فذلك المثل أحد صور حسنه كما لو ظهر العلم في صورة اللبن في عالم المثال، فكانت المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت لا شرقية ولا غربية، والإضاءة والنار والنور الذي هو نور على نور جميعها بظواهر مفهومها صور ذاتية لجمال ذات الله تعالى، والله بكل شيء عليم، وهو معنى جماله لأن العلم معنى في العالم بالشيء فافهم.
 والله يقول الحق وهو أعلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني عشر في تجلّي الأفعال كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 24, 2018 2:14 pm

الباب الثاني عشر في تجلّي الأفعال كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثاني عشر في تجلّي الأفعال

تجلّي الحق سبحانه وتعالى في أفعاله عبارة عن مشهد يرى فيه العبد جريان القدرة في الأشياء، فيشهده سبحانه وتعالى محركها ومسكنها بنفي الفعل عن العبد وإثباته للحق، والعبد في هذا المشهد مسلوب الحول
والقوّة والإرادة، والناس في هذا المشهد على أنواع.
فمنهم من يشهد الحق إرادته أولاً ثم يشهده الفعل ثانياً، فيكون العبد في هذا المشهد مسلوب الحول والفعل والإرادة، وهو أعلى مشاهد تجليات الأفعال.
ومنهم من يشهده الحق إرادته ولكن يشهده تصرفاته في المخلوقات وجريانها تحت سلطان قدرته.
ومنهم من يرى الأمر عند صدور الفعل من المخلوق فيرجع إلى الحق.

ومنهم من يشهده ذلك بعد صدور الفعل من المخلوق، لكن صاحب هذا المشهد إذا كن شهوده هذا في غيره فإنه مسلم له.
وأما إذا كان شهوده هذا في نفسه فإنه لا يسلم له ذلك إلاَّ فيما وافق ظاهر السنة، وإلا فلا يسلم له، بخلاف من أشهده الحق إرادته أولاً ثم شهد تصرف الحق به قبل صدور الفعل منه وعنده وبعده، فإننا نسلم له مشهده ونطالبه نحن بظاهر الشريعة.

فإن كن صادقاً فهو مخلص فيما بينه وبين الله، 

وفائدة قولي نسلم له مشهده ولا نسلم للأول الذي يشهد جريان القدرة بعد صدور الفعل، على أنّا لا نسلّم لأحد منهما أن يحتجّ بالقدرة فيما يخالف الأمر والنهي، بل يلزمهما حكم ظاهر الأمر فنقيم الحد على من ظهر منه ما يوجب الحد في حكم الشرع.
وذلك لما يلزمنا من حكم الله تعالى لأنه فعل ما يلزمه من حكم الله، وهو ما اقتضاه شهود المظهر الذي فيه فنجريه على ما اقتضاه ذلك التجلي، وهو أداء حق الله تعالى عليه، وبقي علينا أداء حق الله تعالى فيما أمرنا بأن نحدّ من عصاه بالحدّ الذي أقامه الله تعالي سبحانه وتعالى في كتابه.
فكانت فائدة قولي نسلم له مشهده راجعة إليه فيما بينه وبين نفسه تقريراً لمشهده، وقولي في الذي لا يشهد جريان ومنهم من يشهد فعل الله به، ويشهد فعل نفسه تبعاً لفعل الله تعالى.
فيسمي نفسه في الطاعة طائعاً وفي المعصية عاصياً، وهو فيهما مسلوب الحول والقوّة والإرادة؛
ومنهم من لا يشهد فعل نفسه بل يشهد فعل الله فقط فلا يجعل لنفسه فعلاً، فلا يقول في الطاعة أنه مطيع، ولا في المعصية.
 ومن جملة ما يقتضيه مشهدهم أن أحدهم يكل معك ويحلف أنه ما كل، ويشرب ويحلف أنه ما
شرب، ثم يحلف أنه ما حلف وهو عند الله برّ صدوق، وهي نكتة لا يفهمها إلاَّ من ذاق هذا المشهد ووقع فيه وقوعاً عينياً.
ومنهم من لا يشهد فعل الله إلاَّ بغيره ولا يشهده لنفسه، أعني فيما يخصه.
ومنهم من لا يشهد فعل الله إلاَّ في نفسه ولا يشهده في غيره، وهذا أعلى من الأول مشهداً.

ومنهم من يشهد فعل الله به في الطاعات ولا يشهد جريان القدرة به في المعاصي، فهو مع الله تعالى من حيث تجلي أفعاله في الطاعات، وإنما حجب الله تعالى عنه فعله به في المعاصي رحمة به لئلا تقع منه المعصية وذلك دليل على ضعفه، لأنه لو قوي لشهد فعل الله تعالى به في المعاصي آما شهده في الطاعات ويحفظ عليه ظاهر شرعه؛.
ومنهم من لا يشهد أعني لا يتجلى له فعل الحق به إلاَّ في المعاصي ابتلاء له من الحق فلا يشهده في الطاعات، ومن يكون بهذا الوصف فهو أحد رجلين:
 كما رجل حجب الله عنه في الطاعات لكونه يحب أن يكون مطيعاً ويقدّم الطاعة على غيرها، فاحتجب الله تعالى عنه فيها وظهر له في المعاصي ليشهد الحق فيها فيحصل له بذلك الكمال الإلهي، وعلامة هذا أن
يعود إلى الطاعات ولا يدوم على المعصية.
وإما رجل استدرك إلى أن تمكن من المعاصي فاحتجب الحق عنه فبقي فيها ودامت عليه، نعوذ بالله
من ذلك.

ومنهم من يشهده فيهما فتكون تارة وتارة:

أسير إلى نجد إذا نزلت به   .....    وأرحل نحو الغور إن فيه حلت
ومنهم من يكون في شهوده لفعل الله تعالى غير سكن إلى ما يجريه عليه من المعصية، فيبكي ويتضرع ويحزن ويستغفر الله تعالى ويسأله الحفظ ومنهم من لا يتضرّع ولا يحزن ولا يسأله الحفظ ويكون سكناً تحت جريان القدرة منصرفاً حيث وجهه ولا يوجد فيه اضطراب، وهذا دليل على قوة كشفه في هذا المشهد، وهو أعلى من الأول إن سلم من وساوس نفسه؛
ومنهم من يبدل الله معصيته طاعة فيشهد جريان القدرة في المعاصي وغيرها، ويشهده الله جريان المعصية عليه ويكتبها الله عنده طاعة فلا يجري عليه عند الله اسم معصية.
ومنهم من تكون نفس معصيته طاعة لموافقته لإرادة الله تعالى، ولو أمر بخلاف ما أريد منه، فيكون العبد في هذا المشهد عاصياً من جهة الأمر والمخالفة مطيعاً من جهة الإرادة والموافقة، وذلك أنه أشهد أولاً قبل
الفعل إرادة الحق منه، فما أتاه الاسم إلاَّ موافقاً لإرادته وهو مع ذلك ناظر إلى جريان القدرة فيه وتقليب الحق له.
ومنهم من يبتلى فيتجلى الله له فيما يذمّ حقيقة وشرعاً، فيشهد تقلب الحق  له في الخذلان، فيأتيها وهو يعلم أنه مخذول، وذلك لما افتضاه حكم مشهده من ظهور الحق له في ذلك الفعل:

وقائلة لا تشتكي الضدّ من علوى    .....    وكن صابراً فيها على الصدّ والبلوى
فقلت: دعيني ما دعت لي زينب     ......    إلى غير خذلاني طريقاً ولا مأوى
نصيبي منها ما تحققت قبحه       ......    ومن قبح ما حققته هذه الشكوى
اجتمع رجل فقير من أهل الغيب بفقير كن هذا مشهده،
فقال له: يا فقير لو لزمت الأدب مع الله بحفظ الظاهر وطلبت منه السلامة كن أولى بك في طلب معاملته تعالى،
فقال الفقير: قلت له يا سيدي موافقتي لإرادته ولو لبست خلعة الخذلان أو قلدت نجاد العصيان أولى بالأدب، أم لبسي لاسم الطاعة وطلب مخالفتي لإرادته ولا يكون إلا ما يريد.

قال: فخلى سبيلي وانصرف.
واعلم أن أهل هذا التجلي المذكور وإن عظم مقامهم وجلّ مرامهم فإنهم محجوبون عن حقيقة الأمر.

 ولقد فاتهم من الحق كثر مما نالهم، فتجلي الحق في أفعاله حجاب عن تجلياته في أسمائه وصفاته، ويكفي هذا القدر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث عشر في تجلّي الأسماء كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 24, 2018 2:16 pm

الباب الثالث عشر في تجلّي الأسماء كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث عشر في تجلّي الأسماء

إذا تجلّى الله تعالى على عبد من عبيده في اسم من أسمائه اصطلم العبد تحت أنوار ذلك الاسم، فمتى ناديت الحق بذلك الاسم أجابك العبد لوقوع ذلك الاسم عليه، فأول مشهد من تجليات الأسماء أن يتجلى الله لعبده في
اسمه الموجود، فيطلق هذا الاسم على العبد.
وأعلى منه تجلّيه له في اسمه الواحد وأعلى منه تجلّيه له في اسمه الله، فيصطلم العبد لهذا التجلي ويندك جبله،

 فيناديه الحق على طور حقيقته: إنه أنا الله، هنالك يمحو الله اسم العبد ويثبت له اسم الله تعالي.

فإن قلت: يا الله، أجابك هذا العبد: لبيك وسعديك.
فإن ارتقى وقوّاه الله وأبقاه بعد فنائه كن الله مجيباً لمن دعا هذا العبد.

فإن قلت مثلاً: يا محمد، أجابك الله: لبيك وسعديك، ثم إذا قوي العبد في الترقي تجلى الحق له في اسمه الرحمن ثم في اسمه الربّ ثم في اسمه الملك ثم في اسمه العليم ثم في اسمه القادر، وآلما تجلى الله في اسم من هؤلاء الأسماء المذكورة فإنه أعزّ مما قبله في الترتيب.
وذلك لأن تجلي الحق في التفصيل أعزّ من تجلّيه في الإجمال، فظهوره لعبده في اسمه الرحمن تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه الله، وظهوره لعبده في اسمه الربّ تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه الرحمن، وظهوره في اسمه الملك تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه الربّ، وظهوره في اسمه العليم والقادر تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه الملك.
 وكذلك بواقي الأسماء، بخلاف تجلياته الذاتية، فإن ذاته إذا تجلّت لنفسه بحكم مرتبة من هذه المراتب كن الأعم فوق الأخص، فيكون الرحمن فوق الرب، وفوقهما الله فافهم.
وذلك بخلاف التجليات الأسمائية المذكورة، فينتهي العبد في هذه التجلّيات الأسمائية إلى حقيقتها الذاتية إلى أن تطلبه جميع الأسماء الإلهية طلب وقوع كما يطلب الاسم المسمى، فحينئذ يغرّد طائر أنسه على فنن قدسه
قائلاً:

ينادي المنادي باسمها فأجيبه     ....     وأدعى فليلى عن ندائي تجيب
وما ذاك إلا أننا روح واحد   ......    تداولنا جسمان وهو عجيب
كشخص له اسمان والذات واحد  .....   بأي تنادي الذات منه تصيب
فذاتي لها ذات واسمي اسمها    .....   وحالي بها في الاتحاد غريب
ولسنا على التحقيق ذاتين لواحد  ....    ولكنه نفس المحبّ حبيب
والعجب في التجليات الأسمائية أن المتجلي له لا يشهد إلاَّ الذات الصرف ولا يشهد الاسم، لكن المميز يعلم سلطانه من الأسماء التي هو بها مع الله تعالي تعالى، لأنه استدل على الذات بذلك الاسم، فعلم مثلاً منه أنه الله أو أنه الرحمن أو أنه العليم أو أمثكل ذلك، فذلك الاسم هو الحكم على وقته وهو مشهده من الذات.
والناس في تجليات الأسماء على أنواع، وسنذكر طرفاً منها إذ لا سبيل إلى إحصاء جميع الأسماء، ثم كل اسم يتجلى به الحق، فإن الناس فيه مختلفون وطرق وصولهم إليه مختلفة.
ولا أذكر من جملة طرق كل اسم إلاَّ ما وقع لي في خاصة سلوكي في الله، بل جميع ما أذكره في كتابي
بطريق الحكاية عن غيري كن أو عني فإني لا أذكره إلاَّ على حسب ما فتح الله به عليَّ في زمان سيري في الله وذهابي فيه بطريق الكشف والمعاينة.
فلنرجع إلى ما آنا بصدده من 

ذكر الناس في تجليات الأسماء، وهم على أنواع:

فمنهم من تجلى الحق عليه من حيث اسمه القديم، 

وكن طريقه إلى هذا التجلي أن كشف له الحق عن كونه موجوداً في علمه قبل أن يخلق الخلق.
إذ كن موجوداً في علمه بوجود علمه، وعلمه موجود بوجوده سبحانه، فهو قديم، والعلم قديم والمعلوم لاحق بالعلم فهو قديم.
لأن العلم لا يكون علماً إلاَّ إذا كن له معلوم، فالمعلوم هو الذي أعطى العالم اسم العالمية، فلزم من هذا الاعتبار قدم الموجودات في العلم الإلهي.
فمرجع هذا العبد إلى الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه القديم، فعندما تجلى له من ذاته القدم الإلهي اضمحل حدثه، فبقي قديماً بالله تعالى فانياً عن حدثه.

ومنهم من تجلى له من حيث اسمه الحق، 

وكن طريقه إلى هذا التجلي بأن كشف له سبحانه وتعالى عن سرّ حقيقته المشار إليها بقوله :{ وما خلقنا السموات والأرض الا بالحق} 85 سورة الحجر.
 فعندما تجلّت به ذاته من حيث اسمه الحق، فنى منه الخلق وبقي مقدس الذات منزّه الصفات.

ومنهم من تجلّى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه الواحد،

وكان طريقه إلى هذا التجلي بأن كشف الحق له عن محتد العالم وبروزه من ذاته سبحانه وتعالي كبروز الموج من البحر فشهد ظهوره سبحانه وتعالي في تعدد المخلوقات بحكم واخديته ، فعند ذلك اندك جبله وصعق كليمه ، فذهبت كثرته في وحده الواحد سبحانه وتعالي ، وكانت المخلوقات كأن لم تكن ويقي الحق كان لم يزل.

ومنهم من تجلّى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه القدوس، 

وكان طريقه بأن كشف له عن سرّ { ونفخت فيه من روحي} 29 سورة الحجر. فأعلمه أن روحه نفسه لا غيره، وروح الله مقدسة منزّهة، فعند ذلك تجلى له الحق في اسمه القدوس، ففني من هذا العبد نقائض الاكوان، وبقي بالله تعالى
منزّهاً عن وصف الحدثان.

ومنهم من تجلى له سبحانه وتعالى من حيث اسمه الظاهر

فكشف له عن سرّ ظهور النور الإلهي في كثائف المحدثات ليكون طريقاً له إلى معرفة أن الله هو الظاهر، فعند ذلك تجلى له بأنه الظاهر، فبطن العبد ببطون فناء الخلق في ظهور وجود الحق.

ومنهم من تجلى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه الباطن

وكان طريقه بأن كشف له عن قيام الأشياء بالله ليعلم أنه باطنها فعند أن تجلى له ذاته من حيث اسمه الباطن طمس ظهوره بنور الحق، وكان الحق له باطناً وكن هو للحق ظاهراً.

ومنهم من تجلّى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه الله

، فالطريق إلى هذا التجلي غير منحصر بل إلى تجلي كل اسم من أسماء الله تعالى آما سبق بأنها لا تنضبط لاختلاف المظاهر باختلاف القوابل، فإذا تجلى الحق لعبده من حيث اسمه الله فني العبد عن نفسه وكن الله عوضاً عنه له فيه، فخلص هيكله من رق الحدثان وفك قيده من قيد الاكوان، فهو أحدي الذات وأحدي الصفات لا يعرف الآباء والأمهات، فمن ذكر الله فقد ذكره، ومن نظر الله فقد نظره، وحينئذ أنشد لسان حاله بغريب عجيب مقاله:

خبتني فكنت فيَّ عني نيابة      .....      أجل عوضاً بلى عين ما أنا واقع
فكنت أنا هي وهي كنت أنا وما     ......   لها في وجود مفرد من ينازع
بقيت بها فيها ولا تاء بيننا      .....  وحالي بها ماض كذا ومضارع
ولكن رفعت النفس فارتفع الحجا  ....  ونبهت من نومي فما أنا ضاجع
وشاهدتني حقاً بعين حقيقتي     .....    فلي في جبين الحسن تلك الطلائع
جلوت جمالي فاجتليت مرائياً     .....    ليطبع فيها للكمال مطابع
فأوصافها وصفي وذاتي ذاتها   .....   وأخلاقها لي في الجمال مطالع
واسمي حقاً اسمها واسم ذاتها     ....  لي اسم ولي تلك النعوت توابع

ومنهم من تجلّى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه الرحمن،

 وذلك أنه لما تجلى له الحق سبحانه وتعالى من حيث اسمه الله دلّه بذاته على مرتبة العلية الكبرى الشاملة لأوصاف المجد السارية في جميع
الموجودات.
وكان ذلك طريقاً له إلى الوصول لذي التجلّي الذاتي من حيث اسمه الرحمن، وشأن العبد في هذا التجلي أن ينزل عليه الأسماء الإلهية اسماً اسماً، فلا يزال يقبل منها على قدر ما أودع الله في هذا العبد من نور ذاته إلى أن ينزل عليها اسم الربّ، 
فإذا قبله وتجلى له الحق فيه تنزَّلت عليه الأسماء النفسية المشتركة التي هي تحت هيمنة الربّ كالعليم والقدير وأمثالهما، حتى ينزل عليه اسم الملك فإذا قبله وتجلّى له الحق في
ذاته تنزّلت عليه بواقي الأسماء بكمالها اسماً فاسماً إلى أن ينتهي إلى اسمه القيوم، فإذا قوّاه الله وتجلى له الحق في اسمه القيوم انتقل من تجليات الأسماء إلى تجليات الصفات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الرابع عشر في تجلّي الصفات كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 24, 2018 2:20 pm

الباب الرابع عشر في تجلّي الصفات كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الرابع عشر في تجلّي الصفات

إذا تجلّت ذات الحق سبحانه وتعالى على عبده بصفة من صفاتها، سبح العبد في فلك تلك الصفة إلى أن يبلغ حدّها بطريق الإجمال لا بطريق التفصيل، لأن الصفاتيين لا تفصيل لهم إلاَّ من حيث الإجمال.
 فإذا سبح العبد في فلك صفة واستكمالها بحكم الإجمال استوى على عرش تلك الصفة، فكان موصوفاً بها، فحينئذ تتلقاه صفة أخرى، فلا يزال كذلك إلى أن يستكمل الصفات جميعها.
ثم يا أخي لا يشكل عليك هذا ، فإن العبد إذا أراد الحق سبحانه وتعالى أن يتجلى عليه باسم أو صفة، فإنه يفني العبد فناء يعدمه عن نفسه، ويسلبه عن وجوده؛ فإذا طمس النور العبدي وفني الروح الخلقي، أقام الحق سبحانه وتعالى في الهيكل العبدي من غير حلول من ذاته لطيفة غير منفصلة عنه ولا متصلة بالعبد عوضاً عما سلبه منه، لأن تجليه على عباده من باب الفضل والجود، فلو أفناهم ولم يجعل لهم عوضاً عنهم لكان ذلك من باب النقمة، وحاشاه من ذلك، وتلك اللطيفة هي المسماة بروح القدس.
فاذا أقام الحق لطيفة من ذاته عوضا عن العبد ، كان التجلي على تلك اللطيفة فما تجلي الا على نفسه ، لكننا نسمي تلك اللطيفة الإلهية عبدا باعتبار أنها ، عوض عن العبد، و الا فلا عبد ولا رب، اذ بانتفاء المربوب انتفي اسم الرب ، فما ثم الا الله تعالي وحده الواحد الأحد ، وفي ذلك أقول :

ما للخليقة إلاَّ اسم الوجود على      .....    حكم المجاز وفي التحقيق ما أحد
فعندما ظهرت أنواره سلبوا   ......    ذاك التسمي فلا كنوا ولا فقدوا
أفناهم وهم في عينهم عدم     ......   وفي الفناء فهم باقون ما جحدوا
فعندما عدموا صار الوجود له    ......    وكن ذا حكمه من قبل ما وجدوا
فالعبد صار كما أن لم يكن أبداً    ......    والحقّ كان كما أن لم يزل أحد
لكنه عندما أبدى ملاحته     .....    آسا الخليقة نور الحق فاتحدوا
أفنى فكان عن الفاني به عوضاً     .....   وقام عنهم وفي التحقيق ما قعدوا
كالموج حكمهم في بحر وحدته    ......   والموج في كثرة بالبحر متحد
فإن تحرّك كان الموج أجمعه      ......   وإن تسكن لا موج ولا عدد

واعلم أن تجليات الصفات عبارة عن قبول ذات العبد الاتصاف بصفات الرب

 قبولاً أصلياً حكمياً قطعياً، كما يقبل الموصوف الاتصاف بالصفة.
وذلك لما سبق أن اللطيفة الإلهية التي قامت عن العبد بهيكله العبدي، وكنت عوضاً عنه، وهي في اتصافها بالأوصاف الإلهية اتصاف أصلي حكمي قطعي، فما اتصف إلاَّ الحقّ بما له، فليس للعبد هنا شيء، والناس
في تجليات الصفات على قدر قوابلهم، وبحسب وفور العلم وقوة العزم.
فمنهم من تجلى الحق له بالصفة الحياتية، فكان هذا العبد حياة العالم بأجمعه، يرى سريان حياته في الموجودات جميعها جسمها وروحها، ويشهد المعاني صوراً لها منه حياة قائمة بها، فما ثمَّ معنى كالأقوال
والأعمال، ولا ثم صورة لطيفة كنت كالأرواح، أو كثيفة كنت كالأجسام.

إلا كان هذا العبد حياتها يشهد كيفية امتدادها منه، ويعلم ذلك من نفسه من غير واسطة

 ، بل ذوقا الهيأ كشفيا غيبيا عينيا، وكنت في هذا التجلي مدة من الزمان ، اشهد حياة الموجودات في، وانظر القدر الذي لكل موجود في حياتي، كل على ما اقتضاه ذاته ، وكنا في ذلك واحد الحياة غير منقسم بالذات، الى أن نقلتني يد العناية عن هذا التجلي الى غيره ولا غير.
ومنهم من تجلى الله عليه بالصفة العلمية، وذلك أنه لما تجلى عليه بالصفة الحياتية السارية في جميع الموجودات ذاق هذا العبد بقوّة أحدية تلك الحياة جميع ما هي الممكنات.
فحينئذ تجلّت الذات عليه بالصفة العلمية، فعلم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى
المعاد، وعلم كل شيء كيف كان؟
 وكيف هو كائن؟ وكيف يكون؟ وعلم ما لم يكن، ولم لا يكون ما لم يكن؟ 
ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون؟ 

كل ذلك علماً أصلياً حكمياً كشفياً ذوقيا من ذاته، لسريانه في المعلومات علماً إجمالياً تفصيلياً آلياً جزئياً مفصلاً في إجماله لكن في غيب الغيب، واللدني والذاتي متنزّل من التفصيل من غيب الغيب إلى شهادة الشهادة، ويشهد تفصيل إجماله في الغيب.
ويعلم الإجمالي الكلي في غيب الغيب، والصفاتي ليس له من العلم إلاَّ وقوعه عليه في غيب الغيب، وهذا الكلام لا يفهمه إلاَّ الغرباء، ولا يذوقه إلاَّ الأمناء الأدباء.
ومنهم من تجلّى الله عليه بصفة البصر، وذلك أنه لما تجلى عليه بصفة البصرية العلمية الإحاطية والكشفية، تجلى عليه بصفة البصر، فكان بصر هذا العبد موضع علمه، فما ثم علم يرجع إلى الحق، وما ثم علم يرجع إلى الخلق إلاَّ وبصر هذا العبد واقع عليه.
فهو يبصر الموجودات كما هي عليه في غيب الغيب، والعجب كل العجب أن يجهلها في الشهادة.
 فانظر إلى هذا المشهد العليّ، والمنظر الجليّ ما أعجبه وما أعذبه، وما ذاك إلاَّ أن العبد الصفاتي ليس بيد خلقه شيء مما بيد حقه فلا اثنينية.
أعني لا يظهر على شهادته مما هو عليه غيبه إلاَّ بحكم الندور في بعض الأشياء، فإن الحق يبرزها إكراماً له، بخلاف العبد الذاتي فإن شهادته غيبه، وغيبه شهادته فلتفهم.

ومنهم من تجلّى عليه بصفة السمع، فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات، وكلام الملائكة واختلاف اللغات، وكن البعيد عنه كالقريب، وذلك أنه لما تجلى الله له بصفة السمع سمع بقوّة أحدية تلك الصفة

اختلاف تلك اللغات وهمس الجمادات والنباتات.
وفي هذا التجلي سمعت علم الرحمانية من الرحمن، فتعلمت قراءة القرآن، فكنت الرطل وكان الميزان، وهذا لا يفهمه إلاَّ أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

ومنهم من تجلى الله عليه بصفة الكلام،

 فكانت الموجودات من كلام هذا العبد، وذلك أنه لما تجلى عليه الله بالصفة الحياتية، ثم علم بالصفة العلمية ما فيه من سرّ الحياة منه، ثم أبصرها ثم سمعها، فبقوّة أحدية
حياته تكلم.
وكنت الموجودات من كلامه، وحينئذ شهد بكلامه أزلاً كما هو عليه أبداً، أن لا نفاد لكلماته، أي لا آخر لها. 
ومن هذا التجلي يكلم الله عباده دون حجاب الأسماء قبل تجليها.

فمن المكلمين من تناجيه الحقيقة الذاتية من نفسه

، فيسمع خطاباً لا من جهة بغير جارحة، وسماعه للخطاب بكليته لا بأذنه.
فيقال له: أنت حبيبي أنت محبوبي، أنت المراد ، أنت وجهي في العباد، أنت المقصد الأسنى، أنت المطلب الأعلى، أنت سرّي في الأسرار، أنت نوري في الأنوار، أنت عيني أنت زيني، أنت جمالي أنت كمالي، أنت اسمي أنت ذاتي، أنت نعتي أنت صفاتي، كنا اسمك كنا رسمك، كنا علامتك كنا وسمك، حبيبي أنت خلاصة الاكوان والمقصود من الوجود والحدثان، تقرّب إلى شهودي فقد تقرّبت إليك بوجودي لا تبعد فإني كنا الذي قلت { ونحن أقرب اليه من حبل الوريد }16 ق .
لا تتقيّد باسم العبد، فلولا الرب ما كان العبد، أنت أظهرتني كما أظهرتك، فلولا عبوديتك لم تظهر لي ربوبية.
 أنت أوجدتني كما كنا أوجدتك، فلولا وجودك ما كان وجودي موجوداً.
حبيبي الدنوّ الدنوّ، حبيبي العلوّ العلوّ.
 حبيبي أردتك لوصفي واصطفيتك لنفسي فلا ترد نفسك لغيري ولا ترد غيري لك.
 حبيبي شمني في المشموم، حبيبي كلني في المطعوم، تخيلني في المهموم.
حبيبي تعقلني في المعلوم، حبيبي شاهدني في المحسوس، حبيبي المسني في الملموس.
حبيبي البسني في الملبوس، حبيبي أنت المراد بي وأنت المكنى بي وأنت المكنى عنه بي.
 ما ألذّها من معاطفة، ما أحلاها من ملاطفة.

ومن المكلمين من يحادثه الحق على لسان الخلق، 

فيسمع الكلام من جهة ولكن يعلم أنه من غير جهة ويصيخه من الخلق ولكن يسمعه من الحق.
وفي ذلك أقول:
شغلت بليلى عن سواها فلو أرى     .....   جماداً لخاطبت الجماد خطابها
ولا عجب أني أخاطب غيرها   ......     جماداً ولكن العجيب جوابها

ومن المكلمين من يذهب به الحق من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح وهؤلاء أعلى مراتب.  
فمنهم من يخاطب في قلبه. ومنهم من يصعد بروحه إلى سماء الدنيا.
ومنهم إلى الثانية والثالثة كل على حسب ما قسم له.

ومنهم من يصعد به إلى سدرة المنتهى فيكلمه هناك،

وكل من المكلمين على قدر دخوله في الحقائق تكون مخاطبات الحق له، لأنه سبحانه وتعالى لا يضع الأشياء إلاَّ في مواضعها.
ومنهم من يضرب له عند تكليمه إياه نور له سرادق من الأنوار.
ومنهم من ينصب له منبراً من نور.
ومنهم من يرى نوراً في باطنه فيسمع الخطاب من تلك الجهة النورية، وقد يرى النور كثيراً وأكثر ومستديراً ومتطاولاً.
ومنهم من يرى صورة روحانية تناجيه، كل ذلك لا يسمى خطاباً، إلا إن أعلمه الله أنه هو المتكلم، وهذا لا يحتاج فيه إلى دليل، بل هو على سبيل الوهلة فإن خاصية كلام الله لا تخفى.
 وأن يعلم أن ما سمعه كلام الله فلا يحتاج هناك إلى دليل ولا بيان، بل بمجرّد سماع الخطاب يعلم العبد أنه
كلام الله تعالي.
وممن صعد به إلى سدرة المنتهى من قيل له حبيبي إنيتك هي هويتي وأنت عين هو وما هو إلاَّ أنا، حبيبي بساطتك تركيبي وكثرتك واحديتي، بل تركيبك بساطتي وجهلك درايتي.
أنا المراد بك كنا لك لا لي، أنت المراد بي، أنت لي لا لك.
حبيبي أنت نقطة عليها دائرة الوجود فكنت أنت العابد فيها والمعبود.
 أنت النور أنت الظهور أنت الحسن والزين كالعين للإنسان والإنسان للعين:

أيا روح روح الروح والآية الكبرى      .....     ويا سلوة الأحزان للكبد الحرا
ويا منتهى الآمال يا غاية المنى       .....    حديثك ما أحلاه عندي وما أمرا
ويا كعبة التحقيق يا قبلة الصفا     ......     ويا عرفات الغيب يا طلعة الغرا
أتيناك أخلفناك في ملك ذاتنا       ......    تصرف لك الدنيا جميعاً مع الأخرى
فلولاك ما كنا ولولاي لم تكن      .....   فكنت وكنا والحقيقة لا تدرى
فإياك نعني بالمعزة والغنى      .....    وإياك نعني بالفقير ولا فقرا
ومن المكلمين من ينادى بالغيوب فيشارك بالأخبار قبل وقوعها، فقد يكون ذلك بطريق السؤال منه وهم الاكثرون، وقد يكون ذلك بطريق الابتداء من الحق سبحانه وتعالى.
ومن المكلمين من يطلب الكرامات فيكرمه الله بها فتكون دليلاً إذا رجع إلى محسوسه على صحة مقامه مع الله تعالى. 
ويكفي هذا القدر من ذكر المكلمين.
فلنرجع إلى ما كنا بسبيله من تجليات الصفات.
ومنهم أي من أهل تجليات الصفات، من تجلّى الله عليه بالصفة الإرادية وكنت المخلوقات حسب إرادته، وذلك أنه لما تجلى الله عليه بصفة المتكلم أراد بأحدية ذلك المتكلم ما هو عليه من المخلوقات، فكانت الأشياء بإرادته. 
وكثير من الواصلين إلى هذا التجلي من رجع القهقرى، فأنكر من الحق ما يرى، وذلك أنه لما أشهده الحق أن الأشياء كائنة عن إرادته شهوداً عينياً في عالم الغيب الإلهي، فطلب العبد ذلك من نفسه في عالم
شهادته، فلم يكن له ذلك لأن ذلك من خصائص الذاتيين، فأنكر ذلك المشهد العيني ورجع القهقرى فانكسرت زجاجة قلبه، فأنكر الحق بعد شهوده وفقده بعد وجوده.
ومنهم أي من أهل تجلّي الصفات، من تجلّى الله عليه بصفة القدرة، فتكوَّنت الأشياء بقدرته في العالم الغيبي، وكن على أنموذجه ما في العالم العيني، فإذا ارتقى فيه ومنه ظهر عليه ما يكتمه، وفي هذا التجلّي سمعت صلصلة الجرس فانحلّ تركيبي واضمحل رسمي وانمحى اسمي.
فكنت لشدة ما لاقيت مثل الخرقة البالية المعلقة في الشجرة العالية تذهب بها الريح الشديدة شيئاً فشيئاً، لا أبصر شهوداً إلاَّ بروقاً ورعوداً وسحاباً يمطر بالأنوار وبحاراً تموج بالنار، والتقت السماء والأرض وكنا في ظلمات بعضها فوق بعض، فلم تزل القدرة تخترع لي ما هو الأقوى، وتخترع بي ما هو الأهوى فالأهوى إلى أن ضرب الجلال على سرادق المتعال.
وولج جمل الجمال في سمّ خياط الخيال، ففتق في المنظر الأعلى رتق اليد اليمنى، فحينئذ تكوَّنت الأشياء وزال العماء، ونودي أن استوى الفلك على الجودي، أيتها السماء والأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا
طائعين. وفي ذلك قال:

تصرّف في الزمان كما تريد     .....   فمولى أنت نحن له العبيد
وسل السيف في عنق الأعادي  .....   فسيفك في العدا ذكر حديد
فهب ما شئت وامنع لا لبخل   .....    ولكن آي تجود بما تريد
فمن أسعدته بالقرب يدنو     ......  ومن أشقيته فهو البعيد
وملِّك من تريد من الأماني    ......    وحقِّر من أردت فلا يسود
وأبرم ما عقدت فليس حلّ      .....    واعقد ما برمت هو العقيد
ولا تخش العقاب على قضاء    ......    فكلّ تحت سيفك لا يميد
لك الملكوت ثم الملك ملك    .....    لك الجبروت والملأ السعيد
لك العرش المجيد مكان عزّ    .....   على الكرسي تبدي أو تعيد

ومن هذا التجلي ، تصرفات أهل الهمم.

 ومن هذا التجلي عالم الخيال وما يتصور فيه من غرائب عجائب المخترعات. 
ومن هذا التجلي السحر العالي. 
ومن هذا التجلي يتلوّن لأهل الجنة ما يشاؤون. 
ومن هذا التجلي عجائب السمسمة الباقية من طينة آدم التي  ذكرها ابن العربي في كتابه.
ومن هذا التجلي المشي على الماء والطيران في الهواء وجعل القليل كثيراً والكثير قليلاً، إلى غير ذلك من الخوارق.
فلا تعجب يا أخي، إنما الجميع نوع واحد اختلف باختلاف وجوهه، فسعد به السعيد وشقى به الطريد، فافهم. 
فقد أشرت لك بهذه النبذة ورمّزت في هذه اللغزة أسراراً إن وقفت عليها اطلعت على سرّ القدر المحجوب
المصون، فتقول حينئذ للشيء كن فيكون، ذلك الذي أمره بين الكاف والنون.
ومنهم من تجلى الله عليه بصفة الرحمة، وذلك بعد أن انتصب له عرش الربوبية فيستولي عليه، ويوضع له كرسي الاقتدار تحت قدميه فتسري رحمته في الموجودات.
 وهو كرسي الذات قيّوم الصفات يتلو من الآيات: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) } 26 - 27 آل عمران 
كل ذلك في عالم غيبه منزّهاً عن شكّه وريبه، معايناً لما في جيبه، وهذا هو الفرق بين الصفاتيين والذاتيين.
ومنهم من يتجلى الله عليه بالألوهية، فيجمع التضاد ويعمّ البياض والسواد، ويشمل الأسافل والأعالي، ويحوي التراب واللآلئ، وعند ذلك يعقل الاسم والوصف و يجحد النشر واللف، و يري ان الامر { كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ  }39 سورة النور. فطوي يمينه و شماله كتابه { وقيل بعدا للقوم الظالمين } 44 سورة هود
واعلم أن النور هو الكتاب المسطور يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء كما قال الله تعالى عنه في كتابه إنه {يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا}26 سورة البقرة.
واعلم أن لا سبيل أيضاً بدون ذلك وأنه صراط الله فهو له هدى ولغيره ضلال، فإذا خوطب بالأمرين واعتبر بالحكمين وسمي بالاسمين غربت النجوم الزواهر وهي في أفلاكها مشرقة دوائر.
ومن خصائص هذا التجلي أن العبد يصوّب آراء جميع أهل الملل والنحل ويعلم أصل مأخذهم، ويشهد من سعد منهم كيف سعد، ومن شقي منهم كيف شقي وبم شقي. 
ومن أين دخل على كل من أهل الملل دواخل الضلال.

ومن خصائصه أيضاً 



أن يخطئ العبد جميع آراء أهل الملل والنحل حتى المسلمين والمؤمنين والمحسنين والعارفين، ولا يصوّب إلاَّ رأي المحققين الكُمَّل لا غير.
ومن خصائص هذا التجلّي: أن العبد لا يمكنه النفي ولا يمكنه الإثبات، ولا يقول بالوصف ولا بالذات، ولا يلوي على الاسم ولا يحتاج إلى الرسم.
اجتمعت في هذا التجلي بالملائكة المهينين، فرأيتهم على اختلاف مشاهدهم هائمين في محاتدهم، فمن باهت حيَّره الجمال ومن سكت ألجمه الجلال، ومن ناطق أطلقه الكمال، ومن غائب في هويته، ومن حاضر في
إنيته، ومن فاقد للوجود، ومن واجد في الشهود، ومن حائر في دهشته.
ومن داهش في حيرته، ومن ذائب في فناه، ومن آيب في بقاه، ومن ساجد في عدم محض، ومن عابد في وجوب وجود فرض، ومن مستهلك في وجود، ومن مستغرق في شهود، ومن محترق في نار الأحدية، ومن مغترف في بحار الصمدية، ومن فاقد للأنس واجد للقدس، ومن واجد للأنس فاقد للقدس، تدهش الناظر أحوالهم وتهدي الحائر أقوالهم.
فملت إلى كملهم مشهداً وأرفعهم منشأً ومحتداً، ميل متطلع لا ميل حائرمتقنع.
فقلت له: أيها الكامل القريب والروح الأقدس الأديب، أخبرني عن حالك في مشهدك الحالك، وحدثني عن رسمك وصرح لي باسمك.
فأعرض إعراض من جنح عن التصريح، وأقبل إقبال المخبر الفصيح، ثم جثا على ركبتيه وانهمك في حيرته، فسألته عن الحال، فترجم ثم قال: لا تسأل عن الاسم فتنحصر في قيد الرسم، ولا تتركه رأساً فينطمس حقك انطماساً، ولا تلوي على الصفحات فتنحجب عن ربك بالسموات، ولا تلوي عن الذات فتطلب العدم الرفات، النفي كفران والإثبات خسران وهذان بحران والحق {بينهما برزخ لا يبغيان } 20  الرحمن.
   إن أثبتني أقمتني سواك وإن نفيتني حجبت عن حقيقة معناك ، وإن قلت إنك إني ، فأين فنك من فني، وإن قلت إنك غيري فقد فاتك كل معنى في خيري، وان تحيرت فقد تفقرت ، وان قلت بالعجز، فقد فاتك وصف العز، فإن ادعيت الكمال والغاية فأمرك في البداية لا في النهاية، وان تركت المجموع ، وقلت بالنوم والهجوع ، فهيهات فقد فاتك ما قد فاتك ، وإن قمت في ذاتك علي عرش صفاتك فأين كمالك من كمالي وهل لك مالي، وفي ذلك أقول 

تحيّرت في حيرتي مما هي    .....    فقد حار وهمي في وهمه
فلم أدر هذا التحيّر من       .....  تجاهل قلبي أم علمه
فإن قلت جهلاً فكذب به     .....    وإن قلت علماً فمن أهله
فلكي هو الأعلى ومسجدي هو الأقصى، وقد بورك حوله للوفود وعذب ماء منهمر للورود.
ومن سبح في بحري نظمته في نحري، ومن ركب جوادي أقطعته بلادي، ومن تعدّى حدّه وادعى ما لم يكن عنده مقته بدوام الحجاب، وقلت { لا تفتروا علي الله تعالي كذبا فيسحتكم بعذاب }61 طه .  أنا الصراط المستقيم، أنا المعوج والقويم، أنا المحدث والقديم.
فلم تزل تتداعى كؤوس المنادمة في حضرة الوجود والمكالمة، إلى أن خفق خافق وأومض من سفح الأبيرق بارق، فسألته عن الركن المصون والنبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون.
 فقال: اسمع ما تقول هذه الأسماء في ذراها الأعلى الأسمى فإذا هي تناجي بأفصح لسان وأصرح بيان معطية ما عندها من غير كتمان.
فقلت: ماذا ؟  فقال: { الرحمن . علم القرآن} 1-2 الرحمن.
فقلت للقدير: حدثني عني يا فلان { خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) } 7-3 الرحمن.
 وقلت للمريد: أيها القديم الجديد خبّرني عني وارددني إليّ مني.
فقال: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) } 1-6 التكوير.
 فقال العليم بلسان حكيم: { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ( بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)}7 - 14 التكوير. 
فقلت: أيها الحكيم المعجب حدثني عن عنقاء مغرب، ودلّني على الكنز المصون بين الكاف والنون.
فقال: يكفيك مني ما يحدث القديم عني.
فقلت له: ذلك لا يغني، فقال: أزيدك؟ 
فقلت: زدني، فقال: إن المزيد قد أتاك عني بالخبر السديد والرأي الرشيد. 
فقلت: فهمه عليّ بعيد، فمن يا مولانا أنت؟
فقال: نفس العبيد ثم تلا {وهم لا يسمعون} 21 سورة الأنفال. {أنما أمرنا لسيء إذا اردناه أن تقول له كن فيكون}40 سورة النحل.
فلم تزل تناجيني الحضرات وتبرز لي أبكارها الخيرات إلى أن هبّ نسيم السعادة، فحقق له علم السيادة، فشممت رائحة رائحة، وكانت باللذات للذات في اللذات نافحة، فأخذتني عني وجذبتها الي مني، فانحلت قواي وأذابت بحواي.
وامتحن الكائن والبائن، واستحق الآيب والقاطن، وانطمس رسم الحي فلم يبق لا ميت ولا حي فعند ذلك مت موتة أبدية ، وسحقت سحقة سرمدية، فلا بعث  بعدها و لا نشور ولا مغيب عندها ولا حضور فعندما فنى الحي وهلك من هلك في الدار.
 سأل نفسه: { لمن الملك اليوم }  فقال: { لله الواحد القهار} 16 سورة غافر .


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الإثنين يوليو 02, 2018 1:02 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الخامس عشر في مجلّى الذات كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 31, 2018 5:15 am

الباب الخامس عشر في مجلّى الذات كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عن

الباب الخامس عشر في مجلّى الذات

للذات فيك بصرف الراح لذّات      ......    وكل جمع سواها فهو أشتات
تجلى منزّهة عن وصف واصفها    .....   بلا اعتبار ولا فيها إضافات
كالشمس تبدو فيخفى وصف أنجمها    .....    نفي ولكن لها في الحكم إثبات
هي الظلام ولا صبح ولا شفق   .....    ودون منزلها للوفد تيهات
وكم دليل حدا للركب يقصدها    .....    فحار فيها ولم تجر الشمالات
خفية السبل لا رسم ولا علم    .....    أبية الوصل تحميها الأبيات
لها دميس طريق دارس حرج      ......   ودونه لسري الموهوم وقفات
كالجهل أمست علوم العالمين لها    .....   سيان في حيها رشد وغيات
لم يظفر العقل يوماً من صرافتها    .....    مزجاً وليس لفكر ثم نشوات
ولا لنار الهدى في سبلها علم     ......    ولا لنور التقى فيها إضاءات
طرق وأوّل من حارت أدلتها     .....    فيها فلا حييوا فيها ولا ماتوا
أوصافها غرقت في بحر عزّتها    .....    دون الوفا فهي عند الكنه أموات
فلا سبيل إلى استيفاء ماهية     .....   باسم ونعت تعالت تلكم الذات

اعلم أن الذات عبارة عن الوجود المطلق بسقوط جميع الاعتبارات 

والإضافات والوجوهات، لا على أنها خارجة عن الوجود المطلق، بل على جميع تلك العبارات وما إليها من جملة الوجود المطلق.
 فهي في الوجود المطلق لا بنفسها ولا باعتبارها، بل هي عين ما هو عليه الموجود المطلق، هذا الوجود المطلق هو الذات الساذج الذي لا ظهور فيه لاسم ولا نعت ولا نسبة ولا إضافة ولا لغير ذلك.
 فمتى ظهر فيها شيء مما ذآر نسب ذلك المنظر إلى ما ظهر فيها لا إلى الذات الصرف،
 إذ حكم الذات في نفسها شمول الكليات والجزئيات والنسب والإضافات بحكم بقائها، بل بحكم اضمحلالها تحت سلطان أحدية الذات، فمتى اعتبر فيها وصف أو اسم أو نعت كنت بحكم المشهد لذلك المعتبر لا للذات.
 ولهذا قلنا: إن الذات هي الوجود المطلق، ولم نقل الوجود القديم ولا الوجود الواجب لئلا يلزم من ذلك التقييد.
وإلا فمن المعلوم أن المراد بالذات هنا إنما هي ذات واجب الوجود القديم، ولا يلزم من قولنا الوجود المطلق أن يكون تقييداً بالإطلاق لأن مفهوم المطلق هو ما لا تقييد فيه بوجه من الوجوه فافهم.  فإنه لطيف جداً.
واعلم أن الذات الصرف الساذج إذا نزلت عن سذاجتها وصرافتها كان

لها ثلاث مجالي ملحقات بالصرافة والسذاجة.

المجلى الأول: 

الأحدية، ليس لشيء من الاعتبارات ولا الإضافات ولا الأسماء ولا الصفات ولا لغيرها فيها ظهور، فهي ذات صرف ولكن قد نسبت الأحدية إليها ولهذا نزل حكمها عن السذاجة.

والمجلى الثاني: 

الهوية، ليس لشيء من جميع المذآورات فيه ظهور إلاَّ الأحدية فالتحقت بالسذاجة لكن دون لحوق الأحدية لتعقل الغيبوبية فيها من طريق الإشارة إلى الغائب بالهوية فافهم.

المجلى الثالث: 

الإنية، وهي آذلك ليس لغير الهوية فيها ظهور البتة، فالتحقت أيضاً بالسذاجة لكن دون لحوق الهوية لتعقل المتحدث فيها والحضور والحاضر والمتحدث أقرب إلينا رتبة من الغائب المتعقل المبطون فافهم وتأمل.
قال الله تعالى: { إنه أنا الله} 9 سورة النمل. 
فـ "أنا" إشارة إلى الأحدية لأنها إثبات محض لا تقييد فيها.

 وكذلك الأحدية ذات محض مطلق لا تقييد فيها لشيء دون غيره، 

و(هو) في قوله إشارة إلى الهوية الملحقة بالأحدية  ولهذا برزت مركبة، مع "إنَّي".
و" أنا " إشارة إلى الهوية الملحقة بالأحدية الإنية ،  ولهذا كنت المبدأ والمعول عليها في الإخبار بأنه الله، فاستند الخبر وهو الله إلى "أنا" تنزيلاً للإنيّة منزلة الهوية والأحدية.
والجميع عبارة عن الذات الساذج الصرف وليس بعد هذه الثلاثة مجلي الا مجلي الواحدية المعبر عن مرتبتها بالالوهية التي استحقها اسم الله تعالي.  ولقد دلت الاية بالترتيب علب ذلك فليتامل.
فإذا فهمت ما قلناه ، فاعلم أن الذاتيين عبارة عمن كانت اللطيفة الإلهية فيهم، فقد سبق فيما قلنا أن الحق إذا تجلى على عبده وأفناه عن نفسه قام فيه لطيفة إلهية.
فتلك اللطيفة قد تكون ذاتية وقد تكون صفاتية، فإذا كانت ذاتية كان ذلك الهيكل الإنساني هو الفرد الكامل والغوث الجامع، عليه يدور أمر الوجود، وله يكون الركوع والسجود، وبه يحفظ الله العالم، وهو
المعبر عنه بالمهدي والخاتم وهو الخليفة، وأشار إليه في قصة آدم، تنجذب حقائق الموجودات إلى امتثال أمره انجذاب الحديد إلى حجر المغناطيس، ويقهر الكون بعظمته ويفعل ما يشاء بقدرته، فلا يحجب عنه شيء.
وذلك أنه لما كنت هذه اللطيفة الإلهية في هذا الولي ذاتاً ساذجاً غير مقيد برتبة لا حقيقية إلهية ولا خلقية عبدية، أعطى كل رتبة من رتب الموجودات الإلهية الخلقية حقها، إذ ما ثمة شيء يمسكه من إعطاء
الحقائق حقها، والماسك للذات إنما هو تقييدها برتبة أو اسم أو نعت حقية كنت أو خلقية، وقد ارتفع الماسك لأنها ذات ساذج، كل الأشياء عنده بالفعل لا بالقوة لعدم المانع.
وإنما تكون الأشياء في الذوات بالقوة تارة وبالفعل أخرى لأجل الموانع، فارتفاعها كما بوارد على الذات أو صادر عنها، وقد يتوقف ارتفاع المانع بحال أو وقت أو صفة أو نحو ما ذكر.
وقد تنزَّهت الذات عن جميع ذلك، فأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولولا أن أهل الله تعالى منعوا من تجلي الأحدية فضلاً عن تجلّي الذات.
لتحدثنا في الذات بغرائب تجليات وعجائب تدليات إلهية ذاتية محضة ليس لاسم ولا وصف ولا غيرهما فيها مجال ولا دخول.
 بل كنا ننزله من مكنون خزائن غيبه بمفاتيح غيبه على صفحات وجه الشهادة بألطف عبارة وأظرف إشارة، فيفتح بتلك المفاتيح مغلق أقفكل العقول، ليلج جمل العبد من سم خيوط الوصول إلى جنة ذاته
المحفوظة بحجب الصفات المصونة بالأنوار والظلمات

  { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) }سورة النور .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السادس عشر في الحياة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 31, 2018 5:17 am

الباب السادس عشر في الحياة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السادس عشر في الحياة

وجود الشيء لنفسه حياته التامة، ووجود الشيء لغيره حياة إضافية له، فالحق سبحانه وتعالى موجود لنفسه ، فهو الحق، وحياته هي الحياة التامة، فلا يلحق بها ممات، والخلق من حيث الجملة موجود دون الله، فليست حياتهم إلاَّ حياة إضافية.
ولهذا التحق بها الفناء والموت، ثم إن حياة الله تعالى في الخلق واحدة تامة و هو الإنسان الكامل، فإنه موجود لنفسه وجودا حقيقيا لا مجازيا ولا إضافيا قربه، فهو الحي التام الحياة بخلاف غيره.
و الملائكة العليون وهم المهيمنة ومن يلحق بهم ، وهم من العناصر كالقلم الأعلى واللوح وغيرهما من هذا النوع، فإنهم ملحقون بالإنسان الكامل فافهم.
ومن الموجودات من ظهرت الحياة فيه على صورتها لكن غير تامة وهو الإنسان الكامل الحيواني والملك والجنّ، فإن كلا من هؤلاء موجود لنفسه بعلم أنه موجود وأنه كذا وكذا.
ولكن هذا الوجود له غير حقيقي لقيامه بغير قربه موجود للحق لا له، فكانت حياة قربه حياة غير تامة.
ومنهم من ظهرت له الحياة فيه لا على صورتها، وهو باقي الحيوانات.
ومنهم من بطلت فيه الحياة، فكان موجوداً لغيره لا لنفسه كالنبات والمعدن والحيوان وأمثال ذلك، فصارت الحياة في جميع الأشياء، فما ثم شيء من الموجودات إلاَّ وهو حي، لأن وجوده عين حياته، وما الفرق إلاَّ أن يكون تاماً أو غير تام.
بل ما تمَّ إلاَّ من حياته تامة، لأنه على القدر الذي تستحقه مرتبته، فلو نقص أو زاد لعدمت تلك المرتبة، فما في الوجود إلاَّ من هو حيّ بحياة تامة، ولأن الحياة عين واحدة، فلا سبيل إلى نقص فيها ولا إلى انقسام لاستحالة تجزئ الجوهر الفرد.
فالحياة جوهر فرد موجود بكماله لنفسه في كل شيء، فمشيئة الشيء هي حياته، وهو حياة الله التي قامت الأشياء بها، وذلك هو تسبيحها له من حيث اسمه الحي.
لأن كل شيء في الوجود يسبّح الحق من حيث كل اسم، فتسبيح الموجودات لله من حيث اسمه الحيّ هو عين وجودها بحياته، وتسبيحها له من حيث اسمه العليم هو دخولها تحت علمه.
وقولها له: يا عالم، هي كونها أعطته العلم من نفسها بأن حكم عليها أنها كذا وكذا.
وتسبيحها له من حيث اسمه القدير هو دخولها تحت قدرته.
وتسبيحها له من حيث اسمه المريد هو تخصيصها بإرادته على ما هي عليه.
وتسبيحها من حيث اسمه السميع هو إسماعها له إياه كلامها وهو ما تستحقه حقائقها بطريق
الحال لكنه فيما بينها وبين الله بطريق المقال.
وتسبيحها له من حيث اسمه البصير هي كونها تحت بصره بما تستحقه حقيقتها.
وتسبيحها له من حيث اسمه المتكلم هي كونها موجودة عن كلمته.
وقس على ذلك باقي الأسماء.
فإذا علمت ذلك فاعلم أن حياتها محدثة بالنسبة إليها، قديمة بالنسبة إلى الله، لأنها حياته، وحياته صفته وصفته ملحقة به، ومتى أردت أن تتعقل .
فانظر الى حياتك وتقييدها بك فإنك لا تجد إلا روحأ مختصأ بك وذلك هو الروح المحدث ،ومتى رفعت النظر عن حياتك من حيث اختصاصها بك ، وذقت من حيث الشهود أن كل حي في حياته .
كما أنت فيها وشهدت سريان تلك الحياة في جميع الموجودات ، علمت أنها الحياة الحق الله التي قام بها العالم، وتلك هي الحياة القديمة الإلهية فافهم ما أشرت لك في هذه العبارات.
بل في جميع كتابي هذا إذ كثر مسائل هذا الكتاب مما لم أسبق إليه ما خلا المصطلح عليها فإنه لا سبيل
إلى التحدث في علم إلاَّ باصطلاح أهله وإلاَّ فاكثر ما وضعته في كتابي هذا لم يضعه أحد قبلي في كتاب فيما أعلم، ولا سمعته من أحد في خطاب فيما أفهم، بل أعطاني العلم بذلك بشهوده بالعين التي لا يحجب عنها شيء في الأرض ولا في السماء " ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين"61 سورة يونس  .
واعلم أن كل شيء من المعاني والإلهيات والأشكال والصور والأقوال والأعمال والمعدن والنبات وغير ذلك مما يطلق عليه اسم الوجود، فإنه له حياة في نفسه لنفسه حياة تامة كحياة الإنسان لكن لما حجب ذلك عن الكثرين ، نزلناه عن درجته وجعلناه موجوداً لغيره، وإلاَّ فكل شيء من الأشياء له وجود في نفسه لنفسه وحياة تامة بها ينطق وبها يعقل وبها يسمع ويبصر ويقدر ويريد ويفعل ما يشاء.
ولا يعرف هذا إلاَّ بطريق الكشف فإنا شهدناه عياناً وأيّد ذلك الإخبارات الإلهية فيما نقل إلينا من أن الأعمال تأتي يوم القيامة صوراً تخاطب صاحبها فتقول له: أنا عملك، ثم تأتيه غيرها فتطردها وتناجيه .
وكذلك قوله إن الكلمة الحسنة تأتيه في صورة كذا وكذا، والقبيحة تأتيه في صورة كذا وكذا.
وقوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}44 سورة الإسراء.
فالأشياء جميعها تسبّح لله بلسان المقال، يسمعه من كشف الله عنه، وبلسان الحال كما سبق بيانه في هذا الباب، وتسبيحه بلسان المقال بحمد الله حقيقي غير مجازي فافهم.
ومن هذا القبيل نطق الأعضاء والجوارح، وقد وجدنا فيما أعطانا الكشف جميع ذلك، فإيماننا اليوم بالغيب إيمان تحقيق لا إيمان تقليد، ولا غيب عندنا إلاَّ من حيث نسبة الموطن.
وإلاَّ فغيبنا هو شهادتنا وشهادتنا هو غيبنا، ولم نذكر هذا التأييد النقلي إلاَّ لأجل المخاطب لا لأجل أنا وجدنا هذا الكشف بهذا التأييد، فافهم وتأمل ترشد إن شاء الله تعالى والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السابع عشر في العلم كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الخميس مايو 31, 2018 5:18 am

الباب السابع عشر في العلم كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السابع عشر في العلم

العلم درك الحق للأشياء ..... لو أنه من وجهه بفناء
لكنها الاسم العليم لمدرك   ......   أمر الوجود بشرط الاستيفاء
فيكون علاّم القديم وعالماً .....   للمحدثات بغير ما إخفاء
وحقيقة العلم المقدس واحد   .....   من غير ما كل ولا أجزاء
هو مجمل في الغيب وهو مفصل   ......   في عالم المشهود والإيماء
لكن جملته هناك فقد حوى  ...... التفصيل تحقيقاً بغير مراء
وبه فتعلم ذاته خلاقنا .....   وبه فيعلمنا عن الأهواء
وبه فنعلمه ونعلم ذاتنا   .....   فاعجب لفرد جامع الأشياء
إعلم أن العلم صفة نفسية أزلية، فعلمه سبحانه وتعالى بنفسه وعلمه بخلقه علم واحد غير منقسم ، ولا متعدد ولكنه يعلم نفسه بما هو له ويعلم خلقه بما هم عليه.
ولا يجوز أن يقال: إن المعلومات أعطته العلم من نفسها لئلا يلزم من ذلك كونه استفاد شيئاً من غيره، ولقد سها الإمام محيي الدين بن العربي رضي الله عنه حيث قال: إن معلومات الحق أعطت الحق العلم من نفسها، فلنعذره ولا نقول إن ذلك مبلغ علمه.
ولكنا وجدناه سبحانه وتعالى بعد هذا يعلمها بعلم أصلي منه غير مستفاد مما عليه المعلومات فيما اقتضته من نفسها بحسب حقائقها غير أنها اقتضت في نفسها ما علمه سبحانه منها فحكم لها ثانياً بما اقتضته وهو حكمها عليه.
ولما رأى الإمام المذكور رضي الله عنه أن الحق حكم للمعلومات بما اقتضته من نفسها ظن أن علم الحق مستفاد من اقتضاء المعلومات فقال:
إن المعلومات أعطت الحق العلم من نفسها ، وفاته أنه إنما اقتضت ما علمها عليه بالعلم الكلي الأصلي النفسي قبل خلقها وإيجادها .
فإنها ما تعيّنت في العلم الإلهي إلاَّ بما علمها وإلاَّ بما اقتضته ذواتها .
ثم اقتضت بعد ذلك من نفسها أموراً . يعني غير ما علمها عليه أولاً .
فحكم لها ثانياً بما اقتضته وما حكم لها إلا بما علمها عليه.
فتأمل، فإنها مسألة لطيفة ولو لم يكن الأمر كذلك لم يصبح له من نفسه الغنى عن العالمين.
لأنه إذا كانت المعلومات أعطته العلم من نفسها فقد توقف حصول العلم له على المعلومات، ومن توقف وصفه على شيء كان مفتقراً إلى ذلك الشيء في ذلك الوصف.
ووصف ألعلم له وصف نفسي، فكان يلزم من هذا أن يكون في نفسه مفتقرأ الى شيء، تعالى عن ذلك علوأ كبيرأ.
فيسمي الحق عليمأ بنسبة العلم اليه مطلقأ، ويسمى عالمأ بنسبة معلومية الأشياء اليه، ويسعى علكما بنبة العلم ومعلومية الأشياء له معأ، فالعليم اسم صفة نفسية لعدم النظر فيه إلى شئ مما سواه .
إذ العلم ما تستحقه النفس في كمالها لذاتها.
وكما العالم فاسم صفة فعلية وذلك علمه للأشياء سواء كان علمه لنفسه أو بغيره.
وأنها فعلية لأنك تقول عالم بنفسه ، يعني عًلِمَ نفسه وعالم بغيره يعني علم غيره، ولا بد أن تكون صفة فعليه.
وكما العلام فبالنظر إلى النسبة العلمية اسم صفة نفسية كالعليم، وبالنظر الى نسبة معلومية ألأشياء له فاسم صفة فعلية، ولهذا غلب وصف الخلق باسم العالم دون العليم والعلاَّم.
فيقال: فلان عالم، ولا يقال: عليم ولا علام مطلقاً، اللهم إلاَّ إن قيد فيقال: فلان عليم بأمر كذا وإذا، ولم يرد علاَّم بأمر كذا ولا علام مطلقاً، فإن وصف شخص بذلك فلا بد من التقييد، فيقال: فلان علاَّم في فنّ كذا، وهذا على سبيل التوسع والتجوّز، وليس قولهم: فلان علامة من هذا القبيل لأن ذلك ليس باسم الله فلا يجوز أن يقال: إن الله علاَّمة، فافهم.
وكعلم أن العلم أقرب الأوصاف إلى الحيّ كما أن الحياة أقرب الأوصاف إلى الذات، لأنّا قد بيّنا في الباب الذي قبل هذا أن وجود الشيء لنفسه حياته وليس وجوده غير ذاته.
فلا شيء أقرب إلى الذات من وصف الحياة، ولا شيء أقرب إلى الحياة من العلم، لأن كل حيٍّ لا بد أن يعلم علماً ما .
سواء كان إلهامياً كعلم الحيوانات والهوام بما ينبغي لها وبما لا ينبغي من المأكل والمسكن والحركة والسكون.
فهذا العلم هو لازم لكل حيّ، وإن كان بديهياً ضرورة أو تصديقياً كعلم الإنسان والملائكة والجان، فحصل
من هذا أن العلم أقرب الأوصاف إلى الحياة.
ولهذا كنى الله تعالى عن العلم بالحياة، فقال: {أو من كان ميتا فأحييناه }1 سورة الأنعام.
يعني جاهلاً فعلمناه {و جعلنا له نورا يمشي به في الناس }2 سورة الأنعام.
أي يفعل بمقتضى ذلك العلم { كمن مثله في الظلمات}3 سورة الأنعام.
يعني في ظلمة الطبيعة التي هي عين الجهل { ليس بخارج منها}4 سورة الأنعام.  
لأن الظلمة لا تهدي إلاَّ إلى الظلمة فلا يتوصل بالجهل إلى العلم أعني بالجهل الطبيعي،ولا يمكن للجاهل أن يخرج من الجهل بالجهل { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون}5 سورة الأنعام.
أي الساترين وجود الله تعالى بوجودهم، فلا يشهدون من أنفسهم ومن الموجودات سوى مخلوقيتها فيسترون بذلك وجه الله، ويقولون وصفه أن لا يكون مخلوقاً ،وأن لا يكون مسبوقاً بالعدم ،ولم يشعروا أن الحق سبحانه وتعالى، وإن ظهر في مخلوقاته، فإنما يظهر فيها بوصفه الذي يستحقه لنفسها .
فلا يلحق به شيء من نقائص المحدثات وان استند اليه شيء من نقائص المحدثات ظهر كماله في تلك النقائص .
فارتفع حكم النقص عنها، فكانت كاملة باستنادها إليه، فلا يكون من الكامل الا ما هو كامل، ولا يستند الى الكامل الا ما يلحق به النقص. وفي ذلك قال :
يُكمِّلُ نُقصانَ القَبيحِ جمالُه ...... إذا لاح فيه فهو للقبح رافع
ويرفعُ مقدارَ الوضيعِ جلالُه ...... فما ثَمَّ نقصانٌ ولا ثَمَّ واضع
ولما كان العلم لازماً للحياة، كما سبق، كنت الحياة أيضاً لازمة للعلم لاستحالة وجود عالم لا حياة له، وكل منهما لازم ملزوم، وإذ قد عرفت هذا .
فقل ما ثم لازم ولا ملزوم بالنظر إلى استقلال كل صفة لله في نفسها ، وإلا لزم أن يكون بعض صفات الله مركباً من صفة غيرها أو من مجموع صفاته، وليس هو كذلك تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
فتقول مثلاً: صفة الخالقية غير مركبة من القدرة والإرادة والكلام، ولو كان المخلوق لا يوجد إلاَّ بهذه الصفات الثلاث، بل الصفة الخالقية صفة لله تعالى واحدة.
فهذه مستقلة غير مركبة من غيرها ولا ملزومة ولا لازمة لسواها، وكذلك باقي الصفات فليتأمل.
وإذا صح هذا في حق الحق فهو في حق الخلق أيضاً كذلك، لأنه سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته فلا بد أن يكون الإنسان نسخة من كل صفة من صفات الرحمن فيوجد في الإنسان، كل ما ينسب إلى الرحمن، حتى أنك تحكم للمحال بالوجوب بواسطة الإنسان، ألا تراك كذا فرضت مثلاً كما تفرض للمحال أن ثمة حياً لا علم له ، أو عالماً لا حياة له ، كان ذلك الحيّ الذي لا علم له أو العالم الذي لا حياة له موجوداً في عالم فرضك وخيالك ومخلوقاً لربك.
إذ الخيال بما فيه مخلوق لله تعالى، فوجد في العالم بواسطة الإنسان ما كان متخيله في غيره.
وإعلم أن المحسوس فرع لعالم الخيال إذ هو ملكوته، فما وجد في الملكوت لا بد أن يظهر في الملك منه بقدر القوابل والوقت والحال ما يكون نسخة لذلك الموجود في الملكوت.
وتحت هذه الكلمات من الأسرار الإلهية ما لا يمكن شرحه ، فلا تهملها فإنها مفاتيح للغيب الذي إن صحّ
بيدك فتحت بها أقفال الوجود جميعه أعلاه وأسفله.
وسيأتي الكلام على عالم الملكوت في محله من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
فقل في العلم والحياة وغيرهما من الصفات إن شئت بالتلازم، وإن شئت بعدمه.
وتوسع في الجناب الإلهي القائل على لسان نبيه: { إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون}56 سورة العنكبوت.
وقال رحمه الله تعالى في معنى ذلك:
عجب لبحر هاج في زخراته ...... متلاطم الأمواج في طفحاته
من كل رآن تهتوي أرياحه ......  فيقيم طود الموج في جنباته
والرعد فيه كأنه لتواتر ......   مثل الصدى للموج في زجراته
والبرق يخطف كل مقلة ناظر .....   كالسيف يلمع في مدى هزَّاته
والسحب تركم بعضها في بعضها   .....   والمزن تمطر من هوا صفحاته
ظلمات بعض فوق بعض قطرة .....   مما حوى ذا البحر في ظلماته
كيف السلامة فيه للصبّ الذي ......   غرقت مركب وصفه في ذاته
أو كيف يصنع سابح قطعت   ...... قوائمه ومن يقضي له بنجاته
اللَّه كبر ما بها من سالم .....   هيهات في هيهات في هيهاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثامن عشر في الإرادة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيل   الخميس مايو 31, 2018 5:20 am

الباب الثامن عشر في الإرادة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثامن عشر في الإرادة
وفيها قال رحمه الله:
إن الإرادة أول العطفات ......   كنت لنا وله من النفحات
ظهر الجمال بها من الكنز الذي  .....  قد كان في التعريف كلنكرات
فبدت محاسنه على أعطافه   ......   وهو الخليقة صورة الجلوات
لولاه أي لولا محاسنه اقتضت   ..... من نفسها إيجاد مخلوقات
ما كان مخلوقاً ولولا آونهم ..... ما كان منعوتاً بحسن صفات
ظهروا به وبهم ظهور جماله ......  كل لكلٍّ مظهر الحسنات
والمؤمن الفرد الوحيد لمؤمن ...... فيما روى المختار كالمرآة
هو مؤمن والفرد منّا مؤمن   ..... كمرايتين تقابلا بالذات
فبدت محاسنه بنا وبدت محا ....   سننا به من غير ما إثبات
وبنا تسمى بل تسمينا به .....   كل لكلّ نسخة الآيات
لولا إرادته التعرّف لم يكن .....   للكنز إبراز من الخفيّات
فلذلك المعنى تقدم حكمها ...... عن سائر الأوصاف والنسبات
إعلم أن الإرادة صفة تجلي علم الحق على حسب المقتضى الذاتي، فذلك المقتضى هو الإرادة وهي تخصيص الحق تعالى لعلوماته بالوجود على حسب ما اقتضاه العلم.
فهذا الوصف فيه تسمى الإرادة، الإرادة المخلوقة فينا هي عين إرادة الحق سبحانه وتعالى، لكن لما نسبت إلينا كان الحديث اللازم لنا لازماً لوصفنا بأن الإرادة مخلوقة يعني إرادتنا.
وإلا فهي بنسبتها إلى الله تعالى عين الإرادة القديمة التي هي له، وما معناها من إبراز الأشياء على حسب مطلوبها إلاَّ لنسبتها إلينا.
وهذه النسبة هي المخلوقة، فإذا ارتفعت النسبة التي لها إلينا ونسبت إلى الحق على ما هي عليه له انفعلت بها الأشياء فافهم.
كما أن وجودنا بنسبته إلينا مخلوق وبنسبته إلى الله قديم، وهذه النسبة هي الضرورية التي يعطيها الكشف
والذوق أو العلم القائم مقام العين فما ثم إلا هذا، فافهم.
وأعلم أن الإرادة لها تسعة مظاهر في المخلوقات:
المظهر الأول: هو الميل، وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه، فإذا قوي جداً سمي ولعاً.
وهو المظهر الثاني للإرادة، ثم كذا اشتدّ وزاد سمي صبابة، وهو كذا أخذ القلب في الاسترسال فيمن يحبّ فكأنه انصبّ كالماء إذا فرغ لا يجد بداً من الانصباب.
وهذا هو المظهر الثالث للإرادة، ثم إذا تفرَّغ له بالكلية وتمكن ذلك منه سمي شغفاً.
وهو المظهر الرابع للإرادة، ثم كذا استحكم في الفؤاد وأخذه عن الأشياء سمي هوى،
وهو المظهر الخامس، ثم كذا استوفى حكمه على الجسد سمي غراماً،
وهو المظهر السادس والعشق هو الذات المحض الصرف الذي لا يدخل تحت رسم ولا نعت ولا
وصف، فهو أعني العشق في ابتداء ظهوره، يفني العاشق حتى لا يبقى له اسم ولا رسم ولا نعت ولا وصف فإذا امتحق العاشق وانطمس أخذ العشق في فناء المعشوق والعاشق، فلا يزال يفنى منه الاسم ثم الوصف ثم الذات فلا يبقى عاشق ولا معشوق، فحينئذ يظهر العاشق بالصورتين ويتصف
بالصفتين، فيسمى بالعاشق ويسمى بالمعشوق، وفي ذلك أقول:
العشق نار اللَّه أعني الموقدة    .......   فأفولها فطلوعها في الأفئدة
نبأ عظيم أهله هم فيه ...... مختلفون أعني في المكانة والجدة
فتراهم ف نقطة العشق الذي ..... هو واحد متفرقين على حدة
واعلم أن هذا الفناء هو عبارة عن عدم الشعور باستيلاء حكم الذهول عليه، ففناؤه عن نفسه عدم شعوره به، وفناؤه عن محبوبه باستهلاكه فيه.
فالفناء في اصطلاح القوم هو عبارة عن عدم شعور الشخص بنفسه ولا بشيء من لوازمها.
فإذا علمت هذا فاعلم أن الإرادة الإلهية المخصصة للمخلوقات على كل حالة وهيئة صادرة من غير علّة ولا بسبب بل محض اختيار إلهي ، لأنها، أعني الإرادة حكم من أحكام العظمة، ووصف من أوصاف الألوهية، فألوهيته وعظمته لنفسه لا لعلّة.
وهذا بخلاف ما رأى الإمام محيى الدين بن العربي رضي الله عنه فإنه قال: لا يجوز أن يسمى الله مختاراً لأنه لا يفعل شيئاً بالاختيار، بل يفعله على حسب ما اقتضاه العالم من نفسه، وما اقتضى العالم من نفسه إلاَّ هذا الوجه الذي هو عليه، فلا يكون مختاراً.
هذا كلام الإمام محيى الدين في الفتوحات المكية، ولقد تكلم على سرّ ظفر به من تجلّي الإرادة وفاته منه أكثر مما ظفر به، وذلك من مقتضيات العظمة الإلهية .
ولقد ظفرنا بما ظفر به، ئم عثرنا بعد ذلك في تجلي العزة على أنه مختار في الأشياء، متصرف فيها، بحكم اختيار المشيئة الصادرة لا عن ضرورة ولا مريد.
بل شأن إلهي ووصف ذاتي كما صرح الله تعالى عن نفسه في كتابه فقال: "وربك يخلق ما يشاء ويختار" 68 سورة القصص .
فهو القادر المختار العزيز الجبار المتكبر القهار.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب التاسع عشر في القدرة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيل   الخميس مايو 31, 2018 5:21 am

الباب التاسع عشر في القدرة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب التاسع عشر في القدرة

القدرة قوّة ذاتية لا تكون إلاَّ لله، وشأنها إبراز المعلومات إلى العالم العيني ، على المقتضى العلمي فهو مجلى تجلّي، أي مظهر أعيان معلوماته الموجودة من العدم، لأنه يعلمها موجودة من عدم في علمه.
فالقدرة هي القوة البارزة للموجودات من العدم، وهي صفة نفسية بها ظهرت الربوبية ، وهي أعني القدرة عين القدرة الموجودة فينا، فنسبتها إلينا تسمى قدرة حادثة ونسبتها إلى الله تعالى تسمى قدرة قديمة، والقدرة في نسبتها إلينا عاجزة عن الاختراعات، وهي بعينها في نسبتها إلى الله تعالى تخترع الأشياء وتبرزها من كتم العدم إلى شهود الوجود فافهم ذلك.
فإنه سرّ جليل لا يصلح كشفه إلاَّ للذاتيين من أهل الله تعالى.
والقدرة عندنا إيجاد المعدوم، خلافاً للإمام محيي الدين بن العربي فإنه قال: إن الله لم يخلق الأشياء من العدم، وإنما أبرزها من وجود علمي إلى وجود عيني، وهذا الكلام وإن كان له في العقل وجه يستند إليه على ضعف، فأنا أنزّه ربي أن أعجز قدرته عن اختراع المعدوم وإبرازه من العدم المحض إلى الوجود المحض.
وأعلم أن ما قاله الإمام محيي الدين رضي الله عنه غير منكور، لأنه أراد بذلك وجود الأشياء في علمه أولاً.
ثم لما أبرزها إلى العيني كان هذا الإبراز من وجود علمي إلى وجود عيني، وفاته أن حكم الوجود لله تعالى في نفسه قبل حكم وجود لها في علمه.
فالموجودات معدومة في ذلك الحكم ولا وجود فيه إلاَّ لله تعالى وحده، وبهذا صحّ له القدم، وإلاَّ لزم أن تسايره الموجودات في قدمه على كل وجه ويتعالى عن ذلك.
فتحصَّل من هذا أنه أوجدها في علمه من عدم يعني أنه يعلمها في علمه موجودة من عدم، فليتأمل، ثم أوجدها في العين بإبرازها من العلم وهي في أصلها موجودة في العلم من العدم المحض، فما أوجد الأشياء سبحانه وتعالى إلاَّ من العدم المحض.
وأعلم أن علم الحق سبحانه وتعالى لنفسه وعلمه لمخلوقاته علم واحد، فبنفس علمه بذاته يعلم مخلوقاته لكنها غير قديمة بقدمه، لأنه يعلم مخلوقاته بالحدوث؛ فهي في علمه محدثة الحكم في نفسها مسبوقة بالعدم في عينها.
وعلمه قديم غير مسبوق بالعدم، وقولنا حكم الوجود له قبل حكم الوجود لها ، فات القابلية قبلية حكمية أصلية لا زمانية ، لأنه سبحانه وتعالى له الوجود الأول لاستقلاله بنفسه ، و المخلوقات لها الوجود الثاني لاحتياجها إليه .
فالمخلوقات معدومة في وجوده الأول ، فهو سبحانه أوجد من العلم المحض في علمه اختراعا إلهيا.
ثم أبرزها من العلم العلمي إلى العالم العيني بقدرته، وايجاده للمخلوقات إيجادا من العدم الى العين لا سبيل إلى غير هذا.
ولا يقال بلزم من هذا جهله بها قبل إيجادها في علمه ، إذ ما ثم زمان وما ثم إلا قبلية حطمية أوجبتها الألوهية لعزتها بنفسها واستغنائها في أوصافها عن العالمين.
فليس بين وجودها في علمه وبين عدمها الأصلي زمان، فيقال : إنه كان يجهلها قبل إيجادها في علمه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فافهم.
فإن الكشف الإلهي أعطانا ذلك من نفسه، وما أوردناه في كتابنا إلاَّ ليقع التنبيه عليه نصيحة لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، ولا اعتراض على الإمام إذ هو مصيب في قوله على الحدّ الذي ذآرناه، ولو كان مخطئاً على الحكم الذي بيّناه وفوق كل ذي علم عليم.
فإذا علمت هذا فإن القدرة الإلهية صفة بثبوتها انتفى عنه العجز بكل حال، وعلى كل وجه لا يلزم من قولنا بثبوتها انتفى عنه العجز أن يقال لو لم تثبت لثبت العجز.
فإنها ثابتة لا يجوز فيها تقدير عدم الثبوت، فهي ثابتة أبداً والعجز منتف أبداً فافهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الموفي عشرين في الكلام كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيل   الخميس مايو 31, 2018 5:22 am

الباب الموفي عشرين في الكلام كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الموفي عشرين في الكلام

وفيه قال رحمه الله:
إن الكلام هو الوجود البارز  .....   فيه جرى حكم الوجود الجائز
كلا وهي في العلم كانت أحرفاً   ....... لا تَنْقَري إذ ليس ثمة مائز
فتميّزت عند الظهور فعبَّروا ...... عنها بلفظة كن ليدرى الفائز
وإعلم بأن اللَّه حقاً إن يقل ......   للشيء كن فيكون ما هو عاجز
فله الكلام حقيقة وله مجازاً ...... كل ذلك كان وهو الجائز
إعلم أن كلام الله تعالى من حيث الجملة هو تجلي علمه باعتبار إظهاره إياه، سواء كنت كلماته نفس الأعيان الموجودة، أو كانت المعاني التي بفهمها عبادة إما بطريق الوحي أو المكالمة أو أمثال ذلك .

لأن كلام الله تعالى في الجملة صفة واحدة نفسية ، ولكن لها جهتان :

الجهة الأولى على نوعين:

النوع الأول:

أن يكون الكلام صادراً عن مقام العزّة بأمر الألوهية فوق عرش الربوبية وذلك أمره العالي الذي لا سبيل لمخالفته، لكن طاعة الكون له من حيث يجهله ولا يدريه، وإنما الحق سبحانه وتعالى يسمع كلامه في ذلك المجلى عن الكون الذي يريد تقدير وجوده.
ثم يجري ذلك الكون على ما أمره به عناية منه ورحمة سابقة ليصح للوجود بذلك اسم الطاعة فيكون سعيداً، وإلى هذا أشار بقوله تعالى في مخاطبته للسماء والأرض: {ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } 11 سورة فصلت  .
فحكم للأكوان بطاعته، فإنها أتت غير مكرهة تفضلاً منه وعناية.
ولذلك سبقت رحمته غضبه لأنه قد حكم لها بالطاعة والمطيع مرحوم، فلو حكم عليها بأنها أتت مكرهة لكان ذلك الحكم عدلاً.
لأن القدرة تجبر الكون على الوجود، إذ لا اختيار لمخلوق، ولكان الغضب حينئذ أسبق إليه من الرحمة، لكن تفضل فحكم بالطاعة لأن رحمته سبقت غضبه.
فكانت الموجودات بأثرها مطيعة، فما ثم عاص له من حيث الجملة في الحقيقة، وكل الموجودات مطيعة لله
تعالى كما شهد لها في كتابه بقوله: {أتينا طائعين } [فصلت: 11 ] وكل مطيع فما له إلاَّ الرحمة، ولهذا آل حكم النار إلى أن يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط فتزول.
فينبت في محلها شجر الجرجير كما ورد في الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم ، وسنبين ذلك في هذا الكتاب في محله إن شاء الله تعالى. فهذا أحد نوعي الجهة الأولى من الكلام القديم.

وأما النوع الثاني من الجهة الأولى :

فهو الصادر عن مقام الربوبية بلغة الأنس بينه وبين خلقه كالكتب المنزّلة على أنبيائه، والمكالمات لهم ولمن دونهم من الأولياء، ولذلك وقعت الطاعة والمعصية في الأوامر المنزّلة في الكتب من المخلوق، لأن الكلام الذي صدر بلغة الإنس فهم في الطاعة كالمجبرين.
أعني جعل نسبة اختيار الفعل إليهم ليصح الجزاء في المعصية بالعذاب عدلاً، ويكون الثواب في الطاعة فضلاً، لأنه جعل نسبة الاختيار لهم بفضله، ولم يكن لهم ذلك إلاَّ بجعله لهم، وما جعل ذلك إلاَّ لكي
يصح الثواب، فثوابه فضل وعقابه عدل.

وأما الجهة الثانية للكلام:

فأعلم أن كلام الحق نفس أعيان الممكنات، وكل ممكن كلمة من كلمات الحق، ولهذا لا نفاد للممكن، قال تعالى: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل ان تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}109 سورة الكهف.
فالممكنات هي كلمات الحق سبحانه وتعالى، وذلك أن الكلام من حيث الجملة صورة لمعنى في علم المتكلم، أراد المتكلم بإبراز تلك الصورة فهم السامع ذلك المعنى.
فالموجودات كلام الله وهي الصورة العينية المحسوسة و المعقولة الموجودة .
وكل ذلك صور المعاني الموجودة في علمه وهي الأعيان الثابتة.
فإن شئت قلت حقائق الانسان
وان شئت قلت ترتيب الألوهية
وان شئت قلت بساطة الوحدة
وان شئت قلت تفصيل الغيب
وان شئت قلت صور الجمال
وان شئت قلت آثار الأسماء والصفات
وان شئت قلت معلومات الحق
وان شئت قلت الحروف العاليات
والى ذلك أشار الامام ابن عربي في قوله : "كنا حروفا عاليات لم تقرأ ".
فكما أن المتكلم لا بد له في الكلام من حركة إرادية للتكلم، ونفس خارج بالحروف من الصدر الذي هو غيب إلى ظاهر الشفة.
كذلك الحق سبحانه وتعالى في إبرازه لخلقه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة يريد أولاً ثم تبرزه القدرة.
فالإرادة مقابلة للحركة الإرادية التي في نفس المتكلم، والقدرة مقابلة للنفس الخارج بالحروف من الصدر إلى الشفة لإبرازها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.
وتكوين المخلوق مقابل لتركيب الكلمة على هيئة مخصوصة في نفس المتكلم، فسبحان من جعل الإنسان نسخة له كاملة.
ولو نظرت إلى نفسك ودققت لوجدت لكلّ صفة منه نسخة من نفسك.
فانظر هويتك نسخة أي شيء، وإنيتك نسخة أي شيء، وروحك نسخة أي شيء، وعقلك نسخة أي شيء، وفكرك نسخة أي شيء، وخيالك نسخة أي شيء، وصورتك نسخة أي شيء.
وانظر إلى وهمك العجيب نسخة أي شيء، وبصرك وحافظتك وسمعك وعلمك وحياتك وقدرتك وآلامك وإرادتك وقلبك وقالبك كل شيء منك نسخة أي شيء من آماله، وصورة أي حسن من جماله.
ولولا العهد المربوط والشرط المشروط لبينته أوضح من هذا البيان ولجعلته غذاء للصاحي ونقلاً للسكران.
لكنه يكفي هذا القدر من الإشارة لمن له أدنى بصارة، وما أعلم أحداً من قبلي أذن له أن ينبه على أسرار نبهت عليها في هذا الباب إلاَّ أنا.
فقد أمرت بذلك، ومن هذا القبيل أكثر الكتاب لكني جعلت قشرة على الباب يلفظها من هو من أولي الألباب، ويقف دونها من وقف دون الحجاب.

والله يقول الحق وهو يهدي إلى الصواب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الحادي والعشرون في السمع كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:07 pm

الباب الحادي والعشرون في السمع كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الحادي والعشرون في السمع

وفيه قال رحمه الله:
السمع علم الحقّ للأشياء   ......   من حيث منطقها بغير مراء
والنطق فيها قد يكون تلفظاً   ......   ويكون حالاً وهو نطق دعاء
والحال عند اللَّه ينطق بالذي   ......   هو يقتضيه منطق الفصحاء
واعلم أن السمع عبارة عن تجلي الحق بطريق إفادته من المعلوم، لأنه سبحانه وتعالى يعلم كل ما يسمعه من قبل أن يسمعه ومن بعد ذلك.
فما ثم إلاَّ تجلي علمه بطريق حصوله في المعلوم، سواء كان المعلوم نفسه أو مخلوقاته فافهم.
وهو لله وصف نفسي اقتضاه لكماله في نفسه، فهو سبحانه وتعالى يسمع كلام نفسه وشأنه كما يسمع كلام مخلوقاته من حيث منطقها ومن حيث أحوالها.
فسماعه لنفسه من حيث كلامه مفهوم ، وسماعه لنفسه من حيث شؤونه، فهو ما اقتضته أسماؤه وصفاته من حيث اعتباراتها وطلبها للمؤثرات، فإجابته لنفسه هو إبراز تلك المقتضيات وظهور تلك الآثار للأسماء والصفات.
ومن هذا الاستماع الثاني: تعليم الرحمن القرآن لعباده المخصوصين بذاته ، الذين نبه الله تعالي عليهم على لسان النبي صلي الله عليه وسلم الله تعالي عليه وسلم يقوله : "أهل القرآن "أهل الله وخاصته " .
ويسمع العبد الذاتي مخاطبة الأسماء والأوصاف  والذوات فيجيبها إجابة الموصوف للصفات، وهذا السماع الثاني أعزّ من السماع الكلامي.
فإن الحق كذا أعار عبده الصفة السمعية يسمع ذلك العبد كلام الله، يسمع الله لا يعلم ما هي عليه الأوصاف والأسماع مع الذات في الذات، ولا تتعدد بخلاف السماع الثاني الذي يعلم الرحمن به عباده
القرآن.
فإذن الصفة السمعية تكون هناك للعبد حقيقة ذاتية غير مستعارة ولا مستفادة.
فإذا صح للعبد هذا التجلي السمعي نصب له عرش الرحمانية، فيتجلى ربه مستوياً على عرشه، ولولا سماعه أولاً بالشأن لما اقتضته الأسماء والأوصاف من ذات الديان، لما أمكنه أن يتأدّب بآداب القرآن في حضرة الرحمن.
وهذا كلام لا يفهمه إلاَّ الأدباء الأمناء الغرباء، وهم الأفراد المحققون بسماعهم هذا الكلام الثاني، ليس انتهاء لأن الله تعالي لا نهاية لكلماته.
وهي في حقهم تنوّعات تجليات فلا تزال تخاطبهم الذات بلغة الأسماء والصفات، ولا يزالون يجيبون تلك المكالمات بحقيقة الذوات إجابة الموصوف للصفات.
وليست هذه الأسماء والصفات مخصوصة بما في أيدينا مما نعرفه من أوصاف الحق وأسمائه، بل ثم لله من بعد ذلك أسماء وأوصاف مستأثرة في علم الحق لمن هو عنده.
فتلك الأسماء المستأثرة هي الشؤون التي يكون الحق بها مع عبده، وهي الأحوال التي يكون العبد بها مع ربه.
فالأحوال نسبتها إلى العبد مخلوقة، والشؤون نسبتها إلى الله تعالى قديمة ، وما تعطيه تلك الشئون من الأسماء و الأوصاف هي المستأثرة في غيب الحق. فافهم هذه النكتة من نوادر الوقت.
وإلى قراءة هذا الكلام الثاني الإشارة إلى النبي صلي الله عليه وسلم  في: { اقرا باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ،اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}1- 5 سورة العلق .
فإن هذه القراءة قراءة أهل الخصوص وهم أهل القرآن، أعني الذاتيين المحمديين الذين هم أهل الله وخاصته.
أما قراءة الكلام الإلهي وسماعه من ذات الله بسمع الله تعالى، فإنها قراءة الفرقان، وهي قراءة أهل الاصطفاء وهم النفسيون الموسويون، قال الله تعالى لنبيه موسى: {واصطنعتك لنفسي}41 سورة طه.
فمن هنا كنت تلك الطائفة الموسوية نفسيين، بخلاف الطائفة الأولى الذاتيين، قال الله تعالى لمحمد
صلي الله عليه وسلم: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) }سورة الحجر.
فالسبع المثاني: هي السبع الصفات كما بيّناه في كتابنا المسمى بـ: الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم.
والقرآن العظيم: هو الذات.
وإلى هذا المعنى أشار صلي الله عليه وسلم بقوله:فأهل القرآن ذاتيون وأهل الفرقان " أهل القرآن أهل الله وخاصته " نفسيون، وبينهما من الفرق ما بين مقام الحبيب وبين مقام الكليم.
 والله يقول الحق وهو بكل شيء عليم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني والعشرون في البصر كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:10 pm

الباب الثاني والعشرون في البصر كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه


الباب الثاني والعشرون في البصر

وفيه قال:
بصر الإله محلّ ما هو عالم    ...... ويرى سواء نفسه والعالم
فجميع معلوم له عين له   ...... وعيانه لجميع ذلك دائم
فالعلم عين باعتبار بروزه   ......   عند الشهود وذاك أمر لازم
فيشاهد المعلوم منه لذاته    .......   وشهوده هو علمه المتعاظم
وهما له وصفان هذا غير ذا   ..... إذ ما البصير بواحد والعالم
اعلم، وفّقنا الله وإياك، أن بصر الحق سبحانه وتعالى عبارة عن ذاته باعتبار شهوده للمعلومات، فعلمه سبحانه وتعالى عبارة عن ذاته باعتبار مبدأ علمه، لأنه بذاته يعلم، وبذاته يبصر، ولا تعدد في ذاته، فمحلّ علمه محل عينه فهما صفتان.
وإن كنا على الحقيقة شيئاً واحداً، فليس المراد ببصره إلاَّ تجلي علمه له في هذا المشهد العياني، وليس المراد بعلمه إلاَّ الإدراك بنظره له في العلم العيني.
فهو يرى ذاته بذاته، ويرى مخلوقاته أيضا بذاته ، فرؤياه لذاته عين رؤياه لمخلوقاته، لأن البصر وصف واحد.
وليس الفرق الا في المرائي.
فهو سبخانه وتعالي لا يزال يبصر الأشياء ولكنه لا ينتظر الى شيء إلا اذا شاء.
وهنا نكته شريفة فافهمها، فالأشياء غير محجوبة عنه أبدا ، لكنه لا يوقع نظره على سيء إلا اذا شاء ذلك.
ومن هذا القبيل ما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم الله تعالي عليه وسلم أنه قال: "إن لله كذا و كذا نظرة في اليوم الى القلب في كل يوم" . (العلل المتناهية 2/297)
أو ما في معنى ذلك، وقوله سبحانه وتعالى: {  وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ } 77 سورة آل عمران.
ليس من هذا القبيل، بل النظر هنا عبارة عن الرحمة الإلهية التي رحم بها من قرّبه إليه، بخلاف النظر الذي له إلى القلب، فإنه على ما ورد ليس الأمر مخصوصاً بالصفة النظرية وحدها، بل سار في
غيرها من الأوصاف.
ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ }31 سورة محمد، الآية:
ولا تظن أنه يجهلهم قبل الابتلاء تعالى الله، وكذلك في النظر إلى القلب، فهو لا يفقد القلب الذي ينظر إليه كل يوم كذا وإذا نظرة.
لكن تحت ذلك أسرار لا يمكن كشفها بغير هذا التنبيه، فمن عرف فليلزم، ومن ذهب إلى التأويل إنه لا بد أن يقع في نوع من التعطيل فافهم.
وإعلم أن البصر في الإنسان هو المدركة البصرية الناظرية من شحمة العين إلى الأشياء، فهي كذا نظرت إلى الأشياء من محلها القلبي لا من شحمة العين كانت مسماة بالبصيرة، وهي بعينها بنسبتها إلى الله تعالى
بصره القديم.
وإذا كشف لك عن سرّ ذلك ولا يكشف إلاَّ بالله تعالى رأيت حقائق الأشياء على ما هي عليه، ولم يحتجب كذا عن بصرك شيء.
فافهم.
هذا السر العجيب الذي أشرت إليك به في هذه الكلمات، وارفع عن عرش معانيها ذيول الستارات، وردّ أمرك إلى الله تعالى.
وكن أنت بلا أنت ولا أنت، بل يكون الله هو المدبر لك كيفما شاء، أعني كما تقتضيه أوصافه والأسماء.
 فارم بهذا القشر الساتر، وكل اللباب الزاهر، وافهم حقيقة  { وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)} سورة الأنعام .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث والعشرون في الجمال كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:12 pm

الباب الثالث والعشرون في الجمال كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث والعشرون في الجمال

اعلم أن جمال الله تعالى عبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى، هذا على العموم.
وأما على الخصوص، فصفة الرحمة وصفة العلم وصفة اللطف والنعم، وصفة الجود والرزَّاقية والخلاَّقية وصفة النفع وأمثال ذلك كلها صفات جمال.
وثم صفات مشتركة لها وجه إلى الجمال ووجه إلى الجلال كاسمه الربّ، فإنه باعتبار التربية والإنشاء اسم جمال، وباعتبار الربوبية والقدرة اسم جلال.
ومثله اسمه الله، واسمه الرحمن بخلاف اسمه الرحيم فإنه اسم جمال، وقس على ذلك.
واعلم أن جمال الحق سبحانه وتعالى وإن كان متنوعاً فهو نوعان:
النوع الأول معنوي: وهو معاني الأسماء الحسنى والأوصاف العلا، وهذا النوع مختص بشهود الحق إياه. والنوع الثاني صوري: وهو هذا العالم المطلق المعبر عنه بالمخلوقات وعلى تفاريعه وأنواعه.
فهو حسن مطلق إلهي ظهر في مجالي الإلهية سميت تلك المجالي بالخلق، وهذه التسمية أيضاً من جملة الحسن الإلهي.
فالقبيح من العالم كالمليح منه باعتبار كونه مجلى من مجالي الجمال الإلهي، لا باعتبار تنوّع الجمال، فإن من الحسن أيضاً إبراز جنس القبيح على قبحه لحفظ مرتبته من الوجود.
كما أن الحسن الإلهي إبراز جنس الحسن على وجه حسنه لحفظ مرتبته من الوجود.
اعلم أن القبح في الأشياء إنما هو للاعتبار لا لنفس ذلك الشيء، فلا يوجد في العالم قبح إلاَّ باعتبار، فارتفع حكم القبيح المطلق من الوجود فلم يبق إلاَّ الحسن المطلق.
ألا ترى إلى قبح المعاصي إنما ظهر باعتبار النهي، وقبح الرائحة المنتنة إنما ثبت باعتبار من لا يلائم طبعه، وكما هي فعند الجعل ومن يلائم طبعه من المحاسن.
ألا ترى إلى الإحراق بالنار إنما كان قبيحاً باعتبار من يهلك فيها ويتلف، وإنما هي عند السمندل من غاية
المحاسن.
والسمندل طير لا تكون حياته إلاَّ في تلك النار، فما في العالم قبيح، فكل ما خلق الله تعالى مليح بالأصالة لأنه صور حسنه وجماله، وما حدث القبيح في الأشياء إلاَّ بالاعتبارات.
ألا ترى إلى الكلمة الحسنة في بعض الأوقات تكون قبيحة ببعض الاعتبارات وهي في نفسها حسنة، فعلم
بهذه المقدمات أن الوجود بكماله صورة حسنه ومظاهر جماله، وما حدث في القبيح في الأشياء الا بالاعتبارات.
وهي في نفسها حسنة ، فعلم بهذه المقدمات أن الوجود بكماله صورة حسنة ومظاهر جماله.
وقولنا: إن الوجود بكماله يدخل فيه المحسوس والمعقول والموهوم والخيال والأول والآخر والظاهر والباطن والقول والفعل والصورة والمعنى، فإن جميع ذلك صور جماله وتجليات كماله.

وفي هذا المعنى قلت في قصيدتي العينية:

تجلّيت في الأشياء حين خلقتها   ......   فها هي ميطت عنك فيها البراقع
قطعت الورى من ذات حسنك قطعة  ......   ولم تك موصولاً ولا فصل قاطع
ولكنها أحكام رتبتك اقتضت    ......   ألوهية للضد فيها التجامع
فأنت الورى حقاً وأنت إمامنا  .......   وأنت الذي يعلو وما هو واضع
وما الخلق في التمثال إلاَّ كثلجة   .....   وأنت بها الماء الذي هو نابع
وما الثلج في تحقيقنا غير مائه ......   وغيران في حكم دعته الشرائع
ولكن بذوب الثلج يرفع حكمه   .....   ويوضع حكم الماء والأمر واقع
تجمعت الأضداد في واحد البها   .....   وفيه تلاشت وهو عنهن ساطع
فكلّ بهاء في ملاحة صورة    .......   على كل قَدّ شابه الغصن يانع
وكل اسوداد في تصافيف طرّة .....     وكل احمرار في العوارض ناصع
وكل كحيل الطرف يقتل صبه   ......  بماض كسيف الهند حالاً مضارع
وكل اسمرار في القوائم كالقنا  .....   عليه من الشعر الرسيل شرائع
وكل مليح بالملاحة قد زها  ....... وكل جميل بالمحاسن بارع
وكل لطيف جلّ أو دقّ حسنه   ......   وكل جليل فهو باللطف صادع
محاسن من أنشاه ذلك كله   .......   فوحِّد ولا تشرك به فهو واسع
وإياك أن تلفظ بغيرية البها ......  إليه البها والقبح بالذات راجع
فكل قبيح إن نسبت لفعله .......   أتتك معاني الحسن فيه تسارع
يكمل نقصان القبيح جماله ......   فما ثم نقصان ولا ثم باشع
ويرفع مقدار الوضيع جلاله ......   إذا لاح فيه فهو للوضع رافع
وأطلق عنان الحقّ في كل ما ترى ......  فتلك تجلّيات من هو صانع
إعلم أن الجمال المعنوي الذي هو عبارة عن أسمائه وصفاته إنما اختص الحق بشهود كمالها على ما هي عليه تلك الأسماء والصفات.
وأما مطلق الشهود لها فغير مختص بالحق، لأنه لا بد لكل من أهل المعتقدات في ربه اعتقاداً ما أنّا على ما أستحقه من أسمائه الحسنى وصفاته العلا أو غير ذلك.
ولا بد لكل شهود صورة معتقدة، وتلك الصورة هي أيضاً صورة جمال الله تعالى.
فصار ظهور الجمال فيها ظهوراً ضرورياً لا معنوياً، فاستحال أن يوجد شهود الجمال المعنوي بكماله لغير من هو له.
 تعالى الله وتقدّس عما يقولون علوّاً كبيراً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الرابع والعشرون في الجلال كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:15 pm

الباب الرابع والعشرون في الجلال كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الرابع والعشرون في الجلال

إعلم أن جلال الله تعالى عبارة عن ذاته بظهوره في أسمائه وصفاته كما هي عليه على الإجمال.
وأما على التفصيل، فإن الجلال عبارة عن صفات العظمة والكبرياء والمجد والثناء، وكل جمال له فإنه حيث يشتد ظهوره يسمى جلالاً.
 كما أن كل جلال له فهو في مبادئ ظهوره على الخلق يسمى جمالاً، ومن هنا قال من قال: 
إن لكل جمال جلالاً، ولكل جلال جمالاً، وإنما بأيدي الخلق أي لا يظهر لهم من جمال الله تعالى إلاَّ جمال الجلال أو جلال الجمال. 
وأما الجمال المطلق والجلال فإنه لا يكون شهوده إلاَّ لله وحده. 
وأما الخلق فما لهم فيه قدم فإنا قد عبرنا عن الجلال بأنه ذاته باعتبار ظهوره في أسمائه وصفاته كما هي عليه له في حقه، ويستحيل هذا الشهود إلاَّ له.
وعبرنا عن الجمال بأنه أوصافه العلا وأسماؤه الحسنى، واستيفاء أسمائه وأوصافه للخلق محال لأن ثمة أسماءً وأوصافاً له مستأثرات عنده وهي جمال، فظهر بذلك أن ظهور الجمال المطلق والجلال المطلق مختص بالله تعالى.
 وإذا عرفت ذلك فإعلم أن صفات الحق وأسماءه من حيث ما تقتضيه حقائقها على أربعة أقسام: 
فقسم منها صفات جمال. 
وقسم منها صفات جلال.
 وقسم منها مشترك بين الجمال والجلال، وهي صفات الكمال.
 وقسم منها ذاتية.
 وقد ضمنت هذا الجدول جميع ذلك، وهذه صورته:

الأسماء والصفات الذاتية:

الله ، الأحد ، الواحد، الفرد ، الوتر ، الصمد ، القدُّوس ، الحي ، النور ، الحق .

الأسماء والصفات الجلالية:

الكبير المتعال، العزيز العظيم، الجليل القهار، القادر المقتدر، الماجد الولي ، الجبار المتكبِّر، القابض الخافض ، المذلِّ الرقيب ، الواسع الشهيد ، القوي المتين ، المميت المعيد، المنتقم ذو الجلال ، والإكرام
المانع ، الضارّ الوارث ، الصبور ذو البطش ، البصير الديّان، المعذِّب المفضل، المجيد الذي لم ، يكن له كفواً أحد ، ذو الحول الشديد، القاهر الغيور ، شديد العقاب.

الأسماء والصفات المشتركة وهي الكمالية:

الرحمن الملك، الربّ المهيمن، الخالق السميع ، البصير الحكم ، العدل الحكيم ، الوليّ القيُّوم ، المقدم المؤخر ، الأول الآخر ، الظاهر الباطن ، الوالي المتعالي ، مالك الملك المقسط ، الجامع الغني ، الذي ليس كمثله شيء ، المحيط السلطان ، المريد المتكلِّم .

الأسماء والصفات الجمالية:

العليم الرحيم، السلام المؤمن، البارئ المصوِّر، الغفار الوهاب ، الرزاق الفتاح ، الباسط الرافع ، اللطيف الخبير ، المعزّ الحفيظ ، المقيت ، الحسيب الجميل ، الحليم الكريم ، الوكيل الحميد، المبدئ المحيي، المصوِّر الواجد ، الدائم الباقي، البارئ البرّ، المنعم العفوّ، الغفور الرؤوف ، المعني المعطي، النافع الهادي ، البديع الرشيد، المجمل القريب ، المجيب الكفيل، الحنان المنّان ، الكامل الذي لم يلد ، ولم يولد، الكافي الجواد ذو الطول ، الشافي المعافي .
وإعلم أن لكل اسم أو صفة من أسماء الله تعالى وصفاته أثراً، وذلك الأثر مظهر لجمال ذلك أو جلاله أو كماله.
فالمعلومات مثلاً على العموم أثر اسمه العليم فهي مظاهر علم الحق سبحانه وتعالى، وكذلك المرحومات
مظاهر الرحمة والمسلمات مظاهر السلام.
وما ثم موجود إلاَّ وقد سلم من الانعدام المحض، وما ثم موجود إلاَّ وقد رحمه الله كما بإيجاده أو رحمة خاصة بعد ذلك.
ولا ثم موجود إلاَّ وهو معلوم لله، فصارت الموجودات بأسرها من حيث الإطلاق مظاهر لأسماء الجمال بأسرها، إذ ما ثمَّ اسم ولا وصف من الأسماء والأوصاف الجمالية إلاَّ وهو يعمّ الوجود من حيث الأثر عموماً وخصوصاً.
 فالموجودات بأسرها مظاهر جمال الحق، وكذلك كل صفة جلالية تقتضي الأثر كالقادر والرقيب والواسع، فإن أثره شائع في الوجود فصارت الموجودات من حيث بعض الصفات الجلالية مظاهر
الجلال.
 فما ثم موجود إلاَّ وهو صورة لجلال الحق ومظهر له، وثم أسماء جلالية تختص ببعض الموجودات دون بعض كالمنتقم والمعذّب والضارّ والمانع وما شابه ذلك، فإن بعض الموجودات مظاهر لها لا كل الموجودات، بخلاف أسماء الجمال فإن كلا منها يعمّ الوجود، وهذا سرّ قوله : “ سبقت رحمتي غضبي “ فافهم. 
وأما الأسماء الكمالية المشتركة فمنها ما هو للمرتبة : 
كإسمه الرحمن والملك والرب ومالك الملك والسلطان والولي.
 فهؤلاء للعموم والوجود بجملته مظهر وصورة لكل اسم من هذه الأسماء، والمراد بقولي بجملته
أنه من كل وجه وبكل اعتبار.
 فالموجودات صورة لكل اسم من أسماء المرتبة، بخلاف أسماء الجمال والجلال، فإن الموجود مظهر لكل اسم منها بوجه واحد ووجوه متعددة منحصرة باعتبار او باعتبارات منحصرة فافهم.
ومن الأسماء المشتركة ما يقتضي أن يكون الوجود بأسره مظهره، ولكن لا من كل الوجوه كإسمه البصير واسمه السميع واسمه الخالق والحكيم وأمثال ذلك .
 ومن الأسماء المشتركة ما لا يقتضي أن يكون ظهور الموجودات على صورتها كإسمه الغني والعدل والقيُّوم وأمثال ذلك.
 فإنها ملحقة بالأسماء الذاتية لكنا جعلناها من القسم المشترك لما فيها من رائحة الجمال والجلال فافهم.
فإذا علمت هذا فإعلم أن العبد الكامل مظهر لهذه الأسماء جميعها المشتركة وغير المشتركة، ذاتية كنت أو جلالية أو جمالية.
 فالجنة مظهر الجمال المطلق، والجحيم مظهر الجلال المطلق.
والداران دار الدنيا ودار الآخرة بما فيهما ما خلا الإنسان الكامل منها مظاهر الأسماء المرتبة بخلاف الأسماء الذاتية، فإن الإنسان وحده مظهرها ومظهر غيرها، فما لغيره من الموجودات فيها قدم البتة، وإليه الإشارة بقوله : "إنا عرضنا الأمانة على السموات و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقتن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " 72 سورة الأحزاب.
وليست الأمانة إلاَّ الحقّ سبحانه وتعالى بذاته وأسمائه وصفاته.
فما في الوجود بأسره من صحت له الجملة إلاَّ الإنسان الكامل.
 ولهذا المعنى أشار عليه الصلاة والسلام بقوله : “ أنزل عليّ القرآن جملة واحدة “  . 
فالسماوات وما فوقها وما تحتها والأرض وما تحتها وما عليها من أنواع المخلوقات عاجزة عن التحقق بجميع أسماء الحق وصفاته.
فأَبَيْنَ منها لعدم القابلية وأشفقْنَ لقصورها وضعفها، وحملها الإنسان الكامل إنه كان ظلوماً، أي لنفسه، لأنه لا يمكن أن يعطي نفسه حقها، إذ ذاك منوط بأن يثني على الله حق ثنائه، وقد قال الله تعالى:"وما قدروا الله تعالي حق قدره" 91 سورة الأنعام.
 وكان الإنسان ظلوماً، يعني ظلم نفسه بأنه لم يقدِّرها حق قدرها، ثم اعتذر الحق له في ذلك بأن وصفه بقوله جهولاً،يعني أن قدره عظيم وهو به جهول وله المعذرة كذا لم يقدرها حق قدرها بثنائها على الله حق الثناء.
ولهذه الآية وجه ثان، وهو أن يكون ظلوماً اسماً للمفعول، فيكون الإنسان ظلوماً أي:
 مظلوماً، لأنه لا يقدر أحد أن يوفي بحقوق الإنسان الكامل لجلالة قدره وعظيم منصبه، فهو مظلوم فيما يعامله به المخلوقات.
وقوله: جهولاً، يعني مجهولاً لا يعلم حقيقته لبعد غوره، وهذا من الحق سبحانه وتعالى اعتذار عن الإنسان الكامل من أجل سائر المخلوقات ليخلصوا من وبال الظلم.
 فيقبل عذرهم إذا كشف لهم الغطاء يوم القيامة عن قدر الانسان الكامل الذي هو عبارة عن ظهور ذات الله تعالي و اسمائه وصفاته.
وسيأتي بيان بعض مراتب الانسان الكامل من هذا الكتاب في محله إن شاء الله تعالي فافهم.

و الله تعالي يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الخامس والعشرون في الكمال كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:18 pm

الباب الخامس والعشرون في الكمال كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الخامس والعشرون في الكمال

إعلم أن كمال الله تعالى عبارة عن ماهيته وماهيته غير قابلة للإدراك والغاية فليس لكماله غاية ولا نهاية.
فهو سبحانه وتعالى يدرك ماهيته ويدرك أنها لا تدرك وأنها لا غاية لها في حقه وفي حق غيره، أعني
يدرآها بعد أن يدرآها أن لا تدرك له ولا لغيره لما هي عليه ماهيته في نفسها.
فقولنا: يدرك ماهيته هو ما يستحقه لكمال الإحاطة وعدم الجهل، وقولنا يدرآها أنها لا تدرك له ولا لغيره هو ما يستحقه من حيث كبرياؤه وعدم انتهائه.
لأنه لا يدرك إلاَّ ما يتناهى وهو ليس له نهاية، فإدراك ما ليس له نهاية محال، فإدراكه لماهيته حكمي لاستحقاقه شمول العلم وعدم الجهل بنفسه لا أنه قبلت ماهيته الإدراك بوجه من الوجوه فافهم.
 فهذه مسألة شديدة الغموض فإياك أن تزلق فيها فإنها مقام الحيرة. 
في هذا المعنى قلت من قصيدة طويلة:

أأحطت خبراً مجملاً ومفصلاً    .....   بجميع ذاتك يا جميع صفاته
أم جُهلَ وجهُك أن يحاطَ بكنهه    .....  فأحطته أن لا يحاط بذاته
حاشاك من غايٍ وحاشا أن يكن    ....   بك جاهلاً ويلاه من حيراته
وإعلم أن كماله سبحانه وتعالى لا يشبه كمال المخلوقات، لأن كمال المخلوقات بمعان موجودة في ذواتهم، وتلك المعاني مغايرة لذواتهم.
وكماله سبحانه وتعالى بذاته لا بمعان زائدة عليه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، فكماله عين ذاته ولهذا صحّ له الغنى المطلق والكمال التام.
فإنه سبحانه وتعالى ولو تعلقت به المعاني الكمالية فإنها ليست غيره، فمعقولية الكمال المستوعب له أمر ذاتي لا زائد على ذاته ولا مغاير له.
وليس هو نفس المعقول وليس لسواه هذا الحكم، فإن كل موجود من الموجودات كذا وصفته اقتضى أن يكون وصفه غيره، لأن المخلوق قابل للانقسام والتعدّد.
واقتضى أن يكون وصفه عينه لأنه حكمه الذي ترتب عليه ذاته وحده الذي يترتب منه وجوده.
فقولنا: الإنسان حيوان ناطق، يقتضي أن تكون الحيوانية في نفسها ومعقوليتها مغايرة للإنسان والنطق في نفسه مغاير لكل من الإنسان والحيوانية، واقتضي أيضا أن تكون الحيوانية والنطقية عين الانسان لانه مركب منها، فلا وجود له الا بهما فلا يكون مغايرا لهما، فكان وصف المخلوق غير ذاته من وجه الانقسام والتركيب محال في حقه .
فان صفاته لا يقال انها ليست عينه وليست غير ذاته إلا من حيث ما نعقله نحن من تعدد الأوصاف وتضادها ، وهي اعني صفاته عين ذاته من حيث ماهيته وهويته التي هي عليها في نفسها ، ولا يقال انها ليست عينيه فيتميز عن حكم المخلوق وصيته لا غير ذاته ولا عينها.
وليس هذا الحكم في الحق إلا علي سبيل المجاز.
وهذه المسألة قد أخطأ فيها أكثر المتكلمين، وقد أوردها الإمام محيى الدين ابن عربي موافقا لما قلناه لك،
لا من هذه الجهة ولا بهذه العبارة بل بعبارة أخرى ومعنى آخر، لكنه يخطىء أكثر المتكلمين الذين قالوا: إن صفات الحق ليست عينه ولا غيره، وذكر أن هذا الكلام غير سائغ في نفسه. 
وأما نحن فقد أعطانا الكشف الإلهي أن صفاته عين ذاته، ولكن لا باعتبار تعدّدها ولا باعتبار عدم التعدّد، بل شاهدت أمراً يضرب عنه في المثل "ولله المثل الأعلى" 60 سورة النحل. 
نقطة هي نفس معقولية الكمالات المستوعبة الجامعة لكل جمال وجلال وكمال على النمط اللائق بالمرتبة الإلهية.
وهي، أعني الكمالات، مستهلكة في وجود النقطة والنقطة مستهلكة في وجود الكمالات، وهي أعني المعبر عنها بالنقطة وبالكمالات في أحديتها يتعقل فيها عدم الانتهاء ويستحيل عليها أولية الابتداء. 
وثم أمور أغمض وأدقّ وأعزّ وأجلّ من أن يمكن التعبير عنها.

وكان ما كان مما لست أذكره .....   فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
وإعلم أن هذا المثال لا يليق بذات المتعال، لأن المثال في نفسه مخلوق فهو على غير المضروب به المثل.
لأن الحق قديم والخلق حادث، والعبارة الفهوانية لا تحمل المعاني الذوقية إلاَّ لمن سبقه الذوق.
فهي مطية له لأنها لا تطيق أن تحمل الأمر على ما هو عليه، ولكنها تأخذ منه طرفاً.
فمن كان يعقوبي الحزن جلى عن بصره العمى بطرح البشير إليه قميص يوسف، ومن لم يكن له ذوق سابق فلا يكاد يقع على المطلوب.
اللهم إلاَّ أن يكون ذا إيمان وتصديق وترك ما عنده وأخذ ما يلقي إليه الحق من التحقيق، فهو المشار إليه "من ألقى السمع وهو شهيد" الآية 37 سورة ق.
يعني يشهد بالإيمان ما يقال له حتى كأنه مشهود له عياناً لقوّة الإيمان.
 فالأول هو المكاشف وهو الذي له قلب .
قال الله تعالي : "إن في ذلك ذكرى لمن كان له قلب ألقى السمع وهو شهيد " 37 سورة ق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السادس والعشرون في الهوية كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:20 pm

الباب السادس والعشرون في الهوية كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السادس والعشرون في الهوية 

هوية الحق: غيبه الذي لا يمكن ظهوره ولكن باعتبار جملة الأسماء والصفات، فكأنها إشارة إلى باطن الواحدية.
 وقولي: فكأنها إنما هو لعدم اختصاصها باسم أو وصف أو نعت أو مرتبة أو مطلق ذات بلا اعتبار
أسماء أو صفات، بل الهوية إشارة إلى جميع ذلك على سبيل الجملة والانفراد.
 وشأنها الإشعار بالبطون والغيبوبية، وهي مأخوذة من لفظة هو الذي للإشارة إلى الغائب.
 وهي في حق الله تعالى إشارة إلى كنه  ذاته باعتبار أسمائه وصفاته مع الفهم بغيبوبية ذلك.
 ومن ذلك قولي:

إنّ الهويةَ غيبُ ذاتِ الواحد            ......       ومن المحال ظهورُها في الشاهد
فكأنَّها نعت وقد وقعت على          ......        شأن البطون وما لذا من جاحد
وإعلم أن هذا الاسم أخص من اسمه الله، وهو سرّ للاسم الله. 
ألا ترى أن اسم الله ما دام هذا الاسم موجوداً فيه كان له معنى يرجع به إلى الحق.
وإذا فكّ عنه بقيت أحرفه مقيدة المعنى.
 مثلاً إذا حذفت الألف من اسم الله بقي "لله" ففيه الفائدة.
وإذا حذفت اللام الأولى يبقى “ له “ وفيه فائدة.
 وإذا حذفت اللام الثانية يبقى “ هـ” .
و الأصل في هو أنها هاء واحدة بلا “واو “ وما لحقت بها الواو إلاَّ من قبيل الإشباع، والاستمرار العادي جعلهما شيئا واحدا .
فاسم "هو" أفضل الأسماء.
اجتمعت ببعض أهل الله بمكة زادها الله تعالى شرفاً في آخر سنة تسع وتسعين وسبعمائة،
 فذاكرني في الاسم الأعظم الذي قال النبي صلي الله عليه وسلم الله تعالي عليه وسلم  أنه في آخر سورة البقرة وأول سورة كل عمران،
 وقال كلمة "هو" وأن ذلك مستفاد من ظاهر كلام النبي صلي الله عليه وسلم الله تعالي عليه وسلم .
 لأن الهاء آخر قوله سورة البقرة، و الواو أول قوله ، وأول سورة آل عمران،
 وهذا الكلام وإن كان مقبولاً فإني أجد للاسم الأعظم رائحة أخرى .
وما أوردت ما قاله هذا العارف إلاَّ تنبيهاً على شرف هذا الإسم.
وكون الإشارة النبوية وقعت عليه من الجهة المذكورة أنه أعظم الأسماء.
واعلم أن اسم "هو" عبارة عن حاضر في الذهن يرجع إليه بالإشارة من شاهد الحسّ إلى غائب الخيال.
 وذلك الغائب لو كان غائباً عن الخيال لما صحت الإشارة إليه بلفظة “ هو “ إلى الحاضر.
ألا ترى إلى الضمير لا يرجع إلا إلى مذكور إما لفظاً وإما قرينة وإما حالا كالشأن و القصة ، 
وفائدة هذا أن "هو" يقع على الوجود المحض الذي لا يصح فيه عدم .
ولا يشابه العدم من الغيبوبية والفناء.
لأن الغائب معدوم عن الجهة أي لم يكن مشهودا فيها فلا يصح هذا في المشار اليه بلفظة هو.
فعلم من هذا الكلام أن الهوية هي الوجود المحض الصريح المستوعب لكل كمال وجودي شهودي.
لكن الحكم على ما وقعت عليه الغيبة هو من أجل ذلك غير ممكن بالاستيفاء فلا يمكن استيفاؤه ولا يدرك.
فقبل أن الهوية غيب لعدم الإدراك لها، فأفهم.
لإن الحق ليس غيبه غير شهادته ولا شهادته غير غيبه بخلاف الانسان.
وكل مخلوق كذلك فإن له شهادة وغيبا ، ولكن شهادته من وجه وباعتبار ، وغيبه من وجه واعتبار.
وأما الحق فغيبه عين شهادته ، وشهادته عين غيبه ، فلا غيب عنده من نفسه ولا شهادة .
بل في نفسه غيب يليق به، وشهادة تليق به، كما يعلم ذلك من لنفسه.
ولا يصح تعقل ذلك لنا ، إذ لا يعلم غيبه ولا شهادته على ما هو عليه إلا هو سبحانه وتعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السابع والعشرون في الآنية كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:21 pm

الباب السابع والعشرون في الآنية كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السابع والعشرون في الإنية

إنية الحق تحديه بما هو له، فهي إشارة إلى ظاهر الحق تعالى باعتبار شمول ظهوره لبطونه.
قال الله تعالى: "إنه أنا الله لا إله إلا أنا".
يقول: إن الهوية المشار إليها بلفظة "هو" هي عين الإنية المشار إليها بلفظة (أنا) فكانت الهوية معقولة في الإنية.
وهذا معنى قولنا إن ظاهر الحق عين باطنه، وباطنه عين ظاهره، لا أنه باطن من جهة وظاهر من جهة أخرى.
ألا ترى لقوله سبحانه وتعالى كيف أكد الجملة بإن فأتى بها موکدة، لان کل کلام یتردد فیه ذهن السامع، فإن التأکید مستحسن فیه.
کما آن كل كلام ينكره السامع يجب التأكيد فيه بخلاف ما كان لو السامع خالي الذهن، فإنه لا يحتاج فيه إلى تأكيد.
ولما كان اعتبار البطون والظهور بالوحدة يحصل فيه للعقل تردد وهو استيفاؤه
كيف يكون الأمر باطنه ظاهره وظاهره باطنه.
وما فائدة التقسيم بالظاهر والباطن فيه، فللنفس في هذه المسألة إما تردد وإما إنكار، فلهذا أكده الحق بلفظة "إنا".
فقال لموسى: "إنه هو" يعني أن الأحدية الباطنة المشار إليها بالهوية هى الإنية الظاهرة المشار إليها بلفظة أنا.
فلا تزعم أن بينهما تغايراً أو انفصالاً أو أنفكاكاً بوجه.
ثم فسر الأمر بالبدلية وهو العلم الذاتي أعني اسم الله إشارة إلى ما تقتضيه الألوهية من الجمع والشمول.
لأنه لما قال إن بطونه وغيبه عين ظهوره وشهادته، نبه على أن ذلك من حقيقة ما هو عليه الله.
فإن الألوهية في نفسها تقتضي شمول النقيضين وجميع الضدّين بحكم الأحدية وعدم التغاير في نفس حصول المغايرة.
وهذه مسألة حيرة.
ثم الجملة بقوله: لا إله إلا أنا " يعني الإلهية المعبودية ليست إلا أنا.
فأنا الظاهر في تلك الأوثان والأفلاك والطبائع، وفي كل ما يعبده أهل كل ملة ونحلة، فما تلك الآلهة كلها إلا أنا.
ولهذا أثبت لهم لفظة الآلهة وتسميته لهم بهذه اللفظة من جهة ما هم عليه في الحقيقة تسمية حقيقية لا مجازية.
ولا كما يزعم أهل الظاهر أن الحق إنما أراد بذلك من حيث إنهم سموهم آلهة، لا من حيث إنهم في أنفسهم لهم هذه التسمية.
وهذا غلط منهم وافتراء على الحق، لأن هذه الأشياء كلها بل جميع ما في الوجود له من جهة ذات الله تعالى في الحقيقة.
هذه التسمية تسمية حقيقية، لأن الحق سبحانه وتعالى عين الأشياء وتسميتها بالإلهية تسمية حقيقية، لا كما يزعم المقلد من أهل الحجاب أنها تسمية مجازية.
ولو كان كذلك لكان الكلام أن تلك الحجارة والكواكب والطبائع والأشياء التي تعبدونها ليست بآلهة.
وأن لا إله إلا الله أنا فاعبدوني، لكنه إنما أراد الحق أن يبين لهم أن تلك الآلهة مظاهر، وأن حکم الألوهية فيهم حقيقة.
وأنهم ما عبدوا في جميع ذلك إلا هو.
فقال: لا إله إلا أنا " .
أي: ما ثم ما يطلق عليه اسم الإله إلا وهو أنا، فما في العالم ما يعبد غيري وكيف يعبدون غيري وأنا خلقتهم ليعبدوني ولا يكون إلا ما خلقتهم له.
قال عليه الصلاة والسلام في هذا المقام: "كل ميسر لما خلق له".
أي: لعباده الحق لأن
الحق تعالی قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"56 سورة الذاريات.

وقال تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" 44 سورة الإسراء .
فنبه الحق تنبيه موسى عليه السلام على أن أهل تلك الالهة إنما عبدوا الله تعالى. ولكن من جهة ذلك المظهر.
فطلب من موسى ان يعبده من جهة جميع المظاهر.
فقال: " لا إله إلا أنا" .
أي: ما ثم إلا أنا، وكل ما أطلقوا عليه اسم الإله فهو أنا .
بعد ما أعلمه أن أنا عين هو المشار إلى مرتبته بالاسم الله.
فاعبدني يا موسى من حيث هذه الإنية الجامعة لجميع المظاهر التي هي عين الهوية.
فهذا عناية منه سبحانه وتعالى بنبيه موسى وعنايته به، لیلا یعبده من جهة دون جهة أخرى.
فتفوته الحق من الجهة التي لم يعبده فيها فيضل عنه.
ولو اهتدى من جهة كما ضل أهل الملل المتفرقة عن طريق الله تعالى.
بخلاف ما لو عبده من حيث هذه الإنية المنبه عليها بجميع المظاهر والتجليات والشئون والمقتضيات والكمالات المنعوتة المعقولة في الهوية المندرجة في الإنية المفسرة بالله المشروحة بأنه ما ثم إله إلا أنا.
فإنه تكون عبادته حينئذ كما ينبغي، وإلى هذا المعنى أشار
 بقوله تعالى:"وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" 153 سورة الأنعام.
فأهل السبل المتفرقة ولو كانوا على صراط الله فقد تفرقوا ودخل عليهم الشرك والإلحاد.
بخلاف المحمديين الموحدين فإنهم على صراط الله، فإذا كان العبد على صراط الله ظهر له سر قوله عليه الصلاة والسلام: "من عرف نفسه فقد عرف ربه ".
فيطالب بعد هذا أن يعبده حق عبادته وهو التحقق بحقائق الأسماء والصفات، لأنه إذا عبده بتلك العبادة علم أنه عين الأشياء الظاهرة والباطنة.
ويعلم أنه إذ ذاك إنية عين المعبر عنه بموسى، فيطلب له موسى ما أعلمه الحق سبحانه وتعالى أنه يستحقه من الكمالات المقتضية للأسماء والصفات ليجد ذلك. فيعبده إذ ذاك حق عبادته.
ولا يمكن استيفاء ذلك فلا يمكنه أن يعبده حق العبادة..
لأن الله لا يتناهى، فليس لأسمائه وصفاته، وليس لحق عبادته نهاية .
وفي هذا المقام قال عليه الصلاة والسلام: "ما عرفناك حق معرفتك ولا عبدناك حق عبادتك، أنت كما أثنيت على نفسك" .
وقال الصديق رضي الله عنه: العجز عن درك الإدراك إدراك.
و قد نظمت هذا المعنی فی :
يا صورةً حيَّر الألبابَ معناك   ....    يا دهشةً أذهلَ الاكوانَ منشاك
يا غايةَ الغايةِ القصوى وآخرَ ما    .....   يلقىَ الرشيدُ ضلالاً بينَ مغناك
عليك أنت كما أثنيتَ من آرم     .....    نزّهتَ في الحمدِ عن ثانٍ وإشراك
فليس يدركُ منكَ المرءُ بغيتَهُ   .....   حاشاكَ عن غايةٍ في المجدِ حاشاك
فبالقصور اعترافي فيك معرفتي   ......   فالعجز عن درك الإدراك إدراكي
وقد يطلق القوم الإنية على معقول العبد لأنها إشعار بالمشاهد الحاضر وعلى مشهود فالهوية غيبه.
فأطلقوا الهوية على الغيب، وهو ذات الحق .
والإنية على الشهادة ، وهو معقول العبد،
وهنا نكتة فافهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثامن والعشرون في الأزل كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:25 pm

الباب الثامن والعشرون في الأزل كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثامن والعشرون في الأزل

الأزل عبارة عن معقول القبلية المحكوم بها لله تعالى من حيث ما يقتضيه في کماله.
لا من حیث إنه تقدم على الحادثات بزمان متطاول العهد.
فعبر عن ذلك بالأزل كما يسبق ذلك إلى فهم من ليس له معرفة بالله.
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقد بينا بطلانه فيما سبق من هذا الكتاب.
فأزله موجود الآن كما كان موجوداً قبل وجودنا، لم يتغير عن أزليته ولم يزل أزلياً في أبد الآباد، وسيأتي بيان الأبد في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
هذا حكم الأزل في حق الله تعالى، وأما الوجود الحادث فله أزل، وهو عبارة عن الوقت الذي لم يكن للحادث فيه وجود.
غير موجودين في أزلية الحق، فأزل الحق أزل الأزل، وهو له حكم ذاتي استحقه لکماله .
واعلم أن الأزل لا يوصف بالوجود ولا بالعدم.
فكونه لا يوصف بالوجود لأنه آمر حکمي لا عیني وجودي، و کونه لای تصف بالعدم لکونه قبل النسبة والحکم والعدم المحض فلا يقبل نسبة ولا حكماً، ولهذا انسحب حكمه فأزل الحق إبده ، وأبده أزله.
واعلم أن أزل الحق الذي هو لنفسه لا يوجد فيه الخلق لا حكماً ولا عيناً، لأنه عبارة عن حكم القبلية لله وحده.
فلا حكم للخلق في قبلية الحق بوجه من الوجوه.
ولا يقال إن له في قبلية الحق وجوداً من حيث التعيين العلمي لا من حيث التعيين الوجودي.
لأنه لو حكم له بالوجود العلمي لزم من ذلك أن يكون الخلق موجودا بوجود الحق ، وقد نبه الحق تعالى على ذلك في قوله : " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا" 1 سورة الانسان .
واتفقت العلماء أن (هل) في هذا الموضوع بمعنى قد، يعني قد أتى على الإنسان حين من الدهر، والدهر هو الله.
والحين تجل من تجلياته "لم يكن شيئاً" ، يعني أن الإنسان لم يكن شيئاً مذکوراً.
ولا وجود له في ذلك التجلي.
لا من حيث الوجود العيني ولا من حیث الوجود العلمي،  لأنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فلم يكن معلوماً.
وهذا التجلي هو أزل الحق الذي لنفسه، وما ورد من أن الله قال في الأزل للأرواح: "الست بربكم قالوا بلى".  فإن ذلك الأزل من أزل المخلوقات.
ألا تراه يقول: أخرجهم كالذر من ظهر آدم علیه السلام، وتلك عبارة عن حال تعين المعلومات في العالم العلمي.
فتشبههم بالذرّ للطفهم وغموضهم .
وعنوان قوله لهم: "الست بربكم" 172 سورة الأعراف. هو جعل الاستعداد الإلهي فيهم.
وقولهم بلى عنوان القابلية التي بها قبلوا أن يكونوا مظهره.
فما سألهم الحق سبحانه عن كونه ربهم إلا وقد علم ما جعل فيهم من الاستعداد وفطرهم عليه من القابلية أنهم يثبتون ربوبيته ولا ينكرونها.
فقالوا: بلى، فشهد لهم تعالى في کتابه ليشهد لهم يوم القيامة أنهم مؤمنون بربوبيته موحدون له.
لأنا شهداء على الناس فلا يقبل منهم يومئذ شهادة الأملاك بكفرهم وجحدهم.
لأنهم لم يحصل لهم هذا الاطلاع الإلهي بباطن ما کانوا یظنون أنه کفر، فشهادتهم عن غیر تحقيق  وشهادتنا عن تحقيق لأنه أنبأنا بذلك.
فحجتنا البالغة لأنها حجة الله لخلقه بالسعادة، وحجة الأملاك داحضة لأنهم حكموا بالظاهر وليس للأملاك إلا الظاهر.
ألا تراهم في قصة آدم كيف حكموا عليه بأنه يفسد في الأرض ادعاء أنهم مصلحون لما علموا من تسبيحهم و تقديسهم، وفاتهم باطن الأمر الذي هو عليه آدم من الحقائق الرحمانية والصفات الربانية.
فلما ظهرت صفات الحق على آدم و أنبأهم بأسمائهم، لأن الصفة العلمية الإلهية محيطة بهم وبغيرهم قالوا: "سبحانك لا علم لنا ما علمتنا "32 سورة البقرة.
على التقييد بخلاف آدم، فإنه يعلم الأشياء على الإطلاق بعلم إلهي.
لأنه المراد بالعلم الإلهي.
وصفات الحق صفاته وذات الحق ذاته.
فافهم والله المستعان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب التاسع والعشرون في الأبد كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:28 pm

الباب التاسع والعشرون في الأبد كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب التاسع والعشرون في الأبد

الأبد عبارة عن معقول البعدية لله تعالى، وهو الحكم له من حيث ما يقتضيه وجوده الوجوبي الذاتي.
لأن وجوده لنفسه قائم بذاته، فلهذا صح له البقاء لأنه غير مسبوق بالعدم.
فحکم له بالبقاء قبل الممکن و بعده لقیامه بذاته و عدم احتياجه لغيره بخلاف الممكن.
لأنه ولو كان لا يتناهى فهو محكوم عليه بالانقطاع لأنه مسبوق بالعدم.
وكل مسبوق بالعدم فمرجعه إلى ما كان عليه. فلا بد أن يحكم عليه بالإنعدام.
وإلا لزم أن يساير الحق تعالى في بقائه، وهذا محال ولو لم يكن كذلك لما صحت البعدية لله.
واعلم أن البعدية والقبلية لله تعالى حكميان في حقه لا زمانيان لاستحالة مرور الزمان عليه، فافهم ما أشرنا إليه.
فأبد الحق سبحانه وتعالى شأنه الذاتي باعتبار استمرار وجوده بعد انقطاع وجود الممکن.
واعلم أن كل شيء من الممكنات له أبد، فأبد الدنيا بتحوّل الأمر إلى الآخرة وأبد الآخرة بتحوّل الأمر إلى الحق تعالى.
ولا بد أن يحكم بانقطاع الآباد، آباد أهل الجنة وآباد أهل النار؛ ولو دامت وطال الحكم ببقائها فإن أبدية الحق.
تلزمنا أن نحكم على ما سواه بالانقطاع، فليس لمخلوق أن يسايره في بقائه، وهذا الحكم ولو أنزلناه في هذا الكلام بعبارة معقولة فإنا قد شهدناه كشفاً وعياناً، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"29" سورة الكهف.
واعلم أن الحال الواحد من أحوال الآخرة، سواء كان من أحوال المرحومين أو من أحوال المعذبين فإن له حكم الأزلية والأبدية.
وهذا سرّ عزيز يذوقه من وقع فيه ويعلم أنه لا انقطاع له أبداً.
وهذه حالة واحدة، لكنه قد ينتقل من تلك الحال إلى حال غيرها.
وقد لا ينتقل فإذا انتقل منه إلى حال آخر غيره كان هذا الحكم الحاله الواقع فيه أيضاً، ولا ينقطع هذا الحكم ولا يختل عن أحوال الآخرة.
وهذا أمر شهودي ليس للعبد فيه مجال لأنه محل ذلك.
وسيأتي بيان هذا الكلام في موضعه من ذكر الجنة والنار إن شاء الله تعالى.
فأبد الحق سبحانه وتعالى أبد الآباد، كما أن أزله أزل الآزال.
واعلم أن أبده عين أزله وأزله عين أبده، فإنه عبارة عن انقطاع الطرفين الإضافيين عنه لينفرد بالبقاء بذاته وكونه قبل.
فيسمى تعقل الإضافة الأولية عنه أزليه ، و وجوده قبل أن تعقل الأولية أزلاً.
ويسمى انقطاع الإضافة الآخرية عنه أبداً.
وبقاؤه بعد تعقل الآخرية أبد.
وهما أعني الأزل والأبد لله وصفان أظهرتهما الإضافة الزمانية لتعقل وجوب وجوده.
وإلا فلا أزل ولا أبد "كان الله ولا شيء معه".
فلا وقت له سوى الأزل الذي هو الأبد، الذي هو حكم وجوده باعتبار عدم مرور الزمان عليه.
وانقطاع حکم الزمان دون التطاول إلى مسايرة بقائه، فبقاؤه الذي ينقطع الزمان دون مسايرته هو الابد .
فافهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الموفي الثلاثين في القدم كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 06, 2018 2:29 pm

الباب الموفي الثلاثين في القدم كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الموفي الثلاثين في القدم

القدم عبارة عن حكم الوجوب الذاتي.
فالوجوب الذاتي هو الذي أظهر اسمه القديم للحق.
لأن من كان وجوده واجباً بذاته لم يكن مسبوقاً بالعدم.
ومن كان غير مسبوق بالعدم، لزم أن يكون قديماً بالحكم.
وإلا فتعالى عن القدم لأن القدم تطاول مرور الزمان على المسمى به.
تعالی الحق عن ذلك، فقدمه إنما هو الحکم اللازم للوجوب الذاتي، والا فلیس بینه سبحانه و تعالی و بین خلقه زمن ولا وقت جامع.
بل تقدم حکم وجوده على وجود المخلوقات هو المسمى بالقدم.
وطرز المخلوق لافتقاره إلى موجد يوجده هو المسمى بالحدوث.
ولو كان للحدوث معنى ثان وهو ظهور وجوده .
بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً.
فإن الحدوث الشائع اللازم في حق المخلوق إنما هو افتقاره إلى موجد يوجده.
فهذا الأمر هو الذي أوجب اسم الحدوث على المخلوق.
فهو ولو كان موجوداً في علم الله فهو محدث في نفس ذلك الوجود.
لانه فيه مفتقر إلى موجد يوجده، فلا يصح على المخلوق اسم القديم.
ولو کان موجوداً في العلم الالهي قبل بروزه، لان من حکمه آن یکون موجوداً بغیره فوجوده مرتب على وجود الحق.
وهذا معنى الحدوث.
وإلا فالأعيان الثابتة في العلم الإلهي محدثة لا قديمة بهذا الاعتبار، ومن هذا الوجهوهذه مسئلة أغفلها أئمتنا.
فلا توجد في كلام واحد منهم إلا ما يعطي الحكم بقدم الأعيان الثابتة، وذلك وجه ثان لاعتبار ثان.
وهنا أنا أوضحه لك.
وهو أنه لما كان العلم الإلهي قديماً:
أي محكوماً عليه بالقدم وهو الوجوب الذاتي، لأن صفاته ملحقة بذاته في كل ما يليق بجنابه من الأحكام الإلهية.
ولأن العلم لا يطلق عليه علم إلا بوجود معلومه، وإلا فيستحيل وجود علم ولا معلوم.
كما أنه يستحيل وجود كل منهما بعدم العالم کانت المعلومات وهي الاعيان الثابتة ملحقة في حكم القدم بالعلم.
وكانت معلومات الحق قديمة له محدثة لأنفسها في ذواتها.
فالتحق الخلق بالحق لحوقاً حكمياً.
لأن رجوع الوجود الخارجي إلى الحق من حيث الأمر عيني ومن حيث الذات حكمي.
ولا يفهم ما قلناه إلا الأفراد الكامل.
فإن هذا النوع من الأذواق الإلهية مخصوص بالمحققين دون غيرهم من العارفين.
ولما كان هذا القدم في حق المخلوقات أمراً حكمياً والحدوث أمراً عينياً.
قدمنا ما يستحقونه من حيث ذواتهم على ما ينسبون إليه من حيث الحكم.
وهو تعلق العلم الإلهي بهم فافهم.
فقدم الحق أمر حكمي ذاتي وجوبي له، وحدث الخلق أمر حكمي ذاتي وجوبي للمخلوقات.
فالمخلوقات من حيث هويتها لا يقال فيها إنها حق إلا من حيث الحكم ليدل عليه.
وإلا فالحق في نفسه منزه أن تلحق به الأشياء من حيث ذاته.
فما لحقوا به إلا من حيث الحكم.
وهذا اللحوق ولو لاح للمكاشف العارف أنه لحوق ذاتي.
فإن ذلك إنما هو على قدر قابلية المكاشف لا على الأمر الذي يعلمه الله من نفسه لنفسه.
وما أتت ألسنة الشرائع إلا مصرحة بانفراد الحق بما هو له.
وهذا التشريع هو على ما هو الأمر عليه، لا كما يزعمه من ليس له معرفة بحقيقة الحقائق.
فإنه يلوح له شيء ويعزب عنه أشياء، فيقول:
إن التشريع إنما هو القشر الظاهر.
ولم يعلم أنه جامع للب الأمر وقشره، فقد أدّى الأمانة صلى الله عليه وسلم ونصح الأمة.
ولم يترك هدى إلا نبه عليه، ولا معرفة إلا هدي إليها، فنعم الأمين الكامل ونعم العلم بالله العامل.
فالقدم أمر حكمي لذات واجب الوجود. والفرق بين الأزل والقدم، أن الأزل عبارة عن معقولية القبلية لله  تعالى.
والقدم عبارة عن انتفاء مسبوقية الله تعالى بالعدم.
فالأزل إنما يفيد أنه قبل الأشياء.
والقدم إنما يفيد أنه غير مسبوق بالعدم في نفس قبيلته على الاشياء.
فلا يكون الأزل والقدم بمعنى واحد فافهم.
إن القديمَ هو الوجودُ الواجبُ      .......   والحكمُ للباري بذلك واجبُ
لا تعتبرْ قدمَ الإلهِ بمدةٍ        .......      أو أزمنٍ معقولةٍ تتعاقبُ
فانسبْ له القدمَ الذي هوَ شأنُهُ   ......    منْ آون ذلك حكمُ منْ هُوَ واجبُ
معناهُ أنّ وجودَهُ لا مسبقٌ      ......      بالانعدامِ ولا قطيعٌ ذاهبُ
بل إنَّهُ لغنائِهِ في ذاتِهِ         .......       يسمَّى قديماً وهو حكمٌ دائِبُ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الحادي والثلاثون في أيام الله كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:34 am

الباب الحادي والثلاثون في أيام الله كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الحادي والثلاثون في أيام الله  

أيام الحق تجلياته وظهوره بما تقتضيه من أنواع الكمالات، ولكل تجل من تجلياته سبحانه وتعالى حكم إلهي هو المعبر عنه بالشأن.
 ولذلك الحكم في الوجود أثر لائق بذلك التجلي، فاختلاف الوجود أعني تغيره في كل زمان، إنما هو أثر للشأن الالهي الذي اقتضاه التجلي الحاکم على الوجود بالتغيير.
 وهو معنى قوله: "کل يوم هو في شأن". 
واعلم أن هذه الآية لها معنى ثان راجع إلى الحق.
 فكما أن للتجلي شأناً، ولذلك الشأن في الوجود الحادث أثراً.
 فكذلك لذلك التجلي مقتضى، ولذلك المقتضى في نفس الحق من حیث ذاته تنوع، لأن الحق سېحانه وتعالى ولو کان في نفسه لا يقبل التغير، فإن له في كل تجل تغيراً.
 وهو المعبر عنه بالتحوّل في الصور؛ فعدم التغیر له حکم ذاتي، والتنوع في التجليات له أمر وجودي عیني.
فهو متغیر لا متغیر، بمعنی متنوع لا متنوع، اي متحول في الصور لا متحول في نفسه عما یقتضیه کماله.
 لأنه على ما هو عليه ولا سبيل إلى تغيره عما هو عليه، تعالی الله عن ذلك علؤاً کبیراً. 
وهذا سر قوله: "کل يوم هو في شأن"29 سورة الرحمن. 
واعلم بأن الحق سبحانه وتعالى إذا تجلى على العبد سمي ذلك التجلي بنسبته إلى الحق شأنا إلهيا.
 وبنسبته إلى العبد حالا.
 ولا يخلو ذلك التجلي من أن يكون الحاكم عليه اسماً من أسماء الله تعالى أو وصفاً من أوصافه.
 فذلك الحاكم هو اسم ذلك التجلي وإن لم يكن له اسم أو وصف مما بأيدينا من الأسماء
والصفات الإلهية فإن حال اسم ذلك الولي المتجلي عليه هو عين الاسم الذي تجلى به الحق علیه .
وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم "إنه سيحمده يوم القيامة بمحامد لم يحمده بهاً من قبل".
 وقوله: "اللهم إني أسألك بکل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك  ".
 فالأسماء التي سمى بها نفسه هي التي تعرف بها إلى عباده، والتي استأثر بها في غيبه هي التي نبهنا عليها بأنها أسماء أحوال المتجلى عليه بها من عباده، وذلك مستأثر في غيب المتجلي علیه . 
و معنى قوله:" أسألك وأدعوك"  هو القيام بما يجب عليه من أدب ذلك التجلي، وهذا لا يعرفه إلا من ذاق المشهد. 
وإلا، فإن العقل لا يبلغه من طريق نظره الفكري.
 اللهم إلا أن يكون بإيمان فيكون الإيمان هو الذاهب بالعقل والفاتح للقفل، فعلم من تلك المقدمات أن اليوم هو التجلي الإلهي لاستحالة مرور الأيام المخلوقة عليه. 
ألا ترى إلى قوله تعالى: "الذين لا يرجون أيام الله" 3 سورة الجاثية.
 يريد به الذين لا يرجون تجليه عليهم، لأنهم ينكرون وجوده ولا يؤمنون به.
 فمن أنكر شيئاً وقال بعدمه لا يرجو ظهوره له.
 وهؤلاء المشار إليهم في الآية الأخرى بقوله: "لا يرجون لقاء الله" .
لأن لقاءه قربه وتجليه عليهم سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة فافهم. 
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني والثلاثون في صلصلة الجرس كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:35 am

الباب الثاني والثلاثون في صلصلة الجرس كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثاني والثلاثون في صلصلة الجرس

صلصلة الجرس: انكشاف الصفة القادرية عن ساق بطريق التجلي بها على ضرب من العظمة.
وهي عبارة عن بروز الهيبة القاهرية.
وذلك أن العبد الإلهي أخذ يتحقق بالحقيقة القادرية برزت له في مباديها صلصلة الجرس.
فيجد أمراً يقهره بطريق القوّة العظموتية فيسمع لذلك أطيطاً من تصادم الحقائق بعضها على بعض كأنها صلصلة الجرس في الخارج.
وهذا مشهد منع القلوب من الجرأة على الدخول في الحضرة العظموتية لقوّة قهره للواصل إليها.
فهي الحجاب الأعظم الذي حال بين المرتبة الإلهية وبين قلوب عباده.
فلا سبيل إلى انكشاف المرتبة الإلهية إلا بعد سماع صلصلة الجرس.
ولقد وجدت ليلة أسري بي إلى السموات العلا عند وصولي إلى هذا المقام الأسنى والمنظر الأزهى من الهيبة في هذا المحل ما انحلت له قواي و اضمحلت له تراکیبي و انسحقت اجزائي وانمحقت ترائبي.
وكنت لا أسمع إلا صلصلة تندك الجبال لهيبته وتخضع الثقلان لعزته.
ولا أبصر إلا سحاباً من الأنوار منهلة بوابل من نار.
وأنا مع ذلك في ظلمات من بحار الذات بعضها فوق بعض، فلا وجود لسماء تحتها ولا أرض.
فسيرات الجبال الراكدة، ورأيت " الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً. وعرضوا على ربك صفا "47 - 48 سورة الكهف .
ولا يزالون كذلك أزلاً وأبداً.
فقلت: ما للسماء؟
فقيل: "انشقت وأذنت لربها وحقت ". 1- 2 سورة الانشقاق .
فقلت: وما للأرض؟
فقيل: "مدت وألقت ما فيها وتخلت" 3-4 سورة الانشقاق.
فقلت: وما للشمس؟
فقيل: " کورت والنجوم انکدرت، و الجبال سیرت، و العشار عطلت، والوحوش حشرات، والبحار سجرت، والنفوس زوّجت، والموعودة سئلت، بأي ذنب قتلت، والصحف نشرت، و السماء كشطت" والجحيم سعرت، و الجنة أزلفت."
فقلت: مالي ؟
فقال الجلالي: "علمت نفس ما أحضرت" وهذه قيامة صغرى نصبها الحق لي مثالاً للقيامة الكبرى لأكون على بينة من ربي فأهدى إليه من هو من حزبي.
فعند ذلك سأل سائل التدقيق عن ترجمان التحقيق.
فاستفهمته على عدم الجهل عن الصفات والذات وعن المقام الإلهي الذي هو بعد ذلك باستيفاء ما هناك.
وعن الإنسان ومن أي وجه يكون كتابة القرآن.
وكيف الأمر الختام الذي هو عند ذي الجلال والإكرام.
فضحك بعدما ابتسم ورمز عند تلك العبارات بإشارات في القسم
فقال: "فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس. والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس. إنه لقول رسول کريم. ذي قوة عند ذي العرش مکین. مطاع ثم آمین" 3 - 4 سورة الانشقاق.
فقلبت بین عینیه و استوفیت ما أشار إليه:
فكان للوصلِ حكل لا أبوحُ به       .....         فظنَّ ما شئتَ إنَّ الأمرَ متسع
صبّ ومحبوبه في أوج خلوته       .....         ملك ومالكه والجند مجتمع
جلّت عروس التداني فوق مرتبة       .....       من الجلال كما لا طل منهمع
فالأفق دائرة والسحب ماطرة       .....          والرعد زاجرة والبرق ملتمع
فالبحر في زخر والريح في هدر       .....      والنار في شرر والماء يندفع
وسائر الفلك الدوار قام على       .....           ساق ذليلاً لعزّ العزّ ينخضع 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث والثلاثون في أم الكتاب كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:37 am

الباب الثالث والثلاثون في أم الكتاب كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث والثلاثون في أم الكتاب

أمّ الكتاب فكنهه في ذاته            .....             هي نقطة منها انتشاء صفاته
هي كالدواة لأحرف تبدو على       .....         ورق الوجود بحكم ترتيباته
فالمهملات من الحروف إشارة       .....        فيما تعلّق بالقديم بذاته
والمعجمات عبارة عن حادث       .....         من أنه طار على نقطاته
ومتى تركبت الحروف فإنها       .....           كلم فتلكم محض مخلوقاته
اعلم أن أم الكتاب: 
هو عبارة عن ماهية كنه الذات المعبر عنها من بعض وجوهها بماهيات الحقائق التي لا يطلق عليها اسم ولا نعت ولا وصف ولا وجود ولا علم ولا حق ولا خلق.
والكتاب هو الوجود المطلق الذي لا عدم فيه.
وكانت ماهية الكنه أم الكتاب.
لأن الوجود مندرج فيها اندراج الحروف في الدولة.
فلا يطلق على الدواة باسم شيء من أسماء الحروف سواء كانت الحروف مهملة أو معجمة.
وسيأتي بيان الحروف في هذا الباب.
فكذلك ماهية الكنه لا يطلق عليه اسم الوجود ولا اسم العدم، لأنها غير معقولة، والحكم على غير المعقول بأمر محال.
فلا يقال بأنها حق ولا خلق ولا غير ولا عين.
ولكنها عبارة عن ماهية لا تنحصر بعبارة إلا ولها ضدّ تلك العبارة من كل وجه.
وهي الألوهية باعتبار، ومن وجه هي محل الأشياء ومصدر الوجود.
والوجود فيها بالعقل، ولو كان العقل يقتضى أن يكون الوجود في ماهية الحقائق بالقوّة كوجود النخلة في النواة.
ولكن الشهود يعطي الوجود منها بالفعل لا بالقوّة للمقتضى الذات الإلهي.
لكن الإجمال المطلق هو الذي حكم على العقل بأن يقول بأن الوجود في ماهية الحقائق بالقوة بخلاف الشهود.
لأنه يعطيك الأمر المجمل مفصلاً، على أنه في نفس ذلك التفصيل باق على إجماله.
وهذا أمر ذوقي شهودي كشفي لا يدرك العقل من حيث نظره.
لكنه إذا وصل إلى ذلك المحل وتجلت عليه الأشياء قبلها وأدركها كما هي عليه، وإذا علمت أن الكتاب هو الوجود المطلق تبين لك أن الأمر الذي لا يحكم عليه بالوجود ولا بالعدم هو أم الكتاب.
وهو المسمى بماهية الحقائق لأنه كالذي تولد الكتاب منه.
وليس للكتاب إلا وجه واحد من وجهي كنه الماهية.
لأن الوجود أحد طرفيها، والعدم هو الثاني.
فلهذا ما قبلت العبارة بالوجود ولا بالعدم لأن ما فيها وجه من هذه الوجوه إلا وهي ضدّه.
فالكتاب الذي أنزله الحق سبحانه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم هو عبارة عن أحكام الوجود المطلق الذي هو أحد وجهي ماهية الحقائق.
فمعرفة الوجود المطلق هو علم الكتاب.
وقد أشار الحق إلى ذلك في قوله: "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"12 سورة يس.
وقوله : "ولا رطب ولا يابس إلا في کتاب مبین" 59 سورة الأنعام.
وقوله : "وکل شيء فصلناه تفصيلا" 12 سورة الإسراء.
وبعد أن أعلمناك أن أم الكتاب هي ماهية الكنه.
وظهر أن الكتاب هو الوجود المطلق.
اعلم أن الكتاب سور وآيات وكلمات وحروف، فالسور عبارة عن الصور الذاتية وهي تجليات الكمال.
ولا بد لكل سورة من معنى فارق تتميز به تلك السورة عن غيرها، فإذن لا بد لكل صورة إلهية كمالية من شأن تتميز به تلك الصور عن غيرها.
ولولا التطويل لنبهناك على كل صورة منها و سورة من كتاب الله تعالى.
والايات عبارة عن حقائق الجمع، كل آية تدل على جمع إلهي من حيث معنى مخصوص يعلم ذلك الجمع الإلهي عن مفهوم الآية المتلوة.
ولا بد لكل جمع من اسم جمالي وجلالي يكون التجلي الإلهي في ذلك الجمع من حيث ذلك الاسم.
وکانت الآیة عبارة عن الجمع لأنها صارت عبارهٔ واحدة عن کلمات شتی.
وليس الجمع إلا شهود الأشياء المتفرقة لعين الواحدية الإلهية الحقية.
والكلمات هي عبارة عن حقائق المخلوقات العينية، أعني المتعينة في العالم الشهادي والحروف.
، فالمنقوط منها عبارة عن الأعيان الثابتة في العلم الإلهي.
والمهمل منها على نوعين:
(النوع الأول) مهمل تتعلق به الحروف ولا يتعلق هو بها.
وهي خمسة: الألف، والدال، والراء، والواو، واللام.
الالف إشارة إلى مقتضيات كمالية وهي خمسة:
الذات والحياة والعلم والقدرة والإرادة،
إذ لا سبيل إلى وجود هذه الأربعة المذكورة إلا بالذات.
ولا سبيل إلى كمال الذات إلا بها.
(والنوع الثاني) مهمل تتعلق به الحروف ويتعلق هو بها، وهي تسعة:
فالإشارة بها إلى الإنسان الكامل لجمعه بين الخمسة الإلهية والأربعة الخلقية.
وهي العناصر الأربعة مع ما تولد منها.
وكانت أحرف الإنسان الكامل غير منقوطة لأنه خلقها على صورته.
ولكن تميزت الحقائق المطلقة الإلهية عن الحقائق المقيدة الإنسانية لاستناد الإنسان إلى موجد يوجده.
ولو کان هو الموجد فإن حكمه أن يستند إلى غيره، ولهذا كانت حروفه تتعلق بالحروف، وتتعلق الحروف بها.
وقد نبهنا على حقيقة الحروف وكيفية منشئها من الألف 
وكيفية منشأ الألف من النقطة في كتابنا المسمى ب الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم
فمن شاء أن يعرف ذلك فلينظر في الکتاب المذکور۔
ولما کان حکم واجب الوجود أنه قائم بذاته غير محتاج في وجوده إلى غيره مع احتياج الكل إليه.
كانت الحروف المشيرة إلى هذا المعنى من الكتاب مهملة تتعلق بها الحروف ولا تتعلق هي بحرف منها.
كالألف والدال والراء والواو واللام ألف.
فإن كل واحد من هذه الأحرف تتعلق به جميع الحروف ولا يتعلق هو بحرف منها. ولا يقال إن لام ألف حرفان فإن الحديث النبوي قد صرّح بأن اللام ألف حرف واحد فافهم.
واعلم أن الحروف ليست بكلمات لأن الأعيان الثابتة لم تدخل تحت كلمة "كن" إلا عند الإيجاد العيني.
وأما هي ففي أوجبها وتعينها العلمي فلا يدخل عليها اسم التكوين فهي حق لا خلق.
لأن الخلق عبارة عما دخل تحت كلمة "كن".
وليست الأعيان الثابتة في العلم بهذا الوصف حادثة، لكنها ملحقة بالحدوث إلحاقاً حکمیاً لما تقتضيه ذواتها من اسناد وجود الحادث في نفسه الی قدیم کما سبق بيانه في هذا الكتاب.
فالأعيان الموجودة المعبر عنها بالحروف ملحقة في العالم العلمي بالعلم الذي هو ملحق بالعالم، فهي بهذا الاعتبار الثاني قديمة.
وقد سبق تفصيل ذلك في باب القدم.
فإذا علمت أن الكتاب هو الوجود المطلق الجامع للحروف والآيات والسور على ما أشارت إليه حقيقة كل منها.
فاعلم أن اللوح عبارة عما اقتضى التعیین من ذلك في الوجود على الترتيب الحكمي لا على المقتضى الإلهي غير المنحصر.
فإن ذلك لا يوجد في اللوح مثل تفصيل أحوال أهل الجنة والنار وأهل التجليات وما أشبه ذلك.
ولکنه موجود في الكتاب، والكتاب كل عام، واللوح جزئي خاص.
وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل۔
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: رد: كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:39 am

 الباب الرابع والثلاثون في القرآن. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الرابع والثلاثون في القرآن.

القرآن ذات محض       .....        أحديتها حقّ فرض
هي مشهده فيه وله       .....        من حيث هويته غمض
يتلو ما يطلبه منه       .....       وهو المطلوب له الفرض
فقراءته هي حليته       .....      بحلاه وذاك فنا محض
لكن من حيث الذات له       .....         لا كل هناك ولا بعض
هي لذّته في الذات به       .....      من حيث الذوق ولا غض
والفهم لتلك اللذّة قر       .....       آن هي هو هذا الفرض
اعلم أن القرآن عبارة عن الذات التي يضمحل فيها جميع الصفات، فهي المجلى المسماة بالأحدية.
أنزلها الحق تعالی علی نبیه محمد صلى الله عليه وسلم لیکون مشهده الأحدية من الأكوان.
ومعنى هذا الإنزال أن الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت بکمالها فی جسده.
فنزلت عن أوجها مع استحالة النزول والعروج علیها، لکنه صلى الله عليه وسلم لما تحقق جسده بجميع الحقائق الإلهية .
وکان مجلى الاسماء الواحد بجسده ، كما أنه بهويته مجلى الأحدية وبذاته عين الذات.
فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : "أنزل علي القرآن جملة واحدة" .
يعبر عن تحقيقه بجميع ذلك تحقيقاً ذاتياً کلياً جسمانياً، وهذا هو المشار إليه بالقرآن الكريم لأنه أعطاه الجملة.
وهذا هو الكرم التام لأنه ما ادّخر عنه شيئاً، بل أفاض عليه الكل كرماً إلهياً ذاتياً. وأما القرآن الحكيم فهو تنزل الحقائق الإلهية بعروج العبد إلى التحقق بها في الذات شيئاً فشيئاً على ما اقتضته الحكمة الإلهية بعروج العبد الى التحقيق بها فى الذات شيئا فشيئا على ما اقتضته الحكمة الإلهية التي ترتبت الذات عليها، فلا سبيل غير ذلك.
لأنه لا يجوز من حيث الامكان أن يتحقق واحد بجمیع الحقائق الإلهية بجسده من أول إيجاد.
لکنه من كانت فطرته مجبولة على الألوهية فإنه يترقى فيها ويتحقق منها بما ينكشف له منها شيئاً من ذلك بعد شيء مرتباً ترتيباً إلهياً.
وقد أشار الحق إلى بيان ذلك بقوله: "ونزلناه تنزيلا" 106 سورة الإسراء.
وهذا الحكم لا ينقطع ولا ينقضي، بل لا يزال العبد في ترق إلى هكذا ولا يزال الحق في تجل إذ لا سبيل إلى استيفاء ما لا يتناهى لأن الحق نفسه لا يتناهى.
فإن قلت: فما فائدة قوله: "أنزل علي القرآن جملة واحدة".
قلنا: ذلك من وجهين:
الوجه الأول من حيث الحكم، لأن العبد الكامل إذا تجلى الحق له بذاته حكم بما شهده أنه جملة الذات التي لا تتناهى، وقد نزلت فيه من غير مفارقة لمحلها الذي هو المكانة.
والوجه الثاني من حيث استيفاء بقايات البشرية واضمحلال الرسوم الخلقية بكمالها لظهور الحقائق الإلهية بآثارها فى كل عضو من أعضاء الجسم.
فالجملة متعلقة بقوله على هذا الوجه الثاني، ومعناه ذهاب جملة النقائض الخلقية بالتحقق بالحقائق الإلهية.
وقد ورد فى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن دفعة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم أنزله الحق على آيات مقطعة بعد ذلك".
هذا هو معنى الحديث:
فإنزال القرآن دفعة واحدة إلى سماء الدنيا إشارة إلى التحقيق الذاتي.
ونزول الآيات مقاطعة إشارة إلى ظهور آثار الأسماء والصفات مع ترقي العبد في التحقيق بالذات شيئاً فشيئاً.
وقوله تعالى: "ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم".
فالقرآن هنا عبارة عن الجملة الذاتية لا باعتبار النزول ولا باعتبار المكانة، بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي مطلق الهوية الجامعة لجميع المراتب والصفات والشئون والاعتبارات.
والمعبر عنها بساذج الذات مع جملة الكمالات.
ولهذا قرن بلفظ العظيم لهذه العظمة والسبع المثاني عبارة عما ظهر عليه في وجوده الجسدي من التحقق بالسبع الصفات.
وقوله تعالى: "الرحمن علم القرآن".
إشارة إلى أن العبد إذا تجلى عليه الرحمن يجد في نفسه لذة رحمانية تكسبه تلك اللذة معرفة الذات.
فيتحقق بحقائق الصفات، فما علمه القرآن إلى الرحمن، وإلا فلا سبيل إلى الوصول إلى الذات بدون تجلي الرحمن الذي هو عبارة عن جملة الأسماء والصفات.
إذ الحق تعالى لا يعلم إلا من طريق أسمائه وصفاته فافهم.
وهذا شيء لا يفهمه إلا الغرباء، وهم الأفراد الكمل الأمجاد الذين هم موضع نظر الله تعالى من العباد.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: رد: كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:39 am

الباب الخامس والثلاثون في الفرقان. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الخامس والثلاثون في الفرقان.

 صفات  اللَّه  فرقان       .....      وذات  اللَّه  قرآن
وفرق  الجمع  تحقيق       .....     وجمع  الفرق  وجدان
وتفرقة  الصفات  على        .....   اختلاف  النعت  جمعان
وحكم  الذات  في       .....      أحدية  التوحيد  فرقان
لأن  الوصف لا ينفك       .....       و هو   لذاته  شان
اعلم أن الفرقان عبارة عن حقيقة الأسماء والصفات على اختلاف تنوعاتها.
فباعتباراتها تتميز كل صفة واسم عن غيرها، فحصل الفرق في نفس الحق من حيث أسماؤه الحسنی و صفاته.
 فان اسمه الرحیم غیر اسمه الشدید، و اسمه المنعم غیر اسمه المنتقم، وصفة الرضا غير صفة الغضب.
 وقد أشار إليه في الحديث النبوي عن الله تعالى أنه يقول: "سبقت رحمتي غضبي".
 لأن السابق أفضل من المسبوق.
وكذلك فى الأسماء المرتبة، فالمرتبة الرحمانية أعلى من المرتبة الربية.
 ومرتبة الألوهية أعلى من الجميع.
 فتميزت الأسماء بعضها عن بعض فحصل الفرق فيها، فكان الأعلى أفضل ممن له الحكم عليه.
 فاسمه الله أفضل من اسمه الرحمن.
 واسمه الرحمن أفضل من اسمه الرب.
 واسمه الرب أفضل من اسمه الملك.
 وكذلك بواقي الأسماء والصفات، فإن الأفضلية ثابتة في أعيانها، لا باعتبار أن في شيء منها نقصاً ولا مفضولية.
 بل لما اقتضته أعيان الأسماء والصفات في أفضليتها، ولهذا حكمت بعضها على بعض.
فقيل أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك.
 وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك.
 فهذا فرقان في نفس الذات.
 فأعاذت المعافاة من العقوبة والمعافاة مفاعلة، وكان العفو أفضل من فعل العقوبة، ولهذا أعاذه منه وأعاذ الرضا من السخط.
 فقلنا: إن صفة الرضا أفضل من صفة الغضب. و أعاذه بذاته من ذاته.
 فكما أن الفرق حاصل في الأفعال فكذلك في الصفات، وكذلك في نفس واحدية الذات التي لا فرق فيها.
 لكن من غرائب شئون الذات جمع النقيضين من المحال والواجب، فكل ما يستحيل في العقل ويسوغ في العبارة والنقل فإنها تشهده من الأحكام الواجبة في الذات.
 وإلى ذلك أشار الإمام أبو سعيد الخراز بقوله: عرفت الله بجمعه بين الضدّين. 
ولا تظن بأنه مطلق جمعه للأول والآخر والظاهر والباطن.
 بل الحق والخلق وعدم التفاضل والمستحيل والواجب والمعدوم والموجود والمحدود وما لا يتناهى إلى غير ذلك من النقائض، بالضاد المعجمة، والأضداد.
 فإنه سبحانه وتعالى يجمعها بالشأن الذاتي، وهويته عبارة عن جميع ذلك، وهذا معنى قوله: فافهم.
وإذا عرفت فالزم.
 والله يقول الحق وهو يهدي للصواب، وإليه المرجع والمآب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السادس والثلاثون في التوراة. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:40 am

الباب السادس والثلاثون في التوراة. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السادس والثلاثون في التوراة

أنزل الله تعالى التوراة على موسى في تسعة ألواح وأمره أن يبلغ سبعة منها ويترك لوحين، لان العقول لا تكاد تقبل ما في ذينك اللوحين، فلو أبرزهما موسى انتقض عليه ما يطلبه وکان لا يؤمن به رجل واحد، 
فهما مخصوصان موسی علیه السلام دون غيره من أهل ذلك الزمان.
وكانت الألواح التي أمر بتبليغها فيها علوم الأولين والآخرين، إلا علم محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلم إبراهيم ، وعلم عيسى، عليهما الصلاة والسلام، وعلم ورثة محمد صلى الله عليه وسلم .
فإنه لم تتضمنه التوراة خصوصية لمحمد  صلى الله عليه وسلم  وورثته، واکراماً لإبراهیم و عیسی عليهما السلام.
و کانت الالواح من حجر المرمر، أعني الألواح السبعة التي أمر بتبليغها موسى، بخلاف اللوحين فإنهما كانا من نوره.
ولهذا قست قلوبهم لأن الألواح من الحجارة وجميع ما تضمنته الألواح مشتمل على سبعة أنواع من المقتضيات الإلهية على عدد الألواح:
فاللوح الأول: النور.
واللوح الثاني: الهدي.
قال الله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون" 44 سورة المائدة
واللوح الثالث: الحكمة.
واللوح الرابع: القوى.
واللوح الخامس: الحكم.
واللوح السادس: العبودية.
واللوح السابع: وضوح طريق السعادة من طريق الشقاوة وتبيين ما هو الأولى.
 فهذه سبعة اللواح أمر موسی علیه السلام بتبلیغها.
وأما اللوحان المخصوصان بموسى:
فاللوح الأول: لوح الربوبية.
واللوح الثاني: لوح القدرة.
ولهذا لم يكمل أحد من قوم موسى لأنه لم يؤمر بإبراز التسعة ألواح.
فلم يكمل أحد من قومه بعده ولم يرثه أحد من قومه.
بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ما ترك شيئاً إلا وبلغه إلينا.
قال الله تعالى:"ما فرطنا في الكتاب من شيء" .
وقال تعالى: "وكل شيء فصلناه تفصيلا".
ولهذا كانت ملته خير الملل، ونسخ بدينه جمیع الأديان، لأنه أتى بجميع ما أتوا به وزاد عليهم ما لم يأتوا به، فنسخت أديانهم لنقصها، و شهر دینه بکماله.
قال الله تعالى: "الیوم آکملت لکم دینکم و اتممت عليكم نعمتي". 3 سورة المائدة
ولم ينزل هذه الآية على نبي غير محمد صلى الله عليه وسلم، ولو نزلت على أحد لكان هو خاتم النبيين.
وما صح ذلك إلا لمحمد عليه فنزلت عليه فكان خاتم النبيين، لأنه لم يدع حكمة ولا هدى ولا علماً ولا سرّاً إلأ وقد نبه عليه وأشار إليه.
على قدر ما يليق بالنبيين لذلك السر إما تصريحاً وإما تلويحاً وإما إشارة وإما كناية وإما استعارة، وإما محكماً وإما مفسراً وإما مؤولاً وإما متشابهاً، إلى غير ذلك من أنواع كمال البيان.
فلم يبق لغيره مدخلاً فاستقل بالأمر وختم النبؤة، لأنه ما ترك شيئاً يحتاج إليه إلا وقد جاء به.
فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمل شيئاً مما ينبغي أنه ينبه عليه إلا وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك فيتبعه هذا الكامل كما نبه عليه ويصير تابعاً.
فانقطع حكم نبؤة التشريع بعده، وكان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، لأنه جاء بالكمال ولم يجيء أحد بذلك.
فلو أمر موسى عليه السلام بإبلاغ اللوحين المختصين به لما كان يبعث عيسى من بعده.
لأن عيسى صلى الله عليه وسلم بلغ سر ذينك اللوحين إلى قومه، ولهذا من أول قدم ظهر عیسی بالقدرة والربوبية وهو کلامه في المهد وابراً الأكمه والأبرص وأحيا الموتى ونسخ دین موسی.
لأنه أتى بما لم يأت به موسى، لکنه لما أظهر آحکام ذلك ضل قومه من بعده فعبدوه.
وقالوا: إنه ثالث ثلاثة، وهو الأب والأم والابن، وسموا ذلك بالأقانيم الثلاثة وافترق قومه على ذلك.
فمنهم من قال إنه ابن الله وهؤلاء المسمون بالملکانیة من قومه.
ومنهم من قال إنه الله نزل وأخذ ابن آدم وعاد يعني تصور بصورة آدم ثم رجع إلى تعالیه  و هؤلاء هم المسمون باليعاقبة في قوم عيسى.
ومنهم من قال إن الله في نفسه عبارة عن ثلاثة، عن أب وهو الروح القدس وأم وهي مریم، و ابن وهو عیسى علیه السلام، فضل قوم عیسی.
لأن جميع ما اعتقدوه لم يكن مما جاء به عيسى.
لأن مفهومهم لظاهر أمرهم أذاهم إلى ما صاروا عليه.
ولهذا لما سأل الله عيسى فقال له: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟
قال: سبحانك".
قدم التنزيه في هذا التشبيه "ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق".
يعني كيف أنسب المغايرة بيني وبينك فأقول لهم اعبدوني من دون الله وأنت عين حقيقتي وذاتي وأنا عين حقيقتك وذاتك فلا مغايرة بيني وبینك.
فنژه عیسی نفسه عما اعتقده قومه، لانهم اعتقدوا مطلق التشبیه فقط بغیر التنزيه.
وليس هذا بحق الله.
ثم قال:" إن كنت قلته يعني من نسبة الحقيقة العيسوية أنها الله وفقد علمته"
يعني أني لم أقله إلا على الجمع بين التنزيه والتشبيه وظهور الواحد في الكثرة، لكنهم ضلوا بمفهومهم ولم يكن مفهومهم مرادي "تعلم ما في نفسي".
يعني هل كان ما اعتقدوه مرادي فيما بلغت إليه من ظهور الحقيقة الإلهية أم كان مرادي بخلاف ذلك "ولا أعلم ما في نفسك" يعني بلغت ذلك إليهم.
ولا أعلم ما في نفسك من أن تضلهم عن الهدى، فلو كنت أعلم ذلك لما بلغت إليهم شيئاً مما يضلهم وإنك أنت علام الغيوب وأنا لا أعلم الغيوب
فاعذرني "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به"117 سورة المائدة .
مما وجدتك في نفسي فبلغت الأمر ونصحتهم ليجدوا إليك في أنفسهم سبيلاً، فأظهرت لهم الحقيقة الإلهية في ذلك ليظهر ما في أنفسهم، وما كان قولي لهم إلا "أن اعبدوا الله ربي وربكم"72 سورة المائدة .
ولم أخصص نفسي بالحقيقة الإلهية، بل أطلقت ذلك في جميعهم فأعلمتهم بأنه كما أنك ربي بمعنى الحقيقة، أنت ربي بمعنى حقيقتهم.
وكان العلم الذي جاء به عيسى زيادة على ما في التوراة هو سر الربوبية والقدرة فأظهره ولهذا كفر قومه، لأن إفشاء سر الربوبية کفر.
فلو ستر عیسی هذا العلم و بلغه الی قومه في قشور وعبارات وسطور إشارات كما فعله نبینا لکان قومه لم يضلوا من بعده.
ولما كان يحتاج في كمال الدين من بعد ذلك إن علم الألوهية والذات اللذين جاء بهما النبي صلى الله عليه وسلم في الفرقان والقرآن، وقد سبق الحديث عليهما من حيث الذات والصفات.
وقد جمع الله له ذلك في آية واحدة وهي: "لیس کمثله شيء وهو السميع البصير "11 سورة الشورى.
فلیس کمثله شيء مما يتعلق بالذات، و هو السميع البصير مما يتعلق بالصفات، ولو بلغ موسى ما بلغه عيسى الی قومه لکان قومه يتهمونه في قتل فرعون.
فانه قال: "أنا ربكم الأعلى"24 سورة النازعات .
وما يعطي إفشاء سرّ الربوبية إلا ما ادعاه فرعون، لكنه لما يكن ذلك لفرعون بطريق التحقيق قاتله موسى وانتصر عليه.
فلو أظهر موسى شيئاً من علم الربوبية في التوراة لكفر به قومه واتهموه في مقاتلة فرعون.
فأمره الله يكتم ذلك كما أمر نبينا محمداً علاقة بكتم أشياء مما لا يسعه غيره للحديث المروي عنه عقد أنه قال: "أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم، فعلم أخذ علي في كتمه، وعلم خيرت في تبليغه، وعلم أمرت بتبليغه".
فالعلم الذي أمر بتبليغه هو علم الشرائع، والعلم الذي خير في تبليغه هو علم الحقائق، والعلم الذي أخذ عليه في كتمه هو الأسرار الإلهية.
ولقد أودع الله جميع ذلك في القرآن، فالذي أمر بتبليغه ظاهر، والذي خير في تبليغه باطن.
لقوله : "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" 11 سورة الشورى
وقوله: "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق".85 سورة الحجر
وقوله: "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه"53 سورة فصلت .
وقوله: "ونفخت فيه من روحي" 29 سورة الشورى.
فإن جميع ذلك له وجه يدل على الحقائق، ووجه يتعلق بالشرائع،
فهو كالتحيز، فمن كان فهمه إلهياً فقد بلغ ذلك.
ومن لم يكن فهمه ذلك الفهم وكان مما لو فوجىء بالحقائق أنكرها .
فإنه ما بلغ إليه ذلك لئلا يؤدي ذلك إلى ضلالته وشقاوته.
والعلم الذي أخذ عليه في كتمه فإنه مودع في القرآن بطريق التأويل لغموض الكتم، فلا يعلم ذلك إلا من أشرف على نفس العلم أولاً، وبطریق الكشف الإلهي، ثم سمع القرآن بعد ذلك.
فإنه يعلم المحل الذي أودع الله فيه شيئاً من العلم المأخوذ على النبي صلى الله عليه وسلم في كتمه وإليه الإشارة بقوله تعالى: "وما يعلم تأويله إلا الله " 7 سورة عمران .
على قراءة من وقف هنا، فالذي يطلع على تأويله في نفسه هو المسمى بالله فافهم.
جال بنا جواد البيان في مضمار التبيان إلى أن أبدى ما لم يخطر إظهاره أبداً، فلترجع إلى ما كنا بسبيله من الحديث على التوراة.
إعلام أن التوراة عبارة عن تجليات الأسماء الصفاتية، وذلك ظهور الحق سبحانه وتعالى فى المظاهر الحقية:
فإن الحق تعالى نصب الأسماء أدلة على صفاته، وجعل الصفات دليلاً على ذاته في مظاهره وظهوره في خلقه بواسطة الأسماء والصفات.
ولا سبيل إلى غير ذلك لأن الخلق فطروا على السذاجة.
فهو خال عن جميع المعاني الإلهية.
لكنه كالثوب الأبيض ينتقش فيه ما يقابله به.
فتسمى الحق بهذه الأسماء لتكون أدلة للخلق على صفاته.
فعرفت الخلق بها صفات الحق.
ثم اهتدى إليه أهل الحق فكانوا لتلك الأسماء كالمرأة.
فظهرت الأسماء فيهم والصفات فشاهدوا أنفسهم بما انتقش فيهم من الأسماء الذاتية والصفات الإلهية.
فإذا ذكروا الله تعالى كانوا هم المذكورين بهذا الاسم، فهذا المعنى توراة.
والتورية في اللغة:
حمل المعنى على آبعد المفهومين، فتصريح الحق عند العامة الخيال الاعتقادي وليس لهم غير ذلك.
والحق عند العارفين حقيقة ذواتهم، فهم المراد به، هذا اللسان هو لسان الإشارة في التوراة.
أما ما تضمنه السبعة ألواح التي أنزلت على موسى:
فأما اللوح الأول:
فلوح النور، اعلم أنه يشترط أن لا يكون في اللوح من العلوم إلا ذلك النوع الذي يسمى اللوح به.
بل يكون فيه وغيره مما في باقي الألواح، لكن لما غلب حكم علم على لوح سمي ذلك اللوح به.
كما أن سور القرآن كذلك كلما غلب عليها أمر كانت السورة مسماة بذلك الأمر وهي تتضمن
تعليمه ذلك وغيره.
فلوح النور فيه وصف الحق بالواحدية والأفراد على سبيل التنزيه المطلق.
وحكم ما للحق تعالى مما يتميز به عن الخلق.
وفيه ذكر ربوبية الحق والقدرة التي للحق مع جميع أسمائه الحسنى وصفاته العلا.
كل ذلك على ما هو للحق بطريق التعالي والتنزيه مما استحقه في اللوح المسمى بلوح النور..
وأما اللوح الثاني:
وهو لوح الهدي، ففيه الإخبارات الإلهية لنفسه فهذا العلوم الذوقية.
وذلك صورة النور الإلهامي في قلوب المؤمنين، فإن الهدى في نفسه سر وجودي إلهامي يفجأ عباد الله.
وذلك نور الجذب الإلهي الذي يترقى فيه العارف إلى المناظر العلية على الطريق الإلهي يعني على صراط الله، وذلك عبارة عن كيفية رجوع النور الإلهي المنزل في الهيكل الإنساني إلى محله ومكانه.
فالهدى عبارة عما يجده صاحب ذلك النور من أحدية الطريق إلى المكانة الزلفي والمستوى الأزهی حيث لا حيث.
وفي هذا اللوح علم الكشف عن أحوال الملل وأخبار من كان قبلهم وبعدهم.
وعلم الملكوت وهو عالم الأرواح وعلم الجبروت وهو العالم الحاكم على عالم الأرواح وذلك حضرة القدس.
ومن جملة ما في هذا اللوح علم البرزخ وذكر القيامة والساعة والميزان والحساب والجنة والنار.
ومن جملة ما في هذا اللوح أخبار جمع من الملائكة.
ومن جملة ما في هذا اللوح من علم الأسرار المودعة في الأشكال وأمثال ذلك حتى فعلت بنو إسرائيل بمعرفة تلك الأسرار ما فعلته وأظهرت بذلك من الكرامات ما أظهرته..
اللوح الثالث :
وأما لوح الحكمة ففيه معرفة كيفية السلوك العلمي بطريق التجلي والذوق في الحظائر القدسية الإلهية من خلع النعلين وتراقي الطور ومكالمة الشجرة ورؤيا النار في الليل المظلم فإنها كلها أسرار إلهيات.
فهذا اللوح أصل علم تنزل الروحانيات بطريق التسخير وأمثال ذلك.
ومن جملة ما في هذا اللوح علم يشتمل على جميع هذه الأنواع من الحكمة الإلهية. ومن جملة هذا اللوح أصل علم الفلك والهيئة والحساب وعلم خواص الأشجار والأحجار وأمثال ذلك.
وكل من أتقن من بني إسرائيل علم هذا اللوح صار راهبا، والراهب في لغتهم هو المتأله التارك لدنياه الراغب في مولاه.
وأما اللوح الرابع:
فهو لوح القوى:  ، في علم التنزيلات الحكمية وفي القوى البشرية.
وهذا علم الأذواق من حصله من بني إسرائيل كان حبرة.
وهو على مرتبة ورثة موسى.
وهذا اللوح أكثره رموز وأمثال وإشارات نصبها الحق تعالى في التوراة
التنصب الحكمة الإلهية في القوى البشرية.
وقد نبه على ذلك في قوله ليحيى:"يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا" 12 سورة مريم .
فهذا الأخذ بالقوة لا يكون إلا لمن علم الحكمة واهتدى إلى النور الإلهي.
ثم أفرغ ذلك في قواه على حسب ما اقتضاه علمه من الحكمة الإلهية وهذا أمر ذوقي لا يفهمه إلا من حصل فيه فهو للخواص لا للعوام.
ومن جملة ما في هذا اللوح علم السيمياء وكيفية السحر العالي وهو الذي يشبه الكرامات.
وقولي السحر العالي لأنه بلا أدوية ولا عمل ولا تلفظ بشيء بل بمجرد قوى سحرية في الإنسان تجري الأمور على حسب ما اقتضاه الساحر.
فتبرز الصور التي لا تمكن إلا في الخيال محسوسة مشهودة في الحس.
وقد يدخل بصر الناظرين إلى خيال نفسه فيصور ما يشاء فيرونه بأبصارهم ولكن في خياله ويظنون أنه في عالم الحس.
ولقد وقعت على ذلك في طريق التوحيد، فكنت لو شئت أتصور بأي صورة في الوجود تصورت بها، ولو أردت أي فعل فعلت.
ولكن علمت أنه مهلك فتركته، ففتح الله علي بالقدر المصون الذي جعله بين الكاف والنون.
وأما اللوح الخامس:
فهو لوح الحكم فيه علم الأوامر والنواهي.
وهي التي فرضها الله على بني إسرائيل وحرم عليهم ما شاء أن يحرمه.
وهذا اللوح فيه التشريع الموسوي الذي بني عليه اليهود..
وأما اللوح السادس:
وهو لوح العبودية، فإن فيه معرفة الأحكام اللازمة للخلق من الذلة والافتقار والخوف والخضوع.
حتى إنه قال لقومه:
إن أحدكم إذا جازى بالسيئة سيئة فقد ادعى ما ادعاه فرعون من الربوبية.
لأن العبد لا حق له.
ومن جملة ما في هذا اللوح علم أسرار التوحيد والتسليم والتوكل والتفويض والرضا والخوف والرجاء والرغبة والزهد والتوجه إلى الحق وترك ما سواه وأمثال ذلك.
وأما اللوح السابع:
فهو اللوح الذي يذكر فيه الطريق إلى الله تعالى، ثم بين طريق السعادة من الشقاوة.
ومن جملة ما في هذا اللوح تبيين ما هو الأولى في طريق السعادة من غيره.
وهو الجائز في طريق السعادة.
ومن هذا اللوح ابتدع قوم موسى ما ابتدعوه في دينهم رغبة ورهبانية ابتدعوها واستخرجوا ذلك بأفكارهم وعقولهم لا من كلام موسى.
بل من كلام الله تعالى، فما رعوها حق رعايتها.
فلو أنهم استخرجوا ذلك بطريق الأخبار الإلهية والكشف الإلهي لكان الله يقدر لهم ذلك.
وكيف ولو كان ذلك مما أمكنهم أن يرعوها حق رعايته.
لكان الحق يأمرهم بذلك على لسان نبيه موسى.
فما أعرض موسى عن ذلك جهلا بها ولكن رفقا بهم.
ولما ابتدعوها ولم يرعوها عوقبوا عليها.
وفي هذا اللوح علوم جمة مما يتعلق بالأديان والأبدان، وقد جمعت جميع ما تضمنته التوراة في هذه الورقات على حسب ما کشف الله لنا عن ذلك.
وقصدنا الاختصار فيه، فإنا لو أخذنا في إبدائه كما هو عليه لاحتجنا إلى تطويل كثير ولا فائدة في ذلك.
فهذا جميع ما تضمنته التوراة على الإجمال فافهم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السابع والثلاثون في الزبور. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:42 am

الباب السابع والثلاثون في الزبور. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السابع والثلاثون في الزبور

الزبور لفظة سريانية وهي بمعنى الكتاب، واستعملها العرب حتى أنزل الله عز وجل: "و كل شيء فعلوه في الزبر" 52 سورة القمر .
أي: في الكتب، وأنزل الزبور على داود آيات مفصلات.
ولكنه لم يخرجه لقومه إلا جملة واحدة بعد أن أكمل الله تعالی نزوله عليه.
وكان داود عليه السلام ألطف الناس محاورة وأحسنهم شمائل.
وكان إذا تلا الزبور وقفت الحيوانات حوله من الوحوش والطيور، وكان نحيف البدن قصير القامة ذا قوة شديدة كثير الاطلاع على العلوم المستعملة في زمانه.
واعلم أن كل كتاب أنزل على نبي ما جعل فيه من العلوم إلا حد ما يعلمه ذلك النبي حكمة إلهية لئلا يجهل النبي ما أتى به.
فالكتب يتميز بعضها على بعض في الأفضلية بقدر تميز المرسل بها على غيره عند الله تعالى.
ولهذا كان القرآن أفضل كتب الله تعالى المنزلة على أنبيائه، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أفضل المرسلين.
فإن قلت: كلام الله لا أفضلية لبعضه على بعض.
قلنا قد ورد في الحديث عن النبي مع أنه قال: «سورة الفاتحة أفضل آي القرآن» فإذا صحت الأفضلية في القرآن بعضه على بعض فلا امتناع في بقية الكتب من الجملة.
واعلم أن الزبور أكثره مواعظ وباقيه ثناء على الله بما هو له فيه.
وما فيه من الشرائع إلا آيات مخصوصة.
ولكن تحتوي تلك المواعظ وذلك الثناء على علوم جمة إلهية حقيقية، وعلوم الوجود المطلق، وعلم تجلي الحق تعالى في الخلق وعلم التسخير والتدبير، وعلم مقتضيات حقائق الموجودات، وعلم القوابل والاستعدادات،
وعلم الطبيعيات، وعلم الرياضات، وعلم المنطق، وعلم الخلافة، وعلم الحكمة، وعلم الفراسة إلى غير ذلك من العلوم.
كل ذلك بطريق الاستتباع؛ ومنه شيء على سبيل التصريح مما لا يضر إظهاره، ولا يؤدي إلى كشف سر من أسرار الله تعالى.
وكان داود عليه السلام کثیر العبادة، وكان يعلم منطق الطير بالكشف الإلهي، ويحدثهم بالقوة الإلهية، فيبلغهم في آذانهم ما يريده من المعاني.
بأي لفظ شاء، لا كما يزعمه من لا معرفة له بحاله، فيزعم أنه كان يتكلم بنفس لغة الطير زعما منه أنها على لفظ مصطلح عليه.
بل كان يفهم أحاديث الطيور على اختلاف أصواتها ويعلم المعاني التي تدل عليها تلك الأصوات بطريق الكشف الإلهي.
وذلك قول ولده سليمان: «علمنا منطق الطير" 16 سورة النحل .
وأستمر به ذلك الحال حتى زعم من زعم أن للطيور لغة موضوعة يتحدث بها بعضها مع بعض.
وأن فهم داود لها من حيث معرفته بذلك الوضع، بل إنما لها أصوات تخرجها من غير وضع معلوم لديها.
لكنها إذا عرض لها حال برز منها صوت يفهمه غيرها من الطيور إلهامة إلهية لما فيها من اللطف الروحي.
فإذا عرض لها حال آخر برز منها مثل ذلك الصوت بعينه أو غيره فيفهمه من يفهمه من الطيور أو غيرها إلهامية إلهيا.
فكانت سائر الحيوانات إذا برز منها صوت علم داود منها ما تضمنه الصوت علما كشفية إلهية.
وكان إذا أراد داود أن يكلم أحدا منهم كلمه إن شاء باللغة السريانية وإن شاء بغيرها من أصوات الحيوانات.
فيفهمه ذلك الحيوان للقوة الإلهية التي جعلها الله تعالى لداود في كلامه.
وهذا الأمر الذي جعله الله لداود وسليمان عليهما السلام غير محصور فيهما ولا مقصور عليهما.
وإنما هو أمر عام في جميع الخلفاء، أعني الخلافة الكبرى.
وما اختص داود وسليمان إلا بظهور ذلك والتحدي به.
وإلا فكل واحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع المملكة الوجودية، ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار فضلا عن لغات الطيور.
وقد قال الشبلي رحمه الله تعالى:
لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممکرر بي.
وقال غيره: لا أقول ولم أشعر بها لأنه لا يتهيأ لها أن تدب إلا بقوتي وأنا محرکها، فكيف أقول لا أشعر بها وأنا محرکها.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم :أنه لزم الجني وأراد أن يربطه إلى سارية المسجد، ثم ذكر دعاء سلیمان فتركه (؟)، فعلم من ذلك أن قول سلیمان: "رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي"35 سورة ص .
إنما أريد به التحدي والظهور بهذه الخلافة، وهو الذي لا ينبغي لأحد من بعد سلیمان على الكمال.
وأما في بعض الأشياء دون بعض فقد ظهرت به الأنبياء وتبعهم فيه الأولياء رضوان الله عليهم.
واعلم أن الزبور في الإشارة عبارة عن تجلیات صفات الأفعال.
والتوراة عبارة عن تجليات جملة أسماء الصفات فقط.
والإنجيل عبارة عن تجليات أسماء الذات فقط.
والفرقان عبارة عن تجليات جملة الصفات والأسماء مطلقة الذاتية والصفاتية.
والقرآن عبارة عن الذات المحض.
وقد سبق الكلام على القرآن والفرقان والتوراة.
وكون الزبور عبارة عن تجلیات صفات الأفعال فإنه تفصيل التفاريع الفعلية الاقتدارية الإلهية.
ولذلك كان داود عليه السلام خليفة على العالم فظهر بأحكام ما أوحي إليه في الزبور.
فكان يسير الجبال الراسيات، ويلين الحديد ، ويحكم على أنواع المخلوقات.
ثم ورث سلیمان ملکه فكان سليمان وارثا عن داود، وداود وارثة عن الحق المطلق.
فكان داود فضل لأن الحق آتاه لخلافة ابتداء وخصه بالخطاب في قوله تعالى: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض"26 سورة ص.
ولم يجعل ذلك لسليمان إلا بعد طلبه على نوع الحصر .
وعلم داود أنه لا يمكن لأحد أن تقصر الخلافة عليه ظاهرا وباطنة، فلم يعطه الحق إلا من حيث الظهور.
ألا ترى إلى قوله تعالی حيث أخبر عن سليمان أنه قال:"قال رب أغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي "35 سورة ص .
فقال في جوابه: "فسخرنا له الريح تجري بأمره"36 سورة ص.
ثم عدد ما أوتي سليمان من الاقتدارات الإلهية ولم يقل فأتيناه ما طلب لأن ذلك ممتنع اقتصاره على أحد من الخلق لأنه اختصاص إلهي.
فمتى ظهر الحق تعالى في مظهر بذاته كان ذلك المظهر خليفة الله في أرضه.
وإليه الإشارة في قوله تعالى: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" 105 سورة الأنبياء.
يعني: الصالحين للوارثة الإلهية.
والمراد بالأرض هذا الحقائق الوجودية المنحصرة بين المجالي الحقية والمعاني الخلقية.
وإليها الإشارة في قوله:" إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون"56 سورة العنكبوت.
فإن قلت: إن دعوة سليمان مستجابة باعتبار أن المملكة الكبرى لا تنبغي لأحد من بعد الله وهو حقيقة سليمان فقد صحت الدعوة له فقد صدقت.
وإن قلت: إن دعوة سليمان غير مستجابة باعتبار عدم قصر الخلافة عليه وأن ذلك قد صح لمن بعده من الأقطاب والأفراد فقد صدقت، فاعتبر کیف شئت.
فلما علم داود امتناع قصر الخلافة عليه ترك هذا الطلب.
فطلب سلیمان تأديبة إلهية يريد تفرده بالمظاهر الإلهية لتفرد حقه بها.
وهذا ولو كان ممتنعا فهو جائز الطلب للوسع الإلهي والإمكان الوجودي.
ولكن لا يعلم أحد صح له ذلك أم لا، وفي هذا المقام أخبر الحق تعالى عن أوليائه فقال تعالى:"وما قدروا الله حق قدره"91 سورة الأنعام .
"وسبحان ربك رب العزة عما يصفون"180 سورة الصافات.
فصار من هذا الوجه ممتنعة، فلهذا قال الصديق الأكبر: "العجز عن درك الإدراك إدراك".
وقال عليه الصلاة والسلام: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" . 
فتأدب صلى الله عليه وسلم  في طلب ما لا يمكن حصوله، واعترف بالعجز لكمال ربه.
وكان عليه الصلاة والسلام أعرف بربه من سليمان.
لأن سليمان عرف ما ينتهي فطلب حصوله ومحمد صلى الله عليه وسلم عرف ما لا ينتهي فتأدب عن طلب إدراك ما لا يدرك.
أعني تأدب فترك الدعاء بحصول ذلك لعلمه أن الله تعالى لم يجعله لأحد.
وإنه خصوصية فيه ذاتية استأثر الله تعالى بها عن سائر خلقه.
فانظر بين من لمعرفته بربه حد ينتهي، وبين من لا حد لمعرفته بربه ولا نهاية لها. وفي هذا المقام قال المحمديون من الأولياء ما قالوا.
فقال شيخنا للشيخ عبد القادر الجيلاني:
معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوه.
هكذا روى عنه الإمام محيي الدين بن العربي في الفتوحات المكية بإسناده، وقال الشيخ الولي أبو الغيث بن جميل رضي الله عنه:
"خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله" .
وهذا الكلام وإن كان له وجه من التأويل، فمذهبنا أن مطلق النبي أفضل من مطلق الولي.
وسيأتي الكلام على النبوة والولاية في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
والله يهدي إلى الصواب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثامن والثلاثون في الإنجيل. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:43 am

 الباب الثامن والثلاثون في الإنجيل. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثامن والثلاثون في الإنجيل

أنزل الله الإنجيل على عيسى باللغة السريانية، وقريء على سبع عشرة لغة.
وأول الإنجيل باسم الأب والأم والابن.
كما أن أول القرآن بسم الله الرحمن الرحيم.
فأخذ هذا الكلام قومه على ظاهره، فظنوا أن الأب والأم والابن عبارة عن الروح ومريم وعيسى.
فحينئذ قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ولم يعلموا أن المراد بالأب هو اسم الله، و الأم كنه الذات المعبر عنها بماهية الحقائق، و بالابن الكتاب.
وهو الوجود المطلق لأنه فرع ونتيجة عن ماهية الكنه، قال الله تعالى:" وعنده أم الكتاب" 39 سورة الرعد.
إشارة إلى ما ذكر، وقد سبق بيانه في محله، وإليه أشار عيسى بقوله: "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به" أن أبلغه إياهم.
وهو هذا الكلام ثم قال"أن اعبدوا الله ربي وربكم" حتى يعلم أن عيسى عليه السلام لم يقتصر على ظاهر الإنجيل.
بل زاد في البيان والإيضاح بقوله: "أن اعبدوا الله ربي وربكم" لينتفي ما توهموه أنه هو الرب وأمه والروح.
و ليحصل بذلك البراءة لعيسى عند الله لأنه بين لهم فلم يقفوا على ما بين لهم عيسی، بل ذهبوا إلى ما فهموه من كلام الله تعالى.
فقول عيسى في الجواب: وما قلت لهم إلا ما أمرتني بها على سبيل الاعتذار لقومه.
يعني أنت"يا الله" المرسل إليهم بذلك الكلام الذي أوله بسم الأب والأم والابن.
فلما بلغتهم كلامك حملوه على ما ظهر لهم من كلام، فلا تلمهم على ذلك.
لأنهم فيه على ما علموه من كلامك.
فكان شرکھم عين التوحيد.
لأنهم فعلوا ما علموه بالإخبار الإلهي في أنفسهم، فمثلهم كمثل المجتهد الذي اجتهد وأخطأ فله أجر الاجتهاد.
فاعتذر عیسی عليه السلام لقومه بذلك الجواب للحق حيث سأله: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ".
ولهذا تطرق إلى أن قال: "إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم".
ولم يقل في قوله: "إن تعذبهم فإنك شديد العقاب" ولا ما يشابه ذلك، بل ذكر المغفرة طلبا لهم من الحق إياها حكمة منه بأنهم لم يخرجوا عن الحق"عما فهموه من الحق".
لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يسألون الحق تعالى لأحد بالمغفرة وهم يعلمون أنه يستحق العقوبة.
قال الله تعالى: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه" 114 سورة التوبة.
وهكذا جميع الأنبياء، فكان طلب عيسى لقومه المغفرة عن علم أنه يستحقون ذلك، لأنهم على حق في أنفسهم ولو كانوا في حقيقة الأمر على الباطل.
فكونهم على حق في معتقدهم هو الذي يئول إليه أمرهم، ولو كانوا معاقبين على باطلهم الذي عليه حقيقة أمرهم، ولهذا
قال: "وإن تعذبهم" ولقد أحسن التلفظ 
حيث قال بعدها: 
"فإنهم عبادك" يعني كانوا يعبدونك وليسوا بمعاندين ولا من الذين لا مولى لهم.
لأن الكافرين لا مولى لهم، لأنهم على الحقيقة محقون.
لأن الحق تعالی هو حقيقة عيسى وحقيقة أمه وحقيقة روح القدس، بل حقيقة كل شيء.
 وهذا معنى قول عيسى عليه السلام: "فإنهم عبادك" فشهد لهم عيسى أنهم عباد الله، وناهيك بها من شهادة لهم.
ولذلك قال الله تعالى عقيب هذا الكلام: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم"117 سورة المائدة .
عند ربهم إشارة لعيسى عليه السلام بإنجاز ما طلب، يعني أنهم لما كانوا صادقين في أنفسهم تأويلهم كلامي على ما ظهر لهم، ولو كانوا على خلاف ما هو الأمر عليه ينفعهم عند ربهم لا عند غيره.
لأن الحكم عليهم بالضلال عندنا ظاهر الأمر عليه في نفسه، ولهذا عوقبوا به.
ولما كان مآلهم إلى ما هم عليه به مع الله من الحق وهو اعتقادهم في أنفسهم حقيقة ذلك، فصدقهم في ذلك الاعتقاد نفعهم عند ربهم حتى آل حكمهم إلى الرحمة الإلهية.
فتجلى في أنفسهم بما اعتقدوه في عیسی، فظهر لهم أن معتقدهم كان حقا من هذا الوجه.
فتجلى عليهم من معتقدهم لأنه عند ظن عبده به فكان الإنجيل عبارة عن تجليات أسماء الذات.
يعني تجليات الذات في أسمائه ومن التجلیات المذكورة تجلية في الواحدية التي ظهر بها على قوم عيسي في عیسی وفي مريم وفي روح القدس فشهدوا الحق في كل مظهر من هذه المظاهر،وهم ولو كانوا محقين من حيث هذا التجلي فقد أخطئوا فيه وضلوا.
أما خطؤهم فكونهم ذهبوا فيه إلى حصر ذلك في عيسى ومريم وروح القدس.
وأما ضلالهم فكونهم قالوا بالتجسيم المطلق والتشبية المقيد في هذه الواحدية.
وليس من حكمها ما قالوه على التقييد، فهذا هو محل خطتهم وضلالاتهم فافهم.
وليس في الإنجيل إلا ما يقوم به الناموس اللاهوتي في الوجود الناسوتي، وهو مقتضى ظهور الحق في الخلق.
لكن لما ذهبت النصارى إلى ما ذهبوا إليه من التجسيم والحصر، كان ذلك مخالفا لما هو في الإنجيل، فعلى الحقيقة ما قام بما في الإنجيل إلا المحمديون.
لأن الإنجيل بكماله في آية من آيات القرآن وهو قوله تعالى: " ونفخت فيه من روحي "29 سورة الحجر.
وليست روحه غيره، فهذا إخبار الله سبحانه وتعالى بظهوره في آدم ثم أيده بـ " وسنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"53 سورة فصلت.
يعني: أن جميع العالم المعبر عنه بالآفاق وفي أنفسهم هو الحق.
ثم بين فصرح في قوله في حق محمد صلى الله عليه وسلم: "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله".10 سورة الفتح.
وفي قوله: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" 80 سورة النساء.
فاهتدى قوم محمد صلى الله عليه وسلم بذلك إلى حقيقة الأمر ولهذا لم يحصروا الوجود الحقي في آدم وحده.
لأن الآية ما عينت إلا آدم وحده، ولكن تأدبوا وعلموا أن المراد بأدم كل فرد من أفراد هذا النوع الإنساني وشهدوا الحق في جميع أجزاء الوجود بكماله امتثالا للأمر الإلهي .
وهو قوله تعالى: "حتى يتبين لهم أنه الحق"53 سورة فصلت.
وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمون.
فلو أنزلت مثل هذه الآية في الإنجيل لاهتدى قوم عيسي إلى ذلك، ولا يكون هذا، لأن كل كتاب أنزله الله تعالى لا بد أن يضل به كثيرا، ويهدي به كثيرا.
كما أخبر ، سبحانه وتعالى في القرآن بذلك.
ألا ترى إلى علماء الرسوم كيف ضلوا في تأويل هاتين الآيتين فذهبوا فيهما إلى ما ذهبوا إليه.
ولو كان ما ذهبوا إليه وجها من وجوه الحق . ولكن تحكمت عندهم لها أصول بعدوا بها عن الله وعن معرفته.
وقد اهتدى أهل الحقائق بهما إلى معرفة الله تعالى، فعين ما أهتدي به هؤلاء ضل به أولئك.
قال الله تعالى: "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين" 26 سورة البقرة.
يقال فسقت البيضة إذا فسدت ولم تصلح للتفريخ.
فالمراد به هنا قوم فسدت به قوابلهم عن القبول للتجلي الإلهي لما تصور عندهم من أن الله تعالى لا يظهر في خلقه. بل لا يظهر لهم.
ثم لما وجدوا ما يريد ذلك من الأصول التنزيهية التي حكم فيها بالذات الإلهية وتركوا الأمور العينية أخدوا بالأوصاف الحكمية.
ولم يعلموا أن تلك الأوصاف الحكمية هي بعينها على كمالها، لهذا الأمر العيني والوجود الخلقي الحقي.
وقد أخبر الحق سبحانه وتعالى عن نفسه بذلك في مواضع من كتابه كما في قوله: "فأينما تولوا فثم وجه الله" 115 سورة البقرة.
وقوله: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" 21 سورة الذاريات.
وقوله: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق" 30 سورة الروم.
وقوله: "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه"13 سورة الجاثية.
وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله سمع العبد وبصره ويده ولسانه".
وأمثال ذلك إلى ما لا يمكن حصره فافهم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
تعقيب : 
كما فعل و قال السامري لليهود 
وكذب عليهم واغواهم بأن موسى نسي الهه و صنع لهم العجل وقال لهم هذا هو اله موسي قسجدوا له الا قليلا.
كذلك فعل شاول "بولس الطرطوسي = بولس الرسول" .
وافهم المسيحيين المؤمنين والمخلصين للمسيح أن الأب والابن وروح القدس كما هى فى عقيدة مثيرا التى هي كانت دين وعقيدة الإمبراطورية الرومانية التى كانت تحكم العالم وتعين مخبرين للأمن الروماني وبتمويل من اليهود للوشاية بكل مؤمنين النصاري لان شاول "= بولس الرسول = بولس الطرطوسي" يهودي الاصل عمله الذي يرتزق منه تسليم مؤمنين النصارى للرومان واليهود لصلبهم أو قتلهم أو سجنهم وتعذيبهم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب التاسع والثلاثون في نزول الحق جل جلاله إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة. كتاب الإنسان الكامل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:44 am

الباب التاسع والثلاثون في نزول الحق جل جلاله إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة. كتاب الإنسان الكامل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب التاسع والثلاثون في نزول الحق جل جلاله إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة

وقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: "هل هل" حديث صحيح مسلم
الحديث يدل بإشارته إلى ظهور الحق سبحانه وتعالى في كل ذرة من ذرات الوجود، فالمراد بالليلة هي الظلمة الخلقية.
والمراد بسماء الدنيا ظاهر وجود الخلق، وبالثلث الأخير حقيقته، لأن كل شيء من أشياء الوجود مقسم بين ثلاثة أقسام:
قسم ظاهر ويسمى بالملك.
وقسم باطن ويسمى بالملكوت.
والقسم الثالث القسم الجبروت.
هو المنزه عن القسم الملكي والملكوتي فهو الإلهي المعبر عنه القسم الجبروتي بالثلث الأخير بلسان الإشارة في هذا الحديث.
ولا انقسام لأن الشيء الواحد إذا اعتبرت عدم انقسامه لا بد أن تتعقل له ظاهرة وهو صورته، وباطنة وهو نفسه، ولا بد أن يكون له حقيقة يقوم بها، فظهرت الإشارة بالثلث الأخير، فتنزل الحق هو ظهوره بتنزيهه في نفس التشبيه الخلقي.
ولهذا الحديث اعتبار آخر بإشارة أخرى أعلى من هذه الإشارة الأولى .
وذلك أن تعلم أن المراد بالثلث الأخير هو الصفة الإلهية التي تجلى بها على عبده.
فحقيقة ظهور الذات إنما هو في أواخر تلك الصفة لا في مبدئها ولا في أوسطها، وهذا أمر ذوقي لا يعرف إلا بالكشف.
أعني ظهور الذات في أواخر ظهور الصفة، ولا انتهاء الشيء من الصفات، وهذا الانتهاء هو حكم الذات.
فظهرت الذات في الثلث الأخير ليلة الصفات.
وقوله: "إلى السماء الدنيا" يعني إلى صفاته التي عرفه بها خلقه في الأسماء وهم الدنيا، لأن له الصفات العلا، وهم لهم العبودية، فهي الدنيا من الدناءة، وأسماؤه هي سمائه الدنيا التي قامت بها عبوديتهم.
فالحاصل من هذه الاعتبارات أن الحق سبحانه وتعالى يظهر على عباده في صفاته التي عرفوه بها عند تناهي ظهور تلك الصفات.
يعني أنهم قبل کمال ظهور تلك الصفة معها لا معه، فإذا أخذت في تناهي الظهور كانوا مع ذاته لا مع صفاته فافهم.
ولهذا الحديث إشارة أخرى بطريق السر وهي في حق الكمل، وذلك إذا علمت أن المراد بالليلة الذات الإلهية، و بالثلثالأخير كمال المعرفة الجائزة للذات.
لأن للحق تعالی معرفتين:
معرفة يجوز أن يدرك كمالها.
ومعرفة لا يجوز أن يدرك كمالها.
وقولي إن كمال المعرفة الجائزة هو المراد بالثلث الأخير، لأن للولي ثلاث معارف بالله:
المعرفة الأولى هي:
"من عرف نفسه فقد عرف ربه" وقد سبق بيانه فيما مضى
والمعرفة الثانية معرفة الألوهية وهي تعرف الذات جمالها من الصفات، وهذه المعرفة بعد معرفة الرب المقيدة بمعرفة النفسي.
والمعرفة الثالثة هو الذوق الإلهي الذي يسري في وجود العبد فينزل بها في حقه من غيبه إلى شهادته.
يعني تظهر آثار الربوبية في جسده فيكون يده لها القدرة، ولسانه له التكوين، ورجله له الخطوة، وعينه لا يحجب عنها شيء، وسمعه يصغي به إلى كل متكلم في الوجود.
وإلى هذا المعنى أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: "حتى أكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" (۲) الحديث، فيكون الحق ظاهره وهو الباطن.
فالحاصل من هذا الكلام :
أن المراد بنزول الرب ظهور آثاره وصفاته التي هي من مقتضيات الربوبية، والمراد بسماء الدنيا ظاهر جسم الولي.
والثلث الأخير المعرفة الذوقية الإلهية السارية في وجود العبد التي بها يصح محقه وبها يتم سحقه، فيتحقق حقه.
والمراد بقوله: "في كل ليلة" من كل ظهور ذاتي في كل ولي إلهي فافهم.
ولا تخرج العبارة في الحديث بما أشرنا إليه عن ظاهر مفهوم الحديث بل تحقق بما نبهناك عليه.
ولا تترك أيضا ظاهر مفهوم الحديث، فإن كلامه صلى الله عليه وسلم يحتوي على أسرار لا تتناهى، ولكلامه ظاهر وباطن، ولكل باطن ظاهر، ولكل ظاهر باطن إلى سبعة بطون.

كما قال صلى الله عليه وسلم:
إن للقرآن سبعة بطون وكلامه شعبة من كلام الله تعالى، لأنه لا ينطق عن الهوى:" إن هو إلا وحي يوحى"3-4 سورة النجم  ، وشرف وعظم، ومجد وكرم. 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الموفي أربعين في فاتحة الكتاب. كتاب الإنسان الكامل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:46 am

الباب الموفي أربعين في فاتحة الكتاب. كتاب الإنسان الكامل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الموفي أربعين في فاتحة الكتاب

اعلم أن فاتحة الكتاب هي السبع المثاني، وهي السبع صفات النفسية التي هي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام.
وقال صلى الله عليه وسلم:" إن الله قد قسم الفاتحة بين عبده وبینه" حديث الترمذي.
إشارة إلى أن الوجود منقسم بين الخلق والحق.
فالإنسان الذي هو الخلق باعتبار ظاهره هو الحق باعتبار باطنه.
فالوجود منقسم بين باطن وظاهر.
إلأ ترى أن الصفات النفسية إنما هي نفسها وعينها صفات محمد صلى الله عليه وسلم وكما يقال في الحق إنه حي عالم ، يقال في محمد إنه حي عالم ، إلى جميع الصفات، فهذه هي انقسام الفاتحة بين الحق تعالى وبين عباده.
فالفاتحة بما دلت عليه إشارة إلى هذا الهيكل الإنساني الذي فتح الله به أقفال الوجود وانقسامها بين العبد وربه إشارة إلى أن الإنسان ولو كان خلقة فالحق حقيقته.
فكما أنه حاوي الأوصاف العبودية كذلك هو حاوي لأوصاف الربوبية.
لأن الله حقیقته وهو المراد محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا ثم غيره فهو المعتبر في المرتبتين وهو الموجود في المملكتين، فهو الحق وهو الخلق.
ألا ترى إلى سورة الفاتحة كيف قسمها الله تعالى بين ثناء على الله وبين دعاء للعبد.
فالعبد ينقسم بين كمالات إلهية حكمية غيبية وجودية، وبين نقائص خلقية غيبية شهودية، فهو فاتحة الكتاب، وهو السبع المثاني.
وفي هذه السورة من الأسرار ما لا تسعة الأوراق، بل مما لا يسعنا إذاعتها.
ولا بد أن نتكلم على ظاهر السورة بطريق التعبير تبركا بكلام الله تعالى.
قال الله تعالى:" بسم الله الرحمن الرحيم" 1 سورة الفاتحة .
فقد وضعنا للبسملة كتابة سميناه ب الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم فمن أراد شرح البسملة فليطالع فيه.
ونتكلم في الكتاب هذا على شيء منه بطريق الإشارة وهذا موضعه.
قالت علماء العربية: الباء في البسملة للاستعانة، معناه بسم الله أفعل كذا، وترك ذكر الفعل ليعم كل شيء، وتقدير الفعل بلسان الإشارة بسم الله يعرف الله بأنه لا سبيل إلى معرفته إلا بعد تجلي هذا الاسم عليك.
لأنه وضع مرآة للكلمات تشاهد فيها وجهك، فلا سبيل إلى مشاهدة وجهك إلا في المرأة فافهم .ما أشرنا إليه.
لأن مرآتك مركب بحر الحقيقة" باسم الله مجراها ومرساها" 41 سورة هود. لا باسم غيره.
فإذا ركب ملاح القلب سفينة الاسم في بحر التوحيد وهب ريح الرحمانية في جو: "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن"الحديث.
يعني النفس وصل بهداية رحمة الاسم الرحمن إلى ساحل الذات.
فتنزه في أسمائه والصفات، فاستفتح فاتحة الوجود وتحقق العابد أنه عين المعبود.
فقال:"الحمد لله" أثنى الله على نفسه بما يستحقه.
وثناؤه على نفسه عين ظهوره وتجليه فيما هو له.
والألف واللام إن كانا للشمول الذي اعتبر بمعنى كل المحامد لله، فهو المراد بجميع الصفات المحمودة بالحقية والخلقية، فثناؤه على نفسه بظهوره في المراتب الإلهية والمراتب الخلقية، كما هو عليه الوجود، ومذهب أهل السنة في لام الحمد أنه للشمول، وقد سبق بيانه.
وقالت المعتزلة وبعض علماء السنة:
إن اللام في الحمد للعهد، ومعناه أن الحمد اللائق بالله الله، فبهذا الاعتبار تكون الإشارة في الحمد ثناءه على نفسه بما تستحقه المكانة الإلهية.
فمقام الحمد أعلى المقامات ولهذا كان لواء محمد صلى الله عليه وسلم لواء الحمد ، لأنه أثنى على ذاته سبحانه وتعالى ما تستحقه المكانة الإلهية .
وظهر في المراتب الحقية والمراتب الخلقية كما هو عليه الوجود.
واختص الاسم الله بالحمد، لأن الألوهية هي الشاملة لجميع معاني الوجود ومراتبه، والاسم الله هو المعطى لكل ذي حق من حقائق الوجود حقه، وليس هذا المعنى لغير هذا الاسم.
وقد سبق بيانه في باب الألوهية فاختص هذا الاسم بالحمد، ثم نعت الاسم الله الذي قلنا إنه حقيقة الإنسان بأنه "رب العالمين" أي صاحب العوالم ومنشئها والكائن فيها ومظهرها.
فما في العوالم الإلهية ولا في العوالم العبدية أحد غيره، فهو الظاهر وهو الباطن، وهو المراد بالرحمن والرحيم.
وقد سبق تفسير الاسم الرب والاسم الرحمن في أول الكتاب فليطالع هناك.
واعلم أن الرحيم أخص من اسمه الرحمن، والرحمن أعم منه.
فالرحمة التي وسعت كل شيء هي فيض اسمه الرحمن، والرحمة المكتوبة للذين يتقون ويؤتون الزكاة هي من فيض اسمه الرحيم.
والأصل في ذلك أن رحمة الاسم الرحمن قد يشوبها نقمة كتأديب الولد مثلا بالضرب رحمة به، وكشرب الدواء الكريه الطعم فإنه وإن كان رحمة فقد مازجته نقمة.
والرحمن يعم كل رحمة كانت وكيف كانت سواء مازجتها نقمة أم لم تمازجها، بخلاف اسمه الرحيم فإنه يختص بكل رحمة محضة لا يشوبها نقمة، ولهذا كان ظهور اسمه الرحيم في الآخرة أشد لأن نعيم الجنة لا يمازجه کدر النقمة، فهو من محض اسمه الرحيم.
ألا ترى إليه صلى الله عليه وسلم لما كره أن تكون أمته بالنار في قوله:" شفاء أمتي في ثلاث في آية من كتاب الله، أو لعقة من عسل، أو كية من نار، ولا أحب أن تكون أمتي بالنار"(۱)
كيف سماه الحق بالرحيم فقال:"عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم " 128 سورة التوبة.
لأن رحمته ما مازجها كدر النقمة وكان رحمة للعالمين.
ثم وصف الحقيقة المحمدية التي هي عين ذات كل فرد من أفراد الإنسان المنعوت أولا
فقال: «ملك يوم الدين» الملك الحاكم الشديد القوة، واليوم هنا هو التجلي الإلهي أحد أيام الله، والدين من الإدانة.
فيوم الدين عبارة عن تجلي رباني تدين له الموجودات فيتصرف فيها كيف يشاء فهو ملكها، وورد ومالك يوم الدين يعني صاحب العالم الباطني المعبر عن ذلك العالم بالقيامة والساعة، وذلك يعني صورة المحسوسات ومحل روحانية الموجودات فافهم.
ثم خاطب نفسه بنفسه فقال: "إياك نعبد"  أي لا غيرك.
قال الشاعر يخاطب نفسه:
             طحا بك قلب     ….. في الحسان طروب   
وهذا المعنى يسمى بالالتفات لأنه انتقل من مكان التكلم، إذ محله أن يقال: طحا بي قلب، إلى مقام الخطاب، فقال طحا بك: أقام نفسه مقام المخاطب.
فقال تعالى: "إياك نعبد" يخاطب نفسه.
يعني هو العابد نفسه بمظاهر المخلوقات.
إذ هو الفاعل بهم ومحركهم ومسكنهم، فعبادتهم له عبادته لنفسه.
ولأن إيجاده إياهم إنما هو لإعطاء أسمائه وأوصافه حقها.
فما عبد إلا نفسه بهم.
ثم قال يخاطب حقه بلسان الخلق "وإياك نستعين".
لأنه المراد بالخلق والحق، فيخاطب نفسه إن شاء بكلام الحق ويسمعه بسمع الخلق، ويخاطب نفسه إن شاء بكلام الخلق ويسمعه بسمع الحق.
ولما أعلم أنه العابد نفسه بهم نبهنا على شهود ذلك فينا.
فقال: "إياك نستعين" لنبرأ من الحول والقوة والقدرة، بصرف جميع ذلك إليه سبحانه وتعالى.
ونلاحظ ذلك منا وفينا، ولا نغفل عنه لنرتقي من ذلك إلى معرفة واحديته، فنحظى بتجلياته ويسعد منا من سبق له السعد.
و لهاتين الكلمتين من المعاني ما تضيق هذه الأوراق عن شرحها، فلنكتف بما تكلمنا عليه، إذ قصدنا الاختصار لا التطويل.
ثم قال بلسان الخلق "اهدنا الصراط المستقیم" لأن النصف الأول من بسم الله الرحمن الرحيم إلى ملك يوم الدين كله إخبار بلسان الحق عن نفسه.
والنصف الثاني مخاطبة بلسان الخلق للحق.
فالصراط المستقيم هو طريق المشهد الأحدي الذي يتجلى الله به لنفسه، وإليه الإشارة بقوله: "صراط الله"92 سورة الشورى.
يعني طريقه إلى ظهور تجليه.
ثم نعت أهل هذا المقام يعني أهل هذا المشهد الأحدي بعد جمعهم في صراط الله بلسان التفرقة فقال: "صراط الذين أنعمت عليهم" يعني أهل هذا المشهد بوجودك وشهودك.
فتجليت عليهم بنعيم القرب الإلهي "غير المغضوب عليهم" وهم أهل البعد الذين تجلى عليهم بإسم المنتقم .
"ولا الضالين" وهم الذين ضلوا في هدي الحق فما وجدوه ولكنهم ليسوا بمغضوب عليهم، بل رضي الحق عنهم فأسكنهم بجواره لا عنده.
وهم الذين يسألهم الله تعالى فيقول لهم: "يا عبادي تمنوا علي" .
فيقولون: "ربنا نتمنى رضاك".
فيقول لهم: "رضاي عنكم أسكنكم بجواري فتمنوا".
فلا يتمنون إلا رضاه، فإنهم لا يعرفونه، فلو عرفوه لتمنوه.
فهم منعمون بنعيم الأكوان في روضات الجنان، الذي لا يتجلى الله عليهم بما هو له فهم ضالون عن الرحمن، بل منعمون بلذات الجنان. فافهم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الحادي والأربعون في الطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:47 am

الباب الحادي والأربعون في الطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الحادي والأربعون في الطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور

اعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الباب عمدة أبواب هذا الكتاب.
فليكن تأملك فيه مع حضورك فيما يقال لك، ولا تكتف بظاهر اللفظ، بل اطلب ما وراء ذلك مما نبهنا عليه من الإشارات و أومأنا إليه بلطف العبارات.
واعلم أن جميع هذه المعاني المذكورة في الطور وغيره مما سبق ذكره في الأبواب جميعها ولو كان المعتمد على ظواهرها في قول الشرائع .
فأنت المراد بها في باطن الأمر، فإنيتك هي الحاوية لجميع تلك العبارات وتعدد تلك المعاني التعدد وجوه إنيتك، فاعتبرها جميعها في نفسك، فأنت المسمى بتلك الأسماء. وأنت الموصوف بتلك الصفات.
واعلم بأن المراد بالطور نفسك
قال الله تعالى: "وناديناه من جانب الطور الأيمن" أي جانب النفس.
فعلم أن ثم طورة غير الأيمن وهو الجبل الذي كان موسى يتجلى فيه كما يتجلى أهل الله في الكهوف والمغارات والأودية.
فالتجلي الحاصل هناك على موسى إنما كان من حيث نفسه لا من حيث الجبل، ولم يكن الجبل إلا محلا المكان تعبد موسی.
و اندكاك الجبل عبارة عن فناء نفسه بالله.
وصعقه عبارة عن المحق والسحق.
فعدم موسى وصار العبد كأن لم يكن والحق كما لم يزل، فما رأى موسى ربه وإنما الله رأى الله.
وما ثم إلا المعبر عنه بموسی.
وإلى هذا المعنى أشار الحق سبحانه وتعالى بقوله: "لن تراني" 143 سورة الأعراف.
أي یا موسی، يعني لأنك إذا كنت موجودا فأنا مفقود عنك.
وإن وجدتني فأنت مفقود، ولا يمكن للحادث أن يثبت عند ظهور القديم.
وإلى هذا المعنى أشار الجنيد بقوله:
المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر.
وقال علي رضي الله عنه: إن غبت بدا وإن بدا غيبني.
وإلى هذه الإشارة بقوله لموسي : فارق نفسك وتعالى.
حين قال موسى في مناجاته: يا رب كيف أصل إليك.
فإذا علمت أن الطور هو باطن نفسك وذلك هو المعبر عنه بالحقيقة الإلهية في الإنسان إذ خلقه مجاز.
ألا ترى إلى الحديث النبوي الذي قال فيه:" إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن".
وقد تقدم فيما بيناه أن الطور الأيمن هو النفس لأن الطور الذي هو غير الأيمن هو الجبل.
فاكتفى عليه السلام في هذا الحديث بذكر اليمن، ونبه على أنه وجد نفس الرحمن من نفسه.
ونفس الرحمن هو ظهوره في أسمائه وصفاته.
قال الله تعالى: "والصبح إذا تنفس".  يعني إذا ظهر.
فاعلم حينئذ أن الكتاب المسطور هو الوجود المطلق على تفاريعه، وأقسامه واعتباراته الحقية والخلقية.
وهو مسطور أي موجود مشهود في الملكوت، وهو اللوح المحفوظ.
ونظيره في الملك في المقابلة الإنسانية، وهي المعبر عنها بالرق المنشور.
فمحل تشبيه قابلية روح الإنسان بالرق هو وجود الأشياء فيها بالانطباع الأصلي الفطري.
وكان وجود الموجودات فيها بحيث لا تفقد شيئا، وهو المعبر عنه بالمنشور، لأن الكتاب إذا كان منشورة لا يبقى فيه شيء إلا وقد عرف.
والرق المنشور هو اللوح المحفوظ، ونظيره: روح الإنسان باعتبار قبولها وأنطباع الموجودات فيها. وذلك ذات اللوح ولا مغايرة بينهما.
وأما البيت المعمور فهو المحل الذي اختصه الله لنفسه فرفعه من الأرض إلى السماء وعمره بالملائكة ونظيره قلب الإنسان فهو محل الحق.
ولا يخلو أبدا ممن يعمره إما روح إلهي قدسي أو ملكي أو شيطاني أو نفساني، وهو الروح الحيواني.
فلا يزال معمورة بمن فيه من السكان.
قال الله تعالى: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله"18 سورة التوبة.
أي يقيم فيها، فالعمارة هي السكني.
والسقف المرفوع هي المكانة العليا الإلهية التي في هذا القلب.
لأنه لما شبه القلب بالبيت المعمور جعل الحقيقة الإلهية منها سقفها المرفوع والسقف من البيت، فسقف البيت المعمور هو الألوهية والبيت هو القلب.
وكما أن السقف من البيت وبعضه، كذلك القلب الذي وسع الله ربه منه وبعضه، لأن الواسع هو الكل والموسوع هو الجزء.
وهذا بلسان التوسع الذي عليه حقيقة الأمر:
وأما الحق فحكمه ووصفه أن يسع الأشياء ولا يسعه شيء، ولا يجوز فيه البعض ولا الكل، بل منه في قدسه عن جميع ذلك.
فاعلم ما هو الله من حيث الوجود العيني، واعلم ما هو له سبحانه من حيث الوجود الحكمي.
واعرف من هو واعرف من أنت.
وبما أنت هو وبما هو أنت.
وبما أنت مغاير له وبما هو منزه عن نقائصك.
واعلم أن النسبة التي بينك وبينه من أين صحت فوجدت..
ومن أين انقطعت بينك وبينه ففقدت.
وتأمل إلى هذه العبارات التي تضمنت أسرار الحق في التصريح والإشارات:
وأما البحر المسجور فهو العلم المصون والسر المكنون الذي هو بين الكاف والنون هذا تعبيره بلسان الإشارة.
وأما في الظاهر فيقال أنه بحر تحت العرش يلج فيه جبريل كل يوم.
فإذا أخرج منه نفض جناحيه فقطرت منه سبعون ألف قطرة، فيخلق الله تعالى بكل قطرة ملكا يحمل علما إلهيا.
فهذه الملائكة هم الذين يدخلون البيت المعمور كل يوم من باب ويخرجون من باب ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة، فافهم ما أشرنا إليه في التصريح.
واعلم ما رمزنا لك في التلويح وانظر لم سجر لك هذا البحر ومنع هذا الفجر.
هل هو لقصور العقل عن درکه أم الغيرة الإلهية منعت من فکه.
فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "أخذ على كتمه".
حيث قال: "أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم، فعلم أخذ عليّ في كتمه، وعلم خيّرت في تبليغه، وعلم أمرت بتبليغه"الحديث.
فجميع ما أبرزناه في هذا المستور أهو في زبد هذا البحر المسجور لا من درة اللائق بالبحور، بيد أنا لم نكتم منه شيئا.
إذ وضعنا جميعه بين رمز في عبارة وبين لغز في إشارة.
وبين تصريح أضربنا عنه إلى غيره، والمراد هو لما يحوي من خيره.
وهذا كتاب لم يأت بمثله الزمان، ولم يسمح بشكله الأوان، فافهمه وتأمله فالسعيد ابن السعيد من قرأه أو حصله.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني
وأوله الباب الثاني والأربعون في الرفرف الأعلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شروح وتوضيحات :-

قالوا: أمر الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتم أشياء مما لا يسعه غيره للحديث المروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم، فعلم أخذ عليّ في كتمه، وعلم خيّرت في تبليغه، وعلم أمرت بتبليغه))  (1) 
الذي أمر بتبليغه هو علم الشرائع، والعلم الذي خيّر في تبليغه هو علم الحقائق.
 والعلم الذي أخذ عليه في كتمه هو الأسرار الإلهية ولقد أودع الله جميع ذلك في القرآن. 
فالذي أمر بتبليغه ظاهر. والذي خيّر في تبليغه باطن لقوله "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" [فصلت: 53]  
وقوله "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ"[الحجر: 85] 
وقوله "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ "[الجاثية: 13] 
وقوله "وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي" [الحجر: 29] 
فإن جميع ذلك له وجه يدلّ على الحقائق ووجه يتعلق بالشرائع، فهو كالتخير، فمن كان فهمه إلهيا فقد بلغ ذلك، ومن لم يكن فهمه ذلك الفهم وكان مما لو فوجئ بالحقائق أنكرها، فإنه ما بلغ إليه ذلك لئلا يؤدي ذلك إلى ضلالته وشقاوته. 
والعلم الذي أخذ عليه في كتمه فإنه مودع في القرآن بطريق التأويل لغموض الكتم.
فلا يعلم ذلك إلا من أشرف على نفس العلم أولا، وبطريق الكشف الإلهي.
 ثم سمع القرآن بعد ذلك، فإنه يعلم المحلّ الذي أودع الله فيه شيئا من العلم المأخوذ على النبي صلى الله عليه وسلم في كتمه وإليه الإشارة بقوله تعالى "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ" [آل عمران: 7] 
على قراءة من وقف هنا، فالذي يطلع تأويله في نفسه هو المسمى بالله فافهم  (2) .
ويقول الشيخ أبو نصر السراج الطوسي: 
"إن حقائق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما خصّه الله تعالى  به من العلم، لو وضعت على الجبال لذابت إلا أنه كان يظهرها لهم على مقاديرهم " (3) .
أي لم يظهر النبي صلى الله عليه وسلم جميع العلوم التي كان قد خصه الله بها وذلك لأجل أن الناس لم يكونوا يقدرون على حملها ومعرفتها.
وبمثل ذلك نقل الشعراني عن القطب محمد الحنفي أنه قال: 
"وههنا كلام لو أبديناه لكم لخرجتم مجانين لكن نطويه عمن ليس من أهله"  (4) .
 ذكر عن جعفر بن الباقر أنه قال: "إن عندنا والله سرا من سرّ الله، وعلما من علم الله، أمرنا الله بتبليغه، فبلّغنا من الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعا ولا أهلا ولا حمالة يحتملونه " (5) .
روي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: 

"إن أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلا عبد امتحن الله قلبه للإيمان، ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة، وأحلام رزينة"(6).
وعنه قال ايضا "لا يحتمله ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن امتحن الله  قلبه للإيمان"  (7) .
وقال أبا هريرة رضي الله عنه أنه قال: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من العلم: أما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم " ( .
قال الامام عليّ بن الحسين زين العابدين رضي الله عنه قال:

يا ربّ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثـــنا
 ولاستحل رجال مسلمون دمي    يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا
إني لأكتم من علمي جـــواهره    كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتننا
وقال الشيخ النفزي الرندي:
"في قلوب الأحرار قبور الأسرار، والسر أمانة الله تعالى  عند العبد، فافشى بالتعبير عنه خيانة، والله تعالى  لا يحب الخائنين، وأيضا فإن الأمور المشهودة لا يستعمل فيها إلا الإشارة والإيماء، واستعمال العبارات فيها إفصاح بها وإشهار لها، وفي ذلك ابتذالها وإذاعتها، ثم إن العبارة عنها لا تزيدها إلا غموضا وانغلاقا، لأن الأمور الذوقية يستحيل إدراك حقائقها بالعبارات النطقية، فيؤدي ذلك إلى الإنكار والقدح في علوم السادة الأخيار."
قال أبو علي الروذباري رضي الله تعالى  عنه: "علمنا هذا إشارة، فإذا صار عبارة خفي"  (9) .
وقال لسان الدين بن الخطيب فقال: 
"حملة علم النبوة هم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"  (10) .
و قالوا: وهذا العلم هو الذي لا يجوز كشفه، ولا إذاعته ولا ادعاؤه، ومن كشفه وأذاعه وجب قتله واستحل دمه وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرا كقوله:
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثـــنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا  
وكان كبار المتصوفة يعملون بهذا المبدأ، ولم يكونوا يظهرون للناس علومهم وأفكارهم.
 كما روى الكلاباذي عن الجنيد أنه قال للشبلي: 
"نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت، فأظهرته على رؤوس الملأ."
فقال: أنا أقول وأنا أسمع، فهل في الجارين غيري  (11) .
ونقل الشعراني كذلك عن الجنيد أنه: 
" كان يستر كلام أهل الطريق عمن ليس منهم، وكان يستتر بالفقه والإفتاء على مذهب أبي ثور، وكان إذا تكلم في علوم القوم أغلق باب داره، وجعل مفتاحه تحت وركه " (12) .
وأيضا روى عن الشاذلي أنه كان يقول: 
"امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رأيته، فقلت: يا رسول الله، ماذنبي ؟ فقال: إنك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا " (13) .
والصوفية يكتمون آراءهم ومعتقداتهم عن غيرهم، ويوصون بها مريديهم 
قال الشيخ عبد السلام الفيتوري يكتب في كتابه (الوصية الكبرى):
"إخواني، وسنذكر لكم كلاما في المغيبات لكن يجب الإمساك عنها إلا لأهله الذين يكتمونه، ولا ينبغي إظهاره للسفهاء الذين يلحقون به إلى الأمراء والجبابرة وأهل الدنيا"  (14) . 
وقال الشعراني في هذا الموضوع فيقول:
وكان بعض العارفين يقول: "نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا، وكذلك لا يجوز لأحد أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به، فمن نقله إلى من لا يؤمن به دخل هو والمنقول إليه جهنم الإنكار، وقد صرح بذلك أهل الله تعالى  على رؤوس الأشهاد وقالوا: من باح بالسرّ استحق القتل"  (15) .
وقد ذكر الشيخ عبد العزيز الدباغ حكايات كثيرة عن الذين لم يكتموا السرّ فابتلاهم الله ببلايا عديدة، من القتل والصلب والحرق والعمى وغير ذلك  (16) .
وكان منهم الحلاج، لأنه لم يقتل إلا لإفشاء سرّه  (17) .
وكما يروون أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب، فقال له الحلاج:
"هذا جزاء أولياء الله ؟ 
فقال له الخضر: نحن كتمنا فسلمنا، وأنت بحت فمتّ"  (18) .
وكما رووا عن أبي بكر الشبلي رضي الله عنه أنه قال:
 "كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت"  (19) .
قال الشيخ أحمد بن زروق، وابن عجيبة ذكرا عن الجنيد:
أنه كان يجيب عن المسألة الواحدة بجوابين مختلفين لكل سائل بحسب استعداده الروحي والنفسي ، فكان يجيب هذا بخلاف ما يجيب ذاك  (20) .
قالها المشايخ الأولياء هذا حماية ووقاية لمعارف الله وأسراره مع عباده ومحبيه الذين اختصهم بحبه ورحمته وعلمه وصنعهم على عينه فى المشاهدات والتجليات والحضرات الإلهية.
ولما علموا من الله تعالى أنه لم يأمرهم بكتمة الا غيرة عليه "العلوم والمعارف والأسرار" ممن ليس من أهلها .
من حقد وحسد الجهال والجهلة متنطعة الدين المكفراتية :
امثال مذاهب الضرار كالوهابية والسلفيين الجدد المدخلية والجامية و السروالية ....الخ وفتاويهم الشيطانية التي فرقوا بها المسلمين وجعلوهم يعادي بعضهم بعضا خدمة لصاحب مذهب " فرق تسد " بين المسلمين.
فأنفقوا على إنشاء وتأسيس هذه المذاهب الضرار الشيطانية فينا لصالح تثبيت حكم وكلائهم .
وعدم البوح لغيره أهلها كذلك حماية من كل وهابي أو سلفي أرعن ارتدي جلابية قصيرة واطال ذقنه حتى بطنه و انتعل شبشب او صندل و لم يجد عمل يشغله فى الدنيا إلا أن يتلبس دور الرب والإله تحت يافطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني والأربعون في الرفرف الأعلى. كتاب الإنسان الكامل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:49 am

الباب الثاني والأربعون في الرفرف الأعلى. كتاب الإنسان الكامل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثاني والأربعون في الرفرف الأعلى

اعلم أن الرفرف الأعلى: عبارة عن المكانة الإلهية من الموجودات.
ومن الأمور الذاتية التي اقتضتها الألوهية بنفسها، ثم هي ليست بنوع واحد، بل أنواع كثيرة.
لكن كل نوع منها يسمى رفرفة أعلى، وكل رفرف فهو عبارة عن المكانة الإلهية، ولو اختلف مقتضاها، فإنها من حيث شأنها الذاتي، عين المكانة.
ولا تفضيل في بعضها على بعض، لأن التفضيل لا يقع إلا في مقتضيات الصفات والأسماء.
وهذه أمور هي ذاتيات الحق، فلا تفاضل بينهما كالكبرياء مثلا والعزة، لأن الرفرف عبارة عن كل منهما.
فلا يصح أن يقال: إن العزة أفضل من الكبرياء.
 ولا يقال: إن الكبرياء أفضل من العزة.
وكذلك العظمة الذاتية، فإن كلا من أمثال ذلك عبارة عن مقتضى الذات لنفسها، للمكانة العليا الإلهية، وفي قولي للمكانة الإلهية تقييد للاقتضاء الذاتي.
لأن الذات لها في نفسها اقتضائان:
 اقتضاء مطلق
 واقتضاء مقيد
 فالاقتضاء المطلق: 
هو ما أستحقه لنفسه من غير اعتبار الألوهية لا الرحمانية ولا الربوبية ولا أمثال ذلك.
بل هذه اقتضاءات مطلقة مجردة من أن تقتضيها الذات النوع من أنواع الكمالات. فهي كالوجود مثلا والسذاجة والصرافة والأحدية.
وأمثال ذلك مما اقتضته الذات لنفسها.
 والاقتضاء المقيد: 
هو ما اقتضته الذات لنفسها، لكن بنوع من أنواع الكمالات كالإلهية والرحمانية والربوبية، وكالعزة والكبرياء والعظمة مثلا للمكانة الإلهية، وكالعلم والسريان الوجودي، والإحاطة للمكانة الرحمانية إلى غير ذلك مما يستحقه لذاته.
 لاعتبار إلهي أو رحماني أو رباني أو غير ذلك من أسمائه وأوصافه فافهم.
واعلم أن الاقتضاءات المقيدة راجعة أيضا إلى الإطلاق، لأنه سبحانه وتعالى اقتضى جميع ذلك لذاته.
فالألوهية مقتضى لذاته، والرحمانية مقتضى لذاته.
وكذلك ما عداهما من المراتب، وكل ما اقتضته مرتبة من المراتب كان مقتضى للذات من غير تقييد.
لأن المرتبة من مقتضيات الذات، فما اقتضته كان من مقتضيات الذات، لأنه سبحانه وتعالى يستحق هذه الأشياء لا لكمال ولا لنقص، بل لذاته، وكمالاته أمور ذاتية.
فكل المقتضيات مقتضيات ذاتية مطلقة، لكن لما كان ثم أمور تقتضيها الذات مطلقا، وثم أمور تقتضيها الذات ويصح فيها اعتبارها لمرتبة أو مكانة.
 قلنا: إن المقتضيات الذاتية نوعان: مطلق، ومقيد، فافهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث والأربعون في السرير و التاج. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:50 am

الباب الثالث والأربعون  في السرير و التاج. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث والأربعون  في السرير و التاج

إنّ السرير لرتبة السلطان  ..... هو عرشه بمكانة الرحمن
فجلوسه فوق السرير ظهوره   ....  في مجده وعلوّه السلطاني
فهو المعبر عنه بالعرش المجيد  .....   و بالعظيم بمحكم القرآن
والعرش مطلقه بمخلوقاته ..... و الاستواء تمكُّن ربّاني
اعلم وفقنا الله وإياك، أن الحديث النبوي الذي يذكر فيه أنه رأى ربه في صورة شاب أمرد على سرير من كذا وكذا، وفي رجله كذا وكذا الحديث بكماله أعطانا الكشف فيه أنه واقع صورة ومعنى. 
أما صورة: 
فهو تجلى الحق سبحانه وتعالى في الصورة المذكورة المعينة المحدودة على سرير المعين في النعلين المذكورين من الذهب والتاج المخصوص، لأنه سبحانه وتعالى يتجلى بما شاء كيف شاء.
فهو متجلي في كل منقول و معقول و مفهوم و موهوم ومسموع ومشهود.
فقد يتجلى في الصورة المحسوسة، وهو عينها وباطنها، وقد يتجلى كيف يشاء، فهو متجلي في كل منها، وهو عينها وظاهرها.
ويتجلى في الصورة الخيالية وهو عينها وظاهرها، ولا يكون في الخيالية إلا هذا الظهور بأنه نفسها وعينها المشهود. لكنه سبحانه وتعالى له من وراء ذلك ما لا يتناهى .
وهذا التجلي الخيالي نوعان: 
نوع على صورة المعتقد، ونوع على صورة المحسوسات فافهم. 
لكن مطلق التجلي الصوري منشؤه و محتده العالم المثالي.
وهو إذا اشتد ظهوره شوهد بالعين الشحمية محسوسة، لكنه على الحقيقة عين البصيرة هي المشاهدة.
إلا أنه لما صار كله عين، كان بصره محل بصيرته في هذا المشهد. 
وأما المعنوي:
 أعني مما أعطانا الكشف في الحديث أنه واقع معنى، فكل من الأشياء المذكورة في الحديث عبارة عن معنى إلهي كما عبرنا في الرفرف بأنه المكانة الإلهية.
وفي السرير بأنه المرتبة الرحمانية التي هي في المكانة الإلهية. 
وأما التاج فهو عبارة عن عدم التناهي، وهو المعبر عنه بصورة شاب، لأن الصورة يلزمها التناهي، وهو لا نهاية له.
فذكر التاج الذي هو فوق الرأس إشارة إلى ماهية الذات التي لا نهاية لها، فهو سبحانه إذا تجلی شوهد بما تجلى به.
وكل مشهود متناه، لكنه يظهر في تجلية المتناهي بلا نهاية فهو من حيث تناهيه بلا نهاية.
وهو من حيث واحديته شيء واحد، والواحد لا كثرة فيه، فلا يقال: إنه لا نهاية له، لأن عدم التناهي من شروط الكثرة، وهو منه عن الكثرة.
وهو من حيث ذاته المتعالية عن الحد والحصر والإدراك لا نهاية له، فجمع الضدين في عين وحدته التي لا تثنية فيها.
 فانظر إلى هذا الأمر العجيب العجاب، وتأمل في هذا الخبر المستطاب، لعلك تهدي إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الرابع والأربعون في القدمين والنعلين. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:52 am

الباب الرابع والأربعون في القدمين والنعلين. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الرابع والأربعون في القدمين والنعلين

اعلم هدانا الله وإياك، و آتاك من الحكمة ما آتانا أن القدمين عبارة عن حكمين ذاتيين متضادين.
وهما من جملة الذات بل هما عين الذات، وهذان الحكمان، هما ما ترتبت الذات عليهما كالحدوث والقدم والحقية والخلقية والوجود والعدم والتناهي وعدم التناهي والتشبيه والتنزيه وأمثال ذلك.
مما هو للذات من حيث عينها ومن حيث حكمها الذي هو لها ولذلك عبر عن هذا الأمر، لأن القدمين من جملة الصورة. 
وأما النعلان فالوصفان المتضادان كالرحمة والنقمة والغضب والرضا وأمثال ذلك، والفرق بين القدمين والنعلين 
أن القدمين عبارة عن المتضادات المخصوصة بالذات، والنعلان عبارة عن المتضادات المتعدية إلى المخلوقات.
 يعني أنها تطلب الأثر في المخلوقات، فهي نعلان تحت القدمين، لأن الصفات العقلية تحت الصفات الذاتية.
 وكون النعلين من ذهب، هو نفس طلبها للأثر، فهي ذاهبة:
 أي سارية الحكم في الموجودات، فلها الحكم في كل موجود وجد، بأي نوع كان من الموجودات. 
وإذا علمت معنى النعلين وعلمت المراد بالقدمين، ظهر لك سر الحديث النبوي وهو أن الجبار يضع قدمه في النار فتقول: "قط قط، وأنها تفنى حينئذ، فينبت موضعها شجر الجرجير" أو كما قال. 
و سنومئ إلى ذلك في آخر الكتاب في الباب الذي نذكر فيه جهنم، حسبما أمكن من التصريح أو الكناية، فافهم هذا المعنى.
واعلم أن الرب له في كل موجود وجه كامل، وذلك الوجه على صورة روح ذلك الموجود، وروح ذلك الموجود على صورة محسوسة وجسد.
 وهذا الأمر للرب أمر ذاتي، استوجبه لذاته، لا ينتفي عنه باعتبار، لأنه ما ثبت له باعتبار.
 لأن كل ما نسب إلى الحق باعتبار تنتفي تلك النسبة عنه بضد ذلك الاعتبار.
 وكل ما نسب إليه لا باعتبار، فإنه لا تنتفي نسبته عنه بشيء من الاعتبارات، فافهم ذلك. 
وإذا كان الأمر فإن كان كذلك، كانت الصورة للرب أمرا ذاتيا، 
وإلى ذلك الإشارة في قوله: " خلق آدم على صورة الرحمن"  وقوله: "خلق آدم على صورته".
 وهذان الحديثان وإن كانا يقتضيان معاني قد تحدثنا عليهما في كتابنا المسمى 
" والكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم" فإن الكشف أعطانا أنهما على ظاهر اللفظ، كما أشرنا إليه أولا ولكن بشرط التنزيه الإلهي، تعالی عن التجسيم والتمثيل. 
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الخامس والأربعون في العرش. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:53 am

الباب الخامس والأربعون في العرش. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الخامس والأربعون في العرش

اعلم أن العرش على التحقيق مظهر العظمة ومكانة التجلي وخصوصية الذات، ويسمى جسم الحضرة ومكانها.
 لكنه المكان المنزه عن الجهات الست وهو المنظر الأعلى والمحل الأزهی، والشامل لجميع أنواع الموجودات.
فهو في الوجود المطلق کالجسم للوجود الإنساني، باعتبار أن العالم الجسماني شامل للعالم الروحاني والخيالي والعقلي إلى غير ذلك.
ولهذا عبر بعض الصوفية عنه بأنه الجسم الكلي وفيه نظر، لأن الجسم الكلي وإن كان شاملا لعالم الأرواح.
فالروح فوقه والنفس الكلي فوقه، ولا نعلم أن في الوجود شيئا فوق العرش إلا الرحمن، وقد عبروا عن النفس الكلي بأنها اللوح.
فهذا حكم بأن اللوح فوق العرش، وهو خلاف الإجماع .
على أن من قال من أصحابنا الصوفية: 
إن العرش هو الجسم الكلي، لا يخالفنا أنه فوق اللوح، وقد عبر عنه بالنفس الكلي.
ولا شك أن مرتبة النفس أعلى من مرتبة الجسم، والذي أعطانا الكشف في العرش مطلقة، إذ أنزلناه في حكم العبارة.
قلنا بأنه فلك محيط بجميع الأفلاك المعنوية والصورية سطح ذلك الفلك هي المكانة الرحمانية.
ونفس هوية ذلك الفلك هو مطلق الوجود عينية كان أو حکمية، ولهذا الفلك ظاهر و باطن.
فباطنه عالم القدس وهو عالم أسماء الحق سبحانه وتعالى وصفاته، وعالم القدس ومجلاه هو المعبر عنه بالكثيب الذي يخرجون إليه أهل الجنة يوم سوقهم لمشاهدة الحق.
وظاهره عالم الإنس، وهو محل التشبيه والتجسيم والتصوير، ولهذا كان سقف الجنة.
فكل تشبيه وتجسيم وتصوير من كل جسم أو روح أو لفظ أو معنى أو حكم أو عين، فإنه ظاهر هذا الفلك، فمتى قيل لك العرش مطلقة.
فاعلم أن المراد به هذا الفلك المذكور، ومتى قيد بشيء من الصفات، فاعلم
أن المراد به ذلك الوجه من هذا الفلك، كقوله: العرش المجيد، فإن المراد به من عالم القدس المرتبة الرحمانية التي هي منشأ المجد.
وكذلك العرش العظيم، فإن المراد به الحقائق الذاتية والمقتضيات النفسانية التي مكانتها العظمة، وذلك من عالم القدس، وعالم القدس عبارة عن المعاني الإلهية المقدسة عن الأحكام الخلقية والنقائص الكونية.
واعلم أن الجسم في الهيكل الإنساني جامع لجميع ما تضمنه وجود الإنسان من الروح والعقل والقلب وأمثال ذلك.
فهو في الإنسان نظير العرش في العالم فالعرش هيكل العالم وجسده الجامع لجميع متفرقاته.
وبهذا الاعتبار قال أصحابنا: إنه الجسم الكلي، ولا اختلاف بينا لاتحاد المعنى في العبارتين، والله أعلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 399
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السادس والأربعون في الكرسي. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:54 am

الباب السادس والأربعون في الكرسي. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السادس والأربعون في الكرسي

اعلم أن الكرسي عبارة عن تجلي جملة الصفات الفعلية، فهو مظهر الاقتدار الإلهي، ومحل نفوذ الأمر والنهي.
وأول توجه الرقائق الحقية في إبراز الحقائق الخلقية في الكرسي وقدما الحق متدليتان عليه.
 وذلك لأنه محل الإيجاد والإعدام، ومنشأ التفصيل والإبهام، ومركز الضر والنفع والفرق والجمع.
 فيه ظهور آثار الصفات المتضادة على التفصيل، منه يبرز الأمر الإلهي في الوجود، فهو محل فصل القضاء.
والقلم محل التقدير، واللوح المحفوظ محل للتدوين والتسطير.
 وسيأتي بيانهما في مكانهما إن شاء الله تعالى.
 قال الله تعالى: "وسع كرسيه السموات والأرض ".  
اعلم أن هذا الوسع وسعان: 
• وسع حكمي
• ووسع وجودي عيني
 فالوسع الحكمي:
 هو لأن السموات والأرض أثر صفة من صفاته الفعلية، والكرسي هو محل مظهر جميع الصفات الفعلية، فحصل الوسع المعنوي في كل وجه من وجوه الكرسي.
 إذ كل وجه منه صفة من الصفات الفعلية. 
وأما الوسع الوجودي العيني:
 فهو لأن الوجود بأسره، أعني الوجود المقيد الخفي محيط بالسموات والأرض وغيرهما، وهو المعبر عنه بالكرسي.
 أعني الوجود المقيد لأننا قد بينا أنه محل نفوذ الأمر والنهي، ومحل الصفات الفعلية، ومظهر الاقتدارات الإلهية.
وليس المراد بجميع ذلك إلا الوجود المقيد، إذ هو المأمور أعني المنفوذ فيه الأمر، وهو المجلي والمظهر.
 فهو الكرسي الذي دلى الحق عليه قدماه وأوجد فيه وأعدم وأهلك فيه وأسلم، وأعطى ومنع ورفع ووضع، وأعز وأذل، سبحانه عز وجل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المودة العالمى ::  حضرة الملفات الخاصة :: الإمام عبد الكريم الجيلي -
انتقل الى: