منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي

منتدى المودة العالمى

ســـاحة إلكـترونية جــامعـة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي   الجمعة مايو 18, 2018 1:52 pm

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

 خطبة كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله عبد الكريم الجيلي 

 كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه
"يهدي الى الحق والي طريق مستقيم" 35 سورة يونس 
بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الكتاب للمؤلف الجيلي

الحمد لله لمن قام بحقّ حمده اسم الله، فتجلى في كلّ كمال استحقه وافتضاه، وحصر بنقطة خال جلاله حروف الجمال واستوفاه.
سمع حمد نفسه بما أثنى عليه المعبود، فهو الحامد والحمد والمحمود ، حقيقة الوجود المطلق.
 عين هوية المسمى بالخلق والحقّ، محتد العالم الظاهر على صورة آدم معنى لفظ الكائنات، روح صور المخترعات.
الموجود بكماله من غير حلول في كل ذرّة، اللائح جمال وجهه في كل غرّة، ذي الجلال المستوجب، حائز الكمال المستوعب.
 ذات حقيقة الجواهر والأعراض، صورة المعاني والأغراض، هوية العدم والوجود، إنية عين كل والد ومولود، بصفاته جمّل الجمال فعمّ، وبذاته آمل الكمال فتمّ، لاحت محاسنه على صفحات خدود الصفات، واستقامت بقيومية أحديته قدود الذات، فنطقت ألسن الصوامت أنه عينها، وشهدت عين المحاسن والمساوئ أنه زينها، توحد في التعداد، وتفرّد بالعظمة في الآزال
والآباد، تنزّه عن الاحتياج إلى التنزيه، وتقدّس عن التمثيل والتشبيه. 
وتعالي في احديته عن العد وعز في عظمته أن يحصره الحد ، لا يقع الكم عليه ولا كيف ولا اين  ، ولا يحيط به العلم ولا تدركه العين حياته نفس وجود الحياة و ذاته عين قيومته بكنه الصفات .
مجلي الأعالي والاسافل عين الاواخر والأوائل هيولي الكمال الباذخ منشأ عظمة المجد الشامخ ، سريان حياته في الأشياء آل  معدن علمه بالوجود، وعلمه بها محل بصره المدرك لكل غائب و مشهود ، رؤياه للأشياء مجلي.
 سماعة لكلامها وسماعه للموجودات عين ما افتضاه منه حتى نظامها إرادته مركز كلمته الباهرة.
 وكلمته منشأ صفته القادرة، بقاؤه هوية بطون العدم وظهور الوجود ، ألوهيته الجمع بين ذل العابد وعز المعبود.
 تفرد بالوصف المحيط، وتوحد فلا واله ولا ولد ولا خليط، تردى بالعظمة والكبرياء، وتسربل بالمجد والبهاء، فتحرك في كل متحرك بكل حركة، وسكن في كل مماكن بكل سكون بلا حلول كما يشاء.
ظهر في كل ذات بكل خلق، واتصف بكل معنى في كل خلق وحق، جمع بذاته شمل الأضداد وشمل بواحديته جمع الأعداد.
 فتعالى وتقدس في فرديته عن الأزواج والأفراد، أحديته عين الكثرة المتنوعة وتريع عين الازواجيات المتشفعة، بساطة تنزيه نفس تركيب التشبيه ، تعاليه في ذاته هويه عزة التنويه ، لا تحيط بعظمته العلوم، ولا تدرك كنه جلاله فهومه الفهوم ، اعترف العالم بالعجز عن ادراكه ،ورجع العقل في ربقه من رتقه خائبا من  فتقة، وفكاكه دائرة الوجوب والجواز، نقطة التصريح والإلغاز، هوية طرفي الإمكان في المشهد الصحيح ، والغرض، آنية الجوهر والعرض .
والحياة في طالع الشهود، ومستهل النبات والحيوان عند تزل السريان ، بحر تنزل الروحانيات العلى، مصعد أوج الملك ، وحضيض مهبط الشيطان والهوى، طامس ظلام الكفر والإشراك، نور بياض الايمان والإدراك ،صبح جبين الهدى.
 ليل دجى الغي والعمى، مرآة الحديث والقديم، مجلي هوية العذاب والنعيم ، حيطته بالأشياء كونه ذاتها ذاته، عجزت عن الحيطة بكنهها صفاتها، لا أول لأوليته ، ولا آخر لآخريته، قيوم أزلي باق أبدي، لا تتحرك في الوجود ذرة إلا بقوته وقدرته وارادته ، يعلم ما كان وما هو كائن من أمر بدء الوجود ونهاتيه.
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله المتعالي عن هذه العبارات، المتقدّس عن أن تعلم ذاته بالتصريح والإشارات.
 كل إشارة دلت عليه فقد أضربت عن حقيقته صفحاً، وكل عبارة أهدت إليه فقد ضلّت عنه جمحاً، هو كما علم نفسه حسب ما اقتضاه، وبذاته حاز الكمال واستوفاه.
وأشهد أن سيدنا محمداً (ص) المدعو بفرد من أفراد بني آدم، عبده ورسوله المعظم، ونبيه المكرَّم، ورداؤه المعلم، وطرازه الأفخم، وسابقه الأقدم، وصراطه الأقوم، مجلى مرآة الذات، منتهى الأسماء والصفات، مهبط أنوار الجبروت، منزل أسرار الملكوت، مجمع حقائق اللاهوت، منبع رقائق الناسوت، النافخ بروح الجبرلة، والمانح بسرّ الميكلة، والسابح
بقهر العزرلة، والجانح بجمع السرفلة عرش رحمانية الذات.
آرسي الأسماء والصفات، منتهى السدرات، رفرف سرير الأسرات، هيولى الهباء والطبيعيات، فلك أطلس الألوهيات، منطقة بروج أوج الربوبيات، سموات فخر التسامي والترقيات، شمس العلم والدراية، بدر الكمال والنهاية.
 نجم الاجتباء والهداية، نار حرارة الإرادة، ماء حياة الغيب والشهادة، ريح صبا نفس الرحمة والربوبية، طينة أرض الذلة والعبودية، ذو السبع المثاني، صاحب المفاتيح والثواني، مظهر الكمال، ومقتضى الجمال والجلال.
مرآة معنى الحسن مظهر ما علا .... مجلى الكمال عذيب الينبوع 
قطب على فلك المحاسن شمسه .... لا آفلاً ما زال ذا تطليع 
كل الكمال عبارة عن خردل ...     متفرّق عن حسنه المجموع
صلّى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه القائمين عنه في أحواله، النائبين منابه في أفعاله وأقواله، وأشهد أن القرآن كلام الله، وأن الحق ما تضمنه فحواه، نزل به الروح الأمين على قلب خاتم النبيين والمرسلين.
وأشهد أن الأنبياء حق والكتب المنزّلة عليهم صدق، والإيمان بجميع ذلك واجب قاطع، وأن القبر والبرزخ وعذابه واقع، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأشهد أن الجنة حقّ والنار حقّ والصراط حق والحساب يوم النشور حق؛ وأشهد أن الله يريد الخير
والشر، وبيده الكسر والجبر، فالخير بإرادته وقدرته ورضاه وقضاه، والشر بإرادته وقدرته وقضائه لا برضاه، الحسنة بتأييده وهداه، والسيئة مع قضائه بشؤم العبد واغتواه، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، كل من عند الله، منه بدء الوجود وإليه أمره يعود.
أما بعد، فإنه لما كان كمال الإنسان في العلم بالله وفضله على جنسه بقدر ما اكتسب من فحواه، وكنت معارف التحقيق المنوطة بالإلهام والتوفيق حرماً آمناً يتخطف الناس من حوله بالموانع والتعويق، قفارها محفوفة يكون للسالك إلى رفيقها الأعلى الرفيق الرقيق، وآملاً أن يكون للطالب لتلك المطالب الشقيق الشفيق، فيستأنس به في فلواتها البسابس ، ويتطرّق به في معالمها الدوامس، ويستضئ بضياء معارفه في ظلمات نكراتها الطوامس، فقد فقدت شموس الجذب من سماء قلوب المريدين.
وأفلت بدور الكشف عن سماء أفلاك السائرين، وغربت نجوم العزائم من همم القاصدين، فلهذا قلّ أن يسلم في بحرها السابح، وينجو من مهالك قفرها السائح:
كم دون ذاك المنزل المتعالي  ... من مهمه قد حفّ بالأهوال
وصوارم بيض وخضر أسنة .... حملت على سمر الرماح عوال
والبرق يلهب حسرة من تحته .... والريح عنه مخيب الآمال
وآنت قد أسست الكتاب على الكشف الصريح، وأيدت مسائله بالخبر الصحيح، وسميته
 بــ  [الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
لكني بعد أن شرعت في التأليف، وأخذت في البيان والتعريف، خطر في الخاطر أن أترك هذا الأمر إجلالاً لمسائل التحقيق، وإقلالاً لما أوتيت من التدقيق،
فجمعت همتي على تفريقه، وشرعت في تشتيته وتمزيقه، حتى دثرته فاندثر، وفرقته شذر مذر، فأفل شمسه وغاب، وانسدل على وجه جماله برقع الحجاب، وتراته نسياً منسياً، واتخذته شيئاً فرياً، فصار خبراً بعد أن كن أثراً مسطوراً، 
وتلوت { هل اتي على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا] سورة الانسان . وأنشد لسان الحال
بلطيف المقال:
كن لم يكن بين الحجون إلى الصفا .... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع، فقلت طوعاً للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه، متكلاً على الحق في تعريفه، فها أنا ذا كرع من دنه القديم بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم، خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود
والعديم:
سلاف تريك الشمس والليل مظلم  ..... وتبدي السها والصبح بالضوء مقحم
تجلّ عن الأوصاف لطف شمائل .... شمول بها راق الزمان المصرم
إذا جليت في كؤس من حبابها .... وديرت بدور الدهر وهو مزمزم
وآم قلدت ندمانها بوشاحها ..... مقاليد ملك الله والأمر أعظم
وربّ عديم ملكته نطاقها ..... فأصبح يثري في الوجود ويعدم
وآم جاهل قد أنشقته نسيمها ..... فأخبر ما إبليس كن وآدم
وآم خامل قد أسمعته حديثها ..... رقى شهرة عرشاً يعزّ ويكرم
فلو نظرت عين أزجة كوسها .... لما كحلت يوماً بما ليس تعلم
هي الشمس نوراً بل هي الليل ظلمة ... هي الحيرة العظمى التي تتلعثم
مبرقعة من دونها كلّ حائل   .....     ومسفرة كالبدر لا تتكتم
فنور ولا عين وعين ولا ضيا   .....   وحسن ولا وجه ووجه ملثم
شميم ولا عطر وعطر ولا شذى ......  وخمر ولا كس وكس مختم
خذوا يا ندامى من حباب دنانها  .....    أماني آمال تَجلّ وتعظم
ولا تهملوا باللَّه قدر جنابها       .....    فما حظّ من فاتته إلاَّ التندّم
لِيَهْن أخلائي الذين حظوا بها  ......  عليهم سلامي والسلام مسلم

 تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - Word





عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الإثنين يوليو 02, 2018 12:55 pm عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

كاتب الموضوعرسالة
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:55 am

الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى

اعلم أن القلم الأعلى: عبارة عن أول تعيينات الحق في المظاهر الخلقية على التمييز.
 وقولي على التمييز هو لأن الخلق له تعين إبهامي أولا في العلم الإلهي.
وقد تقدم بيانه، ثم له وجود هو مجمل حكمي في العرش لأنا قد بينا أن العرش أحد وجوهه، هو الموجودات الخلقية.
ثم له ظهور تفصيلي في الكرسي كما قد ذكرناه في الباب المتقدم، ثم له ظهور على التمييز في القلم الأعلى؛ لأن ظهوره في تلك المجالي الأول جميعها غيب.
وجوده في القلم وجود عيني مميز عن الحق، وهو أعني القلم الأعلى أنموذج ينتقش ما يقتضيه في اللوح المحفوظ، کالعقل فإنه أنموذج ينتقش ما يقتضيه في النفس.
فالعقل بمكانة القلم، والنفس بمكانة اللوح، والقضايا الفكرية التي وجدت في النفس بالقانون العقلي، هي بمثابة الصور الوجودية المكتوبة في اللوح المحفوظ.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله تعالى العقل»(۱)، 
وقال: «أول ما خلق الله القلم»  والقلم هو العقل الأول، وهما وجهان اللوح المحمدي.
 قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله روح نبيك يا جابر»(۳) 
فصار القلم الأعلى والعقل الأول، والروح المحمدي عبارة عن جوهر فرد، وهو بنسبته إلى الخلق يسمى القلم الأعلى.
 وبنسبته إلى مطلب الخلق يسمى العقل الأول، و بإضافته إلى الإنسان الكامل يسمى روحا محمديا صلى الله عليه وسلم.
 وسيأتي تفصيل الروح والعقل من هذا الكتاب في موضعه إن شاء الله تعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:56 am

الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ

نفس حوت بالذات علم عالم      ......  هي لوحنا المحفوظ يا ابن الآدمي
صور الوجود جميعها منقوشة      .....       في قابليتها بغير تكاتم
فإذا زكت بإلهها وصفت به ......     من ظلمات الغيم الغيوم القاتم
ظهرت لها الأشياء فيها عندها    .....        وبدت لها مستخفيات العالم
اعلم هداك الله أن اللوح المحفوظ:
عبارة عن نور إلهي حقي متجلي في مشهد خلقي، انطبعت الموجودات فيه انطباعة أصلية، فهو أم الهيولي، لأن الهيولي لا تقتضي صورة إلا وهي منطبعة في اللوح المحفوظ.
 فإذا اقتضت الهيولي صورة ما وجد العالم على حسب ما اقتضته الهيولى من الفور والمهلة.
 لأن القلم الأعلى جرى في اللوح المحفوظ بإيجادها، و اقتضتها الهيولى  فلا بد من إيجادها على حسب المقتضى.
ولهذا قالت الحكماء الإلهيون: 
إذا اقتضت الهيولي صورة، كان حقا على واهب الصور أن يبرز تلك الصورة في العالم، وقولهم حقا على واهب الصور من باب التوسع.
جارية مجرى قوله عليه الصلاة والسلام: «إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه "(۱).
لا من أنه يجب عليه شيء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرة. 
وسيأتي بيان الهيولي في موضعه
ثم اعلم أن النور الإلهي المنطبع فيه الموجودات، هو المعبر عنه بالنفس الكلي.
ثم الإدراك لما كتبه القلم الأعلى في ذلك النور المعبر عنه باللوح المحفوظ لا يكون إلا بوجه من وجوه ذلك النور.
وذلك الوجه هو المعبر عنه عندنا بالعقل الكلي.
كما أن الانطباع في النور، هو المعبر عنه بالقضاء، وهو التفصيل الأصلي الذي هو يقتضي الوصف الإلهي.
وقد عبرنا عن مجلاه بالكرسي، ثم التقدير في اللوح، هو الحكم بإبراز الخلق على الصورة المعينة بالحالة المخصوصة في الوقت المفروض.
وهذا هو المعبر عن مجلاه بالقلم الأعلى، وهو في اصطلاحنا العقل الأول.
وسيأتي ذكره في محله، مثاله:
 قضى الحق تعالى بإيجاد زيد على الهيئة الفلانية في الزمن الفلاني.
 فالأمر الذي اقتضى هذا التقدير في اللوح هو القلم الأعلى، وهو المسمى بالعقل الأول.
والمحل الذي وجد فيه بيان هذا الاقتضاء هو اللوح المحفوظ، وهو المعبر عنه بالنفس الكلي.
ثم الأمر الذي اقتضى إيجاد هذا الحكم في الوجود، هو مقتضى الصفات الإلهية وهو المعبر عنه بالقضاء، ومجلاه هو الكرسي.
فاعرف ما المراد بالقلم، وما المراد باللوح، وما المراد بالقضاء، وما المراد بالقدر.
ثم اعلم أن علم اللوح المحفوظ نبذة من علم الله تعالى.
أجراه الله على قانون الحكمة الإلهية، حسب ما اقتضته حقائق الموجودات الخلقية.
ولله علم وراء ذلك هو حسب ما تقتضيه الحقائق الحقية، برز على نمط اختراع القدرة في الوجود لا تكون مثبتة في اللوح المحفوظ، بل قد تظهر فيه عند ظهورها في العالم العيني وقد لا تظهر فيه بعد ظهورها أيضا.
وجميع ما في اللوح المحفوظ هو علم مبتدأ الوجود الحسي إلى يوم القيامة، وما فيه من علم أهل الجنة والنار شيء على التفصيل.
لأن ذلك من اختراع القدرة، وأمر القدرة مبهم لا معين.
نعم يوجد فيه علمها على الإجمال مطلقة، كالعلم بالنعيم مطلقة لمن جرى له القلم بالسعادة الأبدية.
 ثم لو فصل ذلك النعيم لكان تفصيل ذلك الجنس، وهو أيضا جملة، كما تقول بأنه من أهل جنة المأوى، أو من أهل جنة الخلد، أو جنة النعيم، أو جنة الفردوس، على الإجمال لا سبيل إلى غير ذلك، وكذلك حال أهل النار.
ثم اعلم أن المقتضى به المقدر في اللوح على نوعين:
 مقدر لا يمكن التغيير فيه ولا التبديل.
 ومقدر يمكن التغيير فيه والتبديل.
 فالذي لا يمكن فيه التغيير والتبديل :
هي الأمور التي اقتضتها الصفات الإلهية في العالم، فلا سبيل إلى عدم وجودها.
وأما الأمور التي يمكن فيها التغيير:
 فهي الأشياء التي اقتضتها قوابل العالم على قانون الحكمة المعتادة، فقد يجريها الحق سبحانه وتعالى على ذلك الترتيب.
 فيقع المقتضى به في اللوح المحفوظ، وقد يجريها على حكم الاختراع الإلهي فلا يقع المقضي به.
ولا شك أن ما اقتضته قوابل العالم هو نفس مقتضى الصفات الإلهية.
ولكن بينهما فرق، أعني بين ما اقتضته قوابل العالم وبين ما اقتضته الصفات مطلقة وذلك أن قوابل العالم ولو اقتضت شيئا فإنه من حكمها العجز لاستناد أمرها إلى غيرها.
فلأجل هذا قد يقع وقد لا يقع، بخلاف الأمور التي اقتضتها الصفات الإلهية، فإنها واقعة ضرورة الاقتضاء الإلهي.
 وثم وجه ثان:
 وهو أن قوابل العالم ممكنة، والممكن يقبل الشيء وضده. 
فإذا اقتضت القابلية شيئا ولم يجر القدر إلا بوقوع نقيضه، كان ذلك النقيض أيضا من مقتضى القابلية التي في الممكن.
 فنقول بإيقاع ما اقتضته قوابل العالم على قانون الحكمة؛ وهذا أمر ذوقي لا يدركه العقل من حيث نظره الفكري، بل هو کشف إلهي يمنحه الله من يشاء من عباده.
فالقضاء المحكم هو الذي لا تغيير فيه ولا تبديل. 
والقضاء المبرم: هو الذي يمكن فيه التغيير، ولهذا ما استعاذ النبي لا بالله إلا من القضاء المبرم، لأنه يعلم أنه يمكن أن يحصل فيه التغيير والتبديل.
قال الله تعالى: "يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" (۱) 
بخلاف القضاء المحكم، فإنه المشار إليه بقوله: "وكان أمر الله قدرا مقدورا".
وأصعب ما على المكاشف بهذا العلم معرفة القضاء المبرم من القضاء المحكم.
فيتأدب فيما يعلمه محكمة، ويشفع فيما يعلمه مبرما.
وإعلام الحق له بالقضاء المبرم، هو الإذن في الشفاعة، قال الله تعالى: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ".
ثم اعلم أن النور الإلهي المعبر عنه باللوح المحفوظ: 
هو نور ذات الله تعالى ونور ذاته عين ذاته لاستحالة التبعيض والانقسام عليه.
فهو حق مطلق، وهو المعبر بالنفس الكلية، فهو خلق مطلق، وإلى هذه الإشارة بقوله: بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ"
 يعني: بالقرآن نفس ذات المجد الشامخ، والعز الباذخ في لوح محفوظ في النفس الكلية.
أعني: نفس الإنسان الكامل بغير حلول، تعالى الله عن الحلول والاتحاد.

والله يقول الحق وهو يهدي إلى سبيل الرشاد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:57 am

الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى

أعلم أن سدرة المنتهى هي نهاية المكانة التي يبلغها المخلوق في سيره إلى الله تعالى.
وما بعدها إلا المكانة المختصة بالحق تعالى وحده، وليس لمخلوق هناك قدم، ولا يمكن البلوغ إلى ما بعد سدرة المنتهى.
لأن المخلوق هناك مسحوق ممحوق ومدموس مطموس ملحق بالعدم المحض، لا وجود له فيما بعد السدرة.
وإلى ذلك الإشارة في قول جبريل عليه السلام للنبي عله: "لو تقدمت شبرا لاحترقت" ولو حرف امتناع، فالتقدم ممتنع.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم  أنه وجد هناك شجرة سدر لها أوراق كآذان الفيلة، فينبغي الإيمان بذلك مطلقة لإخباره عن نفسه بذلك، فيحتمل أن يكون الحديث مؤولا، وهو الذي وجدناه في عروجنا.
ويحتمل أن يكون على ظاهره، فيكون قد وجد في مجالية المثالية ومنازله ومناظرة الإلهية، شجرة سدر محسوسة لخياله، مشهودة بعين كماله، ليجتمع له الكشف المحقق صورة ومعنى هكذا في جميع ما أخبر به أنه وجد إياه في معراجه.
فإنا نؤمن بما قاله مطلقة ولو وجدنا فيما أعطانا الكشف مقيدة، لأن معراجنا ليس كمعراجه.
فنأخذ من حديثه مفهوم ما أعطانا الكشف، ونؤمن أن له من وراء ذلك ما لا يبلغه علمنا والذي أعطانا الكشف في هذا الحديث.
 هو أن المراد بشجرة السدر: الإيمان. قال : "من ملأ جوفه نبقة ملأ الله قلبه إيمانا".
وكونها لها أوراق كآذان الفيلة ضرب مثل لعظم ذلك الإيمان وقوته، وتدلى كل ورقة منها في كل بيت من بيوت الجنة عبارة عن إيمان صاحب ذلك البيت.
واعلم بأنا وجدنا السدرة مقامة فيه ثماني حضرات في كل حضرة من المناظر العلا ما لا يمكن حصرها، تتفاوت تلك المناظر على حسب أذواق أهل تلك الحضرات.
أما المقام: 
فهو ظهور الحق في مظاهره، وذلك عبارة عن تجليه فيما هو له من الحقائق الحقيقة والمعاني الخلقية. 
الحضرة الأولى:
 يتجلى فيها باسمه الظاهر من حيث باطن العبد. 
الحضرة الثانية: 
يتجلى الحق فيها باسمه الباطن من حيث ظاهر العبد. 
الحضرة الثالثة: 
يتجلى الحق فيها باسمه الله من حيث روح العبد. 
الحضرة الرابعة: 
يتجلى فيها الحق بصفة الرب من حيث نفس العبد. 
الحضرة الخامسة: 
هو تجلي المرتبة، وهو ظهور الرحمن في عقل العبد، 
الحضرة السادسة: 
يتجلى الحق فيها من حيث وهم العيد. 
الحضرة السابعة: 
معرفة الهوية يتجلى الحق فيها من حيث نية اسم العبد. 
الحضرة الثامنة: 
معرفة الذات من مطلق العبد يتجلى الحق في هذا المقام بكماله في ظاهر الهيكل الإنساني وباطنه، باطنا بباطن وظاهرة بظاهر، هوية بهوية، وإنية بإنية، وهي أعلى الحضرات وما بعدها إلا الأحدية.
 وليس للخلق فيها مجال لأنها من محض الحق، وهي من خواص الذات الواجب الوجود.
فإذا حصل للكامل شيء من ذلك قلنا هو تجل إلهي له به، ليس لخلقه فيه مجال فلا ينسب ذلك إلى الخلق بل هو للحق.
 ومن هنا منع أهل الله تجلي الأحدية للخلق، وقد سبق بيان الأحدية فيما مضى، والله الموفق للصواب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الموفي خمسين في روح القدس. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الأربعاء يونيو 27, 2018 5:58 am

الباب الموفي خمسين في روح القدس. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الموفي خمسين في روح القدس

اعلم أن روح القدس هو روح الأرواح، وهو المنزه عن الدخول تحت حيطة کن.
فلا يجوز أن يقال فيه إنه مخلوق لأنه وجه خاص من وجوه الحق قام الوجود بذلك الوجه.
فهو روح لا كالأرواح لأنه روح الله، وهو المنفوخ منه في آدم.
وإليه الإشارة بقوله تعالى: 
"ونفخت فيه من روحي" فروح آدم مخلوق وروح الله ليس مخلوق.
فهو روح القدس: أي أنه الروح المقدس عن النقائص الكونية، وذلك الروح هو المعبر عنه بالوجود الإلهي في المخلوقات.
 وهو المعبر عنه في الآية بقوله:  "فأينما تولوا فثم وجه الله " . 
يعني هذا الروح المقدس الذي أقام الله به الوجود الكوني بوجود فأينما تولوا يإحساسكم في المحسوسات أو بأفكاركم في المعقولات، فإن الروح المقدس متعين بكماله فيه.
لأنه عبارة عن الوجه الإلهي القائم بالوجود، فذلك الوجه في كل شيء هو روح الله وروح الله الشيء نفسه، فالوجود قائم بنفس الله ونفسه ذاته.
واعلم أن كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام به صورته، فالروح لتلك الصورة كالمعنى للفظ.
ثم إن لذلك الروح المخلوق روحة إلهية قام به ذلك الروح، وذلك الروح الإلهي هو روح القدس.
فمن نظر إلى روح القدس في الإنسان رآها مخلوقة لانتفاء وجود قدمين، فلا قدم إلا الله تعالى وحده.
ويلحق بذاته جميع أسمائه وصفاته لاستحالة الانفكاك، وما سوى ذلك فمخلوق ومحدث، فالإنسان مثلا له جسد وهو صورته، وروح وهو معناه، وسر وهو الروح، ووجه وهو المعبر عنه بروح القدس وبالسر الإلهي والوجود الساري.
فإذا كان الأغلب على الإنسان الأمور التي تقتضيها صورته، وهي المعبر عنها بالبشرية و بالشهوانية.
فإن روحه تكتسب الرسوب المعدني الذي هو أصل الصورة ومنشأ مخلها حتى كادت أن تخالف عالمها الأصلي لتمكين المقتضيات البشرية فيها، فتقيدت بالصورة عن إطلاقها الروحي.
فصارت في سجن الطبيعة والعادة، وذلك في دار الدنيا مثال السجين في دار الآخرة، بل عين السجين هو ما استقر فيه روح.
لكن السجين في الآخرة في سجن محسوس في نار محسوسة، وهي في الدنيا هذا المعنى المذكور، لأن الآخرة محل تبرز المعاني فيه صورة محسوسة فافهم. وبعكسه الإنسان إذا كان الأغلب عليه الأمور الروحانية، من دوام الفكر الصحيح وإقلال الطعام والمنام والكلام وترك الأمور التي تقتضيها البشرية.
فإن هيكله يكتسب اللطف الروحي، فيخطوا على الماء ويطير في الهواء ولا تحجبه الجدران ولا يقصيه بعد البلدان.
ثم تتمكن روحه من محلها لعدم الموانع وهي الاقتضاءات البشرية فيصير في أعلى مراتب المخلوقات، وذلك هو عالم الأرواح المطلقة عن القيود الحاصلة بسبب مجاورة الأجسام.
وهي المشار إليها في الآية بقوله:" إن الأبرار لفي نعيم" ثم غلبت عليه الأمور الإلهية من شهود ما الله وذلك أسمائه الحسنى وصفاته العلا مع تلك الأمور التي تقتضيها البشرية والروحانية صار قدسية.
فإن البشرية تقتضي الشهوات التي يقوم هذا الجسد بها والأمور التي يعتادها الطبع، والروحية تقتضي الأمور التي يقوم بها ناموس الإنسان من الجاه  
والاستعلاء والرفعة لأنها عالية المكان، إلى غير ذلك.
فإذا ترك الإنسان هذه المقتضيات المذكورة بالروحية أو البشرية وكان دائم الشهود للسر الذي منه أصله.
ظهرت أحكام السر الإلهي فيه، فانتقل هيكله، وروحه من حضيض البشرية إلى أوج قدس التنزيه، و كان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه.
 فإذا مسح بيده أبرأ الأكمه والأبرص، وإذا نطق لسانه بتكوين شيء كان بأمر الله تعالى وكان مؤيدا بروح القدس.
كما قال الله في حق عيسى عليه السلام لما كان هذا وصفه: (أيدناه بروح القدس ) فافهم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الإثنين يوليو 02, 2018 1:03 pm


الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى

اعلم أن القلم الأعلى: عبارة عن أول تعيينات الحق في المظاهر الخلقية على التمييز.
 وقولي على التمييز هو لأن الخلق له تعين إبهامي أولا في العلم الإلهي.
وقد تقدم بيانه، ثم له وجود هو مجمل حكمي في العرش لأنا قد بينا أن العرش أحد وجوهه، هو الموجودات الخلقية.
ثم له ظهور تفصيلي في الكرسي كما قد ذكرناه في الباب المتقدم، ثم له ظهور على التمييز في القلم الأعلى؛ لأن ظهوره في تلك المجالي الأول جميعها غيب.
وجوده في القلم وجود عيني مميز عن الحق، وهو أعني القلم الأعلى أنموذج ينتقش ما يقتضيه في اللوح المحفوظ، کالعقل فإنه أنموذج ينتقش ما يقتضيه في النفس.
فالعقل بمكانة القلم، والنفس بمكانة اللوح، والقضايا الفكرية التي وجدت في النفس بالقانون العقلي، هي بمثابة الصور الوجودية المكتوبة في اللوح المحفوظ.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله تعالى العقل»(۱)، 
وقال: «أول ما خلق الله القلم»  والقلم هو العقل الأول، وهما وجهان اللوح المحمدي.
 قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله روح نبيك يا جابر»(۳) 
فصار القلم الأعلى والعقل الأول، والروح المحمدي عبارة عن جوهر فرد، وهو بنسبته إلى الخلق يسمى القلم الأعلى.
 وبنسبته إلى مطلب الخلق يسمى العقل الأول، و بإضافته إلى الإنسان الكامل يسمى روحا محمديا صلى الله عليه وسلم.
 وسيأتي تفصيل الروح والعقل من هذا الكتاب في موضعه إن شاء الله تعالى.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - Word


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الإثنين يوليو 02, 2018 1:04 pm

الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ

نفس حوت بالذات علم عالم      ......  هي لوحنا المحفوظ يا ابن الآدمي
صور الوجود جميعها منقوشة      .....       في قابليتها بغير تكاتم
فإذا زكت بإلهها وصفت به ......     من ظلمات الغيم الغيوم القاتم
ظهرت لها الأشياء فيها عندها    .....        وبدت لها مستخفيات العالم
اعلم هداك الله أن اللوح المحفوظ:
عبارة عن نور إلهي حقي متجلي في مشهد خلقي، انطبعت الموجودات فيه انطباعة أصلية، فهو أم الهيولي، لأن الهيولي لا تقتضي صورة إلا وهي منطبعة في اللوح المحفوظ.
 فإذا اقتضت الهيولي صورة ما وجد العالم على حسب ما اقتضته الهيولى من الفور والمهلة.
 لأن القلم الأعلى جرى في اللوح المحفوظ بإيجادها، و اقتضتها الهيولى  فلا بد من إيجادها على حسب المقتضى.
ولهذا قالت الحكماء الإلهيون: 
إذا اقتضت الهيولي صورة، كان حقا على واهب الصور أن يبرز تلك الصورة في العالم، وقولهم حقا على واهب الصور من باب التوسع.
جارية مجرى قوله عليه الصلاة والسلام: «إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه "(۱).
لا من أنه يجب عليه شيء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرة. 
وسيأتي بيان الهيولي في موضعه
ثم اعلم أن النور الإلهي المنطبع فيه الموجودات، هو المعبر عنه بالنفس الكلي.
ثم الإدراك لما كتبه القلم الأعلى في ذلك النور المعبر عنه باللوح المحفوظ لا يكون إلا بوجه من وجوه ذلك النور.
وذلك الوجه هو المعبر عنه عندنا بالعقل الكلي.
كما أن الانطباع في النور، هو المعبر عنه بالقضاء، وهو التفصيل الأصلي الذي هو يقتضي الوصف الإلهي.
وقد عبرنا عن مجلاه بالكرسي، ثم التقدير في اللوح، هو الحكم بإبراز الخلق على الصورة المعينة بالحالة المخصوصة في الوقت المفروض.
وهذا هو المعبر عن مجلاه بالقلم الأعلى، وهو في اصطلاحنا العقل الأول.
وسيأتي ذكره في محله، مثاله:
 قضى الحق تعالى بإيجاد زيد على الهيئة الفلانية في الزمن الفلاني.
 فالأمر الذي اقتضى هذا التقدير في اللوح هو القلم الأعلى، وهو المسمى بالعقل الأول.
والمحل الذي وجد فيه بيان هذا الاقتضاء هو اللوح المحفوظ، وهو المعبر عنه بالنفس الكلي.
ثم الأمر الذي اقتضى إيجاد هذا الحكم في الوجود، هو مقتضى الصفات الإلهية وهو المعبر عنه بالقضاء، ومجلاه هو الكرسي.
فاعرف ما المراد بالقلم، وما المراد باللوح، وما المراد بالقضاء، وما المراد بالقدر.
ثم اعلم أن علم اللوح المحفوظ نبذة من علم الله تعالى.
أجراه الله على قانون الحكمة الإلهية، حسب ما اقتضته حقائق الموجودات الخلقية.
ولله علم وراء ذلك هو حسب ما تقتضيه الحقائق الحقية، برز على نمط اختراع القدرة في الوجود لا تكون مثبتة في اللوح المحفوظ، بل قد تظهر فيه عند ظهورها في العالم العيني وقد لا تظهر فيه بعد ظهورها أيضا.
وجميع ما في اللوح المحفوظ هو علم مبتدأ الوجود الحسي إلى يوم القيامة، وما فيه من علم أهل الجنة والنار شيء على التفصيل.
لأن ذلك من اختراع القدرة، وأمر القدرة مبهم لا معين.
نعم يوجد فيه علمها على الإجمال مطلقة، كالعلم بالنعيم مطلقة لمن جرى له القلم بالسعادة الأبدية.
 ثم لو فصل ذلك النعيم لكان تفصيل ذلك الجنس، وهو أيضا جملة، كما تقول بأنه من أهل جنة المأوى، أو من أهل جنة الخلد، أو جنة النعيم، أو جنة الفردوس، على الإجمال لا سبيل إلى غير ذلك، وكذلك حال أهل النار.
ثم اعلم أن المقتضى به المقدر في اللوح على نوعين:
 مقدر لا يمكن التغيير فيه ولا التبديل.
 ومقدر يمكن التغيير فيه والتبديل.
 فالذي لا يمكن فيه التغيير والتبديل :
هي الأمور التي اقتضتها الصفات الإلهية في العالم، فلا سبيل إلى عدم وجودها.
وأما الأمور التي يمكن فيها التغيير:
 فهي الأشياء التي اقتضتها قوابل العالم على قانون الحكمة المعتادة، فقد يجريها الحق سبحانه وتعالى على ذلك الترتيب.
 فيقع المقتضى به في اللوح المحفوظ، وقد يجريها على حكم الاختراع الإلهي فلا يقع المقضي به.
ولا شك أن ما اقتضته قوابل العالم هو نفس مقتضى الصفات الإلهية.
ولكن بينهما فرق، أعني بين ما اقتضته قوابل العالم وبين ما اقتضته الصفات مطلقة وذلك أن قوابل العالم ولو اقتضت شيئا فإنه من حكمها العجز لاستناد أمرها إلى غيرها.
فلأجل هذا قد يقع وقد لا يقع، بخلاف الأمور التي اقتضتها الصفات الإلهية، فإنها واقعة ضرورة الاقتضاء الإلهي.
 وثم وجه ثان:
 وهو أن قوابل العالم ممكنة، والممكن يقبل الشيء وضده. 
فإذا اقتضت القابلية شيئا ولم يجر القدر إلا بوقوع نقيضه، كان ذلك النقيض أيضا من مقتضى القابلية التي في الممكن.
 فنقول بإيقاع ما اقتضته قوابل العالم على قانون الحكمة؛ وهذا أمر ذوقي لا يدركه العقل من حيث نظره الفكري، بل هو کشف إلهي يمنحه الله من يشاء من عباده.
فالقضاء المحكم هو الذي لا تغيير فيه ولا تبديل. 
والقضاء المبرم: هو الذي يمكن فيه التغيير، ولهذا ما استعاذ النبي لا بالله إلا من القضاء المبرم، لأنه يعلم أنه يمكن أن يحصل فيه التغيير والتبديل.
قال الله تعالى: "يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" (۱) 
بخلاف القضاء المحكم، فإنه المشار إليه بقوله: "وكان أمر الله قدرا مقدورا".
وأصعب ما على المكاشف بهذا العلم معرفة القضاء المبرم من القضاء المحكم.
فيتأدب فيما يعلمه محكمة، ويشفع فيما يعلمه مبرما.
وإعلام الحق له بالقضاء المبرم، هو الإذن في الشفاعة، قال الله تعالى: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ".
ثم اعلم أن النور الإلهي المعبر عنه باللوح المحفوظ: 
هو نور ذات الله تعالى ونور ذاته عين ذاته لاستحالة التبعيض والانقسام عليه.
فهو حق مطلق، وهو المعبر بالنفس الكلية، فهو خلق مطلق، وإلى هذه الإشارة بقوله: بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ"
 يعني: بالقرآن نفس ذات المجد الشامخ، والعز الباذخ في لوح محفوظ في النفس الكلية.
أعني: نفس الإنسان الكامل بغير حلول، تعالى الله عن الحلول والاتحاد.
والله يقول الحق وهو يهدي إلى سبيل الرشاد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الإثنين يوليو 02, 2018 1:06 pm

الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى

أعلم أن سدرة المنتهى هي نهاية المكانة التي يبلغها المخلوق في سيره إلى الله تعالى.
وما بعدها إلا المكانة المختصة بالحق تعالى وحده، وليس لمخلوق هناك قدم، ولا يمكن البلوغ إلى ما بعد سدرة المنتهى.
لأن المخلوق هناك مسحوق ممحوق ومدموس مطموس ملحق بالعدم المحض، لا وجود له فيما بعد السدرة.
وإلى ذلك الإشارة في قول جبريل عليه السلام للنبي عله: "لو تقدمت شبرا لاحترقت" ولو حرف امتناع، فالتقدم ممتنع.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم  أنه وجد هناك شجرة سدر لها أوراق كآذان الفيلة، فينبغي الإيمان بذلك مطلقة لإخباره عن نفسه بذلك، فيحتمل أن يكون الحديث مؤولا، وهو الذي وجدناه في عروجنا.
ويحتمل أن يكون على ظاهره، فيكون قد وجد في مجالية المثالية ومنازله ومناظرة الإلهية، شجرة سدر محسوسة لخياله، مشهودة بعين كماله، ليجتمع له الكشف المحقق صورة ومعنى هكذا في جميع ما أخبر به أنه وجد إياه في معراجه.
فإنا نؤمن بما قاله مطلقة ولو وجدنا فيما أعطانا الكشف مقيدة، لأن معراجنا ليس كمعراجه.
فنأخذ من حديثه مفهوم ما أعطانا الكشف، ونؤمن أن له من وراء ذلك ما لا يبلغه علمنا والذي أعطانا الكشف في هذا الحديث.
 هو أن المراد بشجرة السدر: الإيمان. قال : "من ملأ جوفه نبقة ملأ الله قلبه إيمانا".
وكونها لها أوراق كآذان الفيلة ضرب مثل لعظم ذلك الإيمان وقوته، وتدلى كل ورقة منها في كل بيت من بيوت الجنة عبارة عن إيمان صاحب ذلك البيت.
واعلم بأنا وجدنا السدرة مقامة فيه ثماني حضرات في كل حضرة من المناظر العلا ما لا يمكن حصرها، تتفاوت تلك المناظر على حسب أذواق أهل تلك الحضرات.
أما المقام: 
فهو ظهور الحق في مظاهره، وذلك عبارة عن تجليه فيما هو له من الحقائق الحقيقة والمعاني الخلقية. 
الحضرة الأولى:
 يتجلى فيها باسمه الظاهر من حيث باطن العبد. 
الحضرة الثانية: 
يتجلى الحق فيها باسمه الباطن من حيث ظاهر العبد. 
الحضرة الثالثة: 
يتجلى الحق فيها باسمه الله من حيث روح العبد. 
الحضرة الرابعة: 
يتجلى فيها الحق بصفة الرب من حيث نفس العبد. 
الحضرة الخامسة: 
هو تجلي المرتبة، وهو ظهور الرحمن في عقل العبد، 
الحضرة السادسة: 
يتجلى الحق فيها من حيث وهم العيد. 
الحضرة السابعة: 
معرفة الهوية يتجلى الحق فيها من حيث نية اسم العبد. 
الحضرة الثامنة: 
معرفة الذات من مطلق العبد يتجلى الحق في هذا المقام بكماله في ظاهر الهيكل الإنساني وباطنه، باطنا بباطن وظاهرة بظاهر، هوية بهوية، وإنية بإنية، وهي أعلى الحضرات وما بعدها إلا الأحدية.
 وليس للخلق فيها مجال لأنها من محض الحق، وهي من خواص الذات الواجب الوجود.
فإذا حصل للكامل شيء من ذلك قلنا هو تجل إلهي له به، ليس لخلقه فيه مجال فلا ينسب ذلك إلى الخلق بل هو للحق.
 ومن هنا منع أهل الله تجلي الأحدية للخلق، وقد سبق بيان الأحدية فيما مضى، والله الموفق للصواب.
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الموفي خمسين في روح القدس. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الإثنين يوليو 02, 2018 1:08 pm

الباب الموفي خمسين في روح القدس. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الموفي خمسين في روح القدس

اعلم أن روح القدس هو روح الأرواح، وهو المنزه عن الدخول تحت حيطة کن.
فلا يجوز أن يقال فيه إنه مخلوق لأنه وجه خاص من وجوه الحق قام الوجود بذلك الوجه.
فهو روح لا كالأرواح لأنه روح الله، وهو المنفوخ منه في آدم.
وإليه الإشارة بقوله تعالى: 
"ونفخت فيه من روحي" فروح آدم مخلوق وروح الله ليس مخلوق.
فهو روح القدس: أي أنه الروح المقدس عن النقائص الكونية، وذلك الروح هو المعبر عنه بالوجود الإلهي في المخلوقات.
 وهو المعبر عنه في الآية بقوله:  "فأينما تولوا فثم وجه الله " . 
يعني هذا الروح المقدس الذي أقام الله به الوجود الكوني بوجود فأينما تولوا يإحساسكم في المحسوسات أو بأفكاركم في المعقولات، فإن الروح المقدس متعين بكماله فيه.
لأنه عبارة عن الوجه الإلهي القائم بالوجود، فذلك الوجه في كل شيء هو روح الله وروح الله الشيء نفسه، فالوجود قائم بنفس الله ونفسه ذاته.
واعلم أن كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام به صورته، فالروح لتلك الصورة كالمعنى للفظ.
ثم إن لذلك الروح المخلوق روحة إلهية قام به ذلك الروح، وذلك الروح الإلهي هو روح القدس.
فمن نظر إلى روح القدس في الإنسان رآها مخلوقة لانتفاء وجود قدمين، فلا قدم إلا الله تعالى وحده.
ويلحق بذاته جميع أسمائه وصفاته لاستحالة الانفكاك، وما سوى ذلك فمخلوق ومحدث، فالإنسان مثلا له جسد وهو صورته، وروح وهو معناه، وسر وهو الروح، ووجه وهو المعبر عنه بروح القدس وبالسر الإلهي والوجود الساري.
فإذا كان الأغلب على الإنسان الأمور التي تقتضيها صورته، وهي المعبر عنها بالبشرية و بالشهوانية.
فإن روحه تكتسب الرسوب المعدني الذي هو أصل الصورة ومنشأ مخلها حتى كادت أن تخالف عالمها الأصلي لتمكين المقتضيات البشرية فيها، فتقيدت بالصورة عن إطلاقها الروحي.
فصارت في سجن الطبيعة والعادة، وذلك في دار الدنيا مثال السجين في دار الآخرة، بل عين السجين هو ما استقر فيه روح.
لكن السجين في الآخرة في سجن محسوس في نار محسوسة، وهي في الدنيا هذا المعنى المذكور، لأن الآخرة محل تبرز المعاني فيه صورة محسوسة فافهم. وبعكسه الإنسان إذا كان الأغلب عليه الأمور الروحانية، من دوام الفكر الصحيح وإقلال الطعام والمنام والكلام وترك الأمور التي تقتضيها البشرية.
فإن هيكله يكتسب اللطف الروحي، فيخطوا على الماء ويطير في الهواء ولا تحجبه الجدران ولا يقصيه بعد البلدان.
ثم تتمكن روحه من محلها لعدم الموانع وهي الاقتضاءات البشرية فيصير في أعلى مراتب المخلوقات، وذلك هو عالم الأرواح المطلقة عن القيود الحاصلة بسبب مجاورة الأجسام.
وهي المشار إليها في الآية بقوله:" إن الأبرار لفي نعيم" ثم غلبت عليه الأمور الإلهية من شهود ما الله وذلك أسمائه الحسنى وصفاته العلا مع تلك الأمور التي تقتضيها البشرية والروحانية صار قدسية.
فإن البشرية تقتضي الشهوات التي يقوم هذا الجسد بها والأمور التي يعتادها الطبع، والروحية تقتضي الأمور التي يقوم بها ناموس الإنسان من الجاه  
والاستعلاء والرفعة لأنها عالية المكان، إلى غير ذلك.
فإذا ترك الإنسان هذه المقتضيات المذكورة بالروحية أو البشرية وكان دائم الشهود للسر الذي منه أصله.
ظهرت أحكام السر الإلهي فيه، فانتقل هيكله، وروحه من حضيض البشرية إلى أوج قدس التنزيه، و كان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه.
 فإذا مسح بيده أبرأ الأكمه والأبرص، وإذا نطق لسانه بتكوين شيء كان بأمر الله تعالى وكان مؤيدا بروح القدس.
كما قال الله في حق عيسى عليه السلام لما كان هذا وصفه: (أيدناه بروح القدس ) فافهم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - Word


.


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الإثنين يوليو 02, 2018 1:16 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الحادي والخمسون في الملك المسمى بالروح. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   الإثنين يوليو 02, 2018 1:11 pm

الباب الحادي والخمسون في الملك المسمى بالروح. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الحادي والخمسون في الملك المسمى بالروح 

اعلم أن هذا الملك هو المسمى في اصطلاح الصوفية بالحق المخلوق به والحقيقة المحمدية نظر الله تعالى إلى هذا الملك بما نظر به إلى نفسه.
فخلقه من نوره وخلق العالم منه، وجعله محل نظره من العالم. 
ومن أسمائه أمر الله وهو أشرف الموجودات وأعلاها مكانة وأسماها منزلة ليس فوقه ملك، وهو سيد المقربين وأفضل المكرمين.
أدار الله عليه رحا الموجودات وجعله قطب فلك المخلوقات، له مع كل شيء خلقه الله تعالی وجه خاص به يلحقه، وفي المرتبة التي أوجده الله تعالى فيها يحفظه.
له ثمانية صورهم حملة العرش، منه خلق الملائكة جميعها عليها وعنصریها، فنسبة الملائكة إليه نسبة القطرات إلى البحر.
ونسبة الثمانية الذين يحملون العرش منه نسبة الثمانية التي قام الوجود الإنساني بها من روح الإنسان.
وهي العقل والوهم والفكر والخيال والمصورة والحافظة والمدركة والنفس.
ولهذا الملك في العالم الأفقي والعالم الجبروتي والعالم العلي والعالم الملكوتي هيمنة إلهية خلقها الله في هذا الملك .
وقد ظهر بكماله في الحقيقة المحمدية، ولهذا كان عليه أفضل البشر وبه امتن الله تعالى عليه وأمده من أجل النعم التي أسداها الله تعالى إليه.
 فقال تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقیم (52)" سورة الشورى .
يعني إنا جعلنا لروحك وجها كاملا من وجوه هذا الملك الذي هو أمرنا، لأن هذا الملك أسمه أمر الله، وإليه الإشارة في قوله:
"من أمر ربي" أي وجه من وجوهه. 
والنكتة أنه لما أطلق ذكر الروح في سؤالهم عنه بقوله: "يسألونك عن الروح ".(سورة الإسراء)
أطلق في الجواب فقال: "قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي" (سورة الإسراء) .
أي وجه من وجوه الأمر بخلاف روح محمد علي فإنه قال فيه: "كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" (سورة الشورى) 
وذكره للاهتمام به ونكره لجلالة ذلك الوجه تنبيها على عظم قدر محمد علي، كما في قوله تعالى: "ذلك يوم مجموع له الناس" (سورة هود) أفاد التنكير عظم ذلك اليوم.
ثم قال: وروحا من أمرنا ولم يقل: أوحينا إليك من أمرنا، لأنه المقصود من الوجود لأن الروح هو المقصود من الهيكلالإنساني، ثم أتى بنون الإضافة في قول: من أمرنا كل ذلك تأكيدا وتنبيها على عظم قدر محمد صلى الله عليه وسلم. 
ثم اعلم أنه لما خلق الله هذا المُلك مرآة لذاته لا يظهر الله تعالى بذاته إلا في هذا الملك وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته.
فهو قطب العالم الدنيوي والأخروي، وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب وأهل الأعراف.
اقتضت الحقيقة الإلهية في علم الله سبحانه أن لا يخلق شيئا إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور فلك ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه.
لا يتعرف ذلك الملك لأحد من خلق الله تعالى إلا إلى الإنسان الكامل، فإذا عرفه الولي علمه أشياء.
فإذا تحقق بها صار قطبة يدور عليه رحا الوجود جميعه بحكم النيابة والعارية فاعرفه.
فإنه الروح المذكور في كتاب الله تعالى حيث قال: "يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا".
 ذلك اليوم الحق يوم يقوم هذا الملك في الدولة الإلهية والملائكة بين يديه وقوفة صفة في خدمته، وهو قائم في عبودية الحق متصرف في تلك الحضرة الإلهية بما أمره الله تعالى به.
وقوله: "لا يتكلمون " راجع إلى الملائكة دونه، فهو مأذون له في الكلام مطلقة في الحضرة الإلهية لأنه مظهرها الأكمل ومجلاها الأفضل، والملائكة وإن أذن لهم بالتكلم في الحضرة الإلهية لم يتكلم كل ملك إلا كلمة واحدة ليس في طاقته أكثر من ذلك، فلا يمكنه البسط في كلام ألبتة ألبتة.
فلا يتكلم الملك في الحضرة إلا كلمة واحدة، فأول من يتلقى الأمر من الحق هذا الملك، ثم يوجه إلى غيره من الملائكة.
فهم الجند، فإذا أمر بنفوذ أمر في العالم خلق الله منه ملكة لائقة بذلك الأمر فيرسله الروح، فيفعل الملك ما أمره الروح به، وجميع الملائكة المقربين مخلوقون منه مثل إسرافيل وجبريل وميكائيل وعزرائيل.
ومن هو فوقهم كالملك المسمى بالنون، وهو الملك القائم تحت اللوح المحفوظ، كالملك المسمى بالقلم، وسيأتي بيانه في تلو هذا الباب.
والملك المسمى بالمدبر وهو الملك القائم تحت الكرسي.
والملك المسمى بالمفضل وهو القائم تحت الإمام المبين.
وهؤلاء هم العالون الذين لم يؤمروا بالسجود لآدم، حكمة إلهية، فلو أمروا بالسجود لآدم لعرفهم كل أحد من ذريته.
ألا ترى إلى الأملاك لما أمروا بالسجود لآدم كيف ظهروا على كل من بني آدم فتتصور لهم في النوم بالأمثال الإلهية التي يظهر بها الحق للنائم.
 فتلك الصور جميعها ملائكة الله فتنزل بحكم ما يأمرها الملك الموكل بضرب الأمثال فتصور بكل صور للنائم.
ولهذا يرى النائم أن الجماد يكلمه ولو لم يكن روحا متصورة بالصورة الجمادية لم يكن يتكلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "إن الرؤيا الصادقة وحي من الله"(صحيح البخاري ومسلم و أحمد ) وذلك أن الملك ينزل بها. 
وقال: «إن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» الحديث (البخاري وابن ماجة و أحمد)؛ 
ولما كان إبليس عليه اللعنة من جملة المأمورين بالسجود لآدم ولم يسجد أمر الشياطين وهم نتیجه وذريته أن يتصوروا للنائم بما يتصور به الملائكة.

فظهرت الرؤيا الكاذبة، والحاصل من هذا الكلام جميعه أن العالين لم يؤمروا بالسجود لآدم.
ولهذا لم يتوصل إلى معرفتهم إلا الإلهيون من بني آدم منحة إلهية بعد الخلوص من الأحكام الآدمية وهي المعاني البشرية.
ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى لإبليس: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم کنت من العالین ".(آية 75 سورة ص ) يعني أن العالين لا سجود عليهم. 
وقد ذكر الإمام محيي الدين بن العربي هذا المعنى في الفتوحات المكية، ولكنه لم ينص على أحد أنه من العالين، ثم استدل بهذه الآية.
واعلم أنه لا يصح حمل السؤال من الحق تعالى على الاستفهام، فهو من حيث وقع إما بمعنى النفي أو بمعنى الإثبات أو بمعنى الإيناس أو بمعنى الإيحاش.
فهذا السؤال من الحق لإبليس في قوله: "ما منعك أن تسجد " تهديد و إيحاش، وألف الاستفهام في واستكبرت بمعنى الإثبات، يعني أستكبرت.
بقولك: "أنا خير منه " وأم في قوله: "أم كنت من العالين" بمعنى النفي يعني لست من العالين الذين لم يؤمروا بالسجود.
والاستفهام الذي بمعنى الإيناس والبسط قوله: "وما تلك بيمينك يا موسی" (سورة طه) 
ولهذا أجاب موسى بقوله: "هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى" (سورة طه) 
لما علم منه أنه يريد منه ذلك، وإلا كان الجواب عصاي، فهذا أدب أهل الله مع الله في حضرته، أبرزها الله لك في الإنسان الكامل لتقرأه فتعمل بموجبه فتكتب مع السعداء، فتأدب بها.
جال بنا مركب البيان في بحر التبيان إلى أن أشرف بنا على الساحل، فلنرجع إلى بحر الحقائق في التعبير عن الملك المسمى بالروح.
اعلم أن الروح له أسماء كثيرة على عدد وجوهه، يسمى بالقلم الأعلى، وبروح محمد صلى الله عليه وسلم ، وبالعقل الأول، وبالروح الإلهي من تسمية الأصل بالفرع.
وإلا فليس له في الحضرة إلا اسم واحد وهو الروح، ولهذا خصصناه في عقد الباب عليه، ولو أخذنا في شرح ما حواه هذا الملك من العجائب والغرائب احتجنا إلى كتب ومجلدات كثيرة ولقد اجتمعت به في بعض الحضرات الإلهية فتعرف إلي وسلم علي فرددت عليه السلام بعد أن كدت أذوب من هيبته وأفني من حسن بهجته.
فلما باسطني بالكلام بعد أن حيا ودار بإيناسه کاس الحميا، سألته عن مكانته و محتده وحضرته ومستنده وعن أصله وفرعه وعن هيئته ونوعه وعن صفته واسمه وعن حليته ورسمه.
 فقال: إن الأمر الذي خطبته والسر الذي طلبته عزيز المرام عظيم المقام، لا يصلح إنشاؤه بالتصريح ولا يكاد يفهم بالكناية والتلويح.
 فقلت له: هلم بالتلويح والكناية لعلي أفهمه إذا سبقت لي به العناية.
فقال: أنا الولد الذي أبوه ابنه، والخمر الذي كرمه دنه، أنا الفرع الذي أنتج أصله، والسهم الذي قوسه نصله، اجتمعت بالأمهات اللاتي ولدتني وخطبتها لأنكحها فأنكحتني, فلما سرت في ظاهر الأصول عقدت صورة المحصول، فانثنيت في نفسي أدور في حسي وقد حملت أمانات الهيولي وأحكمت الحضرة الموصوفة بالأولى، وجدتني أبا الجميع وأم الكبير والرضيع، هذه الحضرة والأمانة. 
وأما المحتد والمكانة فاعلم أني كنت عينة مشهودة كان لي في الغيب حكما موجودا، فلما أردت معرفة ذلك الحكم المحتوم ومشاهدته في جانت الأمر المحكوم.
عبدت الله تعالى بذلك الاسم كذا وكذا سنة وأنا عن اليقظة في سنة، فنبهني الحق سبحانه وتعالى وأقسم باسمه وإلى أنه: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ".سورة الشمس.
فلما حضرت القسمة وأحرزت ما أعطاني الاسم، أعني باسمه، زكتني الحقيقة المحمدية بلسان الحضرة الرسولية.
فقال عليه الصلاة والسلام: "خلق الله آدم على صورته" . ولا ريب في هذا ولا كلام.
ولم يكن آدم إلا مظهر من مظاهري أقيم خليفة على ظاهري فعلمت أن الحق جعلني المراد والمقصود من العباد.
فإذا بالخطاب الأكرم عن المقام الأعظم: أنت القطب الذي تدور عليه أفلاك الجمال، والشمس الذي تمت بضوئها بدر الكمال. 
أنت الذي أقمنا له الأنموذج واحكمنا من أجله الزمور فتوج المراد بما يکنی عنه بهند وسلمى أو يلوح بأنها عزة وأسما.
 فالكل إلا أنت يا ذا الأوصاف السنية والنعوت الزكية، لا يدهشك الجمال ولا يرعشك الجلال ولا تستبعد استيعاب الكمال.
أنت النقطة وهي الدائرة وأنت اللابس وهي الثياب الفاخرة.
قال : الروح
 فقلت: أيها السيد الكبير والعلام الخبير نسألك بالتأييد والعصمة، أخبرني عن درر الحكمة وبحر الرحمة بأن جعلت صدفها سوائي وما انعقدت سوى من مائي.
ولم وسم طيري باسم غيري وكتم هذا الأمر رأسه فلم يعلم لحديدته بأسا؟ 
فقال: اعلم أن الحق تعالى أراد أن تتجلى أسماؤه وصفاته لتعرف الخلق ذاته، فأبرزها في المظاهر المتميزة والبواطن المتحيزة وهي الموجودات الذاتية المتجلية في المراتب الإلهية.
ولو أطلق الأمر كفاحة وأطلق لهذا العبد سراح، جهلت الرتب، وفقدت الإضافات والنسب.
فإن الإنسان إذا أشهد غيره فقد استوعب خيره وسهل عليه الاتباع وأخذ في ذلك ما استطاع.
فلهذا أرسل الله الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام بكتابه المبين وخطابه المتين، يترجم عن صفاته العليا وأسمائه الحسنى، ليعلم أن ذاته لها التعالي عن الإدراك فلا يعرفها غيرها ولا إشراك.
 ولهذا أمرنا السيد الأواه فقال: «تخلقوا بأخلاق الله».
لتبرز أسراره المودعة في الهياكل الإنسانية، فيظهر بذلك علق العزة الربانية، ويعلم حق المرتبة الرحمانية ولا سبيل إلى معرفته بحسب حصره إذ هو القائل عن نفسه: " وما قدروا الله حق  قدره. "(9- 10 سورة الشمس) 
هذا در الحكمة وبحر الرحمة. 
وكون الصدق سواك، وما انعقدت درارية إلا من ماك، فهو القشر على اللباب، لئلا يرتقي إلى الحكمة وفصل الخطاب سوی من أهله لذلك في أم الكتاب. 
وأما رسم طيرك باسم غيرك فلاستيعاب خيرك. 
وأما كتم الأمر فلعدم الطاقة على خوض البحر، فإن العقول تقصر عن الإدراك، ولا محيص لها عن قيدها ولا انفكاك. 
وهذه الجملة قشور العبارات، وقبور الإشارات جعلناها عن الوجه نقابة. 
لتحجبه عمن ليس من أهله حجابا، فافهم إن کنت مدركا خطابا، فالوجود التي برزت في الظواهر هي الأبكار التي استترت في البواطن حجب على تلك الوجوه، واستتار هذا الأمر المنكوس تحار فيه الأفكار.
قال الراوي: فما زلت أشرب مما سقاني الروح الأسمى، وبالري منه ما زلت كما كنت أو أظمأ، إلى أن طلع شمس الاقتدار وأسفر فجر الاسم كالنهار.
 وإذا بالقمري قد غنى على وكري، فترجم عن الحال، ثم أنشد عن الملك المسمى بالروح فقال:
خود لها في حسنها طلعات        .....    الكل معنى الوصف وهي الذات
هي روح أشباح الجمال وإنها      .....     نفي ولكن بعدها الإثبات
هي صورة الحسن التي لوحتها      .....     وكنيت عنها أنها الهندات
وهي المعاني الباطنات حقيقة        ......    عن حسنكم لكن لها ظهرات
كل العوالم تحت مركز قطبها      ......      هي جمعهم وهمو لها أشتات
كنيت بحق إنها لحقيقة            ......       خلق الإله وأنها الكلمات
فقدت قديماً ثم أحدثها الذي       ......      يمضي ويفعل ما اقتضته صفات
لكنها لما تعيّن ذاتها           ......         ظهرت بأحكام لها لهجات
فغدت وقد لبست ثياب جمالها    .....      تزهو بحسن دونه الحسنات
وتقول إن وجودها لا مسبق      .....   بالانعدام ولا لها لحقات
وأنت تشاهد وصفها بكمالها      .....     عيناً وحقّ الذات تحقيقات

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - Word

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني والخمسون في القلب وأنه محتد إسرافيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم ومجد وكرم وعظم   الإثنين يوليو 02, 2018 1:19 pm

الباب الثاني والخمسون في القلب وأنه محتد إسرافيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم ومجد وكرم وعظم

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثاني والخمسون في القلب وأنه محتد إسرافيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم ومجد وكرم وعظم

 القلب عرش الله ذو الإمكان   .......       هو بيته المعمور في الإنسان
القلب عرش اللَّه ذو الإمكان    .....    هو بيته المعمور في الإنسان
فيه ظهور الحق فيه لنفسه      ......     وعليه حقاً مستوى الرحمن
خلق الإله القلب مركز سرّه      .....    ومحيط دور الكون والأعيان
فهو المعبر عنه في تحقيقهم    ......    بالمنظر الأعلى ومجلى الآن
والطور فيه مع الكتاب وبحره ....    والرقّ والسقف الرفيع الشان
وهو الذي ضرب الإله بنوره    .....   مثلاً به في محكم القرآن
بالزيت والمصباح من مشكاته    ......    وزجاجة المتكوكب اللمعان
وهو المقلب و المقلب والذي    ..... يعلو فيدنو رفعة وتداني
منه الظلام له ومنه نوره      ......      وبه ينير عليه في الأكوان
وإليه جاء رسوله منه له      ......      لينال منه مقامه الربّاني
ملكاً بطاعته وربّاً بالعلا      .....      و بقبحه فحقيقة الشيطان
رمز وكل الناس فيه حائر    ......     ما بين ذي ربح وذي خسران
ما مخزن الأسرار إلاَّ درّة    .......     هي بحرها مثلاً وفي التبيان
بيت له باب عظيم ختمه      ......        لكنه للباب مصراعان
يقصيك مصراع إلى أعلى العلا   ....    وإلى الجحيم فسوف يدني الثاني
والباب إن فضيت يوماً ختمه  .....    وفتحته من غير ما كسران
يهنيك بلغت المنى بكماله  ......        ونزلت ثم بساحة الرحمن
لكن كذا كسرته تأتي الحمى ......        وتقيم فيه مكانة السلطان
هذا مثكل القلب فإعلم سرّه    ......     ولسوف أظهره على كتمان
والبيت سرّ القلب أما بابه  ......       فاسم الإله ووصفه السبحاني
والختم فهو الذات قدّس ذاته  ......      والفض علم الحق بالإيمان
والفتح فهو شهود عين يقينه .....         فيما حويت بمقلة وعيان
و بلوغك الأسباب منه تحقق  ......      بجوارح دانت لها الثقلان
ثم التهني بالتعالي إنه         ......    هو ساحة الرحمن في الإنسان
والكنز فإعلم علم ذلك دركه       .....          بعد الوجود لنكتة الديّان
حتى كذا لم تحترم مقداره    ......         سقط العزيز وذاك ذلّ هوان
من لم يعظم مشعر التحقيق لم  .....      يخلص من التكوين بين كيان
فوصول سرّك للحمى هو ذاته ......     لكن بلا حسن ولا إحسان
ولقد يرجى للذي هو هكذا      .......        من نفخة تأتي بريح البان
هذا ومصراعاه واحده الرضا    ......      وهو الذي يفضي إلى رضوان
والآخر الغضب الشديد ووسعه       ...... وهو المجال الرحب للطغيان
فعلامة المرضي طاعة ربّه      ......  وعلامة المغضوب في العصيان
وعلامة المهني يفعل ما يشاء    ......         وعلامة المكسور في العرفان
هذي العروسة زفها لك خاطري    ......     في القلب فوق منصة العيدان
فانظر إلى الحسناء فيك بعينها    ......    تجلّى عليك لديك كل معان
اعلم وفقك الله أن القلب هو النور الأزلي والسر العلي المنزل في عين الأكوان لينظر الله تعالی به إلى الإنسان.
وعبر عنه في الكتاب بروح الله المنفوخ في روح آدم حيث قال:" ونفخت فيه من روحي".
ويسمى هذا النور بالقلب لمعان: منها:
 أنه لبابة المخلوقات وزبدة الموجودات جميعها أعاليها وأدانيها.
فسمي بهذا الاسم لأن قلب الشيء خلاصته وزبدته. 
ومنها: أنه سريع التقلب وذلك لأنه نقطة يدور عليها محيط الأسماء والصفات، فإذا قابلت اسمة أو صفة بشرط المواجهة انطبعت بحكم ذلك الاسم والصفة.
وقولي بشرط المواجهة تقييد لأن القلب في نفسه لا يزال مقابلا بالذات لجميع أسماء الله تعالى وصفاته.
لكن يقابله في التوجه شیء ثان، وهو أن يكون القلب متوجهة لقبول أثر ذلك الشيء في نفسه فينطبع فيه، فيكون الحكم عليه لذلك الاسم.
ولو كانت الأسماء جميعها تحكم عليه فإنها تكون في ذلك الوقت مستترة الحكم تحت سلطان الاسم أو الأسماء الحاكمة.
فيكون الوقت وقت ذلك الاسم فيتصرف في القلب بما يقتضيه.
ثم اعلم أن وجه القلب يكون دائما إلى نور في الفؤاد يسمى الهم .
هو محل نظر القلب وجهة توجهه إليه، فإذا حاذاه الاسم أو الصفة من جهة محاذاة الهم نظره القلب فإنطبع بحكمه ثم يزول فيعقبه اسم آخر.
إما من جنسه أو من جنس غيره، فيجري معه ما جرى له مع الاسم الأول وهكذا على الدوام. 
وأما ما كان من قفا القلب فإنه لا ينطبع به.
ثم اعلم أن القلب ما له قفا ينص عليه بل كله وجه لكن موضع الهم منه يسمى وجها، وموضع الفراغ منه يسمى قفا، وهذه الدائرة فيها كيفية ما ذكرناه. فافهم.

واعلم أن الهم لا يكون له من القلب جهة مخصوصة، بل يكون تارة إلى فوق وقد يكون تارة إلى تحت وعن اليمين وعن الشمال على قدر صاحب ذلك القلب.
فإن من الناس من يكون همه أبدا إلى فوق كالعارفين. 
ومنهم من يكون همه أبدا إلى تحت كبعض أهل الدنيا. 
ومنهم من يكون همه أبدا إلى اليمين كبعض العباد. 
ومن الناس من يكون همه أبدا إلى الشمال وهو موضع النفس، فإنها محلها في الضلع الأيسر وأكثر البطالين لا يكون له هم إلا نفسه. 
وأما المحققون فلا هم لهم فليس القلوبهم موضع يسمى قفا، بل يقابلون بالكلية كلية الأسماء والصفات فليس يختص وقتهم باسم دون اسم غيره.
لأنهم ذاتيون فهم مع الحق بالذات لا بالأسماء والصفات فافهم. 
ومنها: أي من المعاني التي تسمى القلب من أجلها قلبا، فهو باعتبار أن الأسماء والصفات له كالقلوب ليفرغ نوره فيها و انصبابه إليها فلذلك التفريغ قد يسمى قلبا من قولهم قلبت الفضة في القالب قلبا وهو من وضع المصدر اسمة للمفعول. 
ومنها: أنه مقلوب المحدثات بمعنی عکسها يعني نوره قديم إلهي. 
ومنها: أنه الذي ينقلب إلى المحل الأصلي الإلهي الذي بدأ منه.
قال الله تعالى: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)" .سورة ق.
أي: انقلاب إلى الحق، فهو صرف وجه الهمة من العدوة الدنيا وهي الظواهر إلى العدوة القصوى وهي الحقائق وبواطن الأمور. 
ومنها: أنه كان خلقة فانقلب حقا، يعني كان مشهده خلقية فصار مشهده حقية، وإلا فالخلق لا يصير حقا لأن الحق حق والخلق خلق، والحقائق لا تتبدل ولكن من كان أصله من شيء رجع إليه قال تعالى: "... وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) ".سورة العنكبوت 
ومنها: أنه يعني القلب يقلب الأمور كيف يشاء، فإن القلب إذا كان على فطرته التي خلقه الله عليها تقلبت له الأمور حسب ما يحبه ويتصرف في الوجود كيفما شاء، والفطرة التي خلقه الله عليها هي الأسماء والصفات.
وهي قوله: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) " سورة التين لكنه لما نزل مع الطبيعة إلى حكم العبادة وانتوال الشهوات، وكان هذا 
غالب حكم البشر، لأنه كالثوب الأبيض ينطبع فيه أول ما يقع عليه.
وأول ما يعقله الطفل أحوال الظاهر من أهل الدنيا فينطبع فيه تشتتهم وتفرقهم وانحطاطهم إلى العوائد والطبائع،فيصير مثلهم.
وهو قوله تعالى: "ثم رددناه أسفل سافلين " فإن كان من أهل السعادات الإلهية وعقل بعد ذلك عن الحق تعالى الأمور التي تقتضيه إلى المكانة الزلفي والمراتب العليا، فإنه يتزکي يعني يتطهر مما تدنس به من . 
اكتسابه البشریات، فهو بمنزلة من يغسل ثوبه مما طبع فيه، وعلى قدر تمكن الطبائع من قلبه تكون التزكية.
 فإن كان ممن لا تتمكن فيه البشريات والأمور العاديات كل التمكن، فإنه يتزکي بأقل القليل.
فهو بمنزلة من لم يتمكن لون النقش في ثوبه فغسله بالماء فعاد إلى أصله.
والآخر الذي تمكنت منه الطبائع والعادات بمنزلة من استولى النقش في ثوبه وتمكن منه فلا ينقيه إلا الطبخ بالنار والجص، وهو السلوك الشديد وقوة المجاهدات والمخالفات.
فهذا على قدر قوة سلوكه في الطريق ودوام مخالفته يكون تزكيته وصفاؤه وضعفه على قدر ضعف عزائمه في ذلك.
وهؤلاء الذين استثناهم الحق فقال: "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25) ".سورة الانشقاق - كذلك الآية 6 سورة التين .
يعني بما أودعناهم من الأسرار الإلهية التي نبهناهم عليها في كتبنا المنزلة على رسلنا، وذلك حقيقة إيمانهم بنا وبالرسل.
وهو وقوعهم على نكتة التوحيد فآمنوا وعملوا ما يصلح للحضور مع الله تعالى من الأعمال القلبية بأحسن العقائد ودوام المراقبة وأمثالها.
ومن الأعمال القالبية كالفرائض والسلوك وعدم المخالفة.
فهذا معنى قوله: " إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)" .سورة التين .
يعني أنهم نالوا ما هو لهم فليس ذلك بموهوب حتى يكون ممنونة بل ظفروا بما اقتضته حقائقهم التي خلقناهم عليها من أصل الفطرة.
فكل ما نالوه إنما هو باستحقاق جعلناه لهم، ولو كان الكل من خزائن الجود فإن التجليات الذاتية لا تسمى موهبة، بل هي أمور استحقاقية إلهية.
وإلى هذا المعنى أشار شيخنا الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في قوله: 
ما زلت أرتع في ميادين الرضا         ……    حتى بلغت مكانة لا توهب 
ومنها: أن القلب الحقائق الوجود كالمرآة للوجه فهو عكسه، يعني أنه لما كان العالم سريع التغير في كل نفس انطبع عکسه في القلب، فهو كذلك سريع التغير.
وما سمي ذلك الانطباع عکسا وقلبا إلا لأن المرأة إذا قابلتها بشيء إنما ينطبع فيه عكسه لا عينه.
فإن كانت الكتابة مثلا من اليمين إلى الشمال انطبع فيه من الشمال إلى اليمين، حتى لو قابلت المرأة بصورة إنما تقابل يمين الصورة بشمال المرآة.
هذا لا يختلف أبدا، فلهذا سمي القلب قلبة. 
وعندي أن العالم إنما هو مرآة القلب، فالأصل والصورة هو القلب والفرع والمرأة هو العالم. 
وعلى هذا التقدير يصح فيه أيضا اسم القلب لأن كل واحد من الصورة والمرأة قلب الثاني: أي عكسه فافهم
ودليلنا في أن القلب هو الأصل والعالم هو الفرع قوله تعالى: "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن "
ولو كان العالم هو الأصل لكان أولى بالوسع من القلب، فعلم أن القلب هو الأصل وأن العالم هو الفرع.
ثم اعلم أن هذا الوسع على ثلاثة أنواع كلها سائغة في القلب:
النوع الأول: 
وهو وسع العلم، وذلك هو المعرفة بالله، فلا شيء في الوجود يعقل آثار الحق ويعرف ما يستحقه كما ينبغي إلا القلب، لأن كل شيء سواه إنما يعرف ربه من وجه دون وجه، وليس لشيء غير القلب أن يعرف الله من كل الوجوه، فهذا وسع.
والنوع الثاني: 
هو وسع المشاهدة، وذلك هو الكشف الذي يطلع القلب به على محاسن جمال الله تعالى، فيذوق لذة أسمائه وصفاته بعد أن يشهدها.
فلا شيء من المخلوقات يذوق ما لله تعالى إلا القلب، فإنه إذا تعقل مثلا علم الله بالموجودات وسار في فلك هذه الصفة ذاق لذاتها وعلم بمكانة هذه الصفة من الله تعالى، ثم القدرة كذلك.
ثم في جميع أوصاف الله تعالى وأسمائه فإنه يتسع لذلك ويذوقه كما يذوق مثلا معرفة غيره وقدرة غيره لسيره في أفلاكها، وهذا وسع ثان وهو للعارفين.
النوع الثالث: 
وسع الخلافة وهو التحقق بأسمائه وصفاته حتى أنه يرى ذاته ذاته، فتكون هوية الحق عين هوية العبد، وانيته عين إنيته، و اسمه اسمه، وصفته صفته، وذاته ذاته، فيتصرف في الوجود تصرف الخليفة في ملك المستخلف وهذا وسع المحققين. 
وهذا نكات في كيفية هذا التحقق وأين محل كل اسم منه من العارفين أضربنا عنها، واكتفينا بهذا القدر من التنبيه عليها لئلا يقضي ذلك إلى إفشاء سر الربوبية، وهذا الوسع قد يسمى وسع الاستيفاء.
اعلم وفقنا الله وإياك أن الحق تعالى لا يمكن درکه على الحيطة والاستيفاء أبدا لا لقديم ولا لحديث.
أما القديم فلأن ذاته لا تدخل تحت صفة من صفاته وهي العلم فلا يحيط بها وإلا لزم منه وجود الكل في الجزء.
تعالى الله عن الكل والجزء فلا يستوفيها العلم من كل الوجوه، بل إنه سبحانه وتعالى لا يجهل نفسه، لكن يعرفها حق المعرفة.
ولا يقال إن ذاته تدخل تحت حيطة صفة العلمية ولا تحت صفة القدرة تعالى الله، وكذلك المخلوق فإنه بالأولى لكن هذا الوسع الكمالي الذي قلنا إنه الوسع الاستيفائي إنما هو استيفاء كمال ما عليه المخلوق من الحق لا كمال ما هو الحق عليه.
فإن ذلك لا نهاية له، فهذا معنى قوله: "وسعني قلب عبدي المؤمن"
ولما خلق الله تعالى العالم جميعه من نور محمد ، كان المحل المخلوق منه إسرافيل قلب محمد له، كما سيجيء بیان خلق جميع الملائكة وغيرهم كل من محل منه.
فلهذا لما كان إسرافيل عليه السلام مخلوقا من هذا النور القلبي، كان له في الملكوت هذا التوسع والقوة.
حتى أنه يحيى جميع العالم بنفخة واحدة بعد أن يميتهم بنفخة واحدة، للقوة الإلهية التي خلقها الله تعالى في ذات إسرافيل.
لأنه محتده القلب والقلب قد وسع الله تعالى لما فيه من القوة الذاتية الإلهية.
فكان إسرافيل عليه السلام أقوى الملائكة وأقربهم من الحق أعني العنصريين من الملائكة، فافهم ذلك، والله تعالى أعلم.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - Word

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث والخمسون في العقل الأول وأنه محتد جبريل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم   الإثنين يوليو 02, 2018 1:20 pm

الباب الثالث والخمسون في العقل الأول وأنه محتد جبريل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث والخمسون في العقل الأول وأنه محتد جبريل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم

اعلم وفقنا الله وإياك و دلك على نفسك وإلى التحقيق به هداك.
أن العقل الأول هو محل الشكل العلمي الإلهي في الوجود.
لأنه القلم الأعلى ثم ينزل منه العلم إلى اللوح المحفوظ، فهو إجمال اللوح واللوح تفصيله.
بل هو تفصیل علم الإجمال الإلهي واللوح هو محل تعينه وتنزله.
ثم في العقل الأول من الأسرار الإلهية ما لا يسعه اللوح، كما أن في العلم الإلهي ما لا يكون العقل الأول محلا له، فالعلم الإلهي هو أم الكتاب.
والعقل الأول هو الإمام المبين، واللوح هو الكتاب المبين فاللوح مأموم بالقلم تابع له، والقلم الذي هو العقل الأول حاكم على اللوح مفصل للقضايا المجملة في دولة العلم الإلهي المعبر عنها بالنون.
والفرق بين العقل الأول والعقل الكلي وعقل المعاش.
 أن الفعل الأول هو نور علم إلهي ظهر في أول تنزلاته التعيينية الخلقية، وإن شئت قلت أول تفصيل الإجمال الإلهي.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما خلق الله العقل».
فهو أقرب الحقائق الخلقية إلى الحقائق الإلهية، ثم إن العقل الكلي هو القسطاس المستقيم، فهو ميزان العدل في قبة اللوح الفصل. 
وبالجملة فالعقل الكلي هو العاقلة: أي المدركة النورية التي ظهر بها صور العلوم المودعة في العقل الأول، لا كما يقول من ليس له معرفة بهذا الأمور.
لأن العقل الكلي عبارة عن شمول أفراد الجنس للعقل من كل ذي عاقلة وهذا منقوض، لأن العقل لا تعدد له، إذ هو جوهر فرد.
وهو في المثل العنصر الأرواح الإنسانية والملكية والجنية، لا للأرواح البهيمية، ثم إن العقل المعاش هو النور الموزون بالقانون الفكري.
فهو لا يدرك إلا بألة الفكر ثم إدراكه بوجه من وجوه العقل الكلي فقط لا طريق له إلى العقل الأول، لأن العقل الأول منه عن القيد بالقياس وعن الحصر بالقسطاطس.
بل هو محل صدور الوحي القدسي إلى مركز الروح النفسي. 
والعقل الكلي هو الميزان العدل للأمر الفصلي، وهو منزه عن الحصر بقانون دون غيره، بل وزنه للأشياء على كل معيار.
وليس لعقل المعاش إلا معیار واحد وهو الفكر، وليست له إلا كفة واحدة وهي العادة، وليس له إلا طرف واحد وهو المعلوم، وليس له إلا شوكة واحدة وهي الطبيعة.
 بخلاف العقل الكلي، فإن له كفتين إحداهما الحكمة، والثانية القدرة. 
وله طرفان: أحدهما الاقتضاءات الإلهية والثاني القوابل الطبيعية. 
وله شوكتان: إحداهما الإرادة الإلهية، والثانية المقتضيات الخلقية. وله معايير شتي. 
ومن جملة معايره أن لا معيار، ولهذا كان العقل الكلي هو القسطاطس المستقيم، لأنه لا يحيف ولا يظلم.
على كفة واحدة ولا يفوته شيء بخلاف عقل المعاش فإنه قد يحيف ويفوته أشياء كثيرة وطرف واحد.
فقياس عقل المعاش لا على التصحيح، بل على سبيل الخرص.
 وقد قال الله تعالى"قتل الخراصون" (آية 10 سورة الذاريات) 
وهم الذين يزنون الأمور الإلهية بعقولهم فيبخسون، لأنهم لا میزان لهم وإنما هم خراصون.والخرص بمعنى الفرض،
 فنسبة العقل الأول مثلا نسبة الشمس، ونسبة العقل الكلي نسبة الماء الذي وقع فيه نور الشمس، ونسبة عقل 
المعاش نسبة شعاع ذلك الماء إذا وقع على جدار.
فالنظر مثلا في الماء يأخذه هيئة الشمس على صحة، ويأخذ نوره على جلية، كما لو رأي الشمس لا يكاد يظهر الفرق بينهما.
إلا أن الناظر إلى الشمس يرفع رأسه إلى العلو، والناظر إلى الماء ينكس رأسه إلى أسفل، فكذلك العقل الكلي ينكس بنور قلبه إلى محل الكتاب، فيأخذ منه العلوم المتعلقة بالأكوان.
وهو الحد الذي أودعه الله تعالى في اللوح المحفوظ .
بخلاف العقل الأول فإنه يتلقى عن الحق بنفسه.
ثم إن العقل الكلي إذا أخذ من اللوح وهو الكتاب إنما يأخذ علمه إما بقانون الحكمة وإما بمعيار القدرة على قانون و غير قانون.
فهذا الاستقراء منه انتكاس، لأنه من اللوازم الخلقية الكلية لا يكاد يخطىء، إلا فيما استأثر الله به.
فإن الله إن أنزله إلى الوجود لا ينزله إلا إلى العقل الأول فقط، هكذا سنة الله فيما استأثر به من علومه، إلا أن لا يوجد في اللوح المحفوظ:
واعلم أن العقل الكلي قد يستدرج به أهل الشقاوة فيفتح به عليهم في مجال أهويتهم لا في غيرها.
فيظفرون على أسرار القدرة من تحت سجف الأكوان، والأفلاك والنور والضياء، وأمثال ذلك.
فيذهبون إلى عبادة هذه الأشياء، وذلك بمكر الله بهم والنكتة فيه. 
أن الله سبحانه يتجلى في لباس هذه الأشياء التي يعيدونها فیدرکها هؤلاء بالعقل الكلي فيقولون بأنها هي الفاعلة.
لأن العقل الكلي لا يتعدى الكون فلا يعرفون الله به.
لأن العقل لا يعرف الله إلا بنور الإيمان، وإلا فلا يمكن أن يعرفه العقل من نظره وقيامه، سواء كان عقل معاش أو عقلا كليا.
على أنه قد ذهب أئمتنا إلى أن العقل من أسباب المعرفة، وهذا من طريق التوسع لإقامة الحجة، وهو مذهبنا. 
غير أني أقول: إن هذه المعرفة المستفادة بالعقل منحصرة مقيدة بالدلائل والآثار، بخلاف معرفة الإيمان فإنها مطلقة، فمعرفة الإيمان متعلقة بالأسماء والصفات، ومعرفة العقل متعلقة بالآثار.
فهي ولو كانت معرفة لكنها ليست عندنا بالمعرفة المطلوبة لأهل الله تعالى.
ثم نسبة عقل المعاش إلى العقل الكلي نسبة الناظر إلى الشعاع، ولا يكون الشعاع إلى من جهة واحدة، فهو لا يتطرق إلى هيئة الشمس ولا يعرف صورته، ولا يعلم النور المتشكل في الماء لا طوله ولا عرضه.
بل بخرص بالفرض والتقدير فتارة يقول بطوله لما يزعم أنه دليل على الطول، وتارة يقول بعرضه كذلك، فهو على غير تحقيق من الأمر.
 وكذلك عقل المعاش فإنه لا يضيء إلا من جهة واحدة، وهي وجهة النظر والدليل بالقياس في الفكر.
فصاحبها إذا أخذ في معرفة الله به فإنه لا يخطىء.
ولهذا متى قلنا بأن الله لا يدرك بالعقل أردنا به عقل المعاش، ومتى قلنا أنه يعرف بالعقل أردنا به العقل الأول.
فلهذا قال الله تعالى: "قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون" .
 وإنما قتلوا لقطعهم بما خرصوه . وحكمهم على الأمر بأنه على ذلك فهلكوا.
لأنهم قطعوا بما يهلكهم ويطمس على أنوارهم فقتلوا.
وهم القاتلون لأنفسهم إذ خرصوا عليها بانتفاء بدنها وقطعوا عليها أن لا حياة لها بعد مماتهم.
ثم عاندوا المخبر الصادق الذي يجرهم إلى سعادتهم فلم يؤمنوا به، فلهذا هلكوا وقتلوا، وما أهلكهم إلا أنفسهم، وما قتلهم إلا ما هم عليه، فافهم.
ثم اعلم أن العقل الأول والقلم الأعلى نور واحد فنسبته إلى العبد يسمى العقل الأول، و نسبته إلى الحق يسمى القلم الأعلى. 
ثم إن العقل الأول المنسوب إلى محمد صلى الله عليه وسلم خلق الله جبريل عليه السلام منه في الأزل.
فكان محمد صلى الله عليه وسلم أبا لجبريل وأصلا لجميع العالم.
فاعلم إن كنت ممن يعلم فديت من يعقل فديت من يفهم.
ولهذا وقف عنه جبريل في إسرائه وتقدم وحده، وسمي العقل الأول بالروح الأمين لأنه خزانة علم الله وأمينه.
ويسمى بهذا الاسم جبريل من تسمية الفرع باسم أصله فافهم والله أعلم.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - Word

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: فهرس محتويات كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي    الإثنين يوليو 02, 2018 1:24 pm

فهرس محتويات كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

فهرس محتويات كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

خطبة المؤلف
المقدمة
إشارة جمعنا الوقت عند الحق بغريب من غرباء الشرق متلثماً بلثام الصمدية
فصل نعني بالرقيم العبد وبالأنموذج قطب العجائب وفلك الغرائب
فصل مطالب الأحدية والواحدية والربوبية والألوهية والعزة والقيومية
الباب الأول  في الذات
الباب الثاني في الاسم مطلقاً
الباب الثالث في الصفة مطلقاً

الباب الرابع في الألوهية
الباب الخامس في الأحدية
الباب السادس في الواحدية
الباب السابع في الرحمانية
... فصل الرحمن الرحيم
الباب الثامن في الربوبية
الباب التاسع في العماء
الباب العاشر في التنزيه
الباب الحادي عشر في التشبيه
الباب الثاني عشر في تجلّي الأفعال
الباب الثالث عشر في تجلّي الأسماء
الباب الرابع عشر في تجلّي الصفات
الباب الخامس عشر في مجلّى الذات
الباب السادس عشر في الحياة
الباب السابع عشر في العلم
الباب الثامن عشر في الإرادة
الباب التاسع عشر في القدرة
الباب الموفي عشرين في الكلام
الباب الحادي والعشرون في السمع
الباب الثاني والعشرون في البصر
الباب الثالث والعشرون في الجمال وفي هذا المعنى قلت في قصيدتي العينية:
الباب الرابع والعشرون في الجلال
الباب الخامس والعشرون في الكمال
الباب السادس والعشرون في الهوية
الباب السابع والعشرون في الإنية
الباب الثامن والعشرون في الأزل
الباب التاسع والعشرون في الأبد
الباب الموفي للثلاثين في القدم
الباب الحادي والثلاثون في أيام الله
الباب الثاني والثلاثون في صلصلة الجرس
الباب الثالث والثلاثون في أم الكتاب
الباب الرابع والثلاثون في القرآن
الباب الخامس والثلاثون في الفرقان
الباب السادس والثلاثون في التوراة
الباب السابع والثلاثون في الزبور
الباب الثامن والثلاثون في الإنجيل
الباب التاسع والثلاثون في نزول الحق جل جلاله إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة
الباب الموفي أربعين في فاتحة الكتاب
الباب الحادي والأربعون في الطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور
الباب الثاني والأربعون في الرفرف الأعلى
الباب الثالث والأربعون في السرير و التاج
الباب الرابع والأربعون في القدمين والنعلين
الباب الخامس والأربعون في العرش
الباب السادس والأربعون في الكرسي
الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى
الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ
الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى
الباب الموفي خمسين في روح القدس
الباب الحادي والخمسون في الملك المسمى بالروح.
الباب الثاني والخمسون في القلب وأنه محتد إسرافيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم
الباب الثالث والخمسون في العقل الأول وأنه محتد جبريل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم
الباب الرابع والخمسون في الوهم وأنه محتد عزرائيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم
الباب الخامس والخمسون في الهمة وأنها محتد ميکائيل من محمد صلى الله عليه وسلم
الباب السادس والخمسون في الفكر وأنه محتد باقي الملائكة من محمد صلى الله عليه وسلم
الباب السابع والخمسون في الخيال وأنه هيولي جميع العوالم
الباب الثامن والخمسون في الصورة المحمدية
فصل الصورة المحمدية ونظر الله إليها باسمه المنان فخلق الله منها أنواع الجنان
فصل خلق الله تعالى صورة آدم عليه السلام نسخة من تلك الصورة المحمدية
الباب التاسع والخمسون في النفس وإنها محتد إبليس ومن تبعه من الشياطين من أهل التلبيس
فصل النفس والتباس الأمر عليها بين ما تعلمه لذاتها من سعادة الربوبية وبين الإخبار الإلهي
فصل خلق النفس المحمدية من ذاته وذات الحق جامعة للضدين
فصل الحقيقة الإبليسية مظاهرها وتنوعاتها وآلاتها التي يستعين بها على الخلائق
فصل أسماء النفوس الإنسانية
الباب الموفى ستين في الإنسان الكامل وأنه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق
الباب الحادي والستون في أشراط الساعة وذكر الموت والبرزخ والحساب والقيامة والميزان والصراط والجنة والنار والأعراف والكثيب الذي يخرج أهل الجنة إليه
فصل نذكر فيه طرفا من ذكر الموت
الباب الثاني والستون في السبع السماوات وما فوقها والسبع الأرضين وما تحتها والسبع البحار وما فيها من العجائب والغرائب ومن يسكنها من أنواع المخلوقات
الباب الثالث والستون في سائر الأديان والعبادات، ونكتة جميع الأحوال والمقامات
... فصل نذكر فيه أسرار ما تعبدنا الله به على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD



.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   السبت يوليو 07, 2018 4:31 pm

الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السابع والأربعون في القلم الأعلى

اعلم أن القلم الأعلى: عبارة عن أول تعيينات الحق في المظاهر الخلقية على التمييز.
 وقولي على التمييز هو لأن الخلق له تعين إبهامي أولا في العلم الإلهي.
وقد تقدم بيانه، ثم له وجود هو مجمل حكمي في العرش لأنا قد بينا أن العرش أحد وجوهه، هو الموجودات الخلقية.
ثم له ظهور تفصيلي في الكرسي كما قد ذكرناه في الباب المتقدم، ثم له ظهور على التمييز في القلم الأعلى؛ لأن ظهوره في تلك المجالي الأول جميعها غيب.
وجوده في القلم وجود عيني مميز عن الحق، وهو أعني القلم الأعلى أنموذج ينتقش ما يقتضيه في اللوح المحفوظ، کالعقل فإنه أنموذج ينتقش ما يقتضيه في النفس.
فالعقل بمكانة القلم، والنفس بمكانة اللوح، والقضايا الفكرية التي وجدت في النفس بالقانون العقلي، هي بمثابة الصور الوجودية المكتوبة في اللوح المحفوظ.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله تعالى العقل»(۱)، 
وقال: «أول ما خلق الله القلم»  والقلم هو العقل الأول، وهما وجهان اللوح المحمدي.
 قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله روح نبيك يا جابر»(۳) 
فصار القلم الأعلى والعقل الأول، والروح المحمدي عبارة عن جوهر فرد، وهو بنسبته إلى الخلق يسمى القلم الأعلى.
 وبنسبته إلى مطلب الخلق يسمى العقل الأول، و بإضافته إلى الإنسان الكامل يسمى روحا محمديا صلى الله عليه وسلم.
 وسيأتي تفصيل الروح والعقل من هذا الكتاب في موضعه إن شاء الله تعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   السبت يوليو 07, 2018 4:32 pm

الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثامن والأربعون في اللوح المحفوظ

نفس حوت بالذات علم عالم      ......  هي لوحنا المحفوظ يا ابن الآدمي
صور الوجود جميعها منقوشة      .....       في قابليتها بغير تكاتم
فإذا زكت بإلهها وصفت به ......     من ظلمات الغيم الغيوم القاتم
ظهرت لها الأشياء فيها عندها    .....        وبدت لها مستخفيات العالم
اعلم هداك الله أن اللوح المحفوظ:
عبارة عن نور إلهي حقي متجلي في مشهد خلقي، انطبعت الموجودات فيه انطباعة أصلية، فهو أم الهيولي، لأن الهيولي لا تقتضي صورة إلا وهي منطبعة في اللوح المحفوظ.
 فإذا اقتضت الهيولي صورة ما وجد العالم على حسب ما اقتضته الهيولى من الفور والمهلة.
 لأن القلم الأعلى جرى في اللوح المحفوظ بإيجادها، و اقتضتها الهيولى  فلا بد من إيجادها على حسب المقتضى.
ولهذا قالت الحكماء الإلهيون: 
إذا اقتضت الهيولي صورة، كان حقا على واهب الصور أن يبرز تلك الصورة في العالم، وقولهم حقا على واهب الصور من باب التوسع.
جارية مجرى قوله عليه الصلاة والسلام: «إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه "(۱).
لا من أنه يجب عليه شيء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرة. 
وسيأتي بيان الهيولي في موضعه
ثم اعلم أن النور الإلهي المنطبع فيه الموجودات، هو المعبر عنه بالنفس الكلي.
ثم الإدراك لما كتبه القلم الأعلى في ذلك النور المعبر عنه باللوح المحفوظ لا يكون إلا بوجه من وجوه ذلك النور.
وذلك الوجه هو المعبر عنه عندنا بالعقل الكلي.
كما أن الانطباع في النور، هو المعبر عنه بالقضاء، وهو التفصيل الأصلي الذي هو يقتضي الوصف الإلهي.
وقد عبرنا عن مجلاه بالكرسي، ثم التقدير في اللوح، هو الحكم بإبراز الخلق على الصورة المعينة بالحالة المخصوصة في الوقت المفروض.
وهذا هو المعبر عن مجلاه بالقلم الأعلى، وهو في اصطلاحنا العقل الأول.
وسيأتي ذكره في محله، مثاله:
 قضى الحق تعالى بإيجاد زيد على الهيئة الفلانية في الزمن الفلاني.
 فالأمر الذي اقتضى هذا التقدير في اللوح هو القلم الأعلى، وهو المسمى بالعقل الأول.
والمحل الذي وجد فيه بيان هذا الاقتضاء هو اللوح المحفوظ، وهو المعبر عنه بالنفس الكلي.
ثم الأمر الذي اقتضى إيجاد هذا الحكم في الوجود، هو مقتضى الصفات الإلهية وهو المعبر عنه بالقضاء، ومجلاه هو الكرسي.
فاعرف ما المراد بالقلم، وما المراد باللوح، وما المراد بالقضاء، وما المراد بالقدر.
ثم اعلم أن علم اللوح المحفوظ نبذة من علم الله تعالى.
أجراه الله على قانون الحكمة الإلهية، حسب ما اقتضته حقائق الموجودات الخلقية.
ولله علم وراء ذلك هو حسب ما تقتضيه الحقائق الحقية، برز على نمط اختراع القدرة في الوجود لا تكون مثبتة في اللوح المحفوظ، بل قد تظهر فيه عند ظهورها في العالم العيني وقد لا تظهر فيه بعد ظهورها أيضا.
وجميع ما في اللوح المحفوظ هو علم مبتدأ الوجود الحسي إلى يوم القيامة، وما فيه من علم أهل الجنة والنار شيء على التفصيل.
لأن ذلك من اختراع القدرة، وأمر القدرة مبهم لا معين.
نعم يوجد فيه علمها على الإجمال مطلقة، كالعلم بالنعيم مطلقة لمن جرى له القلم بالسعادة الأبدية.
 ثم لو فصل ذلك النعيم لكان تفصيل ذلك الجنس، وهو أيضا جملة، كما تقول بأنه من أهل جنة المأوى، أو من أهل جنة الخلد، أو جنة النعيم، أو جنة الفردوس، على الإجمال لا سبيل إلى غير ذلك، وكذلك حال أهل النار.
ثم اعلم أن المقتضى به المقدر في اللوح على نوعين:
 مقدر لا يمكن التغيير فيه ولا التبديل.
 ومقدر يمكن التغيير فيه والتبديل.
 فالذي لا يمكن فيه التغيير والتبديل :
هي الأمور التي اقتضتها الصفات الإلهية في العالم، فلا سبيل إلى عدم وجودها.
وأما الأمور التي يمكن فيها التغيير:
 فهي الأشياء التي اقتضتها قوابل العالم على قانون الحكمة المعتادة، فقد يجريها الحق سبحانه وتعالى على ذلك الترتيب.
 فيقع المقتضى به في اللوح المحفوظ، وقد يجريها على حكم الاختراع الإلهي فلا يقع المقضي به.
ولا شك أن ما اقتضته قوابل العالم هو نفس مقتضى الصفات الإلهية.
ولكن بينهما فرق، أعني بين ما اقتضته قوابل العالم وبين ما اقتضته الصفات مطلقة وذلك أن قوابل العالم ولو اقتضت شيئا فإنه من حكمها العجز لاستناد أمرها إلى غيرها.
فلأجل هذا قد يقع وقد لا يقع، بخلاف الأمور التي اقتضتها الصفات الإلهية، فإنها واقعة ضرورة الاقتضاء الإلهي.
 وثم وجه ثان:
 وهو أن قوابل العالم ممكنة، والممكن يقبل الشيء وضده. 
فإذا اقتضت القابلية شيئا ولم يجر القدر إلا بوقوع نقيضه، كان ذلك النقيض أيضا من مقتضى القابلية التي في الممكن.
 فنقول بإيقاع ما اقتضته قوابل العالم على قانون الحكمة؛ وهذا أمر ذوقي لا يدركه العقل من حيث نظره الفكري، بل هو کشف إلهي يمنحه الله من يشاء من عباده.
فالقضاء المحكم هو الذي لا تغيير فيه ولا تبديل. 
والقضاء المبرم: هو الذي يمكن فيه التغيير، ولهذا ما استعاذ النبي لا بالله إلا من القضاء المبرم، لأنه يعلم أنه يمكن أن يحصل فيه التغيير والتبديل.
قال الله تعالى: "يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" (۱) 
بخلاف القضاء المحكم، فإنه المشار إليه بقوله: "وكان أمر الله قدرا مقدورا".
وأصعب ما على المكاشف بهذا العلم معرفة القضاء المبرم من القضاء المحكم.
فيتأدب فيما يعلمه محكمة، ويشفع فيما يعلمه مبرما.
وإعلام الحق له بالقضاء المبرم، هو الإذن في الشفاعة، قال الله تعالى: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ".
ثم اعلم أن النور الإلهي المعبر عنه باللوح المحفوظ: 
هو نور ذات الله تعالى ونور ذاته عين ذاته لاستحالة التبعيض والانقسام عليه.
فهو حق مطلق، وهو المعبر بالنفس الكلية، فهو خلق مطلق، وإلى هذه الإشارة بقوله: بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ"
 يعني: بالقرآن نفس ذات المجد الشامخ، والعز الباذخ في لوح محفوظ في النفس الكلية.
أعني: نفس الإنسان الكامل بغير حلول، تعالى الله عن الحلول والاتحاد.

والله يقول الحق وهو يهدي إلى سبيل الرشاد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   السبت يوليو 07, 2018 4:33 pm

الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب التاسع والأربعون في سدرة المنتهى

أعلم أن سدرة المنتهى هي نهاية المكانة التي يبلغها المخلوق في سيره إلى الله تعالى.
وما بعدها إلا المكانة المختصة بالحق تعالى وحده، وليس لمخلوق هناك قدم، ولا يمكن البلوغ إلى ما بعد سدرة المنتهى.
لأن المخلوق هناك مسحوق ممحوق ومدموس مطموس ملحق بالعدم المحض، لا وجود له فيما بعد السدرة.
وإلى ذلك الإشارة في قول جبريل عليه السلام للنبي عله: "لو تقدمت شبرا لاحترقت" ولو حرف امتناع، فالتقدم ممتنع.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم  أنه وجد هناك شجرة سدر لها أوراق كآذان الفيلة، فينبغي الإيمان بذلك مطلقة لإخباره عن نفسه بذلك، فيحتمل أن يكون الحديث مؤولا، وهو الذي وجدناه في عروجنا.
ويحتمل أن يكون على ظاهره، فيكون قد وجد في مجالية المثالية ومنازله ومناظرة الإلهية، شجرة سدر محسوسة لخياله، مشهودة بعين كماله، ليجتمع له الكشف المحقق صورة ومعنى هكذا في جميع ما أخبر به أنه وجد إياه في معراجه.
فإنا نؤمن بما قاله مطلقة ولو وجدنا فيما أعطانا الكشف مقيدة، لأن معراجنا ليس كمعراجه.
فنأخذ من حديثه مفهوم ما أعطانا الكشف، ونؤمن أن له من وراء ذلك ما لا يبلغه علمنا والذي أعطانا الكشف في هذا الحديث.
 هو أن المراد بشجرة السدر: الإيمان. قال : "من ملأ جوفه نبقة ملأ الله قلبه إيمانا".
وكونها لها أوراق كآذان الفيلة ضرب مثل لعظم ذلك الإيمان وقوته، وتدلى كل ورقة منها في كل بيت من بيوت الجنة عبارة عن إيمان صاحب ذلك البيت.
واعلم بأنا وجدنا السدرة مقامة فيه ثماني حضرات في كل حضرة من المناظر العلا ما لا يمكن حصرها، تتفاوت تلك المناظر على حسب أذواق أهل تلك الحضرات.
أما المقام: 
فهو ظهور الحق في مظاهره، وذلك عبارة عن تجليه فيما هو له من الحقائق الحقيقة والمعاني الخلقية. 
الحضرة الأولى:
 يتجلى فيها باسمه الظاهر من حيث باطن العبد. 
الحضرة الثانية: 
يتجلى الحق فيها باسمه الباطن من حيث ظاهر العبد. 
الحضرة الثالثة: 
يتجلى الحق فيها باسمه الله من حيث روح العبد. 
الحضرة الرابعة: 
يتجلى فيها الحق بصفة الرب من حيث نفس العبد. 
الحضرة الخامسة: 
هو تجلي المرتبة، وهو ظهور الرحمن في عقل العبد، 
الحضرة السادسة: 
يتجلى الحق فيها من حيث وهم العيد. 
الحضرة السابعة: 
معرفة الهوية يتجلى الحق فيها من حيث نية اسم العبد. 
الحضرة الثامنة: 
معرفة الذات من مطلق العبد يتجلى الحق في هذا المقام بكماله في ظاهر الهيكل الإنساني وباطنه، باطنا بباطن وظاهرة بظاهر، هوية بهوية، وإنية بإنية، وهي أعلى الحضرات وما بعدها إلا الأحدية.
 وليس للخلق فيها مجال لأنها من محض الحق، وهي من خواص الذات الواجب الوجود.
فإذا حصل للكامل شيء من ذلك قلنا هو تجل إلهي له به، ليس لخلقه فيه مجال فلا ينسب ذلك إلى الخلق بل هو للحق.
 ومن هنا منع أهل الله تجلي الأحدية للخلق، وقد سبق بيان الأحدية فيما مضى، والله الموفق للصواب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الموفي خمسين في روح القدس. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   السبت يوليو 07, 2018 4:34 pm

الباب الموفي خمسين في روح القدس. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الموفي خمسين في روح القدس

اعلم أن روح القدس هو روح الأرواح، وهو المنزه عن الدخول تحت حيطة کن.
فلا يجوز أن يقال فيه إنه مخلوق لأنه وجه خاص من وجوه الحق قام الوجود بذلك الوجه.
فهو روح لا كالأرواح لأنه روح الله، وهو المنفوخ منه في آدم.
وإليه الإشارة بقوله تعالى: 
"ونفخت فيه من روحي" فروح آدم مخلوق وروح الله ليس مخلوق.
فهو روح القدس: أي أنه الروح المقدس عن النقائص الكونية، وذلك الروح هو المعبر عنه بالوجود الإلهي في المخلوقات.
 وهو المعبر عنه في الآية بقوله:  "فأينما تولوا فثم وجه الله " . 
يعني هذا الروح المقدس الذي أقام الله به الوجود الكوني بوجود فأينما تولوا يإحساسكم في المحسوسات أو بأفكاركم في المعقولات، فإن الروح المقدس متعين بكماله فيه.
لأنه عبارة عن الوجه الإلهي القائم بالوجود، فذلك الوجه في كل شيء هو روح الله وروح الله الشيء نفسه، فالوجود قائم بنفس الله ونفسه ذاته.
واعلم أن كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام به صورته، فالروح لتلك الصورة كالمعنى للفظ.
ثم إن لذلك الروح المخلوق روحة إلهية قام به ذلك الروح، وذلك الروح الإلهي هو روح القدس.
فمن نظر إلى روح القدس في الإنسان رآها مخلوقة لانتفاء وجود قدمين، فلا قدم إلا الله تعالى وحده.
ويلحق بذاته جميع أسمائه وصفاته لاستحالة الانفكاك، وما سوى ذلك فمخلوق ومحدث، فالإنسان مثلا له جسد وهو صورته، وروح وهو معناه، وسر وهو الروح، ووجه وهو المعبر عنه بروح القدس وبالسر الإلهي والوجود الساري.
فإذا كان الأغلب على الإنسان الأمور التي تقتضيها صورته، وهي المعبر عنها بالبشرية و بالشهوانية.
فإن روحه تكتسب الرسوب المعدني الذي هو أصل الصورة ومنشأ مخلها حتى كادت أن تخالف عالمها الأصلي لتمكين المقتضيات البشرية فيها، فتقيدت بالصورة عن إطلاقها الروحي.
فصارت في سجن الطبيعة والعادة، وذلك في دار الدنيا مثال السجين في دار الآخرة، بل عين السجين هو ما استقر فيه روح.
لكن السجين في الآخرة في سجن محسوس في نار محسوسة، وهي في الدنيا هذا المعنى المذكور، لأن الآخرة محل تبرز المعاني فيه صورة محسوسة فافهم. وبعكسه الإنسان إذا كان الأغلب عليه الأمور الروحانية، من دوام الفكر الصحيح وإقلال الطعام والمنام والكلام وترك الأمور التي تقتضيها البشرية.
فإن هيكله يكتسب اللطف الروحي، فيخطوا على الماء ويطير في الهواء ولا تحجبه الجدران ولا يقصيه بعد البلدان.
ثم تتمكن روحه من محلها لعدم الموانع وهي الاقتضاءات البشرية فيصير في أعلى مراتب المخلوقات، وذلك هو عالم الأرواح المطلقة عن القيود الحاصلة بسبب مجاورة الأجسام.
وهي المشار إليها في الآية بقوله:" إن الأبرار لفي نعيم" ثم غلبت عليه الأمور الإلهية من شهود ما الله وذلك أسمائه الحسنى وصفاته العلا مع تلك الأمور التي تقتضيها البشرية والروحانية صار قدسية.
فإن البشرية تقتضي الشهوات التي يقوم هذا الجسد بها والأمور التي يعتادها الطبع، والروحية تقتضي الأمور التي يقوم بها ناموس الإنسان من الجاه  
والاستعلاء والرفعة لأنها عالية المكان، إلى غير ذلك.
فإذا ترك الإنسان هذه المقتضيات المذكورة بالروحية أو البشرية وكان دائم الشهود للسر الذي منه أصله.
ظهرت أحكام السر الإلهي فيه، فانتقل هيكله، وروحه من حضيض البشرية إلى أوج قدس التنزيه، و كان الحق سمعه وبصره ويده ولسانه.
 فإذا مسح بيده أبرأ الأكمه والأبرص، وإذا نطق لسانه بتكوين شيء كان بأمر الله تعالى وكان مؤيدا بروح القدس.
كما قال الله في حق عيسى عليه السلام لما كان هذا وصفه: (أيدناه بروح القدس ) فافهم.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الحادي والخمسون في الملك المسمى بالروح. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل   السبت يوليو 07, 2018 4:35 pm

الباب الحادي والخمسون في الملك المسمى بالروح. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الحادي والخمسون في الملك المسمى بالروح 

اعلم أن هذا الملك هو المسمى في اصطلاح الصوفية بالحق المخلوق به والحقيقة المحمدية نظر الله تعالى إلى هذا الملك بما نظر به إلى نفسه.
فخلقه من نوره وخلق العالم منه، وجعله محل نظره من العالم. 
ومن أسمائه أمر الله وهو أشرف الموجودات وأعلاها مكانة وأسماها منزلة ليس فوقه ملك، وهو سيد المقربين وأفضل المكرمين.
أدار الله عليه رحا الموجودات وجعله قطب فلك المخلوقات، له مع كل شيء خلقه الله تعالی وجه خاص به يلحقه، وفي المرتبة التي أوجده الله تعالى فيها يحفظه.
له ثمانية صورهم حملة العرش، منه خلق الملائكة جميعها عليها وعنصریها، فنسبة الملائكة إليه نسبة القطرات إلى البحر.
ونسبة الثمانية الذين يحملون العرش منه نسبة الثمانية التي قام الوجود الإنساني بها من روح الإنسان.
وهي العقل والوهم والفكر والخيال والمصورة والحافظة والمدركة والنفس.
ولهذا الملك في العالم الأفقي والعالم الجبروتي والعالم العلي والعالم الملكوتي هيمنة إلهية خلقها الله في هذا الملك .
وقد ظهر بكماله في الحقيقة المحمدية، ولهذا كان عليه أفضل البشر وبه امتن الله تعالى عليه وأمده من أجل النعم التي أسداها الله تعالى إليه.
 فقال تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقیم (52)" سورة الشورى .
يعني إنا جعلنا لروحك وجها كاملا من وجوه هذا الملك الذي هو أمرنا، لأن هذا الملك أسمه أمر الله، وإليه الإشارة في قوله:
"من أمر ربي" أي وجه من وجوهه. 
والنكتة أنه لما أطلق ذكر الروح في سؤالهم عنه بقوله: "يسألونك عن الروح ".(سورة الإسراء)
أطلق في الجواب فقال: "قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي" (سورة الإسراء) .
أي وجه من وجوه الأمر بخلاف روح محمد علي فإنه قال فيه: "كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" (سورة الشورى) 
وذكره للاهتمام به ونكره لجلالة ذلك الوجه تنبيها على عظم قدر محمد علي، كما في قوله تعالى: "ذلك يوم مجموع له الناس" (سورة هود) أفاد التنكير عظم ذلك اليوم.
ثم قال: وروحا من أمرنا ولم يقل: أوحينا إليك من أمرنا، لأنه المقصود من الوجود لأن الروح هو المقصود من الهيكل الإنساني، ثم أتى بنون الإضافة في قول: من أمرنا كل ذلك تأكيدا وتنبيها على عظم قدر محمد صلى الله عليه وسلم. 
ثم اعلم أنه لما خلق الله هذا المُلك مرآة لذاته لا يظهر الله تعالى بذاته إلا في هذا الملك وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته.
فهو قطب العالم الدنيوي والأخروي، وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب وأهل الأعراف.
اقتضت الحقيقة الإلهية في علم الله سبحانه أن لا يخلق شيئا إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور فلك ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه.
لا يتعرف ذلك الملك لأحد من خلق الله تعالى إلا إلى الإنسان الكامل، فإذا عرفه الولي علمه أشياء.
فإذا تحقق بها صار قطبة يدور عليه رحا الوجود جميعه بحكم النيابة والعارية فاعرفه.
فإنه الروح المذكور في كتاب الله تعالى حيث قال: "يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا".
 ذلك اليوم الحق يوم يقوم هذا الملك في الدولة الإلهية والملائكة بين يديه وقوفة صفة في خدمته، وهو قائم في عبودية الحق متصرف في تلك الحضرة الإلهية بما أمره الله تعالى به.
وقوله: "لا يتكلمون " راجع إلى الملائكة دونه، فهو مأذون له في الكلام مطلقة في الحضرة الإلهية لأنه مظهرها الأكمل ومجلاها الأفضل، والملائكة وإن أذن لهم بالتكلم في الحضرة الإلهية لم يتكلم كل ملك إلا كلمة واحدة ليس في طاقته أكثر من ذلك، فلا يمكنه البسط في كلام ألبتة ألبتة.
فلا يتكلم الملك في الحضرة إلا كلمة واحدة، فأول من يتلقى الأمر من الحق هذا الملك، ثم يوجه إلى غيره من الملائكة.
فهم الجند، فإذا أمر بنفوذ أمر في العالم خلق الله منه ملكة لائقة بذلك الأمر فيرسله الروح، فيفعل الملك ما أمره الروح به، وجميع الملائكة المقربين مخلوقون منه مثل إسرافيل وجبريل وميكائيل وعزرائيل.
ومن هو فوقهم كالملك المسمى بالنون، وهو الملك القائم تحت اللوح المحفوظ، كالملك المسمى بالقلم، وسيأتي بيانه في تلو هذا الباب.
والملك المسمى بالمدبر وهو الملك القائم تحت الكرسي.
والملك المسمى بالمفضل وهو القائم تحت الإمام المبين.
وهؤلاء هم العالون الذين لم يؤمروا بالسجود لآدم، حكمة إلهية، فلو أمروا بالسجود لآدم لعرفهم كل أحد من ذريته.
ألا ترى إلى الأملاك لما أمروا بالسجود لآدم كيف ظهروا على كل من بني آدم فتتصور لهم في النوم بالأمثال الإلهية التي يظهر بها الحق للنائم.
 فتلك الصور جميعها ملائكة الله فتنزل بحكم ما يأمرها الملك الموكل بضرب الأمثال فتصور بكل صور للنائم.
ولهذا يرى النائم أن الجماد يكلمه ولو لم يكن روحا متصورة بالصورة الجمادية لم يكن يتكلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "إن الرؤيا الصادقة وحي من الله"(صحيح البخاري ومسلم و أحمد ) وذلك أن الملك ينزل بها. 
وقال: «إن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» الحديث (البخاري وابن ماجة و أحمد)؛ 
ولما كان إبليس عليه اللعنة من جملة المأمورين بالسجود لآدم ولم يسجد أمر الشياطين وهم نتیجه وذريته أن يتصوروا للنائم بما يتصور به الملائكة.
فظهرت الرؤيا الكاذبة، والحاصل من هذا الكلام جميعه أن العالين لم يؤمروا بالسجود لآدم.
ولهذا لم يتوصل إلى معرفتهم إلا الإلهيون من بني آدم منحة إلهية بعد الخلوص من الأحكام الآدمية وهي المعاني البشرية.
ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى لإبليس: "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم کنت من العالین ".(آية 75 سورة ص ) يعني أن العالين لا سجود عليهم. 
وقد ذكر الإمام محيي الدين بن العربي هذا المعنى في الفتوحات المكية، ولكنه لم ينص على أحد أنه من العالين، ثم استدل بهذه الآية.
واعلم أنه لا يصح حمل السؤال من الحق تعالى على الاستفهام، فهو من حيث وقع إما بمعنى النفي أو بمعنى الإثبات أو بمعنى الإيناس أو بمعنى الإيحاش.
فهذا السؤال من الحق لإبليس في قوله: "ما منعك أن تسجد " تهديد و إيحاش، وألف الاستفهام في واستكبرت بمعنى الإثبات، يعني أستكبرت.
بقولك: "أنا خير منه " وأم في قوله: "أم كنت من العالين" بمعنى النفي يعني لست من العالين الذين لم يؤمروا بالسجود.
والاستفهام الذي بمعنى الإيناس والبسط قوله: "وما تلك بيمينك يا موسی" (سورة طه) 
ولهذا أجاب موسى بقوله: "هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى" (سورة طه) 
لما علم منه أنه يريد منه ذلك، وإلا كان الجواب عصاي، فهذا أدب أهل الله مع الله في حضرته، أبرزها الله لك في الإنسان الكامل لتقرأه فتعمل بموجبه فتكتب مع السعداء، فتأدب بها.
جال بنا مركب البيان في بحر التبيان إلى أن أشرف بنا على الساحل، فلنرجع إلى بحر الحقائق في التعبير عن الملك المسمى بالروح.
اعلم أن الروح له أسماء كثيرة على عدد وجوهه، يسمى بالقلم الأعلى، وبروح محمد صلى الله عليه وسلم ، وبالعقل الأول، وبالروح الإلهي من تسمية الأصل بالفرع.
وإلا فليس له في الحضرة إلا اسم واحد وهو الروح، ولهذا خصصناه في عقد الباب عليه، ولو أخذنا في شرح ما حواه هذا الملك من العجائب والغرائب احتجنا إلى كتب ومجلدات كثيرة ولقد اجتمعت به في بعض الحضرات الإلهية فتعرف إلي وسلم علي فرددت عليه السلام بعد أن كدت أذوب من هيبته وأفني من حسن بهجته.
فلما باسطني بالكلام بعد أن حيا ودار بإيناسه کاس الحميا، سألته عن مكانته و محتده وحضرته ومستنده وعن أصله وفرعه وعن هيئته ونوعه وعن صفته واسمه وعن حليته ورسمه.
 فقال: إن الأمر الذي خطبته والسر الذي طلبته عزيز المرام عظيم المقام، لا يصلح إنشاؤه بالتصريح ولا يكاد يفهم بالكناية والتلويح.
 فقلت له: هلم بالتلويح والكناية لعلي أفهمه إذا سبقت لي به العناية.
فقال: أنا الولد الذي أبوه ابنه، والخمر الذي كرمه دنه، أنا الفرع الذي أنتج أصله، والسهم الذي قوسه نصله، اجتمعت بالأمهات اللاتي ولدتني وخطبتها لأنكحها فأنكحتني, فلما سرت في ظاهر الأصول عقدت صورة المحصول، فانثنيت في نفسي أدور في حسي وقد حملت أمانات الهيولي وأحكمت الحضرة الموصوفة بالأولى، وجدتني أبا الجميع وأم الكبير والرضيع، هذه الحضرة والأمانة. 
وأما المحتد والمكانة فاعلم أني كنت عينة مشهودة كان لي في الغيب حكما موجودا، فلما أردت معرفة ذلك الحكم المحتوم ومشاهدته في جانت الأمر المحكوم.
عبدت الله تعالى بذلك الاسم كذا وكذا سنة وأنا عن اليقظة في سنة، فنبهني الحق سبحانه وتعالى وأقسم باسمه وإلى أنه: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ".سورة الشمس.
فلما حضرت القسمة وأحرزت ما أعطاني الاسم، أعني باسمه، زكتني الحقيقة المحمدية بلسان الحضرة الرسولية.
فقال عليه الصلاة والسلام: "خلق الله آدم على صورته" . ولا ريب في هذا ولا كلام.
ولم يكن آدم إلا مظهر من مظاهري أقيم خليفة على ظاهري فعلمت أن الحق جعلني المراد والمقصود من العباد.
فإذا بالخطاب الأكرم عن المقام الأعظم: أنت القطب الذي تدور عليه أفلاك الجمال، والشمس الذي تمت بضوئها بدر الكمال. 
أنت الذي أقمنا له الأنموذج واحكمنا من أجله الزمور فتوج المراد بما يکنی عنه بهند وسلمى أو يلوح بأنها عزة وأسما.
 فالكل إلا أنت يا ذا الأوصاف السنية والنعوت الزكية، لا يدهشك الجمال ولا يرعشك الجلال ولا تستبعد استيعاب الكمال.
أنت النقطة وهي الدائرة وأنت اللابس وهي الثياب الفاخرة.
قال : الروح
 فقلت: أيها السيد الكبير والعلام الخبير نسألك بالتأييد والعصمة، أخبرني عن درر الحكمة وبحر الرحمة بأن جعلت صدفها سوائي وما انعقدت سوى من مائي.
ولم وسم طيري باسم غيري وكتم هذا الأمر رأسه فلم يعلم لحديدته بأسا؟ 
فقال: اعلم أن الحق تعالى أراد أن تتجلى أسماؤه وصفاته لتعرف الخلق ذاته، فأبرزها في المظاهر المتميزة والبواطن المتحيزة وهي الموجودات الذاتية المتجلية في المراتب الإلهية.
ولو أطلق الأمر كفاحة وأطلق لهذا العبد سراح، جهلت الرتب، وفقدت الإضافات والنسب.
فإن الإنسان إذا أشهد غيره فقد استوعب خيره وسهل عليه الاتباع وأخذ في ذلك ما استطاع.
فلهذا أرسل الله الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام بكتابه المبين وخطابه المتين، يترجم عن صفاته العليا وأسمائه الحسنى، ليعلم أن ذاته لها التعالي عن الإدراك فلا يعرفها غيرها ولا إشراك.
 ولهذا أمرنا السيد الأواه فقال: «تخلقوا بأخلاق الله».
لتبرز أسراره المودعة في الهياكل الإنسانية، فيظهر بذلك علق العزة الربانية، ويعلم حق المرتبة الرحمانية ولا سبيل إلى معرفته بحسب حصره إذ هو القائل عن نفسه: " وما قدروا الله حق  قدره. "(9- 10 سورة الشمس) 
هذا در الحكمة وبحر الرحمة. 
وكون الصدق سواك، وما انعقدت درارية إلا من ماك، فهو القشر على اللباب، لئلا يرتقي إلى الحكمة وفصل الخطاب سوی من أهله لذلك في أم الكتاب. 
وأما رسم طيرك باسم غيرك فلاستيعاب خيرك. 
وأما كتم الأمر فلعدم الطاقة على خوض البحر، فإن العقول تقصر عن الإدراك، ولا محيص لها عن قيدها ولا انفكاك. 
وهذه الجملة قشور العبارات، وقبور الإشارات جعلناها عن الوجه نقابة. 
لتحجبه عمن ليس من أهله حجابا، فافهم إن کنت مدركا خطابا، فالوجود التي برزت في الظواهر هي الأبكار التي استترت في البواطن حجب على تلك الوجوه، واستتار هذا الأمر المنكوس تحار فيه الأفكار.
قال الراوي: فما زلت أشرب مما سقاني الروح الأسمى، وبالري منه ما زلت كما كنت أو أظمأ، إلى أن طلع شمس الاقتدار وأسفر فجر الاسم كالنهار.
 وإذا بالقمري قد غنى على وكري، فترجم عن الحال، ثم أنشد عن الملك المسمى بالروح فقال:

خود لها في حسنها طلعات        .....    الكل معنى الوصف وهي الذات
هي روح أشباح الجمال وإنها      .....     نفي ولكن بعدها الإثبات
هي صورة الحسن التي لوحتها      .....     وكنيت عنها أنها الهندات
وهي المعاني الباطنات حقيقة        ......    عن حسنكم لكن لها ظهرات
كل العوالم تحت مركز قطبها      ......      هي جمعهم وهمو لها أشتات
كنيت بحق إنها لحقيقة            ......       خلق الإله وأنها الكلمات
فقدت قديماً ثم أحدثها الذي       ......      يمضي ويفعل ما اقتضته صفات
لكنها لما تعيّن ذاتها           ......         ظهرت بأحكام لها لهجات
فغدت وقد لبست ثياب جمالها    .....      تزهو بحسن دونه الحسنات
وتقول إن وجودها لا مسبق      .....   بالانعدام ولا لها لحقات
وأنت تشاهد وصفها بكمالها      .....     عيناً وحقّ الذات تحقيقات
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني والخمسون في القلب وأنه محتد إسرافيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم ومجد وكرم وعظم   الثلاثاء يوليو 10, 2018 7:56 am

الباب الثاني والخمسون في القلب وأنه محتد إسرافيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم ومجد وكرم وعظم

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثاني والخمسون في القلب وأنه محتد إسرافيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم ومجد وكرم وعظم

 القلب عرش الله ذو الإمكان   .......       هو بيته المعمور في الإنسان
القلب عرش اللَّه ذو الإمكان    .....    هو بيته المعمور في الإنسان
فيه ظهور الحق فيه لنفسه      ......     وعليه حقاً مستوى الرحمن
خلق الإله القلب مركز سرّه      .....    ومحيط دور الكون والأعيان
فهو المعبر عنه في تحقيقهم    ......    بالمنظر الأعلى ومجلى الآن
والطور فيه مع الكتاب وبحره ....    والرقّ والسقف الرفيع الشان
وهو الذي ضرب الإله بنوره    .....   مثلاً به في محكم القرآن
بالزيت والمصباح من مشكاته    ......    وزجاجة المتكوكب اللمعان
وهو المقلب و المقلب والذي    ..... يعلو فيدنو رفعة وتداني
منه الظلام له ومنه نوره      ......      وبه ينير عليه في الأكوان
وإليه جاء رسوله منه له      ......      لينال منه مقامه الربّاني
ملكاً بطاعته وربّاً بالعلا      .....      و بقبحه فحقيقة الشيطان
رمز وكل الناس فيه حائر    ......     ما بين ذي ربح وذي خسران
ما مخزن الأسرار إلاَّ درّة    .......     هي بحرها مثلاً وفي التبيان
بيت له باب عظيم ختمه      ......        لكنه للباب مصراعان
يقصيك مصراع إلى أعلى العلا   ....    وإلى الجحيم فسوف يدني الثاني
والباب إن فضيت يوماً ختمه  .....    وفتحته من غير ما كسران
يهنيك بلغت المنى بكماله  ......        ونزلت ثم بساحة الرحمن
لكن كذا كسرته تأتي الحمى ......        وتقيم فيه مكانة السلطان
هذا مثكل القلب فإعلم سرّه    ......     ولسوف أظهره على كتمان
والبيت سرّ القلب أما بابه  ......       فاسم الإله ووصفه السبحاني
والختم فهو الذات قدّس ذاته  ......      والفض علم الحق بالإيمان
والفتح فهو شهود عين يقينه .....         فيما حويت بمقلة وعيان
و بلوغك الأسباب منه تحقق  ......      بجوارح دانت لها الثقلان
ثم التهني بالتعالي إنه         ......    هو ساحة الرحمن في الإنسان
والكنز فإعلم علم ذلك دركه       .....          بعد الوجود لنكتة الديّان
حتى كذا لم تحترم مقداره    ......         سقط العزيز وذاك ذلّ هوان
من لم يعظم مشعر التحقيق لم  .....      يخلص من التكوين بين كيان
فوصول سرّك للحمى هو ذاته ......     لكن بلا حسن ولا إحسان
ولقد يرجى للذي هو هكذا      .......        من نفخة تأتي بريح البان
هذا ومصراعاه واحده الرضا    ......      وهو الذي يفضي إلى رضوان
والآخر الغضب الشديد ووسعه       ...... وهو المجال الرحب للطغيان
فعلامة المرضي طاعة ربّه      ......  وعلامة المغضوب في العصيان
وعلامة المهني يفعل ما يشاء    ......         وعلامة المكسور في العرفان
هذي العروسة زفها لك خاطري    ......     في القلب فوق منصة العيدان
فانظر إلى الحسناء فيك بعينها    ......    تجلّى عليك لديك كل معان
اعلم وفقك الله أن القلب هو النور الأزلي والسر العلي المنزل في عين الأكوان لينظر الله تعالی به إلى الإنسان.
وعبر عنه في الكتاب بروح الله المنفوخ في روح آدم حيث قال:" ونفخت فيه من روحي".
ويسمى هذا النور بالقلب لمعان: منها:
 أنه لبابة المخلوقات وزبدة الموجودات جميعها أعاليها وأدانيها.
فسمي بهذا الاسم لأن قلب الشيء خلاصته وزبدته. 
ومنها: أنه سريع التقلب وذلك لأنه نقطة يدور عليها محيط الأسماء والصفات، فإذا قابلت اسمة أو صفة بشرط المواجهة انطبعت بحكم ذلك الاسم والصفة.
وقولي بشرط المواجهة تقييد لأن القلب في نفسه لا يزال مقابلا بالذات لجميع أسماء الله تعالى وصفاته.
لكن يقابله في التوجه شیء ثان، وهو أن يكون القلب متوجهة لقبول أثر ذلك الشيء في نفسه فينطبع فيه، فيكون الحكم عليه لذلك الاسم.
ولو كانت الأسماء جميعها تحكم عليه فإنها تكون في ذلك الوقت مستترة الحكم تحت سلطان الاسم أو الأسماء الحاكمة.
فيكون الوقت وقت ذلك الاسم فيتصرف في القلب بما يقتضيه.
ثم اعلم أن وجه القلب يكون دائما إلى نور في الفؤاد يسمى الهم .
هو محل نظر القلب وجهة توجهه إليه، فإذا حاذاه الاسم أو الصفة من جهة محاذاة الهم نظره القلب فإنطبع بحكمه ثم يزول فيعقبه اسم آخر.
إما من جنسه أو من جنس غيره، فيجري معه ما جرى له مع الاسم الأول وهكذا على الدوام. 
وأما ما كان من قفا القلب فإنه لا ينطبع به.
ثم اعلم أن القلب ما له قفا ينص عليه بل كله وجه لكن موضع الهم منه يسمى وجها، وموضع الفراغ منه يسمى قفا، وهذه الدائرة فيها كيفية ما ذكرناه. فافهم.


واعلم أن الهم لا يكون له من القلب جهة مخصوصة، بل يكون تارة إلى فوق وقد يكون تارة إلى تحت وعن اليمين وعن الشمال على قدر صاحب ذلك القلب.
فإن من الناس من يكون همه أبدا إلى فوق كالعارفين. 
ومنهم من يكون همه أبدا إلى تحت كبعض أهل الدنيا. 
ومنهم من يكون همه أبدا إلى اليمين كبعض العباد. 
ومن الناس من يكون همه أبدا إلى الشمال وهو موضع النفس، فإنها محلها في الضلع الأيسر وأكثر البطالين لا يكون له هم إلا نفسه. 
وأما المحققون فلا هم لهم فليس القلوبهم موضع يسمى قفا، بل يقابلون بالكلية كلية الأسماء والصفات فليس يختص وقتهم باسم دون اسم غيره.
لأنهم ذاتيون فهم مع الحق بالذات لا بالأسماء والصفات فافهم. 
ومنها: أي من المعاني التي تسمى القلب من أجلها قلبا، فهو باعتبار أن الأسماء والصفات له كالقلوب ليفرغ نوره فيها و انصبابه إليها فلذلك التفريغ قد يسمى قلبا من قولهم قلبت الفضة في القالب قلبا وهو من وضع المصدر اسمة للمفعول. 
ومنها: أنه مقلوب المحدثات بمعنی عکسها يعني نوره قديم إلهي. 
ومنها: أنه الذي ينقلب إلى المحل الأصلي الإلهي الذي بدأ منه.
قال الله تعالى: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)" .سورة ق.
أي: انقلاب إلى الحق، فهو صرف وجه الهمة من العدوة الدنيا وهي الظواهر إلى العدوة القصوى وهي الحقائق وبواطن الأمور. 
ومنها: أنه كان خلقة فانقلب حقا، يعني كان مشهده خلقية فصار مشهده حقية، وإلا فالخلق لا يصير حقا لأن الحق حق والخلق خلق، والحقائق لا تتبدل ولكن من كان أصله من شيء رجع إليه قال تعالى: "... وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) ".سورة العنكبوت 
ومنها: أنه يعني القلب يقلب الأمور كيف يشاء، فإن القلب إذا كان على فطرته التي خلقه الله عليها تقلبت له الأمور حسب ما يحبه ويتصرف في الوجود كيفما شاء، والفطرة التي خلقه الله عليها هي الأسماء والصفات.
وهي قوله: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) " سورة التين لكنه لما نزل مع الطبيعة إلى حكم العبادة وانتوال الشهوات، وكان هذا 
غالب حكم البشر، لأنه كالثوب الأبيض ينطبع فيه أول ما يقع عليه.
وأول ما يعقله الطفل أحوال الظاهر من أهل الدنيا فينطبع فيه تشتتهم وتفرقهم وانحطاطهم إلى العوائد والطبائع،فيصير مثلهم.
وهو قوله تعالى: "ثم رددناه أسفل سافلين " فإن كان من أهل السعادات الإلهية وعقل بعد ذلك عن الحق تعالى الأمور التي تقتضيه إلى المكانة الزلفي والمراتب العليا، فإنه يتزکي يعني يتطهر مما تدنس به من . 
اكتسابه البشریات، فهو بمنزلة من يغسل ثوبه مما طبع فيه، وعلى قدر تمكن الطبائع من قلبه تكون التزكية.
 فإن كان ممن لا تتمكن فيه البشريات والأمور العاديات كل التمكن، فإنه يتزکي بأقل القليل.
فهو بمنزلة من لم يتمكن لون النقش في ثوبه فغسله بالماء فعاد إلى أصله.
والآخر الذي تمكنت منه الطبائع والعادات بمنزلة من استولى النقش في ثوبه وتمكن منه فلا ينقيه إلا الطبخ بالنار والجص، وهو السلوك الشديد وقوة المجاهدات والمخالفات.
فهذا على قدر قوة سلوكه في الطريق ودوام مخالفته يكون تزكيته وصفاؤه وضعفه على قدر ضعف عزائمه في ذلك.
وهؤلاء الذين استثناهم الحق فقال: "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25) ".سورة الانشقاق - كذلك الآية 6 سورة التين .
يعني بما أودعناهم من الأسرار الإلهية التي نبهناهم عليها في كتبنا المنزلة على رسلنا، وذلك حقيقة إيمانهم بنا وبالرسل.
وهو وقوعهم على نكتة التوحيد فآمنوا وعملوا ما يصلح للحضور مع الله تعالى من الأعمال القلبية بأحسن العقائد ودوام المراقبة وأمثالها.
ومن الأعمال القالبية كالفرائض والسلوك وعدم المخالفة.
فهذا معنى قوله: " إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)" .سورة التين .
يعني أنهم نالوا ما هو لهم فليس ذلك بموهوب حتى يكون ممنونة بل ظفروا بما اقتضته حقائقهم التي خلقناهم عليها من أصل الفطرة.
فكل ما نالوه إنما هو باستحقاق جعلناه لهم، ولو كان الكل من خزائن الجود فإن التجليات الذاتية لا تسمى موهبة، بل هي أمور استحقاقية إلهية.
وإلى هذا المعنى أشار شيخنا الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في قوله: 

ما زلت أرتع في ميادين الرضا         ……    حتى بلغت مكانة لا توهب 
ومنها: أن القلب الحقائق الوجود كالمرآة للوجه فهو عكسه، يعني أنه لما كان العالم سريع التغير في كل نفس انطبع عکسه في القلب، فهو كذلك سريع التغير.
وما سمي ذلك الانطباع عکسا وقلبا إلا لأن المرأة إذا قابلتها بشيء إنما ينطبع فيه عكسه لا عينه.
فإن كانت الكتابة مثلا من اليمين إلى الشمال انطبع فيه من الشمال إلى اليمين، حتى لو قابلت المرأة بصورة إنما تقابل يمين الصورة بشمال المرآة.
هذا لا يختلف أبدا، فلهذا سمي القلب قلبة. 
وعندي أن العالم إنما هو مرآة القلب، فالأصل والصورة هو القلب والفرع والمرأة هو العالم. 
وعلى هذا التقدير يصح فيه أيضا اسم القلب لأن كل واحد من الصورة والمرأة قلب الثاني: أي عكسه فافهم
ودليلنا في أن القلب هو الأصل والعالم هو الفرع قوله تعالى: "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن "
ولو كان العالم هو الأصل لكان أولى بالوسع من القلب، فعلم أن القلب هو الأصل وأن العالم هو الفرع.
ثم اعلم أن هذا الوسع على ثلاثة أنواع كلها سائغة في القلب:
النوع الأول: 
وهو وسع العلم، وذلك هو المعرفة بالله، فلا شيء في الوجود يعقل آثار الحق ويعرف ما يستحقه كما ينبغي إلا القلب، لأن كل شيء سواه إنما يعرف ربه من وجه دون وجه، وليس لشيء غير القلب أن يعرف الله من كل الوجوه، فهذا وسع.
والنوع الثاني: 
هو وسع المشاهدة، وذلك هو الكشف الذي يطلع القلب به على محاسن جمال الله تعالى، فيذوق لذة أسمائه وصفاته بعد أن يشهدها.
فلا شيء من المخلوقات يذوق ما لله تعالى إلا القلب، فإنه إذا تعقل مثلا علم الله بالموجودات وسار في فلك هذه الصفة ذاق لذاتها وعلم بمكانة هذه الصفة من الله تعالى، ثم القدرة كذلك.
ثم في جميع أوصاف الله تعالى وأسمائه فإنه يتسع لذلك ويذوقه كما يذوق مثلا معرفة غيره وقدرة غيره لسيره في أفلاكها، وهذا وسع ثان وهو للعارفين.
النوع الثالث: 
وسع الخلافة وهو التحقق بأسمائه وصفاته حتى أنه يرى ذاته ذاته، فتكون هوية الحق عين هوية العبد، وانيته عين إنيته، و اسمه اسمه، وصفته صفته، وذاته ذاته، فيتصرف في الوجود تصرف الخليفة في ملك المستخلف وهذا وسع المحققين. 
وهذا نكات في كيفية هذا التحقق وأين محل كل اسم منه من العارفين أضربنا عنها، واكتفينا بهذا القدر من التنبيه عليها لئلا يقضي ذلك إلى إفشاء سر الربوبية، وهذا الوسع قد يسمى وسع الاستيفاء.
اعلم وفقنا الله وإياك أن الحق تعالى لا يمكن درکه على الحيطة والاستيفاء أبدا لا لقديم ولا لحديث.
أما القديم فلأن ذاته لا تدخل تحت صفة من صفاته وهي العلم فلا يحيط بها وإلا لزم منه وجود الكل في الجزء.
تعالى الله عن الكل والجزء فلا يستوفيها العلم من كل الوجوه، بل إنه سبحانه وتعالى لا يجهل نفسه، لكن يعرفها حق المعرفة.
ولا يقال إن ذاته تدخل تحت حيطة صفة العلمية ولا تحت صفة القدرة تعالى الله، وكذلك المخلوق فإنه بالأولى لكن هذا الوسع الكمالي الذي قلنا إنه الوسع الاستيفائي إنما هو استيفاء كمال ما عليه المخلوق من الحق لا كمال ما هو الحق عليه.
فإن ذلك لا نهاية له، فهذا معنى قوله: "وسعني قلب عبدي المؤمن"
ولما خلق الله تعالى العالم جميعه من نور محمد ، كان المحل المخلوق منه إسرافيل قلب محمد له، كما سيجيء بیان خلق جميع الملائكة وغيرهم كل من محل منه.
فلهذا لما كان إسرافيل عليه السلام مخلوقا من هذا النور القلبي، كان له في الملكوت هذا التوسع والقوة.
حتى أنه يحيى جميع العالم بنفخة واحدة بعد أن يميتهم بنفخة واحدة، للقوة الإلهية التي خلقها الله تعالى في ذات إسرافيل.
لأنه محتده القلب والقلب قد وسع الله تعالى لما فيه من القوة الذاتية الإلهية.
فكان إسرافيل عليه السلام أقوى الملائكة وأقربهم من الحق أعني العنصريين من الملائكة، فافهم ذلك، والله تعالى أعلم.

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث والخمسون في العقل الأول وأنه محتد جبريل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم   الثلاثاء يوليو 10, 2018 7:57 am

الباب الثالث والخمسون في العقل الأول وأنه محتد جبريل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث والخمسون في العقل الأول وأنه محتد جبريل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم

اعلم وفقنا الله وإياك و دلك على نفسك وإلى التحقيق به هداك.
أن العقل الأول هو محل الشكل العلمي الإلهي في الوجود.
لأنه القلم الأعلى ثم ينزل منه العلم إلى اللوح المحفوظ، فهو إجمال اللوح واللوح تفصيله.
بل هو تفصیل علم الإجمال الإلهي واللوح هو محل تعينه وتنزله.
ثم في العقل الأول من الأسرار الإلهية ما لا يسعه اللوح، كما أن في العلم الإلهي ما لا يكون العقل الأول محلا له، فالعلم الإلهي هو أم الكتاب.
والعقل الأول هو الإمام المبين، واللوح هو الكتاب المبين فاللوح مأموم بالقلم تابع له، والقلم الذي هو العقل الأول حاكم على اللوح مفصل للقضايا المجملة في دولة العلم الإلهي المعبر عنها بالنون.
والفرق بين العقل الأول والعقل الكلي وعقل المعاش.
 أن الفعل الأول هو نور علم إلهي ظهر في أول تنزلاته التعيينية الخلقية، وإن شئت قلت أول تفصيل الإجمال الإلهي.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما خلق الله العقل».
فهو أقرب الحقائق الخلقية إلى الحقائق الإلهية، ثم إن العقل الكلي هو القسطاس المستقيم، فهو ميزان العدل في قبة اللوح الفصل. 
وبالجملة فالعقل الكلي هو العاقلة: أي المدركة النورية التي ظهر بها صور العلوم المودعة في العقل الأول، لا كما يقول من ليس له معرفة بهذا الأمور.
لأن العقل الكلي عبارة عن شمول أفراد الجنس للعقل من كل ذي عاقلة وهذا منقوض، لأن العقل لا تعدد له، إذ هو جوهر فرد.
وهو في المثل العنصر الأرواح الإنسانية والملكية والجنية، لا للأرواح البهيمية، ثم إن العقل المعاش هو النور الموزون بالقانون الفكري.
فهو لا يدرك إلا بألة الفكر ثم إدراكه بوجه من وجوه العقل الكلي فقط لا طريق له إلى العقل الأول، لأن العقل الأول منه عن القيد بالقياس وعن الحصر بالقسطاطس.
بل هو محل صدور الوحي القدسي إلى مركز الروح النفسي. 
والعقل الكلي هو الميزان العدل للأمر الفصلي، وهو منزه عن الحصر بقانون دون غيره، بل وزنه للأشياء على كل معيار.
وليس لعقل المعاش إلا معیار واحد وهو الفكر، وليست له إلا كفة واحدة وهي العادة، وليس له إلا طرف واحد وهو المعلوم، وليس له إلا شوكة واحدة وهي الطبيعة.
 بخلاف العقل الكلي، فإن له كفتين إحداهما الحكمة، والثانية القدرة. 
وله طرفان: أحدهما الاقتضاءات الإلهية والثاني القوابل الطبيعية. 
وله شوكتان: إحداهما الإرادة الإلهية، والثانية المقتضيات الخلقية. وله معايير شتي. 
ومن جملة معايره أن لا معيار، ولهذا كان العقل الكلي هو القسطاطس المستقيم، لأنه لا يحيف ولا يظلم.
على كفة واحدة ولا يفوته شيء بخلاف عقل المعاش فإنه قد يحيف ويفوته أشياء كثيرة وطرف واحد.
فقياس عقل المعاش لا على التصحيح، بل على سبيل الخرص.
 وقد قال الله تعالى"قتل الخراصون" (آية 10 سورة الذاريات) 
وهم الذين يزنون الأمور الإلهية بعقولهم فيبخسون، لأنهم لا میزان لهم وإنما هم خراصون.والخرص بمعنى الفرض،
 فنسبة العقل الأول مثلا نسبة الشمس، ونسبة العقل الكلي نسبة الماء الذي وقع فيه نور الشمس، ونسبة عقل 
المعاش نسبة شعاع ذلك الماء إذا وقع على جدار.
فالنظر مثلا في الماء يأخذه هيئة الشمس على صحة، ويأخذ نوره على جلية، كما لو رأي الشمس لا يكاد يظهر الفرق بينهما.
إلا أن الناظر إلى الشمس يرفع رأسه إلى العلو، والناظر إلى الماء ينكس رأسه إلى أسفل، فكذلك العقل الكلي ينكس بنور قلبه إلى محل الكتاب، فيأخذ منه العلوم المتعلقة بالأكوان.
وهو الحد الذي أودعه الله تعالى في اللوح المحفوظ .
بخلاف العقل الأول فإنه يتلقى عن الحق بنفسه.
ثم إن العقل الكلي إذا أخذ من اللوح وهو الكتاب إنما يأخذ علمه إما بقانون الحكمة وإما بمعيار القدرة على قانون و غير قانون.
فهذا الاستقراء منه انتكاس، لأنه من اللوازم الخلقية الكلية لا يكاد يخطىء، إلا فيما استأثر الله به.
فإن الله إن أنزله إلى الوجود لا ينزله إلا إلى العقل الأول فقط، هكذا سنة الله فيما استأثر به من علومه، إلا أن لا يوجد في اللوح المحفوظ:
واعلم أن العقل الكلي قد يستدرج به أهل الشقاوة فيفتح به عليهم في مجال أهويتهم لا في غيرها.
فيظفرون على أسرار القدرة من تحت سجف الأكوان، والأفلاك والنور والضياء، وأمثال ذلك.
فيذهبون إلى عبادة هذه الأشياء، وذلك بمكر الله بهم والنكتة فيه. 
أن الله سبحانه يتجلى في لباس هذه الأشياء التي يعيدونها فیدرکها هؤلاء بالعقل الكلي فيقولون بأنها هي الفاعلة.
لأن العقل الكلي لا يتعدى الكون فلا يعرفون الله به.
لأن العقل لا يعرف الله إلا بنور الإيمان، وإلا فلا يمكن أن يعرفه العقل من نظره وقيامه، سواء كان عقل معاش أو عقلا كليا.
على أنه قد ذهب أئمتنا إلى أن العقل من أسباب المعرفة، وهذا من طريق التوسع لإقامة الحجة، وهو مذهبنا. 
غير أني أقول: إن هذه المعرفة المستفادة بالعقل منحصرة مقيدة بالدلائل والآثار، بخلاف معرفة الإيمان فإنها مطلقة، فمعرفة الإيمان متعلقة بالأسماء والصفات، ومعرفة العقل متعلقة بالآثار.
فهي ولو كانت معرفة لكنها ليست عندنا بالمعرفة المطلوبة لأهل الله تعالى.
ثم نسبة عقل المعاش إلى العقل الكلي نسبة الناظر إلى الشعاع، ولا يكون الشعاع إلى من جهة واحدة، فهو لا يتطرق إلى هيئة الشمس ولا يعرف صورته، ولا يعلم النور المتشكل في الماء لا طوله ولا عرضه.
بل بخرص بالفرض والتقدير فتارة يقول بطوله لما يزعم أنه دليل على الطول، وتارة يقول بعرضه كذلك، فهو على غير تحقيق من الأمر.
 وكذلك عقل المعاش فإنه لا يضيء إلا من جهة واحدة، وهي وجهة النظر والدليل بالقياس في الفكر.
فصاحبها إذا أخذ في معرفة الله به فإنه لا يخطىء.
ولهذا متى قلنا بأن الله لا يدرك بالعقل أردنا به عقل المعاش، ومتى قلنا أنه يعرف بالعقل أردنا به العقل الأول.
فلهذا قال الله تعالى: "قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون" .
 وإنما قتلوا لقطعهم بما خرصوه . وحكمهم على الأمر بأنه على ذلك فهلكوا.
لأنهم قطعوا بما يهلكهم ويطمس على أنوارهم فقتلوا.
وهم القاتلون لأنفسهم إذ خرصوا عليها بانتفاء بدنها وقطعوا عليها أن لا حياة لها بعد مماتهم.
ثم عاندوا المخبر الصادق الذي يجرهم إلى سعادتهم فلم يؤمنوا به، فلهذا هلكوا وقتلوا، وما أهلكهم إلا أنفسهم، وما قتلهم إلا ما هم عليه، فافهم.
ثم اعلم أن العقل الأول والقلم الأعلى نور واحد فنسبته إلى العبد يسمى العقل الأول، و نسبته إلى الحق يسمى القلم الأعلى. 
ثم إن العقل الأول المنسوب إلى محمد صلى الله عليه وسلم خلق الله جبريل عليه السلام منه في الأزل.
فكان محمد صلى الله عليه وسلم أبا لجبريل وأصلا لجميع العالم.
فاعلم إن كنت ممن يعلم فديت من يعقل فديت من يفهم.
ولهذا وقف عنه جبريل في إسرائه وتقدم وحده، وسمي العقل الأول بالروح الأمين لأنه خزانة علم الله وأمينه.
ويسمى بهذا الاسم جبريل من تسمية الفرع باسم أصله فافهم والله أعلم.

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الرابع والخمسون في الوهم وأنه محتد عزرائيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم   الثلاثاء يوليو 10, 2018 7:58 am

الباب الرابع والخمسون في الوهم وأنه محتد عزرائيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الرابع والخمسون في الوهم وأنه محتد عزرائيل عليه السلام من محمد صلى الله عليه وسلم

وفيه قال رحمه الله: 
نور على الملكوت فوق الأطلس .....    بالوهم عبر عنه بين الأنفس
هو آية الرحمن أعني صورة .....    فيها تجلّى بالجمال الكيس
هو قهره هو علمه هو حكمه .....    هو ذاته هو كل شيء أرأس
هو فعله هو وصفه هو اسمه .....    هو منه مجلى كل حسن أنفس
هو نقطة الخال الذي قد عبروا .....    بيمينه عنه لمن لم يخنس
ويمينها القسم الذي هو قشره .....    ستر على الحوراء مثل السندس
فاختر ولا تحتر فما هي دهشة .....    لكنها مثل الظلام الحندس
خلق الله "وهم" محمد صلى الله عليه وسلم من نور اسمه الكامل، وخلق الله عزرائيل من نور
"وهم" محمد صلى الله عليه وسلم ، فلما خلق الله "وهم" محمد صلى الله عليه وسلم من نوره الكامل أظهره بالوجود بلباس القهر.
فأقوى مقهور بوهمه شيء يوجد في الإنسان القوة الوهمية فإنها تقلب العقل والفكر، والمصورة والمدركة وكل قوي فيه فإنه مقهور بوهمه.
وأقوى الملائكة عزرائيل لأنه خلق منه.
ولهذا حين أمر الله تعالى الملائكة أن تقبض من الأرض قبضة ليخلق منها آدم عليه السلام لم يقدر أحد أن يقبض منها إلا عزرائيل.
لأنه لما نزل لها جبريل أقسمت عليه بالله أن يتركها فتركها ومضى، ثم میکائیل، ثم إسرافيل وجميع الملائكة المقربين.
فلم يقدر أحد أن يتهجم على قسمها فيقبض منها ما أمره الله تعالى أن يقبض.
فلما نزل إليها عزرائيل أقسمت عليه فاستدرجها في قسمها وقبض منها ما أمره الله تعالى أن يقبض، وتلك القبضة هي روح الأرض.
فخلق الله من روحها جسد آدم.
فلهذا تولى عزرائیل قبض الأرواح لما أودع الله تعالى فيه من القوى الكمالية المتجلية في مجلى القهر والغلبة، ولأنه القابض الأول.
ثم إن هذا الملك عنده من المعرفة بأحوال جميع من يقبض روحه ما لا يمكن شرحه.
فيتخلق لكل جنس بصورة، وقد يأتي إلى بعض الأشخاص في غير صورة بل بسيطة، فينقش مقابلته للروح فتتعشق به فتخرج الروح من الجسد وقد مسكها الجسد وتعلقت به للعشق الأول الذي بين الروح والجسد.
فيحصل النزاع بين الجاذبة العزرائيلية وبين الجسد إلى أن يغلب عليها الجذب العزرائيلي فتخرج، وهذا الخروج أمر عجيب.
واعلم أن الروح في الأصل بدخولها في الجسد وحلولها فيه لا تفارق مكانها ومحلها.
ولكن تكون في محلها وهي ناظرة إلى الجسد، وعادة الأرواح أنها تحل موضع نظرها، فأي محل وقع فيه نظرها تحله من غير مفارقة لمركزها الأصلي.
وهذا أمر مستحيل العقل ولا يعرف إلا بالكشف.
ثم إنه لما نظرت إلى الجسم نظر الاتحاد وحلت فيه حلول الشيء في هويته، اكتسبت التصوير الجسماني بهذا الحلول في أول وهلة.
ثم لا تزال تكتسب منه إما الأخلاق المرضية الإلهية فتصعد وتسمو به في عليين.
وأما الأخلاق البهيمية الحيوانية الأرضية فتهبط بتلك الأخلاق إلى سجين وصعودها هو تمكنها من العالم الملكوتي. 
حال تصويرها بهذه الصورة الإنسانية، لأن هذه الصورة تكسب الأرواح ثقلها وحكمها.
فإذا تصور الروح بصورة جسده اكتسب حكمه من الثقل والحصر والعجز وأمثال ذلك.
فيفارق الروح ما كان له من الخفة والسريان لا مفارقة انفصال ولكن مفارقة اتصال.
لأنها تكون متصفة بجميع صفاتها الأصلية ولكنها غير متمكنة من إتيان الأمور الفعلية فتكون أوصافها فيها بالقوة لا بالفعل، فلهذا قلنا إنها مفارقة اتصال لا مفارقة انفصال.
فإذا كان صاحب الجسم يستعمل الأخلاق الملكية فإن روحه تتقوى وترفع حكم الثقل عن نفسها، ولا يزال كذلك إلى أن يصير الجسد في نفسه كالروح، فيمشي على الماء ويطير في الهواء. وقد مضى ذكر هذا فيما تقدم من الكتاب.
وإن كان صاحب الجسم يستعمل الأخلاق البشرية والمقتضيات الأرضية فإنه يتقوى على الروح حكم الرسوب والثقل الأرضي، فينحصر في سجنه فيحشر غدا في سجين. 
ثم إنها لما تعشقت بالجسم وتعشق بها الجسم كانت ناظرة إليه ما دام معتدلا في صحة فإذا سقم وحصل فيها الألم بسببه أخذت في رفع نظرها عنه إلى عالمها الروحي. فإن تفريحها هو في ذلك العالم. 
ولو كانت تكره مفارقة الجسد، فإنها تأخذ نظرها فترفعه من العالم الجسدي رفعة ما إلى العالم الروحي، كمن يهرب من ضيق إلى سعة.
ولو كان له في المحل الذي يضيق فيه من سجنه سعة فلا يجد بدأ من الفرار، ثم لا يزال الروح كذلك إلى أن يصل الأجل المحتوم وتفرغ مدة العمر المعلوم.
فيأتيها هذا الملك المسمی بعزرائيل على صورة مناسبة لحالها عند الله.
فحسن حالها عند الله على قدر حسن تصرفها مدة الحياة في الاعتقادات والأعمال والأخلاق وغيرها.
وعلى قدر قبح ذلك يكون قبح حالها عند الله، فيأتيها الملك مناسبة لحالها، فيأتي مثلا إلى الظالم من عمال الديوان على صفة من ينتقم منه أو على صفة رسل الملك لكن في هيئة بشعة مستنكرة.
كما أنه يأتي إلى أهل الصلاح والتقوى في هيئة أحب الناس إليه وأشهاهم له حتى يتصور لهم بصورة النبي صلى الله عليه وسلم .
فإذا شهدوا تلك الصورة خرجت أرواحهم، وتصوره بصورة النبي مباح له ولأمثاله من الملائكة المقربين لأنهم مخلوقون من قوی روحانية كمن خلق من قلبه.
ومن خلق من عقله، ومن خلق من خياله وغير ذلك فافهم.
فإنه ممكن لهم لأنهم مخلوقون منه، فيتصورون بصورته للمناسبة.
وتصورهم بصورته هو من باب تصور روح الشخص بسجده.
فلما تصور بصورة محمد صلى الله عليه وسلم إلا روحه.
بخلاف إبليس عليه اللعنة وأتباعه المخلوقين من بشريته، فإنه صلى الله عليه وسلم  ما تنبأ إلا وما فيه شيء من البشرية للحديث: «إن الملك أتاه وشق قلبه فأخرج منه دمة فطهر قلبه»(صحيح مسلم في: الإيمان , مسند احمد) 
فالدم هو النفس البشرية وهي محل الشيطان. فانقطعت نسبة الشيطان منه. 
فلذلك لا يقدر أحد منهم أن يتمثل بصورته لعدم المناسبة.
ثم إن الملك عزرائیل لا يختص بصورة لأهل طاعة ولا لأهل ظلمة ومعصية بنوع، بل يتنوع لكل على حسب حاله ومقامه وما تقتضيه طبيعة كل ذلك على حسب ما يجده مسطرة في الكتاب.
فقد يأتي إلى الوحوش الفرائس منه على هيئة الأسد والنمر أو الذئب وغير ذلك مما تعتاد الفرائس أن يهلكن منه.
وكذلك الطيور فقد يأتيها على صورة الصياد والذابح أو على صورة البازي والصقر.
وكل شيء يأتي إليه فإنه لا بد له من مناسبة إلا من يأتيه على غير صورة مركبة، بل في بسيطة غير مرئية يهلك الشخص من رائحة سمها.
فقد تكون رائحة طيبة وقد تكون كريهة على قدر ما يجده محتومة عليه.
وقد لا يدرك رائحة بل يمر عليه ما لا يدركه ذلك لدهشة حال الميت، فإذا نظره تعشق به فانجذب نظره من جسده بالكلية فانقطع وقيل خرجت روحه.
ولا خروج ولا دخول اللهم إلا إن يعد نظره الذي يحل به دخولا إذ لا يصح الحلول إلا بالدخول.
فكذلك يعد ارتفاع النظر خروجها، ثم إن الروح بعد خروجها من الجسد لا يفارق الصورة الجسدية أبدأ.
لكن يكون لها زمان تكون فيه ساكنة مثل النائم الذي ينام ولا يرى في نومه شيئا، ولا يقتدي بمن يقول إن كل نائم لا بد له أن يرى شيئا.
فمن الناس من يحفظه ومن الناس من ينساه.
وفي هذا القول نظر لأنا قد أدركنا بالكشف الإلهي أن النائم قد ينام اليوم يومين وأكثر، ولا يرى في منامه شيئا فهو في ذلك النوم كمن يطوي له الحق مدة من الزمان في طرفة عين فيكون كمن غمض عينيه ثم فتحها.
وطوى له الحق في تلك المدة اليسيرة أيام كثيرة عاش فيها غيره.
كما أن الحق قد يبسط الآن الواحد للشخص حتى يكون له فيه أعمال كثيرة وأعمار يتزوج ويولد له، ولم يكن ذلك عند غيره.
 بل عند جميع أهل الدنيا إلا في أقل من ساعة من نهار، هذا أمر وقعنا فيه وأدركناه ولا يؤمن به إلا من له نصيب منا.
وهذا السكون الأول هو موت الأرواح.
ألا ترى إلى الملائكة كيف عبر صلى الله عليه وسلم عن موتهم بانقطاع الذكر.
فمن كشف له عن ذلك عرف ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
 ثم إذا فرغت مدة هذا السكون الذي يسمى موت الأرواح تصير الروح في البرزخ، وسيأتي بيان البرزخ في محله إن شاء الله تعالى.
سار بنا جواد القلم في بيان العلم حتى جاوز العلم، ولنرجع إلى ما كنا بسبيله من شرح حال النور الوهمي الذي خلقه الله من شمس الكمال، وألبسه في الوجود شعاع الجلال.
اعلم أن الله تعالى جعله مرآة لنفسه ومجلى قدسه، ليس في العالم شيء أسرع إدراكا منه ولا أقوى هيمنة، له التشرف في جميع الموجودات.
 به تعبد الله العالم، وبنوره نظر الله إلى آدم، به مشی من مشى على الماء، وبه طار من طار في الهواء هو نور اليقين وأصل الاستيلاء والتمكين.
من سخر له هذا النور وحكم عليه تصرف به في الوجود العلوي والسفلي، ومن حكم عليه سلطان الوهم لعب به في أموره، فتاه في ظلام الحيرة بنوره.
واعلم حفظ الله عليك الإيمان وجعلك من أهل اليقين والإحسان أن الله لما خلق الوهم قال له: 
أقسمت أن لا أتجلى لأهل التقليد إلا فيك ولا أظهر للعالم إلا في مخافيك.
فعلى قدر ما تصعد بهم إلي تدلهم علي.
وعلى قدر ما تنكس عني بأنوارهم تهلكهم في بوارهم.
فقال له الوهم: أي رب أقم المرقاة بالأسماء والصفات لتكون سلمة إلى منصة الذات، فأقام الله فيه الأنموذج المنير، فانتقش في جداره بالهيبة والتقدير.
وتحكم فيه عبودية الحق تعالى فأقسم على نفسه باسم ربه.
وإلى أن لا يزال يفتح هذه الأقفال بتلك المفاتيح الثقال إلى أن يلج جمله في سم خیاط الجمال إلى فضاء صحراء الكمال.
فيعبد فيه الحق المتعال، فحينئذ ألبسه الله حلل التقريب 
وقال له: أحسنت أيها الملك الأديب، ثم كساه الله تعالى حلتين:
 الحلة الأولى من النور الأخضر مكتوب على طرازها بالكبريت الأحمر "الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان ". سورة الرحمن
وأما الحلة الثانية فهي القاصية الدانية، قد نسجت من سواد الطغيان مكتوب على طرازها بقلم الخذلان "إن الإنسان لفي خسر" (سورة العصر).
 فلما نزل هذا النور وأخذ بين العالم في الظهور خلق الله من ظهوره الحنطة.
فأكلها آدم فخرج بها من الجنة.
فتأمل هذه الأوصاف والإشارات، وما أودع الله لك في هذه العبارات، وأخرج عن صدق ظاهر الألفاظ تحظ بالدر الفضفاض.
 "والله يقول الحق وهو يهدي السبيل". سورة الأحزاب


.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الخامس والخمسون في الهمة وأنها محتد میکائیل من محمد صلى الله عليه وسلم   الثلاثاء يوليو 10, 2018 8:00 am

الباب الخامس والخمسون في الهمة وأنها محتد میکائیل من محمد صلى الله عليه وسلم

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الخامس والخمسون في الهمة وأنها محتد میکائیل من محمد صلى الله عليه وسلم

فيها قال رحمه الله تعالى:

لنا في ذرى العليا جواد مقدّس    ......        به نرتقي نحو المعالي الرفيعة
يسمى براق العارفين إلى العلا    ......        عليه صعود الروح نحو الحقيقة
له من ضياء الحق عينان آحلا    ......        فبالسحر أولى ثم أخرى بقدرة
جناحاه إحداهن للسعد طائر    ......        وأخرى إلى بعد الشقاوة جرت
ولا عجب في أنه كل ما يرى    ......        من الصعب يلقاه بأحسن صنعة
وما دققت عيناه فيه فإنه        ......        له موقع الحافر درك بخطوة
ألا إنه نور من اللَّه منزّل      ......        تستر للإنسان في اسم همّة
واعلم وفقنا الله وإياك، ودلك عليك وهداك، أن الهمة أعز شيء وضعه الله في الإنسان.
وذلك أن الله تعالى لما خلق الأنوار وقفها بين يديه، فرأى كلا منها مشتغلا بنفسه، ورأى الهمة مشتغلة بالله.
فقال لها: وعزتي وجلالي لأجعلنك أرفع الأنوار ولا يحظى بك من خلقي إلا الأشراف الأبرار، ومن أراد الوصول إلي فلا يدخل إلا بدستورك علي، أنت معارج المریدین وبراق العارفين وميدان الواصلين.
فبك سباق السابقين وبك لحاق اللاحقين، وفيك تنزه المحققين، وتعالى المقربين، ثم تجلی عليها باسمه القريب ونظر إليها باسمه السريع المجيب، فأكسبها ذلك التجلي أن تستقرب كل ما بعد على القلوب، وأفادها ذلك النظر سرعة حصول المطلوب؛ فلهذا أن الهمة إذا قصدت شيئا ثم استقامت على ساقها نالته على حسب وفاقها.
ولاستقامتها علامتان: 
العلامة الأولى: حالية، وهو قطع اليقين بحصول الأمر المطلوب على التعيين. 
العلامة الثانية: فعلية، وهي أن تكون حركات صاحبها وسكناته جميعها مما يصلح لذلك الأمر الذي يقصده بهمته، فإن لم يكن كذلك لا سمی صاحب همة بل هو صاحب آمال كاذبة وأماني خائبة.
فهو كمن يروم المملكة ولا يفارق المزبلة .
وهذا لا يقع على مطلوبه ولا يظفر بمحبوبه.
لأنه كمن يطلب أن يكون بلا قلم ولا مداد ولا معرفة بوضع الخط.
فالمدار بمثابة قصد الهمة للشيء.
والقلم بمثابة اليقين بحصوله.
 ومعرفة وضع الخط بمثابة الأعمال الصالحة للأمر المقصود.
فمن لم يكن على هذا الوصف لا يعرف ما هي الهمة، إذ ليس لديه منها أثر، فلا يكون عنده منها خبر.
بخلاف من كانت أفعاله مما يلائم ما يطلبه، وخصوصا إذا أخذ فيها بالجد والاجتهاد فأسرع ما يكون لديه نيل المراد.
ولقد حكي لنا عن فقير أنه سمع شيخه يقول يوما: من قصد شيئا وجد وجده.
 فقال: والله لأخطبن بنت الملك، وأبلغن فيها غاية الجد والاجتهاد، فذهب إلى الملك فخطبها منه، وكان الملك لبيبا عارفا عاقلا فكره أن يحقره أو يقول له  الست بكفء لها. 
فقال له: اعلم أن مهر بنتي جوهرة تسمى بالبهرمان لا توجد إلا في خزائن كسرى أنو شروان.
فقال له: يا سيدي، وأين معدن هذا الجوهر؟ 
فقال له: معدنه بحر سيلان، فإن جئتنا بصداقها المطلوب مكناك من هذا النكاح المخطوبی فذهب الفقير إلى البحر وأخذ يغرف بقصعته منه ويفرغه في البر.
فمكث على ذلك مدة لا يأكل ولا يشرب وهو معتكف على ذلك المطلب ليلا ونهاره، فأوقع صدقه خوف انتزاح البحر في قلوب الحيتان فاشتكت إلى الله تعالى.
فأمر الله تعالى الملك الموكل بذلك البحر أن يذهب إلى ذلك الرجل بنفسه ويسأله عن حاجته فيسعفه ببغيته.
فلما سأله عن مقصده وأجابه الرجل أمر البحر أن يقذف بأمواجه إلى البر ما عنده من جنس ذلك الجوهر فامتلأ الساحل جواهر ولآلئ.
فحملها وذهب بها إلى الملك وتزوج ابنته، فانظر يا أخي ما فعلت الهمة.
ولا تظن بأن هذا الأمر غريب أو شيء عجيب، فقد شاهدنا والله بل جرى لنا في أنفسنا ما هو أعظم من ذلك مما لا يحد ولا يحصى، والله على ما نقول وكيل.
ولم أحلف لك إلا خوفا عليك من ردة الإنكار أن تنزع بقلبك عن سلم الهدی ومعارج الأسرار.
فإن القلوب إذا جال فيه الخناس وألبسها ثوب الوسواس يوشك أن تجول في مهامه الإياس فتحرم نور اليقين بظلمة الالتباس
ثم اعلم وفقك الله أن زجاجة الهمة قبل امتلائها يكسرها كل حصاة مخالفة و يهريق ما فيها كل هيئة منافيه.
وأما إذا امتلأت وأخذت حدها في البلوغ وانتهت، فإنها لا تحركها الرياح العواصف، ولا تكسرها المطارق والمخاوف.
فالحازم اللبيب والعارف المصيب إذا ابتدأ في هذا الأمر وأخذ في خوض هذا البحر لا يلتفت إلى وعر المسالك ولا يبالي بما يظهر فيها من المهالك.
فإنما جل ما يراه بل كل ما يلقاه نزغة من العدو والشيطان ليمنعه بذلك عن حضرة السلطان.
فليحذر من الالتفات ولا ببالي بما حصل أو فات، فإنها طريقة كثيرة الآفات، محفوفة بالقواطع مشوبة بالموانع.
آثارها دوامس وأطلالها دوارس ولياليها طوامس، طريقها هو الصراط المستقيم، وقريبها أناس يستعذبون العذاب الأليم
" وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم".(آية 35 سورة فصلت).
ثم اعلم وفقك الله تعالى: أن الهمة في محتدها الأول ومشهدها الأفضل، لا تعلق لها إلا بالجانب الإلهي لأنها نسخة ذلك الكتاب المكنون ومفتاح ذلك السر المصون المخزون.
فلا التفات لها إلى سواه ولا تشوق لها إلى ما عداه.
لأن الشيء لا يرجع إلا إلى أصله، ونوى التمر لا ينبت من غرسه إلا كعود نخله.
وكل من تعلق بالأكوان تعلقة ما فإن تعلقه لا يسمی همة بل هما.
وفائدة هذا الكلام أن الهمة في نفسها عالية المقام ليس لها بالأسافل إلمام فلا تتعلق إلا بجناب ذي الجلال والإكرام.
بخلاف الهم فإنه اسم لتوجه القلب إلى أي محل كان، إما قاص، وإما دان.
فإذا فهمت ما أشارت إليه العبارة وعرفت ما عبرت عنه الإشارة، فاعلم أيضا أن الهمة وإن علا مكانها وعظم شأنها هي الحجاب للواقف معها.
فلا يرتقي حتى يدعها، والسيد من يرتقي عنها قبل معرفة أسرارها وذوق ثمارها.
فإنها قاطعة مانعة أعني لمن وقف مع محصولها، قاطعة لمن جفاها قبل وصولها، أعني لا سبيل إلا إليها ولا طريق إلا عليها.
ولكن لا مقام عندها ولديها، بل ينبغي الجواز عنها بعد قطع المجاز منها.
فالحقيقة من ورائها والطريقة على فضائها، لأن الحصر لا حق لها والحد واثق بها، والله منزه عن الحد والحصر، مقدس عن الكشف والستر.
ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم أم الكتاب، والمعنى دون غيره بالخطاب، فافهم إن کنت من أولي الألباب.
وخلق الله منه جميع العالم كانت كل رقيقة منه أصلا الحقيقة من حقائق الأكوان، وكان بجملته مظهرة لجملة الرحمن.
خلق الله روحا من نور همته اللاحق وسعها وسع رحمته.
فصير ذلك الروح ملكا وجعل مقادير القوابل له فلكا، ثم وكله بإيصال كل مرزوق رزقه وإعطاء كل ذي حق حقه.
لأنه الرقيقة المحمدية المخلوقة من الحقيقة الأحدية، فلما استقام مقام الموكل الوكيل، وأقسط في إعطاء كل ذي حق حقه قسط من يزن أو يكيل.
إذ بالخطاب الجميل، من المقام الجليل، يسمى هذا الروح میکائیل.
فهو من الأزل إلى الأبد يحصر المقادير ويعرف العدد ويمد كلا بما استحقه من المدد.
أجلسة الله على منبر الفضل فوق الفلك الخامس، وأعطاه قسطاس العدل وقانون المقاييس، ويكنى عن المنبر بالفيض المقابل بالقسطاس بما استحقه القوابل.
فتأمل رموز هذه العبارات، واستخرج ما فيها من كنوز الإشارات تحظ بالحكمة وفصل الخطاب.

والله يقول الحق وهو يهدي إلى الصواب.

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السادس والخمسون في الفكر وأنه محتد باقي الملائكة من محمد صلى الله عليه وسلم   الثلاثاء يوليو 10, 2018 8:01 am

الباب السادس والخمسون في الفكر وأنه محتد باقي الملائكة من محمد صلى الله عليه وسلم

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السادس والخمسون في الفكر وأنه محتد باقي الملائكة من محمد صلى الله عليه وسلم

 الفكر نور في ظلام الأنفس       .....       يهدي الصواب به فؤاد الكيّس
لكنما زلقاته تنمو على        .....       قطر السحاب وعد رمل البسبس
وله أصول إن يراعيها الفتى       .....       تحفظه من فرع الخطا في المقبس
تلك الأصول على تنوّع جنسها       .....       قسمان يحفظهن من لم يخنس
عقل وقسم العقل مضطرّ ومك       .....       تسب بحسن تجارب في الأنفس
والنقل قسم وهو إيمان الفتى       .....       بمغيب نيرانه لم تقبس
هذان أصل الفكر من أهل النهى       .....       من لم يقس بهما يقم في الحندس
لكن أرباب العقول فأصلهم       .....       نظر يصحّ بحكم عقل أرأس
لا يأخذون بأصل إيمان ولا       .....       هو عندهم بضياء ضبح مشمس
فلأجل ذا غلطوا وفات عليهم       .....       عين الصواب وكل أمر أنفس
اعلم وفقك الله للصواب وعلمك من الحكمة وفصل الخطاب، أن الرقيقة الفكرية أحد مفاتيح الغيب الذي لا يعلم حقيقتها إلا الله.
فإن مفاتيح الغيوب نوع حقي، ونوع خلقي. 
النوع الحقي: هو حقيقة الأسماء والصفات. 
النوع الخلقي: هو معرفة تركيب الجوهر الفرد من الذات، أعني ذات الإنسان المقابل بوجوهه وجوه الرحمن.
والفكر أحد تلك الوجوه بلا ريب، فهو مفتاح من مفاتيح الغيب، لكنه نور.
وأين ذلك النور الوضاح الذي يستدل به على أخذ هذا المفتاح.
فتفكر في خلق السموات والأرض لا فيهما وهذه إشارات لطفت معانيها فغابت في مخافيها.
 فإذا أخذ الإنسان في الترقي إلى صور الفكر وبلغ حد سماء هذا الأمر أنزل الصور الروحانية إلى عالم الإحساس.
واستخرج الأمور الكتمانية على غير قياس، وعرج إلى السماوات وخاطب أملاكها على اختلاف اللغات.
وهذا العروج نوعان: 
فنوع على صراط الرحمن  من عرج على هذا الصراط المستقيم إلى أن يبلغ من الفكر نقطة مركزه العظيم وجال في سطح خطه القويم، ظفر بالتجلي المصون الملقب بالدر المكنون، في الكتاب المكنون، الذي لا يمسه إلا المطهرون.
 وذلك اسم أدغم بين الكاف والنون، ومسماه إنما أمره إذا أراد شيئا "أن يقول له كن فيكون".83 سورة يس  .
وسلم المعراج إلى هذه الرقيقة هو سر الشريعة والحقيقة.
وأما النوع الآخر فهو السحر الأحمر : المودع في الخيال والتصوير والمستور في الحق يحجب الباطل والتزوير.
هو معراج الخسران وصراط الشيطان إلى مستوى الخذلان "كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا". 39 سورة النور .
فينقلب النور نارا والقرار بوارا، فإن أخذ الله بيده وأخرجه بلطيفة ما أيده جاز منه إلى المعراج الثاني، فوجد الله عنده.
فعلم حينئذ مأوى الحق وما به تميز في مقعد الصدق عن طريق الباطل.
ومن يذهب ذهابه وأحكم الأمر الإلهي فوفاه حسابه، وإن أهمل في تلك الدار وترك على ذلك القرار نفخ ناره على ثياب طبائعه فأهلكها.
ثم طلع دخانه إلى مشام روحه الأعلى فقتلها، فلا يهتدي بعدها إلى الصواب ولا يفهم معنى أم الكتاب.
بل كل ما تلقيه إليه من معاني الجمال أو من تنوعات الكمال يذهب به إلى ضيع الضلال.
فيخرج به على صورة ما عنده من المحال، فلا يمكن أن يرجع إلى الحق رجعة. "أولئك الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا".(104 سورة الكهف). 
ولقد كنت غرقت في هذا البحر الغزير، و كاد يهلكني موج قعره الخطير، وأنا يومئذ في سماع بمدينة زبيد عام تسع وسبعين وسبعمائة.
وكان هذا السماع في بيت أخينا الشيخ العارف شهاب الدين أحمد الرداد، وكان شيخنا أستاذ الدنيا القطب الكامل والمحقق الفاضل: أبو المعروف شرف الدين إسمعيل بن إبراهيم الجبرتي حاضرة يومئذ في السماع.
فناديت بأعلى صوتي: اللهم إني أعوذ بك من العلم المهلك، أدركني يا سيدي أدرك، فكان يراعيني الشيخ في نفس السماع مراعاة من له على الأمر اطلاع، فنقلني الله ببركته إلى المعراج القويم الذي هو على الصراط المستقيم "صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور". 53 سورة الشورى .
 إلا أن بين المعراجين لطيفة لكنها في لطفها عظيمة شريفة، فلو أخذنا في بيانها أو بيان من رجع لعدم عرفانها.
أو شرحنا حال من هلك من الأولياء في بحارها فانطبع نوره بنارها، لاحتجنا في ذلك إلى بسط يكثر عدده ويطول مدده، وقصدنا الاختصار، لا التطويل والإكثار، فلنرجع إلى ما كنا بسبيله من الكلام في الفكر.
اعلم أن الله خلق الفكر المحمدي من نور اسمه الهادي الرشيد.
وتجلى عليه باسمه المبدىء المعيد، ثم نظر إليه بعين الباعث الشهيد.
فلما حوى الفكر أسرار هذه الأسماء الحسنی، وظهر بين العالم بلباس هذه الصفات العليا.
خلق الله من فکر محمد صلى الله عليه وسلم أرواح ملائكة السماوات والأرض، ووكلهم بحفظ الأسافل والأعالي.
فلا تزال العوالم محفوظة ما دامت بهذه الملائكة ملحوظة، فإذا وصل الأجل المعلوم وآن أوان الأمر المحتوم، قبض الله أرواح هذه الملائكة ونقلهم إلى عالم الغيب بذلك القبض.
فالتحق الأمر بعضه ببعض وسقطت السموات بما فيها على الأرض، وانتقل الأمر إلى الآخرة كما ينتقل إلى المعاني أمر الألفاظ الظاهرة.
فافهم هذه الاشارات وفك لغز هذه العبارات، تحظى بالأسرار المكتومة، وترفع حجب الأستار الموهومة.
فإذا اطلعت على هذه الأسرار، وسرت في ضياء هذه الأنوار، صنها تحت كتم العبارات، واحفظها تحت ختم الإشارات ولا تفشها، فالإفشاء خيانة.
ومن فعل ذلك فقد حرم ثواب استلزام الأمانة، ورجع إلى مرتبة العوالم بعد أن كاد يبلغ الملائكة الكرام. 
هذا على أن إفشاءه لا يزيد السامع إلا ضلالا، ولا يفيد المخاطب إلا تقييدا واعتلالا .

"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل".

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب السابع والخمسون في الخيال وأنه هيولي جميع العوالم. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل    السبت يوليو 14, 2018 11:39 am

الباب السابع والخمسون في الخيال وأنه هيولي جميع العوالم. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب السابع والخمسون في الخيال وأنه هيولي جميع العوالم

إن الخيال حياة روح العالم  .......         هو أصل تيك وأصله ابن الآدم
ليس الوجود سوى خيال عند من  .......       يدري الخيال بقدرة المتعاظم
فالحسّ قبل بدوّه لمخيل    .......         لك وهو أن يمضي كحلم النائم
فإذاك حكل ظهوره في حسِّنا  .......         باق على أصل له بتلازم
لا تغترر بالحس فهو مخيل  .......         وكذلك المعنى وكل العالم
وكذلك الملكوت والجبروت .......         واللاهوت والناسوت عند العالم
لا تحقرن قدر الخيال فإنه  .......         عين الحقيقة للوجود الحكم
لكنما أصل الخيال جميعه  .......         قسمان هذا عند كشف الصارم
قسم تصوّر للبقاء وآخر    .......         متصور للهلك ليس بدائم
فافهم إشارتنا وفكّ رموزها  .......         لكن على أصل الكتاب القائم
وحذار من فهم يميل عن الهدى  .......         عما أتاك به النبيّ الهاشمي
ما ذاك قصدي إنما قصدي الذي  .......         جاء الرسول به بغير تكاتم
لم أبن أسّ رسالتي إلاَّ على  .......         أني أكون لدينه كالخادم
فإذا بدا لك ما تعسر فهمه  .......         أو كنت تفهم منه قول الغاشم
فاتركه والجأ للإله وقم على  .......         سنن أتاك به حديث القاسم
صلّى عليه اللَّه ما نار اليقين  .......         باسمه في ليل شك قاتم
اعلم وفقك الله أن الخيال أصل الوجود والذات الذي فيه كمال ظهور المعبود.
ألا ترى إلى اعتقادك في الحق وأن من له الصفات والأسماء ما هو له أين محل هذا الاعتقاد الذي ظهر لك فيه الله سبحانه وتعالى إنما هو الخيال.
فلأجل هذا قلنا إنه الذات الذي فيه كمال ظهوره سبحانه وتعالى.
 فإذا عرفت هذا ظهر لك أن الخيال أصل جميع العالم، لأن الحق هو أصل جميع الأشياء.
وأكمل ظهوره لا يكون إلا في محل هو الأصل، وذلك المحل هو الخيال فثبت أن الخيال أصل جميع العوالم بأسرها؟ 
ألا ترى إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف جعل هذا المحسوس منامة والمنام خيالا 
فقال: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" (۱) .
يعني تظهر عليهم الحقائق التي كانوا عليها في دار الدنيا، فيعرفون أنهم كانوا نياما، لا أن الموت يحصل الانتباه الكلي.
فإن الغفلة عن الله منسحبة على أهل البرزخ وأهل المحشر وأهل النار وأهل الجنة إلى أن يتجلى عليهم الحق في الكثيب الذي يخرج إليه أهل الجنة فيشاهدون الله تعالى.
وهذه الغفلة هي النوم، فكل العوالم أصلها خيال.
ولأجل هذا يقيد الخيال من فيها من الأشخاص.
فكل أمة من الأمم مقيدة بالخيال في أي عالم كانت من العوالم.
فأهل الدنيا مثلا مقيدون بخیال معاشهم أو معادهم، وكلا الأمرين غفلة عن الحضور مع الله فإنهم نائمون.
والحاضر مع الله تعالی منتبه، وعلى قدر حضوره مع الله يكون انتباهه من النوم.
ثم أهل البرزخ نائمون لكن أخف من نوم بعض أهل الدنيا.
فهم مشغولون بما كان منهم وما هم فيه من عذاب أو نعيم، وهذا نوم لأنهم ساهون: أي غافلون عن الله.
وكذلك أهل القيامة فإنهم ولو وقفوا بين يدي الله تعالى للمحاسبة، فإنهم مع المحاسبة لا مع الله وهذا نوم لأنه غفلة عن الحضور.
ولكنهم أخف نومة من أهل البرزخ.
وكذلك أهل الجنة والنار فإن هؤلاء مع ما ينعمون به وهؤلاء مع ما يعذبون به، وهذا غفلة عن الله ونوم لا انتباه.
 لكنهم أخف نوما من أهل الحشر، فنومهم بمثابة السنة.
على أن كلا من أهل هذه العوالم وإن كانوا في نظر مع الحق من حيث الحق، لأنه مع الوجود جميعه وهو القائل: "هو معكم أينما كنتم ". 4 سورة الحديد . 
لكنهم معه بالنوم لا باليقظة، فلا انتباه إلا لأهل الأعراف ومن في الكثيب فقط فإنهم مع الله.
وعلى قدر تجلى الحق عليهم يكون الانتباه.
ومن حصل له من الله في دار الدنيا بحكم التقدير ما تأخر لأهل الجنة في الكثيب فيتجلى عليه الحق تعالی وعرفه فهو يقظان.
ولأجل هذا أخبر سيد أهل هذا المقام أن الناس نيام لأنه تيقظ وعرف.
فإذا عرفت أن أهل كل عالم محكوم عليهم بالنوم، فاحكم على تلك العوالم جميعها أنها خيال، لأن النوم عالم الخيال.
 ألا إن الوجود بلا محال  .......         خيال في خيال في خيال
ولا يقظان إلاَّ أهل حق    .......         مع الرحمن هم في كل حال
وهم متفاوتون بلا خلاف  .......         فيقظتهم على قدر الكمال
هم الناس المشار إلى علاهم  .......         لهم دون الورى كل التعالي
حظوا بالذات والأوصاف طرّاً  .......         تعاظم شأنهم في ذي الجلال
فطوراً بالجلال على التذاذ  .......         وطوراً بالتلذذ بالجمال
سرت لذّات وصف اللَّه فيهم  .......         لهم في الذات لذات عوالي
" در ورمز في بحر لغز" سافر الغريب المعبر عنه بروح إلى أن بلغ العالم المعبر عنه بيوح.
 فلما وصل إلى ذلك السما قرع باب الحمى.! 
فقيل له: من أنت أيها الطارق العاشق؟ 
فقال: عاشق مفارق أخرجت من بلادكم وأبعدت عن سواكم .
فقيدت في قيد السمك والعمق والطول والعرض.
وسجنت في سجن النار والماء والهواء والأرض.
وقد كسرت القيد وأتيت أطلب خلاصا من السجن الذي فيه بقيت.
 فالغارة الشعراء أيها العرب الكرام فليس إلا أنتم للأسير المضام. 
قال الراوي:
 فبرز إلي رجل قد نزل به الشيب .
وقال: اعلم أن هذا عالم الغيب رجاله جزيلة العدد جميلة المدد قوية العدد طويلة الأمد.
ينبغي للواصل إليهم والداخل عليهم أن يتزيا بزيهم الفاخر ويتطيب بطيبهم العاطر. قلت: ومن أين أجد تلك الأثواب؟ 
بل وأين تباع تلك الأطياب؟ 
فقال: الثياب في سوق السمسمة الباقية؟! 
والأطياب في أرض الخيال الراوية.
 وإن شئت أن تعكس هذه العبارة فخذ الثياب من نسج الخيال، والطيب من أرض السمسمة.
فإنها أخوان بلا ريب، لهذا العالم المسمى بعالم الغيب.
فذهبت أولا إلى الأرض السمسمة ومعدن الجمال المسمی لبعض وجوهه بعالم الخيال.
فقصدت رجلا هناك عظيم الشأن رفيع المكان عزيز السلطان يسمى روح الخيال ويكنى بروح الجنان .
فلما سلمت عليه وتمثلت بين يديه، أجاب فحيا وبيا وثني وترحب بي وهيا.
فقلت له: يا سيدي ما هذا العالم المعبر عنه بالسمسمة الباقية من آدم؟ 
فقال: إنها اللطيفة التي لا تفنى على الدوام، والمحل الذي لا تمر عليه الليالي والأيام، خلقها الله من هذه الطينة، وألقي هذه الحبة من جملة العجينة.
وجعلها حاكمة على الجميع وأما للكبر والوضيع قد ترجمنا عنها في الكتاب وفتحنا فيها هذا الباب.
يجوز فيها المحال ويشهد فيها بالحس صورة الخيال.
فقلت: وهل أجد سبيلا إلى هذا المحل العجيب والعالم الغريب؟ 
فقال: نعم إذا كمل وهمك وتم، فاتسعت لجواز المحال وتمكنت بمشاهدة الحس لمعاني الخيال.
وعلمت النكتة وقرأت سر النقطة.
حينئذ تنسج لك من تلك المعاني ثيابا، وإذا لبستها فتح لك إلى السمسمة بابا.
فقلت له: يا سيدي إني على الأمر المشروط، وقد وثقت بحبل العقد المربوط، وعلمت بالكشف والوجود أن عالم الأرواح أظهر وأقوى من عالم الحس في الذوق والشهود.
فأشار بيده بعد همهمة، فإذا أنا في أرض السمسمة.
أرض من المسك النقيّ ترابها .......               ومن الجواهر ربعها وقبابها
أشجارها متكلمات نطق        .......         وكذاك أدؤرها نعم وعتابها
في طعمها من كل شيء لذّة           .......   حقاً ومن ماء الحياة شرابها
حاز الجمال فصار يشهد صورة        .....         فيها وكم أروى العطاش شرابها
هي نسخة من جنة المأوى لمن .......                يحظى بها في الأرض طاب مآبها
هي سرّ قدرة قادر برزت لمن    .......         يدري الأمور ولم يفته حسابها
ليست بسحر إنما هي ماؤها       .......         بل نارها وهواؤها وترابها
هي أصلها والسحر فرع للقضا      .......         ويجيب داعي الساحرين خطابها
يستخرج الرجل الشجاع مراده      .......         منها فيرفع للعيون نقابها
تبدو بقوّة همّة فعالة          .......         لممكن بين الورى أترابها
والناس فيها بين ناج فائز      .......         كمل الزكاة بها فتمّ نصابها
أو هالك باع السعادة بالشقا      .......         بخساً فدساها وزاد حجابها
هي أخت آدم بل هي ابنة سرّه      .......         فجميع أنساب له أنسابها
يفنى الجميع وتلك باقية على      .......         لطف و بالمقدور طال ركابها
هي نخلة ظهرت من الثمر الذي      .......         هو آدم ما في سواه جنابها
فيجيبها الإنسان يوماً إن دعت      .......         وإذا دعا الإنسان جاء جوابها
ليست خيالاً لا ولا حساً ولا      .......         غيراً لما قد قلت هاك صوابها
فلما دخلت هذه الأرض العجيبة وتطيبت من أطياب عطرها الغريبة.
ورأيت ما فيها من العجائب والغرائب والتحف والطرف ما لا يخطر بالبال ولا يرى في المحسوس ولا في عالم الخيال.
طلبت الصعود إلى عالم الغيب الموجود فأتيت إلى الشيخ الذي كان أول دال، فوجدته قد رق من العبادة حتى صار كالخيال، وضعف حتى خلته من مفرضات المحال.
لكنه قوي الجنان والهمة، شديد السطوة والعزمة سريع العقدة والقومة، كأنه البدر التمام.
فقلت بعد أن سلمت ورد السلام: أريد الدخول إلى رجال الغيب، فقد جئت بالشروط ولا ريب.
فقال: هذا أوان الدخول وزمان الوصول.
ثم قرع الحلق فانفتح الباب وانغلق، فدخلت مدينة عجيبة الأرض عظيمة الطول والعرض، أهلها أعرف العالم بالله، ليس فيهم رجل لاه.
أرضها درمكة بيضاء، وسمائها زبر جدة خضراء.
عربها عرب كرام ليس فيهم ملك إلا الخضر عليه السلام، فحططت رحالي لديه، وجثوت عنده بين يديه، ثم أخذت بالسلام عليه.
فحياني تحية الأنيس ونادمني منادمة الجليس، ثم بسطني في المقام .
وقال: هات ما لديك من الكلام.
فقلت: سيدي أسألك عن أمرك الرفيع وشأنك المنيع الذي اختلط فيه الكلام واختلط فيه الأنام.
فقال: أنا الحقيقة العالية والرقيقة المتدانية.
أنا سر إنسان الوجود، أنا عين الباطن المعبود، أنا مدرجة الحقائق، أنا لجة الرقائق، أنا الشيخ اللاهوتي، أنا حافظ العالم الناسوتي.
أتصور في كل معنى وأظهر في كل مغنی، أتخلق بكل صورة وأبرز آية في كل سورة.
وأمري هو الباطن العجيب وحالي هو الحال الغريب، سکنی جبل قاف ومحلى الأعراف.
 أنا الواقف في مجمع البحرین، والغارق في نهر الأين والشارب من عين العين.
أنا دليل الحوت في بحر اللاهوت. . أنا سر الغذاء و الحامل للفتي.
 أنا معلم موسى الظاهر. .  أنا نقطة الأول والآخر.
 أنا القطب الفرد الجامع. .  أنا النور اللامع.
 أنا البدر الساطع. .  أنا القول القاطع.
 أنا حيرة الألباب. .  أنا بغية الطلاب.
 لا يصل إلي ولا يدخل علي إلا الإنسان الكامل والروح الواصل.
 وأما من عداه فمكانتي فوق مأواه.
 لا يعرف لي خبرة ولا يرى لي أثرة، بل يصور له الاعتقاد في بعض صور العباد، فيتسمى باسمي ويكتب على خده وسمي.
فينظر إليه الجاهل الغر، فيظن أنه المسمى بالخضر، وأين هو مني.
بل أين كأسه من دني.
اللهم إلا أن يقال إنه نقطة من بحري أو ساعة من دهري.
إذ حقيقته رقيقة من رقائقي، ومنهجه طريقة من طرائقي.
فبهذا الاعتبار أنا ذلك النجم الغرار.
 فقلت له: ما علامة الوصول إليك والنازل في سوحك عليك؟ 
فقال: علامته في علم القدر منزوية ومعرفته في علم التحقيق بالحقائق منطوية.
ثم سألت عن أجناس رجال الغيب 
فقال: منهم من هو بني آدم، ومنهم من هو من أرواح العالم.
وهم ستة أقسام مختلفون في المقام: 
القسم الأول: هم الصنف الأفضل والقوم الكمل، هم أفراد الأولياء المقتفون آثار الأنبياء، غابوا عن عالم الأكوان في الغيب المسمى بمستوى الرحمن فلا يعرفون ولا يوصفون وهم آدميون. 
القسم الثاني: وهم أهل المعاني وأرواح الأواني، يتصور الولي بصورهم فيكمل الناس في الباطن والظاهر بخيرهم.
فهم أرواح كأنهم أشباح للقوة الممكنة من التصوير في العين.
 سافروا من عالم الشهود فوصلوا إلى فضاء غيب الوجود، فصار غيبهم الوجود شهادة و أنفاسهم عبادة.
وهؤلاء أوتاد الأرض القائمون الله بالسنة والفرض. 
القسم الثالث: ملائكة الإلهام والبواعث يطرقون الأولياء ويكلمون الأصفياء، لا يبرزون إلى عالم الإحساس، ولا يتعرفون لعوام الناس. 
القسم الرابع: رجال المناجاة في المواقع، دائما يخرجون عن عالمهم ولا يوجدون إلا في غير معالمهم، يتصورون لسائر الناس في عالم الإحساس، وقد يدخل أهل الصفا إلى ذلك اللواء فيخبرونهم بالمغيبات و ينبئونهم بالمكتمات. 
القسم الخامس: رجال البسايس هم أهل الحظوة في العالم، وهم من أجناس بني آدم، يظهرون للناس ثم يغيبون و يكلمونهم فيجيبون، أكثر سکنی هؤلاء في الجبال والقفار والأودية وأطراف الأنهار، إلا من كان منهم ممكنا فإنه يتخذ من المدن مسکن، نفيس مقامهم غير متشوق إليه ولا معول عليه. 
القسم السادس: يشبهون الخواطر لا الوساوس، هم المولدون من أبي التفكر وأم التصور، لا يؤبه إلى أقوالهم ولا يتشوف إلى أمثالهم، فهم بين الخطأ والصواب، وهم أهل الكشف والحجاب.
 والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وعنده أم الكتاب.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثامن والخمسون في الصورة المحمدية. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل    السبت يوليو 14, 2018 11:45 am

الباب الثامن والخمسون في الصورة المحمدية. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثامن والخمسون في الصورة المحمدية

 وأنها النور الذي خلق الله منه الجنة والجحيم، والمحتد الذي وجد منه العذاب والنعيم
 أنوار حسن بدت في القلب لامعة     ......        مسترات وهي كلشمس طالعة
للحق فيها ظهور عند عارفه     ......        فليس تخفى التجليات ساطعة
والقلب فيه قوى تدعى مصورة     ......        لكنها حوت الأسرار جامعة
أضحت لجنات خلد نسخة فغدت     ......        للقصر في ساحة التخييل رافعة
تستخرج الثمر الحالي وحامضه     ......        من جنة هي فوق الغصن يانعة
لم يدر ما قد حوت من صنع صانعها     ......        سوى حكيم أتته الخلق طائعة
مخلوقة وهي مرآة لخالقها     ......        قريبة قد غدت في الحكم شاسعة
حقيرة جلَّ عند اللَّه رفعتها     ......        سر وقد أصبحت في الناس ذائعة
لكنها عجزها من كونها خلقت     ......        في النفس ميتة، في الأسر خاضعة
لا تكسب المرء إلاَّ فرحة وله     ......        في ظاهر الصحو أحزان متابعة
لا يغترر كل ذي عقل بزينتها     ......        ولا يولع فيه منه والعة
لو أنها خلقت حياً لكنت تراها     ......         وهي واصلة في الناس قاطعة
وذا الحديث فقشر فوق نكتتنا     ......        فالق القشور فليست منك نافعة
واللبّ في النفس مثل الدرّ في صدف     ......      كالسحر منه عيون السحر نابعة
فانظر إلى حكم قد جئن في آلم     ......        في زيّ مكتتم كالشمس لامعة
اعلم وفقك الله لمعرفته وجعلك من أهل قربته، أن الله خلق الصورة المحمدية من نور اسمه البديع القادر.
ونظر إليه باسمه المنان القاهر، ثم تجلى عليها باسمه اللطيف الغافر.
 فعند ذلك تصدعت لهذا التجلي صدعين فصارت كأنها قسمت نصفين.
فخلق الله الجنة من نصفها المقابل لليمين وجعلها دار السعادة للمنعمين، ثم خلق النار من نصفها المقابل للشمال وجعلها دار الأشقياء أهل الضلال.
وكان القسم الذي خلق منه الجنان هو المنظور إليه باسمه المنان فهو لسر تجلی اللطيف محل كل كريم عند الله شريف. 
والقسم الذي خلق الله منه النار، هو المنظور إليه باسمه القاهر، وهو لسر تجلي الغافر يشير إلى قبول أهلها إلى الخير في الآخر.
كما قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن النار: «أن الجبار يضع فيها قدمه فتقول قط قط فينبت فيها شجر الجرجير» .
وسر هذا الحديث هو أن الله كلما خلق لأهل النار عذابا خلق لهم قوة على حمل ذلك العذاب، وإلا لهلكوا و انعدموا واستراحوا من العذاب، فلا بد أن يخلق لهم قوة على حمل ما أنزله بهم من العذاب ليذوقوا عقابه.
وهو قوله تعالى:
"كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب". (آية (56) سورة النساء.).
 فبتبديل الجلود تجدد لهم قوى لم تكن عندهم، فيقولون في أنفسهم لعله يعذبنا بما هو کیت وكيت.
لاستشرافهم على ما جعله في قابلية تلك القوة من تحمل العذاب، فيوجده الله عندهم فيحلون بذلك ويعذبون به.
فكشفهم الذي وقع في أنفسهم هو بمثابة المبشر لهم بالعذاب ليكون إهانة على إهانة.
كما أن أهل الجنة أيضا يبشرون بنعيمهم قبل وقوعهم فيه. 
ثم إن أهل النار إذا زال عنهم عذاب وتجدد لهم غيره لا تزول عنهم القوى الأولى لأنها موهوبة بيد المنة ولا يسترجع الحق في هبته.
والعذاب نازل بهم بيد القهر، فله أن يرفعه ويجعل غيره. 
ثم لا يزالون يزدادون قوة بقوة كل عذاب حتى ينتهوا إلى أن يظهر فيهم أثر تلك القوى قوة إلهية.
فإذا ظهرت فيهم تلك القوة الإلهية جبرتهم إلى أن يضع الجبار قدمه في النار، لأن الصفات الحق لا تظهر في أحد فیشقی بعدها.
ثم اعلم أن الجبار إنما يظهر عليهم من حيث تلك القوة الإلهية التي كشفها لهم للمناسبة التي هي سبب الوصلة في كل شيء.
فيضع قدم التجبر على النار فتذل وتخضع لقوته سبحانه وتعالى .
وتقول عند ذلك: قط قط، وهذا كلام حال الذلة تحت نهر العزة عبر عنه بهذا اللفظ فیزول.
اعلم أنه لما كانت النار غير أصلية في الوجود زالت آخر الأمر.
وسر هذا أن الصفة التي خلقت منها مسبوقة، والمسبوقة فرع للسابق.
وذلك قوله: "سبقت رحمتي غضبي" (۲) .
فالسابق هو الأصل والمسبوق فرع عنه. ألا ترى كيف لما كانت الرحمة أصلا انسحب حكمها من أول الوجود إلى آخره.
ولم يكن الغضب منسحبة من أول الوجود إلى آخره.
لأن إيجاده للمخلوق من العدم رحمه به لا غضب عليه، لأنه لم يأت بذنب حتى يستوجب به الغضب. 
ألا تراه قال سبحانه: "ورحمتي وسعت كل شيء".(آية (156) سورة الأعراف.). ولم يقل: وغضبي وسع كل شيء. 
لأنه أوجد الأشياء رحمة منه، فلهذه النكتة لم ينسحب الغضب أيضا إلى آخر الوجود. 
والسر في هذا أن الرحمة صفة ذاتية له سبحانه، والغضب صفة ليست بذاتية. 
ألا تراه يسمي بالرحمن الرحيم. ولا يسمى بالغضبان ولا بالغضوب. 
وذلك لأن الغضب صفة أوجبها العدل، والعدل لا يكون إلا لحكم بين أمرين، فاسمه العادل اسم صفة واسمه الرحمن اسم ذات. 
ألا ترى إلى الغفار الذي هو أول مظاهر النعمة التي أوجبتها الرحمة كيف وردت فيه ثلاث صيغ، فقيل: الغافر، والغفار، والغفور. 
واسمه الظاهر الذي هو أول مظاهر النقمة التي أوجبها العدل لا يوجد فيه صیغتان، فقيل القاهر والقهار، ولم يرد القهور، وكل هذا سر سبق الرحمة الغضب.
ثم اعلم أن النار لما كان أمرها عارضة في الوجود جاز زوالها، وإلا لكان مستحيلا، وليس زوالها إلا إذهاب الإحراق عنها.
وبذهاب الإحراق عنها تذهب ملائكتها، وبذهاب ملائكتها ترد ملائكة النعيم.
فينبت بورود ملائكة النعيم في محلها شجر الجرجير، وهو خضرة وأحسن لون في الجنة لون الخضرة.
فانعكس ما كان جحيما إلى أن صار نعيما.
 كما في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام حيث قال الحق سبحانه وتعالى لناره: "كوني بردا وسلاما على إبراهيم". فصارت رياحين وجنات، ومحلها باق على ما هو عليه، ولكن ذهبت النار.
وإن شئت قلت: 
لم تذهب النار ولكن انتقل ألم العذاب إلى الراحة فكذلك الجحيم يوم القيامة. 
وإن شئت قلت: 
إنها تزول مطلقا بعد وضع الجبار فيها قدمه فهي زائلة.
 وإن شئت قلت:
 إنها على حالها باقية، ولكن انتقل أمر عذاب أهلها إلى الراحة، فهو كذلك.
 ويناسبها في الدنيا الطبيعة النفسانية من تزکی في جذبه إلى الحق بالمجاهدات والرياضات 
فإن قلت: إن الطبيعة النفسانية قد فقدت مطلقا صدقت.
 وإن قلت: إنها مستورة تحت أنوار التزكية الإلهية كنت صادقة في ذلك. 
ثم نسبة المجاهدات والرياضات وما يقاسيه أهل الله تعالى من المشقة في ذلك بمثابة عذاب أهل النار وأهوالها يوم القيام.
ونسبة تنوع عذابها وزيادته ونقصانه نسبة قوة تمكن المجاهدات والرياضات والمخالفات فيمن تمكنت الطبيعة النفسانية فيه حتى أنها لا تزول إلا بعد تعب كثير، بخلاف من لا تتمكن منه الطبيعات كل التمكن، فهو كمن عذب أدني عذاب، وأخرج من النار إلى الجنة. 
ولقد أخبر الروح الذي أنبأني بهذه العلوم أن تلك الأمور التي زالت بدوام المجاهدات والرياضات والمخالفات هي حظ أهل الله 
من قوله تعالى: "إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا". (آية ۷۱ سورة مريم).
 فلا يجوزون بعدها على نار جهنم لطفا من الله بهم وعناية، لئلا يعذب عبده بعذابين، ولا يهوله بهولين.
أقام له هذا المشاق التي تحصل عليه في الدنيا عوضا عن عذاب غيره في الآخرة.
ويدل على ما قلناه الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الحمى حظ كل مؤمن من النار».( الإتحاف 529 / 9 ، وکنز العمال 6747 -6747  ، والصحيحة 1821 .) .
فإذا كانت الحمى تقوم مقام النار فكيف لك بالمجاهدات والرياضات والمخالفات التي هي أشد من كل شيء إلى أن تتزکی النفس.
فلأجل ذلك سماها النبي  صلى الله عليه وسلم : بالجهاد الأكبر، وسمي الضرب بالسيف جهادة أصغر. 
ولا خفاء أن الحمى أسهل من ملاقاة العدو والضرب والطعن والحرب، وجميع ذلك جهاد أصغر في جنب المجاهدات والمخالفات التي يقاسيها أهل الله.
واعلم أن الله تعالى لما خلق النار من اسمه القهار جعلها مظهر الجلال، فتجلى عليها سبع تجليات فصارت تلك التجليات أبوابا لها معاني.
التجلي الأول: 
تجلى عليها باسمه المنتقم فانفتح فيها واد له ثلاث مئة وستون ألف درك بعضها تحت بعض تسمى لظى.
خلق الله باب هذا الوادي من ظلمة المعصية والذنب وهو الجرم فهو محل أهل المعصية.
والذنب الذي ليس المخلوق فيه حق وهو أمر بين الله وبين عبده.
کالكذب والرياء واللواط وشرب الخمر وترك الأوامر المفروضة والتسهيل في حرمات الله تعالى، فهؤلاء هم المجرمون.
قال الله تعالى: "يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه ، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه و كلا إنها لظى * نزاعة للشوى . تدعو من أدبر وتولى". .
يعني أدبر عن طاعة الله وتولى عن ذكره "وجمع فأوعى". (آية ۱۸ سورة المعارج.).
 يعني من المعصية، والذنب عذاب أهل هذه الطبقة، وهو مع شدته أخف من عذاب جميع أهل الطباق.
التجلي الثاني: 
تجلی عليها باسمه العادل فانفتح فيها واد يسمى جحيم، له سبعة مئة ألف وعشرين ألف درك بعضها تحت بعض، خلق الله باب هذا الوادي من الفجور.
وهو التغشم والتعصب وطلب الباطل والطغيان.
فهو مسكن الذين طغوا في الأرض بغير الحق على عباد الله تعالى.
فأخذوا أموالهم وسفكوا دماءهم وأكلوا في أعراض الناس بالسب والغيبة وأمثال ذلك، وهذا الوادي تحت درك الوادي الأول وطبقاته ضعف طباقها.
قال الله تعالى: "وإن الفجار لفي جحيم ".( آية 14 سورة الانفطار. ) .
والفجار: هم الكاذبون في إيمانهم الظالمون الطاغون المعتدون على الناس.
فالجحيم مسکن الظالمين الذين يظلمون الناس بغير حق، فهو محل أهل الحقوق وعذاب أهل هذه الطبقة أشد من الأولى.
التجلي الثالث: 
تجلى عليها باسمه الشديد فانفتح فيها واد يسمى العسری له ألف ألف وأربع مئة ألف وأربعون درك بعضها تحت بعض.
 خلق الله باب هذا الوادي من البخل وطلب التكثر من المال ومن الحقد والحسد والشهوة وحب الدنيا وأمثال ذلك.
فهو مسكن من كانت فيه خصلة من هذه الخصال، وهذا الوادي تحت الأول وعذابه أشد منه بأضعاف مضاعفة.
التجلي الرابع: 
تجلى عليها بصفة الغضب فانفتح فيها واد يسمى الهاوية وهو أسفل دركات النار له ألف ألف وثمان مئة ألف وثمانون ألف درك بعضها تحت بعض.
يهوى الرجل فيها بين كل دركين أحقابة بعدد ساعات الدنيا فتنقضي ولم يبلغ الدرك الثاني.
خلق الله باب هذا الوادي من النفاق والرياء والدعاوى الكاذبة وأمثال ذلك.
فكل من كانت فيه خصلة من هذه الخصال مكث فيها. 
قال الله تعالى: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار".(آية 145 سورة النساء.).
ولهذا سميت الهاوية.
وهذه الطبقة أشد عذابا من الطبقة التي قبلها بأضعاف كثيرة.
التجلي الخامس:
تجلی عليها باسمه المذل، فانفتح فيها واد يسمی سقر، له خمسة آلاف وسبع مئة ألف وستون ألف درك بعضها تحت بعض.
خلق الله باب هذا الوادي من التكبر، فيه أذل الفراعنة والجبابرة الذين يطلبون الاستعلاء بغير حق، 
لأن الحق تعالی غیور، فمن ادعى صفة من صفاته أو اسم من أسمائه بغير حق عكسه علیه فعذبه بضده يوم القيامة.
وهؤلاء لما تكبروا في الأرض ولبسوا وصف الحق بغير حق عذبهم باسمه المذل، قال الله تعالى: "ثم أدبر". (آية 22 سورة النازعات. ) .
أي عن عبادة الله والتواضع تحت سلطانه "واستكبر" طلب التكبر وأراد أن لا يعبد الله  فقال:" إن هذا إلا قول البشر".(آية 25 سورة المدثر. ) .
حتى لا يلزمه الإيمان به "سأصليه سقر".(آية 26 سورة المدثر. ).
والتجلي السادس: 
تجلی عليها باسمه ذي البطش، فانفتح فيها واد يسمى السعير، له أحد عشر ألف ألف وخمس مئة ألف وعشرون ألف درك.
بين كل درك ودرك أحقاب بعدد أنفاس أهل الدنيا.
 خلق الله باب هذه الطبقة من الشيطنة.
وهي نار تثور من دخان النفس بشرر الطبيعية فتحدث منها الفتن والغضب والشهوة والمكر والإلحاد وأمثال ذلك.
يسكن هذه الطبقة من كان فيه خصلة من هذه الخصال، ويسكن معه الشياطين فيها.
قال الله تعالى: "وجعلناها رجوما للشياطين". (آية 5 سورة الملك. ).
أي النجوم "وأعتدنا لهم عذاب السعير". آية 5 سورة الملك. 
التجلي السابع: 
تجلى عليها باسمه ذو عقاب أليم، فانفتح فيها واد يسمى جهنم دركاتها ثلاث وعشرون ألف ألف درك وأربعون ألف درك.
بين كل درك ودرك أحقاب لا تكاد أن تتناهى إلا في القدرة، وأما على ترتيب الحكمة فلا.
وهو لأن القدرة قد تبرز ما لا يتناهى متناهية، و تظهر وتبرز الشيء اليسير المتناهي بلا نهاية.
 وكل أحوال القيامة أو أكثرها من طريق القدرة، لأن الدنيا دار الحكمة والآخرة دار القدرة.
حتى أن الحال الواحد من أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة يجده صاحبه منسحبة من الأزل إلى الأبد، لا يجد لذلك من آخر ولا أول.
فيكون فيه مثلا بقدر ما بين الأزل إلى الأبد، وهو آن واحد ووقت واحد غير متعدد، ثم ينتقل منه إلى غيره كما يريد الله تعالى.
وهذا سر عجيب لا يكاد العقل أن يقبله، بل لا يطيقه، لأن العقل منوط بالحكمة والكشف منوط بالقدرة. فلا يعرفه إلا صاحب کشف.
ثم إن الحق خلق باب هذه الطبقة من الكفر والشرك.
قال الله تعالى: "إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ".(آية 6 سورة البينة. ) .
فعذابهم شر العذاب، لأن جهنم لا يتناهى أمر عذابها.
وهذا معنى قوله: "يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد".(آية 30 سورة ق).  لعدم التناهي.
واعلم أن أهل كل طبقة لا يخرجون منها حتى يخوضوا جميع دركات تلك الطبقة جميعها.
فمنهم من يسهل الله عليه خوضها ومنهم من يعسره عليه، فإذا قطع الرجل جميع الدركات حينئذ يضع الجبار قدمه في النار فيكون ما قد سبق بيانه في الحديث. 
وهنا سر لطيف يقتضي وضع الجبار قدمه في حق كل مرة، ثم في كل طبقة، على أن جميع تلك التعددات مدة واحدة ويوم واحد. 
لكن أظهرت القدرة هذا التعدد وهذا الفرق في الزمان الواحد من أهل النار وهذا أمر يحار فيه العقل ولا يدركه إلا عن كشف إلهي.
ثم إن الله تعالى جعل مالك خازن هذه الأبواب مظهر الشدة، لأن محتده اسم شديد القوى.
وانظر إلى جميع ما تجلى الله به على جهنم تجد فيه معنى الشدة، فلهذا كان مالك له السلطنة في جميع طبقات جهنم.
وكان خازن جميعها، ثم ملائكة العذاب رقائق من حقيقة الشدة.
قال الله تعالى: "عليها ملائكة غلاظ شداد". (آية 6 سورة التحريم ).
 ونفس اسم مالك مشتق من الملك وهو الشدة.
ثم اعلم أن أهل النار قد ينتقلون من طبقة إلى طبقة غيرها فينتقل الأعلى إلى الطبقة الأدنى تخفيفا عليه.
وقد ينتقل الأدنى إلى الأعلى تشديدة في عذابه.
كل ذلك على قدر ما يريده الله تعالى من العذاب من الزيادة والنقصان.
وأن في النار ما لا يحصى من العجائب.
فلو أخذنا في ذكر أهل الطبقات وتنوعهم في كل درك، أو لو وصفنا الملائكة الموكلة بهم وأنواعهم، ولو شرعنا في بيان من كان مؤمنة فوقع بينهم من غير جرم ظاهر.
وذلك سر قوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة". (آية 25 سورة الأنفال.).
أو لو تحدثنا في القوم الذين بعدهم من أهل هذه الطبقات كيف نقلتهم القدرة إلى ما لا يدركه المؤمنون في حياتهم من التحقق بالحقائق الإلهية. 
ولقد اجتمعت بأفلاطون الذي يعدونه أهل الظاهر کافرة فرأيته وقد ملأ العالم الغيبي نورة وبهجة.
ورأيت له مكانة لم أرها إلا لآحاد من الأولياء، فقلت له: من أنت؟ 
قال: قطب الزمان وواحد الأوان. 
ولكم رأينا من عجائب وغرائب مثل هذا ليس من شرطها أن تفشي.
وقد رمزنا لك في هذا الباب أسرارا ما كان يسعنا أن نتكلم فيها بغير هذا اللسان. فألق القشر من الخطاب وخذ اللب إن كنت من أولي الألباب، فإن هذه الورقات جمعت علوما لا يحتاج في معرفة أهل النار إلى غيرها بعد فهمها.
فلا حاجة لنا في ذكر أنواع العذاب وصفة أهوال ملائكتها، فإن الكتب مشحونة بذلك فلنكتف من زيادة البسط.
ثم اعلم أن لأهل النار لذة فيها تشبه لذة المحاربة والمضاربة عند من خلق لذلك.
فإنا قد رأينا كثيرة من الناس يتلذذن بالمحاربة والمضاربة وهم عارفون أنهم يتألمون بذلك.
ولكن الربوبية الكامنة التي هي في النفس تحملهم على خوض ذلك.
ثم إن لهم لذة أخرى تشبه لذة من به جرب فيحكه.
فهو وإن كان يقطع من جلد نفسه يتلذذ بذلك الحك.
فهو بين عذاب ولذة أخرى تشبه لذة الجاهلى المستغني برأيه ولو أخطأ مثاله فيما قد شهدناه. 
وهو أني رأيت رجلا بالهند في بلدة تسمى كوشي سنة تسعين وسبع مئة كان عمد إلى ثلاثة رجال من أكابر الناس فقتلهم متفرقين.
 وكان إذا قتل واحدة هرب إلى الآخر فقتله، حتى استوفى الثلاثة الأنفار؛ فلما قبض وجيء ليضرب عنقه تقدمت إليه فقلت له: ماذا صنعت؟ 
فقال: اسكت پا فلان والله لقد صنعت شيئا، وهو يعظم أمر نفسه ووجدته في لذة لعمري ما أظنه التذ قبلها بمثلها.
على أنه في حالة مما فعل به من الضرب والأسر وما هو بصدده مما سيفعل به من القتل والصلب كان متلذذة في نفسه بهذه اللذة العظيمة.
ولهم: أي لأهل النار لذة أخرى تشبه لذة العاقل بعقله عند تخطئته للجاهل الذي وافقته الأقدار وساعده تقلب الليل والنهار.
 فهو وإن كان يستحسن الأمور التي حصلت للجاهل لا يرضى بحالته ولا يصنع مثل صنع الجاهل مما تحصل به تلك السعادة.
بل يبقى خائضا في بحار شقاوته ولازمة لرياسة نفسه باقية على ما يقتضيه عقله وفكره، متلذذا بحالة نفسه مستنفرة من حالة الجهل.
ثم لهم لذة مختلفة , حتى إني اجتمعت بجماعة هم في أشد العذاب من النار فرأيتهم في تلك الحالة والجنة تعرض عليهم وهم كارهون لها، هذا حال طائفة. 
ورأيت طائفة بعكس هؤلاء يتمنون نفسا من أنفاس الجنة أو شربة من مائها فلا يوافقهم القدر في ذلك.
وهم الذين قال الله عنهم إنهم يقولون لأهل الجنة "أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله" يعني الطعام "قالوا إن الله حرمهما على الكافرين". (آية 50 سورة الأعراف.).
ثم اعلم أن جميع ما ذكرناه ليس بمنسحب على كل أهل النار.
 بل هم أنواع وأجناس، فمنهم المتلذذ في عذابه , ومنهم من عذابه محض ليس له فيه لذة ألبتة، بل أشد ما يكون من النفور في أنفسهم.
ثم منهم من آل به إلى العذاب وفور عقله الذي كان له في الدار الدنيا.
ومنهم من آل به إلى العذاب وفور جهله فيها.
ومنهم من آل به إلى العذاب عقائدهم.
ومنهم من آل به إلى العذاب أعماله.
ومنهم من آل به إليها كلام الناس في حقه بناء ما لم يكن فيه.
ومنهم من آل به إليها كلامهم بما فيه من القبائح أو من المحاسن أو بما ليس فيه من المساوىء. 
وأمر أهل النار غريب جدا وهم سر قوله: "هؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي " .أحمد 239 / 5 . 
ثم اعلم أن من أهل النار أناسا عند الله أفضل من كثير من أهل الجنة أدخلهم دار الشقاوة ليتجلى عليهم فيها فيكون محل نظره من الأشقياء.
وهذا ست غريب وأمر عجيب، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
فصل الصورة المحمدية ونظر الله إليها باسمه المنان فخلق الله منها أنواع الجنان
يذكر فيه القسم الثاني من الصورة المحمدية وهو القسم الذي نظر الله إليه باسمه المنان فخلق الله منه أنواع الجنان ثم تجلى فيها باسمه اللطيف فجعلها محلا لكل كريم عنده وشريف.
اعلم أن الجنان على ثمان طباق.
كل طبقة فيها جنات كثيرة، في كل جنة درجات لا تحصى ولا تحصر.
فالطبقة الأولى: 
تسمى جنة السلام، وتسمى جنة المجازاة.
خلق الله باب هذه الجنة من الأعمال الصالحة تجلى الله فيها على أهلها باسمه الحسیب، فصارت جزاء محضة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل أحد الجنة بعمله".(البخاري في: الرقاق 6464، ومسلم في المنافقين 71 - 73. ).إنما أراد به جنة المواهب, وأما جنة المجازاة فهي بالأعمال الصالحة.
قال الله تعالى في حق أهل الجنة: "وأن ليس للإنسان إلا ماسعى وأن سعيه سوف يرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى" .(آية 39: 41 سورة النجم.) .
ولا يدخل أحد هذه الجنة إلا بالأعمال الصالحة، فمن لا عمل له لا دخول له فيها، وتسمى هذه الجنة اليسرى.
 قال الله تعالى: فأما من أعطى 
واتقى . وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى". (آية  5: 7 سورة الليل. ) .وسببه دخولها بقليل من الأعمال المقبولة فهي ميسرة لمن يسرها الله تعالى عليه.
الطبقة الثانية: 
هي فوق الطبقة الأولى وأعلى منها تسمى جنة الخلد وجنة المكاسب، والفرق بين جنة المكاسب وجنة المجازاة أن جنة المجازاة بقدر الأعمال فلها مقابلة، وجئة المكاسب ربح محض لأنها نتائج العقائد والظنون الحسنة بالله تعالى.
 ليس فيها شيء على طريق المجازاة بالأعمال البدنية.
تجلی الله على أهل هذه الجنة باسمه البديع، فظهرت لأهل العقائد الحسينة ما لم يكن يأمله ابتداعا إلهية.
فباب هذه الجنة مخلوق من العقائد والظنون بالله والرجاء.
ولا يدخل هذه الجنة إلا من كانت فيه هذه الخصال المذكورات، ومن لم يكن فيه شيء من هؤلاء لا يدخلها.
وسميت هذه الجنة بجنة المكاسب لأن ما يضاده وهو الخسران أيضا نتيجة الظنون الرديئة بالله تعالى.
قال سبحانه وتعالى: "وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين". آية 23 سورة الصافات. .
فأهل الظنون الرديئة في نار الخسارة، وأهل الظنون الحسنة بالله تعالی هم في جنة المكاسب.
الطبقة الثالثة: 
تسمى جنة المواهب، وهذه الطبقة أعلى من اللتين قبلها، لأن مواهب الحق تعالى لا تتناهى، فيهب لمن لا عمل له ولا عقيدة أكثر ممن له أعمال كثيرة وعقائد وغير ذلك.
رأيت في هذه الجنة من كل ملة أقواما وطائفة من كل جنس من أجناس بني آدم.
حتى أن أهل العقائد وأهل الأعمال إذا أعطاهم الله من باب الموهبة ودخلوا هذه الجنة تجلی الله على أهلها باسمه الوهاب.
فلا يدخلها أحد إلا بموهبة الله تعالى.
وهي الجنة التي قال عليه الصلاة والسلام فيها: 
"إنها لا يدخلها أحد بعمله، فقالوا له: ولا أنت يا رسول الله؟ 
فقال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته " .هذه الجنة أكثر الجنان وأوسعها. 
وهي سر قوله تعالى: "ورحمتي وسعت كل شيء " حتى أنه لم يبق أحد من النوع الإنساني إلا وجوزت الحقائق من حيث الإمكان العقلي الوهمي له دخولها.
إن كان له نصيب من هذه الجنة في يوم ما من أيام الله تعالى هذا الذي جوزته الحقائق من حيث الإمكان الوهمي. 
وأما ما شاهدناه فإنا وجدنا في هذه الجنة من كل نوع من أنواع أهل الملل والنحل المختلفة طائفة، لا كلها ولا أكثرها.
بل فرقة من كل ملة، بخلاف جنة المجازان فإنها مخصوصة بالأعمال الصالحة لا يدخلها إلا أهلها. 
وأوسع منها جنة المكاسب لأن الربح قريب من الجزاء، إذ لا بد من رأس المال حتى ينتهي الربح عليه فرأس مال أهل جنة المكاسب هي تلك العقائد والظنون الحسنة بالله تعالى. 
وأما هذه الجنة أعني جنة المواهب فإنها أوسع الجنان جميعها، حتى أنها أوسع مما فوقها وهذه المسماة في القرآن بجنة المأوى لأن الرحمة مأوى الجميع.
قال الله تعالى: "أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون".(آية 19 سورة السجدة.) .
ولم يقل جزاء ليكون تنبيها على أنه يدخلهم جنة المواهب لا جنة المجازاة ولا جنة المكاسب، فهي نزل لهم وقرى من خزائن الحق والجود، والموهبة غير مختصة بمن عمل الصالحات، فافهم.
الطبقة الرابعة: 
تسمى جنة الاستحقاق وجنة النعيم وجنة الفطرة، وهذه الطبقة أعلى من اللواتي قبلها، فإنها لا بمجازاة، ولا موهبة بل هي لأقوام مخصوصة اقتضت حقائقهم التي خلقهم الله عليها أن يدخلوا هذه الجنة بطريق الاستحقاق الأصلي.
وهم طائفة من عباده خرجوا من دار الدنيا وأرواحهم باقية على الفطرة الأصلية فمنهم من عاش جميع عمره في الدنيا وهو على الفطرة.
وأكثر هؤلاء بهاليل ومجانين وأطفال، ومنهم من تزکی بالأعمال الصالحة والمجاهدة والرياضة والمعاملة الحسنة مع الله تعالی فرجعت روحه من حضيض البشرية إلى الفطرة الأصلية فالفطرة الأصلية .
قوله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم". (آية 19 سورة السجدة.) .
والدنس البشري قوله تعالى: "ثم رددناه أسفل سافلين". (آية 19 سورة السجدة.).
 وهؤلاء الذين تركوا هم المستثنون بقوله تعالى: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون". (آية 19 سورة السجدة.).
يعني يدخلون الجنة المسماة بجنة الاستحقاق فهي لهم حق من غير أن يكون موهوبة ممنونة أو مكسوبة مجازاة بطريق الأعمال أو غيرها.
فهؤلاء أعني من تزکی حتی رجع إلى الفطرة الأصلية هم المسمون بالأبرار.
قال الله تعالى: "إن الأبرار لفي نعيم" .(آية 13 سورة الانفطار.).
 وسر هذا أن الله تعالی تجلى في أهلها باسمه الحق، فامتنع أن يدخلها إلا من يستحقها بطريق الأصالة والفطرة التي فطره الله عليها، فمنهم من خرج من دار الدنيا إليها، ومنهم من عذب بالنار حتى انتفت خبائثه فرجع إلى الفطرة ثم استحقها فدخلها بعد دخول النار.
وسقف هذه الجنة هو العرش بخلاف الجنان المتقدم ذكرها، فإن الأعلى منهن سقف الأدنى فجنة السلام سقفها جنة الخلد، وجنة الخلد سقفها جنة المأوى وجنة المأوى سقفها هذه الجنة المسماة بجنة الاستحقاق وجنة الفطرة، وجنة النعيم، وهي ليس لها سقف إلا العرش.
الطبقة الخامسة: 
تسمى بالفردوس، وهي جنة المعارف، وأرضها متسعة شديدة الاتساع، وكلما ارتفع الإنسان فيها ضاقت، حتى أنه أعلى مكان فيها أضيق من سم الخياط.
لا يوجد فيها شجر ولا نهر ولا قصر ولا حور ولا عين، إلا إذا نظر أهلها إلى ما تحتهم، فأشرفوا في إحدى الجنان التي هي تحتهم فرأوا تلك الأشياء المذكورة من الحور والقصور والولدان وأما في جنة المعارف فلا يجدون شيئا من ذلك.
وكذلك ما فوقها وهذه الجنة على باب العرش وسقفها سقف الباب، فأهل هذه الجنة في مشاهدة دائمة فهم الشهداء.
أعني شهادة الجمال والحسن الإلهي قتلوا في محبة الله بسيف الفناء عن نفوسهم فلا يشهدون إلا محبوبهم.
وهذه الجنة هي المسماة بالوسيلة لأن المعارف وسيلة العارف إلى معروفه وأهل هذه الجنة أقل من أهل جميع الجنان المتقدمة، وكلما علت الطبقات من هذه الجنة كان كذلك.
الطبقة السادسة: 
تسمى الفضيلة وأهلها هم الصديقون الذين أثنى الله عليهم بأنهم عند مليك مقتدر، وهذه الجنة هي جنة الأسماء.
وهي منبسطة على درجات العرش كل طائفة من أهل الطبقة على درجة من درجات العرش أهلها أقل عددا من أهل جنة المعارف ولكنهم أعلى مكانة عند الله تعالى وهؤلاء يسمون أهل اللذة الإلهية.
الطبقة السابعة: 
تسمى الدرجة الرفيعة، وهي جنة الصفات من حيث الاسم وهي جنة الذات من حيث الرسم.
أرضها باطن العرش، وأهلها يسمون أهل التحقق بالحقائق الإلهية، وهم أقل عددا من الطبقة التي مضى ذكرها، هم المقربون أهل الخلافة الإلهية.
وهؤلاء هم الممكنون وذوو العزم في التحقيق الإلهي، رأيت إبراهيم الخليل عن قائمة في يمين هذا المحل ناظرة إلى وسطه.
ورأيت طائفة من الرسل والأولياء في جانبه الأيسر شاخصين بأبصارهم إلى وسط هذا المحل.
ورأيت محمد و في وسطه شاخصا ببصره إلى سقف العرش طالبا للمقام المحمود الذي وعده الله به.
الطبقة الثامنة: 
تسمى المقام المحمود، وهي جنة الذات، أرضها سقف العرش ليس لأحد إليها طريق.
وكل من أهل جنة الصفات طالب للوصول إليها يزعم أنها معقودة باسمه دون غيره، وزعم الكل حق.
ولكن هي لمحمد صلى الله عليه وسلم لقوله:" إن المقام المحمود أعلى مكان في الجنة وإنها لا تكون إلا لرجل واحد، وأرجو أن يكون أنا ذلك الرجل".(مسلم في: الصلاة 11 ، وأبو داود في: الصلاة 523 ، وأحمد 2 / 167.) .
ثم أخبر أن الله تعالى وعده بها، فلنؤمن ونصدق بما قاله، فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي.
فصل خلق الله تعالى صورة آدم عليه السلام نسخة من تلك الصورة المحمدية
واعلم أن الصورة المحمدية لما خلق الله منها الجنة والنار وما فيهما من نعيم المؤمنين وعذاب الكافرين.
خلق الله تعالى صورة آدم عليه السلام نسخة من تلك الصورة المحمدية، فلما نزل آدم من الجنة ذهب حياة صورته لمفارقته عالم الأرواح. 
ألا ترى آدم عليه السلام كيف لما كان في الجنة لا يتصور شيئا في نفسه إلا يوجده الله في حسه؛ وجميع من يدخل الجنة يتم له ذلك.
ولما نزل آدم إلى دار الدنيا لم يبق له ذلك، لأن حياته المصورة في الجنة كانت بنفسها وحياتها في الدنيا بالروح, فهي ميتة لأهل الدنيا إلا من أحياه الله تعالى بحياته الأبدية.
ونظر إليه بما نظر به إلى ذاته، وحققه بأسمائه وصفاته، فإنه يكون له من القدرة في دار الدنيا ما سيكون لأهل الجنة في الدار الأخرى.
فلا يتصور شيئا في نفسه إلا أوجده الله تعالى في حسه، فافهم ما أشرنا إليه لك في هذا الباب.
فإنه من عرف ما رمزنا فيه ظهر لديه ما يكتمه عنه الوجود ويخفيه.
 والله يقول الحق ويثبته ولا ينفيه.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب التاسع والخمسون في النفس وإنها محتد إبليس ومن تبعه من الشياطين من أهل التلبيس. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل    السبت يوليو 14, 2018 11:48 am

الباب التاسع والخمسون في النفس وإنها محتد إبليس ومن تبعه من الشياطين من أهل التلبيس. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب التاسع والخمسون في النفس وإنها محتد إبليس ومن تبعه من الشياطين من أهل التلبيس

النفس سرّ الربّ وهي الذات    ......         فلها بها في ذاتها لذّات
مخلوقة من نور وصف ربوبة    ......         فلها لذلكم ربوبيات
ظهرت بكل تعاظم وتكبُّر    ......         إذ هن أخلاق لها وصفات
لم ترض بالتحجير آون مكانها    ......         من فوقه ولها هناك ثبات
وجميع أنوار نزلن نسين ما    ......         قد كنّ فيه وغيرها النزلات
فعقلن إلاَّ النفس لم تعقل ولا    ......         نسيت رياستها وذا إثبات
اعلم أيدك الله بروح منه ولا أخلاك في وقت عنه، أن الله تعالى لما خلق محمدا صلى الله عليه وسلم من كماله، وجعله مظهرة لجماله وجلاله خلق كل حقيقة في محمد صلى الله عليه وسلم من حقيقة من حقائق أسمائه وصفاته.
ثم خلق نفس محمد و من نفسه، وليست النفس إلا ذات الشيء .
وقد بينا فيما مضى خلق بعض الحقائق المحمدية صلى الله عليه وسلم  من حقائقه تعالى، كما مضى في العقل والوهم وأمثالهما.
وسيأتي بيان ما بقي ثم خلق الله نفس محمد صلى الله عليه وسلم ما وصفناه، خلق نفس آدم عليه السلام نسخة من نفس محمد صلى الله عليه وسلم.
فلهذه اللطيفة "النفس" لما منعت من أكل الحبة في الجنة أكلتها لأنها مخلوقة من ذات الربوبية، وليس من شأن الربوبية البقاء تحت الحَجر.
ثم انسحب عليها هذا الحكم في دار الدنيا وفي الأخرى، فلا تمنع من شيء إلا وتطلب إتيانه لهذه اللطيفة.
سواء كان ما منعت عنه سببا لسعادتها أم سببا لشقاوتها.
لأنها لا تأتي الشيء طلبا للسعادة أو للشقاوة، بل إنما تأتيه لمجرد ما هو عليه ذاتها من الربوبية الأصلية.
ألا ترى الحبة التي أكلتها في الجنة : كيف حملها عدم المبالاة حتى انتهى بها إلى أكلها عالمة بأنها تشقيها للإخبار الإلهي .
حيث قال: "ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين". آية 35 سورة البقرة.
وليست الحبة إلا الظلمة الطبيعية.
فكانت الحبة المخلوقة من الشجرة مثلا نصبه الحق تعالى لها بالظلمة الطبيعية.
فمنعها من أكلها لعلمه أنها إذا عصت استحقت النزول إلى دار ظلمة الطبائع فتشقى.
لأنها الشجرة الملعونة في القرآن، فمن أتاها لعن، أي طرد.
فلما أتتها طردت من القرب الإلهي الروحي إلى البعد الجسماني فليس النزول إلا هذا .
وهو انصراف وجهها من العالم العلوي الذي هو منزه عن القيد والحصر إلى العالم السفلي الطبيعي الذي هو تحت الأسر.


فصل النفس والتباس الأمر عليها بين ما تعلمه لذاتها من سعادة الربوبية وبين الإخبار الإلهي
اعلم أن النفس لما منعت من أكل هذه الحبة، وكان من شأنها عدم التحجير، التبس الأمر عليها بين ما تعلمه لذاتها من سعادة الربوبية وبين الإخبار الإلهي بأن أكل الحبة يشقيها، فاعتمدت على علمها من نفسها ولم تقف مع الإخبار الإلهي لعلة محبتها للأكل.
وهذا هو موضع الالتباس لجميع العالمين، فكل من شقي إنما شقي بهذا الالتباس الذي شقيت النفس به أول وهلة.
فكانت الأمم تعتمد على علمها الحاصل لها من حيث العقل أو خبر المثل، وتترك الإخبارات الإلهية الصريحة الواضحة مع البراهين القاطعة بصدق الرسل إليهم بها، فهلك الجميع،
وسر هذا أن النفس هلكت به أول مرة وهي الأصل، لأنهم كلهم مخلوقون منها.
لقوله تعالى: "خلقكم من نفس واحدة". (آية 1 سورة النساء ).
فتبعها الفرع فهلك الجميع إلا الآحاد. 
وهذا سر قوله: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" .
يعني آمنوا بالأخبار الإلهية فتركوا ما يعملونه وعملوا الصالحات، وهي التي أمروا بها من ترك المعاصي وفعل الطاعات، وليست المعاصي إلا مقتضيات الظلمة الطبيعية، وليست الطاعات إلا مقتضيات الأنوار الروحية.
واعلم أن النفس لم تقع في الالتباس إلا بدسيسة الأمل.
وإلا فعلى الحقيقة تقديم علم الشخص على علم المخبر جائز إذا كان أحدهما منافية للآخر.
ولم يكن ما أخبر به الحق تعالی منافيا لعلمها، لأن النفس تعلم بالقابلية الأصلية سر ما تقتضيه الظلمة الطبيعية المضروب عنها المثل بالحبة.
وتعلم أن إتيان الطبائع مظلمة لأرض الروح مشقية لها.
وتعلم أن ليس من شأن الربوبية إتيان الأشياء المشقية للتقديس الذاتي والتنزيه الإلهي.
وليس ما أخبرها الحق تعالى إلا عين ما علمته من نفسها.
لكن دسيسة الأكل التي نصبها الأمر المحكوم والقدر المحتوم ألبس عليها الأمر
حتى رأت أن منع تلك الحبة مفوت للربوبية التي هي عليها.
وهي التي قال لها إبليس المخلوق فيها من حقيقة التلبيس "ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين".(آية 20 سورة الأعراف.).
لأن الملك لا تحجير عليه، فإن امتنعتما دخلتما تحت التحجير"أو تكونا من الخالدين" لأنكما إذا لم تقبلا الحجر في الأكل لم تخرجا من الجنة بإخراج أحدكما، لأنكما قد أتيتما بما تقتضيه الربوبية "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين". (ية 21 سورة الأعراف.) .
وليست المقاسمة إلا إيضاح ما يدعيه بالحجة القاطعة والبراهين الساطعة كما فعل.
ثم إن الأمم الماضية أيضا وجميع من هلك إنما هلك بدسيسة نفسانية.
لأن الرسل إنما أتت إلى الخلق بالأمور المعقولة من إيضاح الأمور المجهولة كإثبات الصانع بدليل المصنوع.
وإثبات الاقتدار بدليل الصنعة.
وإثبات القيامة بدلیل الإحياء الأول.
حيث قال: "قل يحييها الذي أنشأها أول مرة". ( آية 79 سورة يس.). وأمثال ذلك كثير.
ثم أظهروا المعجزات القاطعة وأتوا بالآيات القامعة، ولم يتركوا نوعا من خرق العوائد 
التي لا يقدر عليها المخلوق أبدا إلا عن قدرة إلهية كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وفلق البحر وأمثال ذلك.
فما منع من امتنع عن الانقياد للرسل إلا الدسائس؟ 
فمنهم من قال: أخشى أن تعايرني العرب باستسلامي لأصغر مني.
ومنهم من قال: "حرقوه وانصروا آلهتكم".( آية 68 سورة الأنبياء).
ومنهم من قال: أتريد أن نترك ما كان يعبد آباؤنا موافقة لما هو عندهم، فما منهم إلا من منعه دسيسة نفسانية، وإلا فالإخبارات الإلهية كانت موافقة لما هو عندهم، كما قال تعالى: "فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون".( آية 33 سورة الأنعام .).
 وكل هذا سر التباس الأمر على النفس بدسيسة الأكل، بل سر ما اقتضاه الأمر الإلهي والشأن الذاتي.


فصل خلق النفس المحمدية من ذاته وذات الحق جامعة للضدين
اعلم أن الله تعالى لما خلق النفس المحمدية من ذاته، وذات الحق جامعة للضدين، خلق الملائكة العالين من حيث صفات الجمال والنور والهدى من نفس محمد عليه كما سبق بيانه.
وخلق إبليس وأتباعه من حيث صفات الجلال والظلمة والضلال من نفس محمد صلى الله عليه وسلم .
وكان اسمه عزازیل، قد عبد الله تعالی قبل أن يخلق الخلق بكذا كذا ألف سنة.
وكان الحق قد قال له: يا عزازيل لا تعبد غيري، فلما خلق الله آدم عليه السلام وأمر الملائكة بالسجود له.
التبس الأمر على إبليس، فظن أنه لو سجد لآدم كان عابدة لغير الله، ولم يعلم أن من سجد بأمر فقد سجل لله، فلهذا امتنع.
وما سمي إبليس إلا لنكتة هذا التلبيس الذي وقع فيه فافهم.
 وإلا فاسمه قبل ذلك عزازيل وكنيته أبو مرة.
فلما قال له الحق تعالى:"ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم کنت من العالین" .(آية 75 سورة ص. ) .
والعالون هم الملائكة المخلوقون من النور الإلهي كالملك المسمى بالنون وأمثاله، وباقي الملائكة مخلوقون من العناصر، وهم المأمورين بالسجود لآدم.
فقال: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين". (آية 79 سورة ص.).
وهذا الجواب يدل على أن إبليس من أعلم الخلق بآداب الحضرة وأعرفهم بالسؤال وما يقتضيه من الجواب.
لأن الحق لم يسأله عن سبب المانع، ولو كان كذلك لكان صيغة: لما امتنعت أن تسجد لما خلقت بيدي.
ولكن سأله عن ماهية المانع، فتكلم على سر الأمر فقال: 
لأني خير منه، يعني أن الحقيقة النارية وهي الظلمة الطبيعية التي خلقتني منها خير من الحقيقة الطينية التي خلقته منها.
فلهذا السبب اقتضی الأمر أن لا أسجد، لأن النار لا تقتضي بحقيقتها إلا العلو، والطين لا يقتضي بحقيقته إلا السفل.
ألا تراك إذا أخذت الشمعة فنكست رأسها إلى تحت لا ترجع اللهبة إلا إلى فوق، بخلاف الطين فإنك لو أخذت كفا من تراب ورميت به إلى فوق رجع هابطة أسرع من صعوده لما تقتضيه الحقائق.
فلذلك قال إبليس: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين".ولم يزد على ذلك، لعلمه أن الله مطلع على سره، ولعلمه أن المقام مقام قبض لا مقام بسط.
فلو كان مقام بسط لقال بعد ذلك: واعتمدت على ما أمرتني أن لا أعبد غيرك، ولكن لما رأى المحل محل عتاب تأدب وعلم من ذلك العتاب أن الأمر قد التبس عليه في الأصل.
لأن الحق دعاه بإبليس وهو مشتق من الالتباس، ولم يكن يدعي قبل ذلك بهذا الاسم، فتحقق أن الأمر مفروغ عنه.
ولم يجزع ولم يندم ولم يتب ولم يطلب المغفرة، لعلمه أن الله لا يفعل إلا ما يريد، وأن ما يريده الله تعالى هو الذي تقتضيه الحقائق، فلا سبيل إلى تغييرها ولا إلى تبديلها.
فطرده الحق من حضرة القرب إلى حضيض البعد الطبيعي.
وقال: "اخرج منها فإنك رجيم". (آية 78 سورة ص . ). أي من الحضرة العليا إلى المراكز السفلي.
 إذ الرجم: طرح الشيء من العلو إلى السفل "وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين" .
اللعنة: هي الإيحاش والطرد.
 قال الشاعر: 
ذعرت به القطا ونفيت عنه         …….    مقام الذئب كالرجل اللعين
يعني الرجل الموحش، وهو مثال ينصبونه في الزرع يشبه الرجل ليستوحش منه الوحش وينفر منه الطير فينطرد بذلك ويسلم الزرع والثمر.
وقوله تعالى لإبليس: "وأن عليك لعنتي إلى يوم الدين". أي لا على غيرك، لأن الحروف الجارة والناصبة إذا تقدمت أفادت الحصر، كقولهم على زيد الدرهم؛ أي لا على غيره، 
و كقوله تعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين". ( آية  5 سورة الفاتحة.).
أي لا غيرك نعبد ولا نستعين، فلم يلعن الحق أحدا إلا إبليس، وما ورد من اللعنة على الظالمين والفاسقين وغيرهم، فكل ذلك بطريق الاتباع له.
 فاللعنة بطريق الأصالة على إبليس وبطريق التفريع على غيره.
 وقوله: " إلى يوم الدين " حصر، فإذا انقضى يوم الدين فلا لعنة عليه، لارتفاع حكم الظلمة الطبيعية في يوم الدين.
وقد مضى تفسير يوم الدين في الباب الموفي أربعين من الكتاب.
فلا يلعن إبليس أي لا يطرده عن الحضرة إلا قبل يوم الدين لأجل ما يقتضيه أصله، وهي الموانع الطبيعية التي تمنع الروح عن التحقق بالحقائق الإلهية.
وأما بعد ذلك فإن الطبائع تكون لها من جملة الكمالات، فلا لعنة بل قرب محض فحينئذ يرجع إبليس إلى ما كان عليه عند الله من القرب الإلهي وذلك بعد زوال جهنم.
لأن كل شيء خلقه الله لا بد أن يرجع إلى ما كان عليه، هذا أصل مقطوع به فافهم.
قيل إن إبليس لما لعن هاج وهام لشدة الفرح حتى ملأ العالم بنفسه.
فقيل له: أتصنع هكذا وقد طردت من الحضرة؟ 
فقال: هي خلعة أفردني الحبيب بها لا يلبسها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ثم إنه نادي الحق كما أخبر عنه سبحانه وتعالى قال:" رب فأنظرني إلى يوم يبعثون".( آية 36 سورة الحجر. ) .
لعلمه أن ذلك ممكن، فإن الظلمة الطبيعية التي هي محتدة باقية في الوجود إلى أن يبعث الله تعالى أهلها، فيتخلصون من الظلمة الطبيعية إلى أنوار الربوبية.
فأجابه الحق وأكد بأن وقال له: "فإنك من المنظرين - إلى يوم الوقت المعلوم".( آية 37 - 38 سورة الحجر. ). 
وذلك رجوع أمر الوجود إلى حضرة الملك المعبود.
 وقال: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين".(آية 82 سورة ص. ).
لأنه يعلم أن الكل تحت حکم الطبيعة وأن الاقتضاءات الظلمانية تمنع من الصعود إلى الحضرات النورانية: "إلا عبادك منهم المخلصين".
 يعني الذين خلصوا من ظلمة الطبائع إقامة الناموس الإلهي في الوجود الآدمي.
فإن كان المخلص بصيغة المفعول كان الأمر بالنسبة إلى الحقيقة الإلهية، يعني أخلصهم الله بجذبهم إليه.
وإن كان بصيغة الفاعل كان بالنسبة إلى الحقيقة العبدية، يعني تخلصوا بالأعمال الزكية كالمجاهدات، والرياضات والمخالفات، وأمثال ذلك. 
فلما تكلم بهذا الكلام أجابه الحق فقال: "فالحق والحق أقول و لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين". (آية 85 سورة ص.).
فلما تكلم إبليس عليه اللعنة من حيث ما تقتضيه الحقائق أجابه الحق تعالى من حيث ما تكلم به إبليس 
حكمة إلهية، وذلك أن الظلمة الطبيعية التي تسلط بها إبليس عليهم وأقسم أنه يغويهم هي عينهم القائدة لهم إلى النار، بل هي عين النار.
لأن الطبيعة المظلمة هي النار التي يسلطها الله تعالى على قلوب المفسدين.
فلا يتبع إبليس أحد إلا من دخلها، ومن دخلها فقد دخل النار.
فانظر إلى هذه الحكمة الإلهية كيف أبرزها الله تعالی برقیق إشارة ودقيق عبارة، ليفهمه من يستمع القول فيتبع أحسنه، فافهم إن كنت ممن يفهم، فديت من يعقل ما رمزت إليه، وفديت من يعلم.


فصل الحقيقة الإبليسية مظاهرها وتنوعاتها وآلاتها التي يستعين بها على الخلائق
وبعد أن شرعنا في الكلام على الحقيقة الإبليسية لا بد أن نتكلم على مظاهره وتنوعاته وآلاته التي يستعين بها على الخلائق وتبيين شياطينه وحفدته وما هو خيله ورجله الذي ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز 
حيث قال: "وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ".آية 64 سورة الإسراء. .
واعلم أن إبليس له في الوجود تسعة وتسعون مظهرا على عدد أسماء الله تعالى الحسنى.
وله تنوعات في تلك المظاهر لا يحصي عدها ويطول علينا استيفاء شرح مظاهره جميعها، فلنكتف منها على سبع مظاهر هي أمهات جميع تلك المظاهر.
كما أن السبعة النفسانية من أسماء الله تعالى أمهات جميع أسمائه الحسنى۔ وهذا أمر عجيب، وذلك نكتة سر إيجاده من النفس الموجودة من ذات الله تعالىفافهم هذه الإشارة ولا تغفل عن هذه العبارة.
واعلم أن مظاهره المذكورة في هذه السبعة:
المظهر الأول: 
هو الدنيا وما ينبت عليه كالكواكب والاستقصات والعناصر وغير ذلك.
ثم اعلم أن إبليس لا يختص مظهره بأحد دون أحد، ولكن غالبا يظهر لكل طائفة بما سنوي إليه، ثم إنه إذا ظهرت على طائفة بمظهر لا يقتصر عليه بل لا يزال يتنوع له في كل المظاهر حتى يسدد عليه الأبواب.
ولا يترك له طريقة إلى الرجوع ولكنا لا نذكر من مظاهره في كل طائفة إلا ما هو الأغلب عليها ونترك الباقي.
لأنه يفعل بهم ما يفعل بغيرهم في المظاهر الباقية، فظهوره على أهل الشرك في الدنيا وما بنيت عليه كالعناصر والأفلاك والاستقصات والأقاليم بهذه المظاهر للكفار والمشركين، فيغويهم أولا بزينة الدنيا وزخارفها حتى يذهب بعقولهم ويعمي على قلوبهم.
 ثم يدلهم على أسرار الكواكب وأصول العناصر وأمثال ذلك.
فيقول لهم هؤلاء الفعالون في الوجود فيعبدون الأفلاك لما يرونه من صحة أحكام الكواكب.
ولما يشهدونه من تربية الشمس بحرارتها لأجسام الوجود، ولما ينظرونه من نزول المطر على حساب الطوالع والغوارب فلا يختلج لهم خاطر في ربوبية الكواكب.
فإذا قد أحكم فيهم هذه الأصول تركهم كالبهائم لا يسعون إلا للمأكل والمشارب، ولا يؤمنون بقيامة ولا غيرها.
فيقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا، قد غرقوا في بحار ظلمة الطبائع، فلا خلاص لهم منها أبدا أبدأ.
وكذلك يفعل بأهل العناصر فيقول لهم: 
ألا ترون أن الجسم مركب من الجوهر، والجوهر مركب من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة.
فهؤلاء الآلهة التي ترتب الوجود عليهم، وهم الفعالون في العالم، ثم يفعل بهم ما فعل بالأول.
وكذلك عبدة النار فإنه يقول لهم: ألا ترون أن الوجود منقسم بين الظلمة والنور، فالظلمة إله يسمى أهرمن والنور إله يسمی نردن، والنار أصل النور فيعبدونها، ثم يفعل بهم ما فعل بالأول، وهكذا فعله بجميع المشركين.
المظهر الثاني: 
هي الطبيعة والشهوات واللذات، فيظهر فيها للمسلمين العوام فيغويهم أولا بمحبة الأمور الشهوانية.
والرغبة إلى اللذات الحيوانية مما اقتضته الطبيعة الظلمائية حتى يعميهم.
فعند ذلك يظهر لهم في الدنيا ويخبرهم بأن هذه الأمور المطلوبة لا تحصل لهم إلا بالدنيا، فينهمكون في حبها ويستمرون في طلبها.
فإذا فعل بهم هذا تركهم، فإنه لا يحتاج معهم بعد هذا إلى علاج.
فإذا صاروا أتباعه فلا يعصونه في شيء يأمرهم به لمقارنة الجهل بحب الدنيا.
فلو أمرهم بالكفر فكفروا فحينئذ يدخل عليهم بالشك والوسواس في الأمور المغيبة التي أخبر الله عنها فيوقعهم في الإلحاد وتم الأمر.
المظهر الثالث: 
يظهر في الأعمال الصالحين، فيزين لهم ما يصنعونه ليدخل عليهم العجب.
فإذا أدخل عليهم العجب بنفوسهم وأعمالهم غزهم بما هم عليه فلا يقبلون من عالم نصيحة.
فإذا صاروا عنده بهذه المثابة قال لهم: يكفي لو عمل غير كم عشر معشار ما تعملونه لنجا.
فقللوا في الأعمال وأخذوا في الإستراحات واستعظموا أنفسهم واستخفوا بالناس.
ثم إذا أكسبهم هذه الأشياء مع بؤس ما كانوا عليه من سوء الخلق وسوء الظن بالغير انتقلوا إلى الغيبة، وربما يدخل عليهم المعاصي واحدة بعد واحدة. 
ويقول لهم: افعلوا ما شئتم فإن الله غفور رحيم، والله ما يعذب أحدا، إن الله يستحي من ذي شيبة إن الله کریم، حاشا الكريم أن يطالب بحقه وأمثال ذلك.
 حتى ينقلهم عما كانوا عليه من الصلاح إلى الفسق، فعند ذلك يحل بهم البلاء والعياذ بالله منه.
المظهر الرابع: 
النيات والتفاضل بالأعمال يظهر فيها على الشهداء، فيفسد نياتهم لتفسد أعمالهم، فبينما أن العامل منهم يعمل لله تعالى يدس عليه شيطانة في خاطره.
يقول له: أحسن أعمالك فالناس يرونك لعلهم يقتدون بك، هذا إذا لم يقدر أن يجعله رياء وسمعة ليقال فلان كذا وكذا.
فإنه يدخل عليه من حيث الخبر ثم يأتي إليه وهو في عمل.
مثلا كقراءة قرآن يقول له: هلا تحج إلى بيت الله الحرام وتقرأ في طريقك ما شئت، فتجمع بين أجرى الحج والقراءة حتى يخرجه إلى الطريق.
فيقول له: كن مثل الناس أنت الآن مسافر ما عليك قراءة، فيترك القراءة وبشؤمه ذلك قد فوقه الفرائض المفروضة المكتوبة، وقد لا يبلغ الحج.
وقد يشغله عن جميع مناسکه بطلب القوت.
وقد يورثه بذلك البخل وسوء الخلق وضيق الصدر.
وأمثال ذلك من هذا كثير، فإنه من لا يقدر أن يفسد عليه عمله يدخل عليه عملا أفضل مما هو عليه حتى يخرجه من العمل الأول ولا يتركه في الثاني.
المظهر الخامس: 
العلم يظهر فيه للعلماء، وأسهل ما على إبليس أن يغويهم بالعلم.
قيل إنه يقول: والله لألف عالم عندي أسهل من أمي قوي الإيمان، فإنه يتحير في إغوائه.
بخلاف العالم فإنه يقول له ويستدل عليه بما يعلمه العالم أنه حق فيتبعه فيغوي بذلك.
مثلا يأتي إليه بالعلم في محل شهوته فيقول له: اعقد بهذه المرأة على مذهب داود وهو حنفي، أو على مذهب أبي حنيفة بغير ولي وهو شافعي.
حتى إذا فعل ذلك وطالبته الزوجة بالمهر والنفقة والكسوة، فإنه يجوز للرجل أن يحلف لامرأته حتى يرضيها ولو كذبا.
فإذا طالت المدة ورفعته إلى الحاكم يقول له: أنكر أنها زوجتك فإن هذا العقد فاسد غير جائز في مذهبك، فليست لك بزوجة فلا تحتاج إلى نفقة ولا إلى غيرها فيحلف ويمضي، وأنواع ذلك كثيرة جدا لا تحصى وليس لها حد، بل ليس يسلم منه إلا آحاد الرجال الأفراد.
المظهر السادس:
 يظهر في العادات وطلب الراحات على المريدين الصادقين فيأخذهم إلى ظلمة الطبع من حيث العادة وطلب الراحة حتى يسلبهم قوة الهمم في الطلب وشدة الرغبة في العبادة.
فإذا عدموا ذلك رجعوا إلى نفوسهم، فصنع بهم ما هو صانع بغيرهم ممن ليست له إرادة، فلا يخشى على المريدين من شيء أعظم مما يخشى عليهم من طلب الراحات والركون إلى العادات.
المظهر السابع: 
المعارف الإلهية يظهر فيها على الصديقين والأولياء والعارفين إلا من حفظه الله تعالى.
 وأما المقربون فما له عليهم من سبيل.
فأول ما يظهر به عليهم في الحقيقة الإلهية فيقول لهم: أليس أن الله حقيقة الوجود جميعه وأنتم من جملة الوجود والحق حقیقتكم؟ 
فيقولون: نعم
فيقول: لم تتعبون أنفسكم بهذه الأعمال التي يعملها هؤلاء المقلدة، فيتركون الأعمال الصالحة.
 فإذا تركوا الأعمال قال لهم افعلوا ما شئتم، لأن الله تعالی حقيقتكم، فأنتم هو، وهو لا يسئل عما يفعل.
فیزنون ويسرقون ويشربون الخمر حتى يؤول بهم ذلك إلى أن يخلعوا ربقة الإسلام والإيمان من أعناقهم بالزندقة والإلحاد.
فمنهم من يقول بالاتحاد، ومنهم من يدعي في ذلك الإفراد، ثم إذا طالبوا بالقصاص وسئلوا عن منكراتهم التي فعلوها
 يقول لهم: أنكروا ولا تمكنوا من أنفسكم، فإنكم ما فعلتم شيئا وما كان الفاعل إلا الله وأنتم ما هو على اعتقاد الناس واليمين على نية المستحلف فيحلفون أنهم لم يصنعوا شيئا .
وقد يناجيهم في لباس الحق فيقول لأحدهم إني أنا الله وقد أبحت لك المحرمات فاصنع ما شئت، أو فاصنع كذا وكذا من المحرمات فلا إثم عليك.
وكل هذا لا يكون غلطة إلا إذا كان إبليس هو الظاهر عليهم، وإلا فالحق سبحانه وتعالى بينه وبين عباده من الخصوصيات والأسرار ما هو أعظم من ذلك.
ولمواجيد الحق علامات عند أهله غير منكورة.
وإنما تلتبس الأشياء على من لا معرفة له بها مع عدم العلم بالوصول.
وإلا فمثل هذه الأشياء لا تكاد تخفى على من له معرفة بالأصول.
 ألا ترى إلى حكاية سيدي الشيخ عبد القادر لما قيل له وهو في البادية: يا عبد القادر إنني أنا الله وقد أبحت لك المحرمات فاصنع ما شئت.
قال له: كذبت إنك شيطان
فلما سئل عن ذلك وقيل له: ماذا علمت أنه شيطان؟ 
فقال لقول الله تعالى: "إن الله لا يأمر بالفحشاء". (آية 28 سورة الأعراف.) .
فلما أمرني هذا اللعين بذلك علمت أنه شيطان يريد أن يغويني.
على أن نفس مثل هذا قد يجري لعباد الله مع الحق، كما جرى لأهل بدر وغيرهم.
وهذا مقام لا أنكره أخذ الوقت من بدايتي طرفا منه، وكنت محقا.
فنقلني الحق منه ببركة سيدي وشيخي أستاذ الدنيا وشرف الدين سيد الأولياء المحققين أبي المعروف الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي، ولقد اعتنى بي وأنا في تلك الحالة 
بعناية ربانية، مؤيدة بنفحات رحمانية إلى أن نظر الحق بعينه عبده.
فجعلني ممن عنده، فنعم السيد الفاضل، ونعم الشيخ الكامل، وفيه قلت هذه القصيدة من جملة قصائد عديدة:
وافى المحبّ فزاره محبوبه     ......  بشراه يا بشراه ذا مطلوبه
قدم الحبيب بعيد هجر يا لها     ......  من فرحة داوى السقيم طبيبه
يا قده العسال هل هذا القنا     ......  ينآد أم يا ردف أنت كثيبه
وبخاله المسكي تهت عن التقى     ......  لكن هداني للسلافة طيبه
أبَرُود ثغر هذا الأقاح ولؤلؤ     ......  نظمت على مرجان فيه حبوبه
أي شعر ليلك هل يضيء صاحبه     ......  أي خد يومك هل يجيء غروبه
أأسنة أم أسهم تلك المقى     ......  وتصيب قلبي أم فداك نصيبه
أقسى حاجبه إلى كم قسوة     ......  هب أنني هدف ألست تصيبه
يا أيها الواشون لا كان الوشا     ......  يا أيها الرقبا كميت رقيبه
للَّه فقدكما عدمت لقكما     ......  لولاكما ضمّ الحبيب حبيبه
أفلستما ترياه يرسل نشره     ......  سحراً فيحيي المستهام هبوبه
أنا من يضمّ حبيبه عند اللقا     ......  خوف الرقيب فلا يبين رقيبه
لم أنس صبحاً بالهنا آنسته     ......  حتى اجترى خوض الدجى مركوبه
ركب الأسنة والذوابل شرّع     ......  ما صدّه عن حيّ ميّ خطوبه
كادت نجائب عزمه تكبو بها     ......  فاشتدّ منها بالعنان نجيبه
وطرقت سعدى والسهام كإنها     ......  نيسان صدق بركه مسكوبه
حتى أنخت مطيتي في منزل     ......  لم يدع إلاَّ بالأهيل غريبه
دار بها لسعاد مغنى مغرب     ......  عنقاؤه فوق السماك تريبه
دار بها حلّ المكارم والعلا     ......  فالجود جود فنائها وخصيبه
دار بها إسماعيل أسمى من سما     ......  أسماء أسما راحه ونسيبه
ملك الصفات وكمل الذات الذي     ......  فاح الشمال بعطره وجنوبه
ملك ملوك اللَّه تحت لوائه     ......  ما بينما موهوبه وسليبه
أسد دم الآساد غمد حسامه     ......  نسر وفى مخ النسور خليبه
بحر لآلي التاج من أمواجه     ......  فوق الرؤوس على الملوك وهيبه
قطب الحقيقة محور الشرع الضيا     ......  فلك الولاء محيطه وعجيبه
وأخو التمكن من صفات طالما     ......  حزَّ الرقاب دوينهن رقيبه
للَّه درّك من مليكن ناهب     ......  بل واهب بدمي ولحمي ذيبه
ويعزّ بالملك العقيم من ابتغى     ......  ويذلّ من هو شاء فهو حسيبه
يا ابن إبراهيم يا بحر الندى     ......  يا ذا الجبرتي الجبور طبيبه
ألعبدك الجيلي منك عناية     ......  صباغة صبغ المحبّ حبيبه
أنت الكريم بغير شكّ وهو ذا     ......  عبد الكريم ومنك يرجى طيبه
والسامعون وناشدوه جميعهم     ......  أضياف جودك إذ يعمّ سكوبه
ما أنت يا غصن النقا بالمنحني     ......  إلاَّ الخزامى قد تنشر طيبه
قسماً بمكة والمشاعر والذي     ......  من أجله هجر المنام كئيبه
ما حبّ قلبي قط شيئاً غيركم     ......  كلا وليس سواكم مطلوبه
ويكفي هذا القدر من بيان أمر إبليس وتنوعه في مظاهره.
 وإلا فلو أخذنا في بیان تنوعه في مظهر واحد من هذه السبعة بكماله ملأنا مجلات كثيرة مثلا.
كما لا يظهر لأعلى الطبقات وهي طبقات العارفين فضلا عن الأدنى.
 فإنه يقدر أن يظهر على الأدني بكل ما يظهر به على الأعلى، والعكس.
 فيأتي بعض العارفين ويظهر عليهم تارة من حيث الاسم الإلهي.
 وتارة من حيث الوصف وتارة من حيث الذات.
 وتارة من حيث العرش، وتارة من حيث الكرسي وتارة من حيث اللوح.
 وتارة من حيث القلم، وتارة من حيث العماء وتارة من حيث الألوهية.
 ويظهر عليهم في كل مظهر ألي"إلاهي" ووصف علي فلا يعرفه إلا آحاد الأولياء.
فإذا عرفه الولي صار ما كان يريد أن يغويه به هداية في حق العارف ويتقرب به إلى الحضرة الإلهية.
هكذا لا يزال يفعل بالولي حتى يحصل الأجل المحتوم، والأمر المحكوم.
فيتحقق الولي بالحقائق الإلهية، ويتقلب فيها بحكم التمكين، فينقطع حكم إبليس حينئذ، فذاك في حقه إلى يوم الدين.
إذ ليس يوم الدين إلا يوم القيامة، والعارف إذا فني في الله الفناء الثالث وانمحق وانسحق، فقد قامت به قيامته الصغرى.
فذلك مآله يوم الدين، فلنكتف في  إيضاح هذا الأمر إذ لا سبيل إلى إفشاء هذا السر.
ثم اعلم أن الشياطين أولاد إبليس عليه اللعنة.
وذلك أنه لما تمكن من النفس الطبيعية أنكح النار الشهوانية من الفؤاد في العادات الحيوانية.
فتولدت لذلك الشياطين كما يتولد الشرر من النار والنبات من الأرض، فهم ذريته وأتباعه، يخطرون في القلب مثل الخواطر النفسانية بهم يغوي الناس وهم الوسواس الخناس. 
وهذا مشاركته لنبي آدم حيث قال: "وشاركهم في الأموال والأولاد " فهذا مشاركته، فمن هؤلاء من تغلب عليه الطبيعية النارية فيكون ملتحقة بالأرواح العنصرية. ومنهم من تغلب عليه الطبيعة النباتية الحيوانية فيبرز بصورة بني آدم وهو شيطان محض.
وذلك قوله تعالى: "شياطين الإنس والجن". (آية  112 سورة الأنعام.).
وهؤلاء البارزون في صورة بني آدم هم خيله، لأنهم أقوى من الشياطين الملحقة بالأرواح، فهؤلاء أصول الفتن في الدنيا، وأولئك فروعه وهم رجله.
قال تعالى: "وأجلب عليهم بخيلك ورجلك" .
ثم اعلم أن آلاته أقواها الغفلة، فهي بمثابة السيف له يقطع به.
ثم الشهوة وهي بمثابة السهم يصيب به المقتل.
ثم الرياسة وهي بمثابة الحصون والقلاع يمتنع بها أن يزول.
ثم الجهل وهو بمثابة الراكب، فيسير بالجهل إلى حيث يشاء.
ثم الأشعار والأمثال والخمور والملاهي، وأمثال ذلك كباقي آلات الحرب. 
وأما النساء فهن نوابه وحبائله به يفعل كما يشاء فليس في عدده شيء أقوى فعلا من النساء.
فهذه الاته التي يقاتل بها؛ وله آلات كثيرة ومواسم. 
فمن جملة مواسمه الليل ومواضع التهم ووقت النزع وأمثال ذلك، وهذا القدر سديد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهید.



فصل أسماء النفوس الإنسانية
ثم اعلم أن النفس تسمى في الاصطلاح على خمسة أضرب: 
1- نفس حيوانية
2- ونفس أمارة
3- ونفس ملهمة
4- ونفس لوامة
5- ونفس مطمئنة
وكلها أسماء الروح إذ ليس حقيقة النفس إلا الروح، وليس حقيقة الروح إلا الحق فافهم.
فالنفس الحيوانية : 
تطلق على الروح باعتبار تدبيرها للبدن فقط. 
وأما الفلسفيون فالنفس الحيوانية عندهم هي الدم الجاري في العروق وليس هذا مذهبنا. 
ثم النفس الأمارة:
 تسمى به باعتبار ما يأتيه من المقتضيات الطبيعية الشهوانية بالانهماك في الملاذ الحيوانية وعدم المبالاة بالأوامر والنواهي.
 ثم النفس الملهمة:
 تسمى به باعتبار ما يلهمها الله تعالی به من الخير  فكل ما تفعله النفس من الخير هو بالإلهام الإلهي.
وكل ما تفعله من الشر هو بالاقتضاء الطبيعي وذلك الاقتضاء منها بمثابة الأمر لها بالفعل.
فكأنها هي الأمارة لنفسها بفعل تلك المقتضيات، فلهذا سميت أمارة. 
وللإلهام الإلهي سمیت ملهمة.
ثم النفس اللوامة :
سميت به باعتبار أخذها في الرجوع والإقلاع.
فكأنها تلوم نفسها على الخوض في تلك المهالك، فلهذا سميت لوامة.
ثم النفس المطمئنة:
 سميت به باعتبار سكونها إلى الحق واطمئنانها به.
وذلك إذا قطعت الأفعال المذمومة رأسا والخواطر المذمومة مطلقا.
فإنه متى لم تنقطع عنها الخواطر المذمومة لا تسمی مطمئنة بل هي لوامة.
ثم إذا انقطعت الخواطر المذمومة مطلقا تسمى مطمئنة.
 ثم إذا ظهر على جسدها الآثار الروحية من طي الأرض وعلم الغيب وأمثال ذلك، فليس لها اسم إلا الروح.
ثم إذا انقطعت الخواطر المحمودة كما انقطعت المذمومة واتصفت بالأوصاف الإلهية وتحققت بالحقائق الذاتية فاسم العارف اسم معروفه، وصفاته صفاته، وذاته ذاته.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الموفى ستين في الإنسان الكامل وأنه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل    السبت يوليو 14, 2018 11:52 am

الباب الموفى ستين في الإنسان الكامل وأنه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الموفى ستين في الإنسان الكامل وأنه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقابل للحق والخلق

اعلم أن هذا الباب عمدة أبواب هذا الكتاب.
بل جميع الكتاب من أوله إلى آخره شرح لهذا الباب فافهم معنى هذا الخطاب.
ثم إن أفراد هذا النوع الإنساني كل واحد منهم نسخة للآخر بكماله لا يفقد في أحد منهم مما في الآخر شيء إلا بحسب العارض.
كمن تقطع يداه ورجلاه، أو يخلق أعمى لما عرض له في بطن أمه، ومتى لم يحصل العارض فهم كمرآتين متقابلتين يوجد في كل واحد منهما ما يوجد في الأخرى.
ولكن منهم من تكون الأشياء فيه بالقوة، ومنهم من تكون فيه بالفعل وهم الكمل من الأنبياء والأولياء.
ثم إنهم متفاوتون في الكمال فمنهم الكامل والأكمل.
ولم يتعين أحد منهم ما تعين به محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الوجود من الكمال الذي قطع له بانفراده فيه.
شهدت له بذلك أخلاقه وأحواله وأفعاله وبعض أقواله، فهو الإنسان الكامل والباقون من الأنبياء والأولياء والكمل صلوات الله عليهم ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل.
ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل.
ولكن مطلق لفظ الإنسان الكامل حيث وقع في مؤلفاتي إنما أريد به محمدا صلى الله عليه وسلم تأدبا بمقامه الأعلى ومحله الأكمل الأسنى.
ولي في هذه التسمية له إشارات وتنبيهات على مطلق مقام
الإنسان الكامل لا يسوغ إضافة تلك الإشارات.
ولا يجوز إسناد تلك العبادات إلا لاسم محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ هو الإنسان الكامل بالاتفاق.
وليس لأحد من الكمل ماله من الخلق والأخلاق، وفيه قلت هذه القصيدة المسماة بالدرة الوحيدة في اللجة السعيدة:
قلب أطاع الوجد فيه جنانه      ....... وعصى العواذل سرّه ولسانه
عقد العقيق من العيون لأنه      ....... فقد العقيق ومن همو أعيانه
ألف السهاد وما سها فكأنها      ....... نظم السهى في هدبه إنسانه
يبكي على بعد الديار بمدمع      ....... سل عنه سلعاً آم روت غدرانه
فحنينه رعد ونار زفيره      ....... برق ومزن المنحنى أجفانه
فكأن بحر الدمع يقذف درّه      ....... حتى نفدن وقد بدا مرجانه
ولئن تداعى فوق أيك طائر      ....... داعي الحمام بأنه خفقانه
ويزيده شجواً حنين مطية      ....... رقلت بها نحو الحمى ركبانه
يا سائق العيس المعمم في الثرى      ....... قف للذي تحدوكم أشجانه
بلِّغ حديثاً قد روته مدامعي      ....... إذ عنعنته مسلسلاً فيضانه
أسند لهم ضعفي وما قد صح من      ....... متواتر الخبر الذي جريانه
يرويه عن عبراته عن مقلتي      ....... عن أضلعي عما روت نيرانه
عن مهجتي عن شجوها عن خاطري      ....... عن عشقتي عما حواه جنانه
عن ذلك العهد القديم عن الهوى      ....... عمن همو روحي وهم سكانه
واسكل سلمت أحبتي بتلطف      ....... المسكين عند همو وهم سلطانه
واستنجد العرب الكرام تعطفاً      ....... لمضيِّع في هجرهم أزمانه
لا يوحشنك عزّهم وعلوهم      ....... تلك الديار لوفدها أوطانه
آلا ولا تنس الحديث فحبهم      ....... قصص الصبابة لم تزل قرآنه
ما آيسوا المقطوع من إيصالهم      ....... بل آنسوه بأنهم خلانه
قد آنت أعهد منهم حفظ الودا      ....... د فليت شعري هل هم إخوانه
ولقد أنزّه عن خيانة عهدنا      ....... شأن الحبيب وإن يكن هو شأنه
حيا الإله أحبتي وسقاهمو      ....... غيثاً يجود بويله سكبانه
يحيا به الربع الخصيب ولم يزل      ....... حياً يميس بورقه أغصانه
عجباً لذاك الحيّ كيف يهمه      ....... قحط السنين وأحمد نيسانه
أو كيف يظمأ وفده ولديهمو      ....... بحر يموج بدرّه طفحانه
شمس على قطب الكمال مضيئة      ....... بدر على فلك العلا سيرانه
أوج التعاظم مركز العزّ الذي      ....... لرحى العلا من حوله دورانه
ملك وفوق الحضرة العليا على      ....... العرش المكين مثبت إمكانه
ليس الوجود بأسره إن حققوا      ....... إلاَّ حباباً طفحته دنانه
الكل فيه ومنه كان وعنده      ....... تفنى الدهور ولم تزل أزمانه
فالخلق تحت سما علاه كخردل      ....... والأمر يبرمه هناك لسانه
والكون أجمعه لديه كخاتم      ....... في إصبع منه أجلّ كوانه
والملك والملكوت في تياره      ....... كالقطر بل من فوق ذاك مكانه
وتطيعه الأملاك من فوق السما      ....... واللوح ينفذ ما قضاه بنانه
فلكم دعا بالنخلة الصما فجاءت       ....... مثل ما جاءت له غزلانه
ناهيك شقّ البدر منه بأصبع      ....... والبدر أعلى أن يزلّ قرانه
شهدت بمكنته الكيان وخير      ....... بينة يكون الشاهدين كيانه
هو نقطة التحقيق وهو محيطه      ....... هو مركز التشريع وهو مكانه
هو درّ بحر ألوهة وخضمُّها      ....... هو سيف أرض عبودة ومعانه
هو هاؤه هو واوه هو باؤه      ....... هو سينه والعين بل إنسانه
هو قافه هو نونه هو طاؤه      ....... هو نوره هو ناره هو رانه
عقد اللواء بمحمد وثنائه      ....... فالدهر دهر والأوان أوانه
وله الوساطة وهو عين وسيلة      ....... هي للفتى يجلى بها رحمانه
وله المقام وذلك المحمود ما      ....... لم يدر من شأن تعالى شأنه
ميكال طست موجة من بحره      ....... وكذاك روح أمينه وأمانه
وبقية الأملاك من مائية       … و كالثلج يعقده الصبا وحرانه
الصبا :ريح باردة تهب من مطلع الشمس وفي اصطلاح الصوفية تشير الى الواردات الالهية ..وان كان الجيلى لم يستخدمها بهذا المعنى الصوفي في الأبيات!).
والعرش والكرسي ثم المنتهى     …. مجلاه ثم محله ومكانه
وطوى السماوات العلى بعروجه  …. طيّ السجل كمدلج ركبانه
أنبا عن الماضي وعن مستقبل     ….. كشف القناع وآم أضا برهانه
وأتت يداه بمال قيصره    …… ففرقها وكسرى ساقط إيوانه
ولكم له خلق يضيء بنوره    ……. يهدي بذكراه الهدى جيرانه
ولكم تطهّر في التزّآي وانتقى      ....... حتى ارتقى ما لا يرام عيانه
أنبا عن الأسرار إعلاناً ولم      ....... يفش السريرة للورى إعلانه
نظم الدراري في عقود حديثه      ....... منتشرات فوقها عقبانه
حتى يبلغ في الإمامة حقها      ....... من غير هتك رامه خوانه
اللَّه حسبي ما لأحمد منتهى      ....... وبمدحه قد جاءنا فرقانه
حاشاه لم تدرك لأحمد غاية      ....... إذ كل غايات النهى بدآنه
صلَّى عليه اللَّه مهما زمزمت      ....... آلم على معنى يريح بيانه
والكل والأصحاب والأنساب والأقطاب قوم في العلا إخوانه
اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره.
وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس، فيسمی به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر.
فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين.
ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين إسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة.
وسر هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة.
فالأديب إذا رآه في الصور المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد، فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة.
ثم لا يوقع ذلك الاسم إلا على الحقيقة المحمدية ألا تراه صلى الله عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي الله عنه.
قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله، وكان التلميذ صاحب کشف فعرفه.
فقال: أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر غير منكور، وهو كما يرى النائم فلانة في صورة فلان.
وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به في النوم، لكن بين النوم والكشف فرق.
وهو في الصورة التي يرى فيها محمد عليه في النوم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية.
لأن عالم المثال يقع التعبير فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة اليقظة.
بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية إنها متجلية في صورة من صور الآدميين.
فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد صلى الله عليه و سلم لما أعطاك الكشف أن محمدا صلى الله عليه و سلم متصور بتلك الصورة.
فلا يجوز ذلك بعد شهود محمد صلى الله عليه و سلم فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل , إياك أن تتوهم شيئا في قولي من مذهب التناسخ، حاشا الله وحاشا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكون ذلك مرادي.
بلى إن رسول الله ما له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة.
وقد جرت سنته صلى الله عليه و سلم أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم لیعلی شأنهم ويقيم ميلانهم، فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم.
واعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه، فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، ويقابل الحقائق السفلية بكثافته.
فأول ما يبدو في مقابلته للحقائق الخلقية يقابل العرش بقلبه.
قال عليه الصلاة والسلام: "قلب المؤمن عرش الله".
ويقابل الكرسي بإنيته، ويقابل سدرة المنتهى بمقامه، ويقابل القلم الأعلى بعقله، ويقابل اللوح المحفوظ بنفسه، ويقابل العناصر بطبعه، ويقابل الهيولي بقابليته، ويقابل الهباء بحيز هیکله.
ويقابل الفلك الأطلس برأيه، ويقابل الفلك المكوكب مدركته.
ويقابل السماء السابعة بهمته.
ويقابل السماء السادسة بوهمه.
ويقابل السماء الخامسة بهمته.
ويقابل السماء الرابعة بفهمه.
ويقابل السماء الثالثة بخياله.
ويقابل السماء الثانية بفكره.
ويقابل السماء الأولى بحافظته.
ثم يقابل زحل بالقوى اللامسة
ويقابل المشتري بالقوى الدافعة
ويقابل المريخ بالقوى المحرمة
ويقابل الشمس بالقوى الناظرة
ويقابل الزهرة بالقوى الملذذة
ويقابل عطارد بالقوى الشامة
ويقابل القمر بالقوى السامعة
ثم يقابل فلك النار بحرارته
ويقابل فلك الماء ببرودته
ويقابل فلك الهواء برطوبته
ويقابل فلك التراب بيبوسته
ثم يقابل الملائكة بخواطره
ويقابل الجن والشياطين بوسواسه
ويقابل البهائم بحيوانيته
ويقابل الأسد بالقوى الباطشة
ويقابل الثعلب بالقوى الماكرة
ويقابل الذئب بالقوى الخادعة
ويقابل القرد بالقوى الحاسدة
ويقابل الفأر بالقوى الحريصة
وقس على ذلك باقي قواه.
ثم إنه يقابل الطير بروحانيته
و يقابل النار بالمادة الصفراوية
ويقابل الماء بالمادة البلغمية
ويقابل الريح بالمادة الدموية
ويقابل التراب بالمادة السوداوية
ثم يقابل السبعة الأبحر بريقه ومخاطه وعرقه ونقاء أذنه ودمعه وبوله.
والسابع المحيط، وهو المادة الجارية بين الدم والعرق والجلد، ومنها تتفرع تلك الستة ولكل واحد طعم.
فحلو وحامض، ومر وممزوج، ومالح ونتن وطيب
ثم يقابل الجوهر بهويته وهي ذاته، ويقابل العرض بوصفه.
ثم يقابل الجمادات بأنيابه، فإن الناب لا يلتحم بشيء.
ثم يقابل النبات بشعره وظفره، ويقابل الحيوان بشهوانيته.
ويقابل مثله من الآدميين بيشريته وصورته، ثم يقابل أجناس الناس.
فيقابل الملك بروحه، ويقابل الوزير بنظره الفكري.
ويقابل القاضي بعلمه المسموع ورأيه المطبوع.
ويقابل الشرطي بطنه،
ويقابل الأعوان بعروقه وقواه جميعها.
ويقابل المؤمنين بيقينه،
ويقابل المشركين بشکه وريبه.
فلا يزال يقابل كل حقيقة من حقائق الوجود برقيقة من رقائقه.
فقد بينا فيما مضى من الأبواب حلق كل ملك مقرب من كل قوى من الإنسان الكامل، وبقي أن نتكلم في مقابلة الأسماء والصفات.
اعلم أن نسخة الحق تعالى كما أخبر صلى الله عليه وسلم حيث قال: "خلق الله آدم على صورة الرحمن ".
وفي حديث آخر: " خلق الله آدم على صورته".
وذلك أن الله تعالى حي عليم قادر مريد سميع بصير متكلم، وكذلك الإنسان حي عليم إلخ.
ثم يقابل الهوية بالهوية، والآنية بالآنية، والذات بالذات، والكل بالكل، والشمول بالشمول، والخصوص بالخصوص.
وله مقابلة أخرى يقابل الحق بحقائقه الذاتية، وقد نبهنا عليها في هذا الكتاب في غير موضع.
وأما هنا فلا يجوز لنا أن نترجم عنها، فيكفي هذا القدر من التنبيه عليها.
ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية والصفات الإلهية استحقاق الأصالة .
والملك بحكم المقتضى الذاتي، فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات، ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان الكامل؛ فمثاله للحق مثال المرأة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها.
وإلا فلا يمكنه أن يرى صورة نفسه إلا بمرآة الاسم الله فهو مرآته.
والإنسان الكامل أيضا مرأة الحق.
فإن الحق تعالى أوجب على نفسه أن لا ترى أسماؤه ولا صفاته إلا في الإنسان الكامل.
وهذا معنى قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا".( آية 72 سورة الأحزاب.) .
يعني قد ظلم نفسه بأن أنزلها عن تلك الدرجة، جهولا بمقداره لأنه محل الأمانة الإلهية وهو لا يدري.
واعلم أن الإنسان الكامل تنقسم جميع الأسماء والصفات له قسمين:
فقسم يكون عن يمينه :
كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وأمثال ذلك.
وقسم يكون عن يساره :
کالأزلية والأبدية والأولية والآخرية وأمثال ذلك.
ويكون له وراء الجميع لذة سريانية تسمى لذة الألوهية يجدها في وجود جميعه بحكم الانسحاب حتى أن بعض الفقراء تمنى استرساله في تلك اللذة.
ولا يغرنك كلام من يزيف هؤلاء، فإنه لا معرفة له بهذا المقام.
ويكون للإنسان الكامل فراغ عن متعلقاته کالأسماء والصفات فلا يكون له إليهم نظر.
بل متجرد عن الأسماء والصفات والذات لا يعلم في الوجود غير هويته بحكم اليقين والكشف يشهد صدور الوجود أعلاه وأسفله منه.
ويرى متعددات أمر الوجود في ذاته كما يرى أحدنا خواطره وحقائقه.
وللإنسان الكامل تمكن من منع الخواطر عن نفسه جليلها ودقيقها.
ثم إن تصرفه في الأشياء لا عن اتصاف ولا عن آلة ولا عن اسم ولا عن رسم، بل كما يتصرف أحدنا في كلامه وأكله وشربه.
وللإنسان الكامل ثلاث برازخ وبعدها المقام المسمى بالختام:
البرزخ الأول :
يسمى البداية وهو التحقق بالأسماء والصفات.
البرزخ الثاني :
يسمى التوسط وهو فلك الرقائق الإنسانية بالحقائق الرحمانية، فإذا استوفى هذا المشهد علم سائر المکتمات واطلع على ما شاء من المغيبات.
البرزخ الثالث :
وهو معرفة التنوعات الحكمية في اختراع الأمور القدرية لا يزال الإنسان تخرق له العادات بها في ملكوت القدرة حتى يصير له خرق العوائد عادة في فلك الحكمة فحينئذ يؤذن له بإبراز القدرة في ظاهر الأكوان.
المقام المسمى بالختام:
فإذا تمكن من هذا البرزخ "الثالث "حل في المقام المسمى بالختام والموصوف بالجلال والإكرام.
وليس بعد ذلك إلا الكبرياء وهي  النهاية التي لا تدرك لها غاية.
والناس في هذا المقام مختلفون فكامل وأكمل، وفاضل وأفضل.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الحادي والستون في أشراط الساعة وذكر الموت والبرزخ والحساب والقيامة والميزان والصراط والجنة والنار والأعراف والكثيب الذي يخرج أهل الجنة إليه   الأحد يوليو 15, 2018 12:07 pm

الباب الحادي والستون في أشراط الساعة وذكر الموت والبرزخ والحساب والقيامة والميزان والصراط والجنة والنار والأعراف والكثيب الذي يخرج أهل الجنة إليه

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الحادي والستون في أشراط الساعة وذكر الموت والبرزخ والحساب والقيامة والميزان والصراط والجنة والنار والأعراف والكثيب الذي يخرج أهل الجنة إليه

اعلم أن العالم الدنيوي الذي نحن فيه الآن له انتهاء يئول إليه؛ لأنه محدث وضرورة حكم المحدث أن ينقضي.
ولا بد من ظهور هذا الحكم، فانقضاؤه وفناؤه تحت سلطان الحقيقة الإلهية الظاهرة في لباس أفراد هذا العالم الدنيوي هو موته وظهور الحقيقة الإلهية الظاهرة عندنا بالأحكام التي ذكرها سبحانه في كتابه هو الساعة الكبرى لهذا الوجود.
ثم إن كلا من أفراد العالم له ساعة خاصة يجتمع الجميع في الساعة العامة، لأن كل فرد لا بد أن يحصل في الساعة المختصة به.
ويعم هذا الحكم جميع الأفراد الموجودة في هذا العالم، وذلك العموم هو الساعة الكبرى التي وعد الله بها.
فلما علمت هذا وتحققته وعرفت أن العالم بأجمعه أعلاه وأسفله له أجل معلوم، لأن كل واحد من أفراده له أجل معلوم.
و بنظر الجملة، فعموم الحكم هو أجل العالم بأجمعه، وما ثم إلا هذا.
فلا أدري هل تفهم هذه النكتة على ما نص الكتاب عليه أم فهمك منه على غير مرادي. وأما على مفهوم العوام من ظاهره فسأنبهك عليه بعبارة أخرى.
اعلم أن الحق تعالى له عوالم كثيرة.
فكل عالم ينظر الله إليه بواسطة الإنسان يسمى شهادة وجودية.
وكل عالم ينظر إليه من غير واسطة الإنسان يسمى غيبا.
ثم إنه جعل ذلك الغيب نوعين:
فغيب جعله مفصلا في عالم الإنسان:
فالغيب المفصل في عالم الإنسان يسمى غيبا وجوديا، وهو كعالم الملكوت.
وغيب جعله مجملا في قابلية الإنسان:
والغيب المجمل في القابلية يسمى غيبا عدميا، وهو كالعوالم التي يعلمها الله تعالى ولا نعلمها، فهي عندنا بمثابة العدم، فذلك معنى الغيب العدمي.
ثم إن هذا العالم الدنيوي الذي ينظر الله إليه بواسطة هذا الإنسان لا يزال شهادة وجودية ما دام الإنسان واسطة نظر الحق فيها.
فإذا انتقل الإنسان منها نظر الله إلى العالم الذي انتقل إليه الإنسان بواسطة الإنسان فصار ذلك العالم شهادة وجودية وصار العالم الدنيوي غيبا عدميا.
ويكون وجود العالم الدنياوي حينئذ في
العالم الإلهي کوجود الجنة والنار اليوم في علمه سبحانه وتعالى.
فهذا هو عين فناء العالم الدنياوي، وعين القيامة الكبرى وهي الساعة.
ولسنا بصدد ذكرها، بل غرضنا أن نشرح الساعة الخاصة بكل فرد من أفراد هذا العالم.
ونتحدث عن ذلك في الإنسان؛ لأنه أكمل أفراد الوجود فلنقس الباقين عليه، ونحيل فهم علم الساعة العامة على فهمك من كتاب الله تعالى.
خشية على إيمانك أن يسلبه شيطان الشك إن ذكرنا لك عجائب الساعة الكبرى، فلنقتصر من ذلك على ذكر الساعة الصغرى التي هي قبل الساعة الكبرى.
ثم لا تظن بأنهما ساعتان، بل هي ساعة واحدة.
فمثل هذا مثل الكلي الواقع على كل واحد من جزئياته.
مثلا كما تقول: مطلق الحيوان واقع على كل أنواع الخيل والأنعام والإنسان وغير ذلك.
ثم إن نفس لفظ الحيوان واقع على كل فرد من أفراد كل نوع.
ولا تتعدد الحيوانية في نفسها لأنها كلية تامة والكلية تقع على جزئياتها من غير تعدد.
فكذلك الساعة الكبرى واقعة على كل من الساعة الصغرى من غير تعدد؛ فأول ما نذكر علامة الساعة وأشراطها ثم نذكرها.
اعلم أن للساعة الصغرى علامات وأشرطة مناسبة لعلامات الساعة الكبرى وأشراطها.
فكما أن من أمارات الساعة الكبرى أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.
فكذلك الإنسان من علامة قيام ساعته الخاصة به ظهور ربوبيته سبحانه وتعالى في ذاته، فذات الإنسان هي الأمة.
والولادة هي ظهور الأمر الخفي من باطنه إلى ظاهره، لأن الولد محله البطن، والولادة بروز إلى ظاهر الحمل.
فكذلك الحق سبحانه وتعالى موجود في الإنسان بغير حلول، وهذا الوجود باطن، فإذا ظهر بأحكامه وتحقق العبد بحقيقة "وكنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها".
ظهر الحق تعالى في وجود هذا الإنسان، فتمكن من التصرف في عالم الأكوان، فذاته بمثابة الأمة وآثار ربوبية الحق بمثابة الربة، وظهورها بمثابة الولادة.
ثم تجرد العارف عن الأسماء بمثابة التحفي عن النعل، لأن الأسماء مراكب العارفين، وتجرده عن الصفات بمثابة حال العراة.
وكونه دائم الملاحظة للأنوار الأزلية بمثابة رعاء الشاء.
وكون المجذوب يأخذ في الترقي من المعارف الإلهية هو بمثابة تطاول البنيان.
فكما أن ظاهر هذا الحديث من أمارات الساعة الكبرى العامة في الوجود، كذلك باطنه الذي تكلمنا
عليه هو من علامات الساعة الصغرى الخاصة بكل فرد من أفراد الإنسان.
ومن علامات الساعة الكبرى:
ظهور يأجوج ومأجوج في الأرض حتى يملكوها، فيأكلون الثمار ويشربون البحار، ثم يرسل الله عليهم في ليلة واحدة النغف فيموتون عن آخرهم، فحينئذ يكثر الزرع، وينصع الأصل والفرع، وتطيب الثمار، ويحمد الملك الجبار.
فكذلك الساعة الصغرى من علامات قيامها في الإنسان:
ثوران النفس بثوران الخواطر الفاسدة والوساوس المعاندة قبل تمكنه من نفسه.
فيملكون أرض قلبه، ويأكلون ثمار لبه، ويشربون بحار سره، حتى لا يظهر لمعارفه وأحواله فيهم أثر، فيرجع عن سكره إلى حقيقة الصحو.
ثم تأتيه العناية الربانية بالنفحات الرحمانية بتحف ألا "إن حزب الله هم الغالبون ".آية 56 سورة المائدة. .، ألا "إن حزب الله هم المفلحون".
فتكحل عين هدايته بإثمد: "الله يصطفي من يشاء من عباده " . فحينئذ تفنى الخواطر النفسانية، وتذهب تلك الوساوس الشيطانية.
وترد محلها ملائكة الله بالعلوم اللدنية والنفثات الروحية في الكمالات الروعية.
وهو بمثابة تكثر الزرع واخضرار الأصل والفرع، ثم تحققه في مقام القرب وتلذذه بمشاهدة الرب هو بمثابة طيب الثمار وحمد الملك الجبار.
فكما أن ظاهره من أمارات الساعة الكبرى، كذلك ما أشرنا إليه وهو باطنه من أمارات الساعة الصغرى الخاصة بكل فرد من أفراد الإنسان.
ومن أمارات الساعة الكبرى:
خروج دابة الأرض، قال الله تعالى: "وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم". آية 82 سورة النمل۔ .
يعني إذا وقع القول وهو الأمر الإلهي برجوع هذا العالم إليه، وذلك انصرام أمر عالم الدنيا إلى الآخرة.
أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم، يعني تنبئهم بحقيقة ما وعدناهم به من البعث والنشور والجنة والنار وأمثال ذلك.
لأن الناس كانوا بآياتنا، يعني الأمور التي أخبرناهم بها في كلامنا لا يوقنون، فلأجل ذلك أخرجنا لهم تلك الدابة ليعلموا أنا قادرون على كل شيء فيوقنون بما بعدها وما تخبرهم به تلك الدابة.
فيرجع من يرجع إلى الحق، ويوقن بما أخبر به تعالى.
فكذلك الساعة الصغرى من أمارات قيامها في الإنسان بروز روحه الأمينة في حضرة القدس بخروجها من أرض الطبيعة البشرية لترك الأمور العادية.
وعدم إتيان الإقتضاءات السفلية، فحينئذ يتحقق له الكشف الكبير، وينبئه روح القدس بالنقير والقطمير، فیکلمه بجميع تلك الأخبار، ويظهر له بواطن الأستار فيعلمه بكتمان الأسرار ليرتفع حينئذ من مقام التصديق إلى مقام القرب في الرفيق الأعلى ونعم الرفيق.
وذلك منة من الله وفضل واعتناء بعبده لئلا تنهزم جيوش إيمانه بعساکر دوام الحجاب، فيرجع إلى الخطأ عن حقيقة الصواب.
لأن مکتمات الربوبية ومقتضيات المرتبة الإلهية، عزيزة المرام عالية المقام، لا تكاد القلوب لشدة عزتها أن توقن بحصولها إلا بعد الكشف.
لأن الحق في نفسه ليس له وسع قبول تلك الأشياء، فلا يوقن بها إلا بعد الكشف الإلهي.
فكما أن الناس لا يتحققون وقوع الأمر إلا بخروج الدابة، كذلك العارف لا يتحقق بقبول تلك المقتضيات الإلهية إلا بعد خروج الروح من أرض الطبائع وخلاصها من القواطع والموانع فافهم.
ومن أمارات الساعة الكبرى:
خروج الدجال، وأن تكون له جنة عن يساره ونار عن يمينه، وأنه مكتوب بين عينيه كافر بالله.
وأنه يعطش الناس ويجوعون حتى لا يجدوا مأكلا ولا مشربا إلا عند هذا الملعون.
وإن كل من آمن به فإنه يسقيه من مائه ويطعمه من طعامه، ومن أكل من ذلك أو شرب منه لا يفلح أبدا.
وأنه يدخل المؤمن به جنته ومن دخل جنته قلبها الله عليه نارة وإنه يدخل من لا يؤمن به ناره، ومن دخل ناره قلبها الله علیه جنة.
وإن من الناس من يأكل من حشيش الجزر إلى أن يرفع الله عنه هذا الضرر.
وإن اللعين لا يزال يدور في أقطار الأرض إلا مكة والمدينة، فإنه لا يدخلها، وإنه يتوجه إلى بيت المقدس فإذا بلغ رملة لد وهي قرية قريبة من بيت المقدس بينهما مسيرة يوم وليلة.
أنزل الله عيسى عليه السلام على منارة هناك وفي يده الحربة.
فإذا رآه اللعين ذاب كما يذوب الملح في الماء فيضربه بالحربة فيقتله.
وكذلك الساعة الصغرى من علامات قيامها في الإنسان خروج الدجال من حقيقته وهي النفس الدجالة.
يعني أنها تخلط عليه الباطل وتبرزه له في معرض الحق.
ويقال دجل فلان على فلان:
يعني لبس عليه الأمر واستغلطه، وهذه النفس الدجالة هي المسماة من بعض وجوهها بشيطان الإنس وهي محل الشياطين والوسواس وموضع المردة والخناس، وتسمى أيضا من بعض وجوهها بالنفس الأمارة بالسوء.
ومطلق لفظ النفس فهو اسمها في اصطلاح الصوفية؛ فمهما ذكروا النفس فإنهم يريدون الأوصاف المعلومة من العبد.
فهي بمثابة الدجال ومقتضياتها الشهوانية هي بمثابة الجنة التي هي عن يساره لأنها طريق أهل الشقاوة.
ومخالفتها بترك الطبائع والعوائد وحسم العلائق والقواطع هي بمثابة النار التي عن يمين الدجال.
إذ اليمين طريق أهل السعادة، وما تقتضيه الأمور النفسانية من تكثيف الحجب الظلمانية هو بمثابة
الكتابة التي على جبين الدجال، هذا هو الكافر بالله.
وصيرورة العارف في أسرها حتى يعدم عليه الصواب، فلا يكاد عند غلبتها أن يفهم معنى الخطاب .
هو بمثابة الجوع والعطش للناس في زمان الدجال وقهرها باللذات بالخاصة، حتى لا يكاد يجد العارف بدأ من مرافقتها هو بمثابة أن لا يجد الناس مأكلا ولا مشربا إلا عند الدجال اللعين.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا المعنى: «سيأتي على الناس زمان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر"الترمذي 2260، وأحمد 390 / 2 و 391، والصحيحة 957.
فمن رجع في تلك المدة عن المجاهدة ونعوذ بالله من ذلك إلى المقتضيات النفسية وركن إلى الأمور الطبيعية.
واستعمل الملذوذات الشهوانية، وأخذ في الأفعال العادية هو بمثابة من أخذ من الدجال .
فأخذ الركون إلى المباحات التي هي عند العارف كالخمر الحرام.
هو بمثابة من أطعمه الدجال من ذلك الطعام وانهماك من رجع إلى النفس والغفلات والأماني التي هي كالشراب بمثابة من سقاه اللعين مما عنده من الشراب.
ومن رجع من العارفين قبل بلوغه إلى هذه الأشياء فهو بمثابة من لا يفلح أبدأ.
ثم الاغترار بزخارف الدار التي بقاؤها محال ولذاتها خيال، هو بمثابة من دخل جنة الدجال فيقلبها الحق عليه نارا ويصير قراره فيها بوارا.
ومن أسعده التوفيق وثبته الحق في جادة الطريق سلك بأنوار الشريعة في ليل التحقيق راكبة على متون المخالفات والمجاهدات والرياضات وأكل من حشیش الأكوان جزر ظهور الرحمن.
فهو بمثابة من دخل نار الدجال فقلبها له نعيما لا يزول وملكا لا يحول.
وأما إنه لا يزال يدور في أقطار الأرض إلى أن يحل الأمر الفرض ما خلا مكة الزهراء والمدينة ذات الروضة الخضراء.
فهو بمثابة ما تلبس به النفس على العبد في جميع المقامات ما خلا مقامين :
أحدهما مقام الاصطلام الذاتي :
وهو غيبوبة العبد عن وجوده بجانب الحضرة الإلهية الذاتية، فيذهب عن حسه ويفني عن نفسه، وهذا هو مقام السكر،
والمقام الثاني هو المقام المحمدي :
المعبر عنه في اصطلاح القوم بالصحو الثاني، فهذان المقامان ليس للنفس فيهما مجال لأنهما مصونان عن طوارق العلل، محفوظان في غيب الأزل.
فهما في ذلك المجال بمثابة البلدتين اللتين لا يدخلهما الدجال.
وما يلتبس على العبد من الكشوفات الإلهية فيغلط بها عن المحجة الصوابية هو بمثابة توجه هذا اللعين الأنجس إلى قطر البيت الأقدس ثم وقوفه دون تلك المحجة بالأرض المسماة بالرملة .
هو لأن دجال النفوس عند ظهوره على العارف في كل لبوس قد يظهر في مقابلة المقام الأنفس.
فيتوهم من لا معرفة له بالبلوغ من الوادي الأقدس فليس له إلى ذلك المقام من إلمام ولكنه يقف عند حده دون الحجاب.
إذ الرملة من طينة التراب، فينزل عيسى الروح وفي يده حربة الفتوح فيقتله هنالك، لأن عيسى هو روح الله المالك.
وإذا جاء الحق زهق الباطل وانقطع حكم الملابس والمداجل.
فكما أن هذه الآيات للساعة الكبرى من الشروط والعلامات، فكذلك باطنها وهي الأشياء التي ذكرناها والأمور التي شرحناها في علامات الساعة الصغرى المختصة بالإنسان دون سائر الأكوان.
ومن أشراط الساعة خروج المهدي عليه السلام وأن يعدل أربعين سنة في الأنام، وأن تكون أيامه خضراء ولياليه زهراء يخصب فيها الزرع ويكثر فيها در الضرع.
ويكون الناس في أمان مشتغلين بعبادة الرحمن.
فكذلك الساعة الصغرى من شروط قيامها في الإنسان خروج المهدي.
وهو صاحب المقام المحمدي ذو الاعتدال في أوج كل كمال.
وأن تكون دولته أربعين عاما بغير جحود، وهي عدد مراتب الوجود، وقد شرحناها في كتابنا المسمى بـ "الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم"فمن أراد معرفة ذلك فليطالع هنالك.
وكون لياليه زهراء وأيامه خضراء هو بمثابة ما يتقلب فيه العارف بين السكر المرقي والصحو المبقي.
وتكثیر الزرع وتدرير الضرع بمثابة تواتر الإنعامات وترادف الكرامات، والأمان بمثابة دخول العارف مقام الخلة ونزوله في تلك الحلة، فإنه القائل سبحانه عن مقام إبراهيم "ومن دخله كان آمنا". آية 97  سورة آل عمران.
يعني من العذاب الأليم، فإذا كان المقام الصوري يحصل به الأمان من الإحراق بالنيران.
فبالأولى والأحرى أن المقام المعنوي يحصل به الأمان من مكر الرحمن.
وهذا هو المقام الذي لما نزله الشيخ عبد القادر الجيلاني قال: إن الحق تعالى عاهده سبعين عهدا أن لا يمكر به، فما بعد ذلك إلا عبادة الرحمن وثناء الملك الديان.
فانظر إلى هذه الإشارات كيف ناسبت تلك العبارات، فكما أن تلك من أشراط الساعة الكبرى كذلك هذه من أشراط الساعة الصغرى.
ومن أشراط الساعة الكبرى:
طلوع الشمس من مغربها، وأن يغلق بها باب التوبة في مغربها، وأن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
إذ قد طوى يومئذ بساط الوصل، فحينئذ لا تقبل توبة ولا تغفر حوبة، فكذلك الساعة الصغرى من
شروط قيامها في الإنسان:
طلوع شمس شهوده من مغرب وجوده، وذلك عبارة عن الباطن الكشفي وهو تحقق اطلاعه على السر الكتمي.
فيعلم حينئذ ما هو ومن هو ويتحقق بأوصافه ويتمتع في جنة أعرافه.
فيحل الرموز ويستخرج منها الكنوز، ويعرف الألغاز ويفوز بالله مع من فاز.
فحينئذ طوى عنه بساط الوصل والفصل وليس للإيمان هناك نفع، إذ حكمه من قبل، لأن الإيمان لا يكون إلا فيما غاب ويرتفع حكمه برفع الحجاب.
فلا يقبل توبة ولا تغفر حوبة، لأن الذهب والغفران مقام محله الاثنين.
والأحد في أحديته منزه عن الذنب وغفريته.
فهذه شروط الساعة الصغرى مقابلة الشروط الساعة الكبرى.
وقد عبر الإمام محيي الدين ابن عربي عن تلك العبارات وقابلها بما يقابلها من باب الإشارات.
فجعل مقابلة طلوع الشمس من المغرب رجوع الروح إلى المركز الأول والمنصب، وذلك عبارة عن الممات وانتقال الأمر إلى الآخرة بحكم الوفاة وجعل مقابلة إغلاق باب التوبة هو أن المغرغر لا تقبل له توبة ولا تغفر له حوبة.
وأيد ذلك بما قيل أن بين البابين تسعين عاما، وأنها تقابل الأعمار قیاسة ونظاما، وما ذكره هذا الإمام فمقبول، وعلى أحسن وجوهه فمحمول.
ولكنا لما كنا بصدد بیان أشراط الساعة الصغرى المختصة بالإنسان في أيام بقائه في هذه الدار، لم نذهب إلى ذكر غيره خوفا من هتك الأستار.
على أنا قد رمزنا في ذلك جميع الأسرار، ولم نترك أمرا لم ننبه عليه في هذا الكتاب.
والله يقول الحق وهو يهدي الصواب.

فصل نذكر فيه طرفا من ذكر الموت

إذ قد سبق بيانه في الباب الرابع والخمسين من هذا الكتاب فيطالع فيه.
اعلم أن الموت عبارة عن خمود النار الغريزية التي يكون بها سبب الحياة في دار الدنيا.
وتلك الحياة عبارة عن نظر الأرواح إلى نفسها في الهياكل الصورية والمناسب لذلك النظر في هذه الهياكل الصورية هي الحرارة الغريزية ما دامت على حكم الاعتدال الطبيعي.
وهو أعني اعتدال الحرارة كونها مستوية في الدرجة الرابعة
لأن انصرافها في الدرجة الأولى هو قوة الحرارة العنصرية هي تلك الدرجة لا تقبل المزاج برکن آخر من أركان العناصر.
فهي هناك آخذة في حدها من الانتهاء وأشباهها في الدرجة الثانية هي الحرارة النارية القابلة للامتزاج، ولولا امتزاجها ببقية الأركان لم يكن للنار وجود.
لأن كل واحد من النار والماء والهواء والتراب مركب من العناصر الأربعة التي هي الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، ولكن كل ما غلب فيه ركن الحرارة حتى اضمحل الباقي سمي بالطبيعة النارية.
وكل ما غلب رکن البرودة فيه حتى اضمحلت البواقي سمي بالطبيعة المائية.
وكل ما غلب فيه حكم ركن الرطوبة على البواقي سمي بالطبيعة الهوائية.
وكل ما غلب فيه حكم اليبوسة على البواقي حتى اضمحلت البواقي سمي بالطبيعة الترابية.
لا يسمى في هذه الدرجة نارية ولا مائية ولا هوائية ولا ترابية إلا إذا نزل إلى الدرجة الثالثة فامتزج بالأركان .
فأي شيء استوت الحرارة واليبوسة منه في الدرجة الثالثة واستتر فيه الركنان الآخران لضعفهما عن هذه الدرجة سمي ذلك الشيء نارا.
وأي شيء استوت البرودة واليبوسة منه في الدرجة الثالثة حتى استتر الركنان الآخران منه لضعفهما عن هذه الدرجة سمي ذلك الشيء ترابا.
وأي شيء استوت الحرارة والرطوبة منه في الدرجة الثالثة حتى استتر الركنان الآخران منه لضعفهما عن هذه الدرجة سمي ذلك الشيء هواء.
وأي شيء استوت البرودة والرطوبة منه في الدرجة الثالثة حتى استتر الركان الآخران منه لضعفهما عن هذه الدرجة سمي ذلك الشيء ماء.
ألا ترى إلى فلك العناصر کیف هو من فوق فلك الطبائع، وفلك الطبائع من فوق فلك الاستقصات، وهي أفلاك النار والهواء والماء والتراب.
ثم بعد هذا إذا نزلت الحرارة الطبيعية درجة واستوت في الدرجة الرابعة.
وجدت في هيكل من هياكل الصور ممتزجة بقية الأركان امتزاجا جسمانيا حيوانيا كان ذلك الهيكل حيوانيا.
ولا يزال موجودة ما دامت هذه الحرارة الغريزية في هذه الدرجة، فإنها في الدرجة الرابعة تسمى غريزية.
كما أنها في الدرجة الثالثة تسمى حرارة نارية.
وكما أنها في الدرجة الثانية تسمى حرارة طبيعية.
وكما أنها في الدرجة الأولى تسمى حرارة عنصرية.
وكذلك باقي الأركان فإنها بهذه المثابة في التسمية، فالموت هو ذهاب هذه الحرارة الغريزية من الهيكل الحيواني ما يضادها من البرودة الغريزية، هذا الأمر يصيب الجسم.
وأما نصيب الروح فإن حياة هيكلها هو مدة نظرها إلى الهيكل بعين الاتحاد، وموته هو ارتفاع ذلك النظر من الهيكل إلى نفسها.
فتبقى بكليتها في عالمها لكن على هيئة الهيكل الذي كان لها تتجسد على شكله في عالم الروح.
فيحكم لها بالوجود معها لذلك التجسد، لأن أحكامه ظاهرة في ذلك المحل على تجسدها.
ومن هنا أخطأ كثير من أهل الكشف النوراني وحكموا أن الأجسام لا حشر لها.
وأما نحن فقد علمنا بالاطلاع الإلهي حشر الأجسام مع الأرواح.
لأن موت الأرواح هو انفكاكها عن نفس الجسد الهيكلي لأن ذلك مما يقضي بانعدامها فتكون كأنها بسيطة في الوجود مدة معلومة.
ومثلها كالنائم الذي لا يرى في نومه شيئا فهو کالمعدوم في تلك الساعة.
لأنه لا هو في عالم الشهادة فيقظان، ولا في عالم الغيب فيكون يتراءى شيئا يدل على وجوده، فهو موجود معدوم.
ويضرب عنه المثل بالشمس، فإن الشمس إذا أشرقت من طاقة البيت كان البيت مضيئة بضوء الشمس ولم تنزل إليه ولا حلت فيه.
فكذلك الضياء بمثابة نظر الروح في الجسم المخصوص من أجسام الحيوانات.
ثم كذلك إذا كانت الطاقة من زجاج أخضر كانت شعلة الشمس في البيت خضراء أو حمراء إذا كانت الطاقة حمراء.
وكذلك على أي لون كانت زجاجة الطاقة كانت الشعلة في البيت على هيئتها وصورتها.
والروح كذلك إذا نظرت إلى الهيكل الإنساني أو إلى غيره كانت على صورته لا تتغير عن ذلك.
ثم زوال الشمس عن البيت هو بمثابة ارتفاع نظر الروح من الجسد.
والموت هو بمثابة خفاء تلك الشعلة في نفس شعاع الشمس، فلا يزال الشخص ميتا ونسبته نسبة اختفاء تلك الشعلة في نفس شعاع الشمس في العالم.
ثم البرزخ فإنه وجود ولكن غير تام ولا مستقل ولو كان تاما أو مستقلا لكان دار إقامة مثل دار الدنيا والآخرة.
فهو في المثال كما نتصور نحن تلك الشعلة واخضرارها بخضرة الزجاجة فتشكل لنا كما هي عليه ولكن في عالم الخيال، لأن عالم الخيال لأهل الدنيا غير تام.
فليس الخيال أهل الدنيا استقلال بنفسه على أن عالم الخيال في نفسه عالم تام.
ولكن بالنظر إليه في عينه وهو بالنظر إلى عالم الحس والمعاني غير تام.
بخلاف خيال أهل الله فإنه کامل و مستقل وتام بنفسه، فهو بمثابة آخرة غيرهم من أهل الدنيا.
وخيال من تصفى من البراهمة والكفرة والمشركين وأمثالهم بالمجاهدات والرياضات وأمثالهما، فإنه يكون بمثابة نوم أهل الدنيا وخيال أهل الدنيا لا اعتبار به.
ولو كان محتد الخيال واحدا في نفسه للجميع.
ولكنه لما فسدت خزانة خيالهم بالأمور العادية والمطلوبات الجسدية انقطعت عن حكم الصفاء الروحي.
ولما كان المتصفون من البراهمة والفلاسفة متخلصين من هذا، ولكن قد سكنت الأمور العقليات والأحكام الطبيعيات في خزانة خيالهم، فانقطعوا بذلك عن الترقي إلى المعاني الإلهية.
بخلاف خيال أهل الله فإنه مصون عن طوارق العلل ومحفوظ بالله في غير الأزل، فليس لعالم البرزخ وجود تام ولهذا يسمی برزخا.
وكذلك خيال أهل الدنيا برزخ بين العالم الوجودي وبين العالم العدمي، ثم نسبة القيامة نسبة رجوع الشمس في طاقتها التي كان الإشراق منها، ولا مزيد على هذا في البيان.
لأن الروح ما دامت غير متجسدة في الهياكل تلحق بالبساطة وهو حقيقة الموت.
فإذا تجسدت كان ذلك التجسد لها وجودا، ولكن ما دامت في ذلك التجسد مقيدة بلوازم الجسد فهي في البرزخ.
لأنها قاصرة عن جميع ما تقتضيه الروح في الإطلاق الروحاني.
فإذا أراد الله بعثها إلى القيامة أطلقها عن مقتضيات الجسد فصارت في أرض المحشر.
ثم الإطلاق إنما كان على حسب ما كانت عليه في الدنيا:
فإذا كانت في الدنيا على الخير كانت مطلقة على الخير.
وإن كانت في الدنيا على الشر كانت مطلقة في الشر.
لأنها لا تطلب بإطلاقها إلا ما كانت عليه في دار الدنيا وهو قوله تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ماسعى."آية 39 سورة النجم.
واعلم أن نسبة كون الأرواح المتعددة مخلوقة من نور الحق هو نسبة الشعاعات المختلفة المضيئة من شعاع الشمس.
ونسبة ما يدعيه المحققون من واحدية العالم نسبة الى واحدية الشمس، ولو ظهرت في تلك الزجاجات على اختلافها فهي واحدة لم تتعدد ولم تتنوع في نفسها.
ولو تنوعت المظاهر، ويكفي هذا القدر من التنبيه على هذا الأمر، لأنا قد بينا کيفية قبض الأرواح وكيفية إتيان عزرائیل للقبض في بابه مما سبق من الكتاب.
واعلم أن أحوال الناس في البرزخ مختلفة، فمنهم من يعامل فيه بالحكمة ومنهم من يعامل فيه بالقدرة.
فمن يعامل فيها بالحكمة :
ومن يعامل بالحكمة فإنه ينقلب في البرزخ في حقيقة عمله في الدنيا، فإذا كان مثلا مطيعا في الدنيا فإن الحق تعالى يخلق له في البرزخ معاني الطاعة صورة.
فينتقل من صورة طاعة يقيمها الله تعالى إما صلاة وإما صوما وإما صدقة وإما غير ذلك إلى صورة أخرى من الطاعات.
ولا يزال ينتقل من عمل حسن إلى عمل آخر إما مثله وإما أحسن منه كما كان في الدنيا إلى أن تبدو عليه حقائق الأمور فتقوم قيامته.
ثم إن حسن تلك الصورة وبهجتها وضيائها على حسب قدر طاعته واجتماع خاطره فيها وحسن مقصده في ذلك العمل.
وقبح الصورة على قدر قبح ذلك العمل، فلو كان مثلا ممن يزني أو يسرق أو يشرب الخمر فإن الحق تعالى يقيم له معاني تلك الأفعال صورة ينتقل فيها، فيختلق للزاني فرجا من نار يلج فيه ذكره وحرارة ناره ونتانة ريحه على قدر قوة انهماكه في تلك المعصية.
وكذلك يقيم للشارب كأسا من نار فيه خمر من نار فيشربه وينتقل منه إلى مثل ما كان ينتقل إليه في دار الدنيا.
ومن كان بين طاعة ومعصية فإنه ينتقل بينهما، أعني من صورة تلك المعاني التي خلقها الله تعالی إما من نور كما يخلق الطاعات.
وإما من نار كما يخلق صور المعاصي، فلا يزالون ينتقلون فيه وتبدو لهم بتوالي الانتقال حقائق الأمر شيئا فشيئا إلى أن يتم عليهم أحد الحكمين فتقوم عليهم القيامة.
فمن يعامل فيها بالقدرة :
وأما من عومل بالقدرة  فإنه لا يقع في معاني أعماله، ولكن يقع في معاني صورتها بالقدرة.
فإن كان عاصيا وقد غفر الله تعالى له فلا ينتقل إلى صورة تشبه الطاعات يقيمها الله تعالی له هيئة إلهية.
فلا يزال ينتقل من صورة حسنة إلى أحسن منها إلى أن تقوم قيامته بظهور الحقائق على ساق.
فإن كان مطيعة مثلا وقد أحبط الله عمله فإن الحق تعالی يقيم صورة ما كتبه في الأزل من الشقاوة فيجليها عليه وينوعها له.
فلا يزال يتقلب فيها إلى أن تقوم قيامته على قدر طبقته من النار فيعذب في جهنم.
ثم إن البرزخ خلق الله تعالى له قوما يسكنون فيه ويعمرونه، وليسوا من أهل الدنيا ولا من أهل القيامة، ولكنهم ملحقون بأهل الآخرة لاتحاد المحتد الذي خلقوا منه.
فمن جانسهم في الروحية بعد موته أنس منهم.
كمن يصل إلى قوم يعرفهم ويعرفونه فيستأنس بهم ويتروح من همه معهم.
ومن لم يجالسهم فإنه يراهم غيظة له فلا يتألفون به ولا يتألف بهم.
ثم ينبعث منهم من جعله الله سببا لعذابه فيكون على أقبح صورة كان يكرهها في الدنيا فتأتيه.
وهي صورة عمله، فيتلقى بها من الوحشة والنفور ما لا يقاس بغيره.
ومنهم من تأتيه على أحسن صورة جميلة وهي صورة عمله، فيلقى بها من الألفة والعطف والحنان فتؤنسه تلك الصورة إلى أن تقوم قيامته.
ثم اعلم أن القيامة و البرزخ والدار الدنيا وجود واحد.
فمثاله مثال دائرة فرض نصفها دنيا ونصفها أخرى وفرض البرزخ بينهما.
وكل ذلك على سبيل الفرض، فإن هويتك التي أنت بها موجود، هي بعينها التي تكون بها في البرزخ، وهي بعينها التي تكون بها في القيامة.
فأنت في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة بهذه الإنية، لكن التفاوت بينهما أن أمور البرزخ ضرورية لأنها مبنية على الدنيا: وأمور القيامة أيضا ضرورية لأنها مبنية على البرزخ، وأمور الدنيا اختيارية.
ثم اعلم أن الله تعالى إذا أراد أن تقوم القيامة، أمر إسرافيل عليه السلام أن ينفخ النفخة الثانية في الصور، لأن النفخة الأولى للإماته، و الصور هو عالم الصور الروحية ينفخ فيه النفخة الأولى من حيث اسمه المفني والمميت.
فتنعدم الصور وتنحل عقد هياكلها كما تنعدم الصور المرئية في النوم بالانتباه فترجع إلى محلها الذي خلقت منه.
ثم ينفخ النفخة الثانية في الصور فترجع كما كانت في عالم الأرواح فتدخل في قوالب الأشباح كما ذكرنا لك من عود إشراق الشمس في زجاجتها. وكل هذا باعتبارها في وجودها.
فإن العالم الأخروي هو عالم الأرواح، وجميع عالم الأرواح عبارة عن مطلق الروح الموجودة في الإنسان فلا يخرج الإنسان عن نفسه.
لأن الآخرة عبارة عن عالم الأرواح وعالم الأرواح قد يجمعه مطلق روحه لما سبق مما ذكرنا أن العالم جمیعه کمرائي متقابلات توجد كل واحدة منهن في الأخرى على حكم الأحدية لا على حكم المماثلة والمشابهة.
فجميع العوالم جوهر فرد غير منقسم في نفسه على الحقيقة.
وما تراه من التعداد والانقسام فهو خيال، بمثابة ما لو فرضنا الانقسام في الجوهر الفرد وهذا معنى قوله تعالى: "وكلهم آتيه يوم القيامة فردا".آية 95 سورة مريم .
فإذا فهمت هذه النكتة علمت سر أحدية الحق تعالى في الوجود.
وشهدت ما وعد الله تعالى به وأوعد من الجنة والنار ومن أهوال الآخرة يقينا کشفا عيانا، فصار إيمانك إيمان زید بن حارثة رضي الله عنه حيث قال للنبي صلي الله عليه وسلم الله تعالي عليه وسلم «أصبحت مؤمنا حقا، فقال ما حقيقة إيمانك؟
فقال: أرى كأن القيامة قد قامت وعرش ربي بارز، أو كما ذكر في الحديث».
ابن أبي شيبة 43 / 11 ، والطبراني 302 / 3 ، ومجمع الزوائد 1 / 7..
وأما القيامة الصغرى المخصوصة بكل فرد من أفراد الإنسان، فإنه متى انتصب میزان عقله الأول في قبة عدله الأكمل وأتت المقتضيات الحقائقية تحاسبه بما تقتضيه كل حقيقة من حقائقه أو ضرب له صراط الأحدية يمشي على متن جهنم الطبيعية أدق من الشعر لغموضه.
وأحد من السيف لبعده، فإما مسرع في سيره كالبرق الخاطف لقوة مركبه السائر في المعارف.
وإما كالجبل في ثقله لتعلقه بسفليته.
فإذا جاز الصراط وقام ناموس القسطاس دخل جنة الذات ورتع في ميادين الصفات ممحوقا عن إنیته، مسحوقا عن هويته، لا يرى لنفسه أثرا ولا يعرف له خبرا.
قد نادى في ناديه منادي الجبار فقال"لمن الملك اليوم".آية 16 سورة غافر.
فلما لم يجد سواه قال: "لله الواحد القهار".آية 16 سورة غافر.
فليس له بعدها غفلة ولا حضور، ولا يرجى له بعد ذلك موت
ولا نشور، قد قامت قيامته على ساق، وعدمت علانيته، فهذه هي الساعة الصغرى.
وقس عليها أحوال الساعة الكبرى، وخذ معرفة الحساب والميزان والصراط مما دللناك عليه بالإشارة لا بالتصريح.
ويكفي العاقل هذا القدر من التلويح، وقد ذكرنا الجنة والنار في بابهما، وهو الباب الثامن والخمسون من هذا الكتاب.
و سنومئ إلى سرهما بطريق الإشارة، فإن كنت ذا فهم علي وعزم قوى أدركت ما نشير إليه، وإلا فلا تبرح كغيرك واقفا مع ظاهره ولديه.
اعلم أن الله تعالى خلق الدار الآخرة بجميع ما فيها نسخة من دار الدنيا.
وخلق الدنيا نسخة من الحق، فالدنيا هي أصل والآخرة فرع عليها.
وقد ورد: "الدنيا مزرعة الآخرة".
وقال تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره".  آية 7-8 سورة الزلزلة.
نعلم أن الأصل هو العمل الصادق في الدنيا، والفرع هو الأمر الذي تراه في الآخرة.
وليست آخرة كل إلا ما سيكون فيه يوم القيامة، وهو لا يكون إلا في نتيجة عمله، والنتيجة فرع على المقدمة، والمقدمة هي العمل الدنيوي.
ولهذا تقدمت الدنيا في الإيجاد على الآخرة، وسميت بالأولى، لأنها الأصل، وتأخرت الآخرة وسميت بالأخرى لأنها الفرع.
فلو لم تكن الآخرة فرعا على الدنيا لكان تأخيرها نقصا في الحكمة، إذ تأخير المقدم وتقديم المؤخر من الأمور الطاعنة في الحكمة.
ثم اعلم أن محسوس الآخرة أقوى من محسوس الدنيا، وملذوذها أعظم لذة من لذة الدنيا، و مكروهها أعظم كراهة من كراهة الدنيا.
وسبب ذلك أن الروح في الآخرة متفرعة لقبول ما يرد عليها من المحبوب والمكروه، بخلاف دار الدنيا فإن الجسم لكثافة يمنع الروح من قوة التفرغ للملائم.
فلا تجد منه إلا طرفة، كما لو أكل الشخص طعاما ملذوذ وهو غير متفرغ البال بل مشغول بأمر أهمه، فإنه لا يجد لذلك الطعام ما يجده غيره من اللذة.
وسبب ذلك الاهتمام المانع له من التفرع لقبول الواردة فلهذا كانت الدار الآخرة أشرف من دار الدنيا ولو كانت أمها.
ولا تعجب من هذا فإن كثيرا من الأولاد يكون أشرف من والده، والدنيا ولو كانت أصلا للآخرة فإن الآخرة أفضل منها وأشرف عند الله تعالى.
لما تقتضيه حقيقة الآخرة في نفسها، ألا ترى إلى اللفظ مثلا كيف كان المعنى المفهوم منه أشرف وأعلى قدرة من اللفظ بما لا يتناهي.
على أن المعنى نتيجة اللفظ وفرعه، ولولاه لم تفهم حقيقة المعنى.
فكذلك الدار الآخرة ولو كانت نتيجة الدنيا فإنها أفضل وأوسع وأشرف منها، وسبب ذلك أنها مخلوقة من الأرواح، والأرواح لطائف نورانية؛ والدنيا مخلوقة من الأجسام، والأجسام كثائف ظلمانية؛ ولا شك أن اللطائف أفضل من الكثائف.
ثم إن الآخرة دار العز والقدرة، يفعل فيها من سلم من الموانع ما يشاء كأهل الجنة والدنيا دار الذل والعجز لا يقدر ملوكها على دفع أذي نملة منها.
ومع هذا فيحاسبون على نعيمها وهو نعيم زائل.
وأهل الآخرة يعقبهم على نعيم أفضل مما كانوا فيه، فإن عطاء الله في الآخرة بغير حساب، وعطاؤه في الدنيا بحساب لترتيب الحكمة الإلهية، فإذا فهمت هذا وتحققته بلغت المراد.
واعلم أن الآخرة بجملتها، أعني الجنة والنار والأعراف والكثيب كلها دار واحدة غير منقسمة ولا متعددة.
فمن حكمت عليه حقائق تلك الدار كان في النار؛ لأن أهل النار محكوم عليهم تحت ذل الانقهار.
ومن لم تحكم عليه حقائق تلك الدار كان في الجنة، فمن احتكم في هذه الدار لله تعالى وأطاعه فإن الله تعالى يجعله حاكمة في حقائق تلك الدار يفعل فيها ما يشاء.
ومن لم يحتكم لله تعالی وعصاه في هذه الدار فإنه يكون محكوما عليه.
هناك تحكم عليه حقائق تلك الدار بما لا يسعه أن يخالف فيها، كما أن أهل النار تحت حكم الزبانية بخلاف أهل الجنة.
ألا ترى أن أهل الجنة يفعل الواحد منهم ما يشاء ولا يحكم عليه أحد بشيء، ومن تحقق بعلم أمر تلك الدار وتمكن من التصرف بما تحقق بعلمه كان في الأعراف، والأعراف محل القرب الإلهي .
المعبر عنه في القرآن بقوله تعالى: "عند مليك مقتدر".آية 55 سورة القمر.
ويسمى هذا المنظر بهذا الاسم للمعرفة، وهو تحقق العلم الذي ذكرته لك، وأهل الأعراف هم العارفون بالله، لأن من عرف الله تعالی تحقق بعلم أمر الآخرة، ومن لم يعرفه لم يتحقق بعلمه.
ألا ترى قوله عز وجل: "وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم". آية 46 سورة الأعراف.
يعني وعلى مقام المعرفة بالله رجال نكرهم لجلالة شأنهم, ولأنهم مجهولون عند غيرهم يعرفون كلا بسيماهم.
لأنهم عرفوا الله تعالى ومن عرف الله تعالى فلا يخفى عليه شيء.
والكثيب مقام دون الأعراف وفوق جنات النعيم، فكما يقع لأهل الجنة من زيادة المعرفة بالله تعلو درجاتهم في الكثيب.
والفرق بين أهل الكثيب وأهل الأعراف أن أهل الكثيب خرجوا من دار الدنيا قبل أن يتجلى عليهم الحق فيها.
فلما انتقلوا إلى الآخرة كان محلهم في الجنة، ويتفضل الحق عليهم بأن يخرجهم إلى الكثيب فيتجلى عليهم.
هنالك يتجلى على كل شيء بقدر إيمانه بالله تعالى في الدنيا، وبمعرفته بقدره سبحانه وتعالى.
وأهل الأعراف قوم لم يخرجوا من الدنيا إلا وقد تجلى الله سبحانه وتعالى عليهم وعرفوه فيها.
فلما خرجوا منها إلى الآخرة لم يكن لهم محل إلا عنده، لأن من دخل بلادا وله فيها صاحب يعرفه لا ينزل إلا عنده.
بل ويجب على ذلك الصاحب أن لا ينزله إلا عنده فإذا كان هذا يفعله المخلوق فمن أولى به من الخالق تعالى.
ألا تراه قد صرح سبحانه وتعالى أن ثمة قوما هم عند مليك مقتدر، وهنا عجائب وغرائب لا يسع الوجود بأسره أن نذكرها على سبيل التصريح.
بل هي لدقتها وغموضها لا تفهم إلا بالإشارة والتلويح.
اللهم إلا إذا كان الناظر في الكتاب قد بلغ تلك المرتبة وعاين تلك الأمور العجيبة بما ليس يدري.
وأما العالم فليس لذكرنا هذه العجائب عنده فائدة إلا لازم الخبر.
وهو أن يعلم أنا علمنا ما علم وليس لنا في ذلك قصد.

فلنقبض العنان والله المستعان وعليه التكلان.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني والستون في السبع السماوات وما فوقها والسبع الأرضين وما تحتها والسبع البحار وما فيها من العجائب والغرائب ومن يسكنها من أنواع المخلوقات   الأحد يوليو 15, 2018 12:40 pm

الباب الثاني والستون في السبع السماوات وما فوقها والسبع الأرضين وما تحتها  والسبع البحار وما فيها من العجائب والغرائب ومن يسكنها من أنواع المخلوقات

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الجزء الأول

الباب الثاني والستون في السبع السماوات وما فوقها والسبع الأرضين وما تحتها والسبع البحار وما فيها من العجائب والغرائب ومن يسكنها من أنواع المخلوقات

اعلم أيدك الله بروح منه أن الله تعالى كان قبل أن يخلق الخلق في نفسه.
وكانت الموجودات مستهلكة فيه، ولم يكن له ظهور في شيء من الوجود، وتلك هي الكنزية المخفية.
وعبر عنها النبي عليه بالعماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء.
لأن حقيقة الحقائق في وجودها ليس لها اختصاص بنسبة من النسب، لا إلى ما هو أعلى ولا إلى ما هو أدنى، وهي الياقوتة البيضاء التي ورد الحديث عنها.
أن الحق سبحانه وتعالى كان قبل أن يخلق الخلق في ياقوتة بيضاء "الحديث".
فلما أراد الحق سبحانه وتعالى إيجاد هذا العالم نظر إلى حقيقة الحقائق، وإن شئت قلت إلى الياقوتة البيضاء التي هي أصل الوجود بنظر الكمال، فذابت فصارت ماء.
فلهذا ما في الوجود شيء يحمل كمال ظهور الحق تعالى إلا هو وحده، لأن حقيقة الحقائق التي هي أصل لم تحتمل ذلك إلا في البطون فلما ظهر عليها ذابت لذلك.
ثم نظر إليها بنظر العظمة فتموت لذلك كما تموج الأرياح بالبحر، فانفهقت كثائفها بعضها في بعض كما ينفهق الزبد من البحر.
فخلق الله من ذلك المنفهق سبع طباق الأرض، ثم خلق سكان كل طبقة من جنس أرضها، ثم صعدت لطائف ذلك الماء كما يصعد البخار من البحار، فتقها الله تعالى سبع سماوات.
وخلق ملائكة كل سماء من جنسها، ثم صير الله ذلك الماء سبعة أبحر محيطة بالعالم، فهذا أصل الوجود جميعه.
ثم إن الحق تعالى كما كان في القدم موجودة في العماء التي عبر عنها بحقيقة الحقائق والكنز والياقوتة البيضاء.
كذلك هو الآن موجود فيما خلق من تلك الياقوتة بغير حلول ولا مزج، فهو متجلي في أجزاء ذرات العالم من غير تعدد ولا اتصال ولا انفصال، فهو متجلي في جميعها لأنه سبحانه وتعالى على ما عليه كان.
وقد كان في العماء، وقد كان في الياقوتة البيضاء، وهذا الوجود جميعه تلك الياقوتة وذلك العماء، ولو لم يكن الحق سبحانه وتعالى متجليا في الوجود جميعه لكان سبحانه تغير عما هو عليه وحاشاه عن ذلك.
فما حصل التغيير إلا في المجلى الذي هو الياقوتة البيضاء لا في المتجلي سبحانه وتعالى، فهو بعد ظهوره في مخلوقاته باق على كنزيته في العماء النفسي فتأمل.
وقد ذكرنا فيما مضى أمر العماء وحقيقة الحقائق على جلية، هذا وقت ذكر الأشياء الموجودة في حقيقة الحقائق، فأول ما نذكر السبع سموات.
اعلم أن السماء هذه الملحوظة لنا ليست بسماء الدنيا ولا لونها لونها ولا وصفها وصفه.
وهذه التي نراها هي البخار الطالع بحكم الطبيعة من يبوسة الأرض ورطوبة الماء، صعدت بها حرارة الشمس إلى الهواء، فملأت الجو الحالي الذي بين الأرض وبين سماء الدنيا.
ولهذا نراها تارة زرقاء وتارة شمطاء وتارة غبراء، كل ذلك على حكم البخار الصاعد من الأرض.
وعلى قدر سقوط الضياء بين تلك البخارات، فهي لاتصالها بسماء الدنيا تسمى سماء الدنيا نفسها.
فلا يقع النظر عليها لشدة البعد واللطافة، ثم إنها أشد بياضا من اللبن.
وقد ورد في الحديث أن بين سماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبالاتفاق أن النظر لا يقطع مسيرة خمسمائة عام.
فظهر أن المرئية لنا ليست السماء عينها، ولولا أن الكواكب تسقط شعاعها إلى الأرض لما شوهدت ولا رؤيت.
وكم في السموات من نجم مضيء لا يسقط شعاعه إلى الأرض فلا نراه لبعده ولطافته لكن أهل الكشف يرونه ويعبرون عنه لأهل الأرض فيفهمونهم إياه.
اعلم أن الله تعالى قد خلق جميع الأرزاق والأقوات المتنوعة في أربعة أيام، وجعلها بين السماء والأرض مخزونة في قلب أربعة أفلاك:
الفلك الأول فلك الحرارة
الفلك الثاني فلك اليبوسة
الفلك الثالث فلك البرودة
الفلك الرابع فلك الرطوبة
وهذا معنى قوله تعالى: "وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين" .آية 10 سورة فصلت..
يعني بحكم التسوية على قدر السؤال الذاتي، لأن الحقائق تسأل بذاتها ما تقتضيه كلما اقتضت حقيقة من حقائق المخلوقات شيئا نزل لها من تلك الخزائن على قدر سؤالها..
وهذا معنى قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم".آية 21 سورة الحجر.
ثم جعل ملائكة الإنزال الموكلة بإيصال كل رزق إلى مرزوقه في السبع السماوات، ثم جعل في كل سماء ملكة يحكم على من فيها من ملائكة الأرزاق يسمى ملك الحوادث.
وجعل لذلك الملك روحانية الكواكب الموجودة في تلك السماء، فلا ينزل من السماء ملك من ملائكة الأرزاق إلا بإذن ذلك الملك المخلوق على روحانية كوكب تلك السماء:
فكوكب سماء الدنيا القمر
وكوكب السماء الثانية عطارد
وكوكب السماء الثالثة الزهرة
 وكوكب السماء الرابعة الشمس
وکوکب السماء الخامسة المريخ
 وكوكب السماء السادسة المشتري
 وكوكب السماء السابعة زحل. 
وأما السماء الدنيا :
فإنها أشد بياضا من الفضة، خلقها الله تعالى من حقيقة الروح لتكون نسبتها للأرض نسبة الروح للجسد.
وكذلك جعل فلك القمر فيها، لأنه تعالى جعل القمر مظهر اسمه الحي، وأدار فلكه في سماء البروج فيه حياة الوجود وعليه مدار الموهوم والمشهود، ثم جعل فلك الكوكب القمري هو المتولي تدبير الأرض.
كما أن الروح هي التي تتولى تدبير الجسد، فلو لم يخلق الله تعالى سماء الدنيا من حقيقة الروح لما كانت الحكمة تقتضي وجود الحيوان من الأرض بل كانت محل الجمادات.
ثم أسكن الله تعالی آدم في هذه السماء، لأن آدم روح العالم الدنيوي إذ به نظر الله إلى الموجودات فرحمها، وجعل لها حياة بحياة آدم فيها.
فلم يزل العالم الدنيوي حيا ما دام هذا النوع الإنساني فيها، فإذا انتقل منها هلكت الدنيا والتحق بعضها ببعض، كما لو خرجت روح الحيوان من جسده، فيخرب الجسد ويلتحق بعضه ببعض.
زین الله هذه السماء بزينة الكواكب جميعها كما زین الروح بجميع ما حمله الهيكل الإنساني من اللطائف الظاهرة كالحواس الخمس، ومن اللطائف الباطنة كالسبع القوى التي هي العقل والهمة والفهم والوهم والقلب والفكر والخيال.
فكما أن كواكب سماء الدنيا رجوم للشياطين، كذلك هذه القوى إذا حكم الإنسان بصحتها انتفت عنها شياطين الخواطر.
فحفظ باطنه بهذه القوى كما حفظت بالنجوم الثواقب السماء الدنيا، و ملائكة هذه السماء أرواح بسيطة ما دامت مسبحة لله تعالى فيها.
فإذا نزلت منها لما يأمرها الملك الموكل بإنزال ملائكة السماء الدنيا تشكلت على هيئة الأمر الذي تنزل لأجله، فتكون روحانية ذلك الشيء الذي وكلت به، فلا تزال تسوقه إلى المحل الذي أمرها الله تعالى به.
فإن كان رزقا ساقته إلى مرزوقه، وإن كان أمرأ قضائية ساقته إلى من قدره الله عليه إما خيرا وإما شرا ثم تسبح الله تعالى في فلك هذه السماء ولا تنزل أبدأ بعدها في أمر.
جعل الله الملك المسمى إسماعيل حاكمة على جميع أملاك هذه السماء وهو روحانية القمر.
فإذا أمر الله على ذلك بأمر وقضى الملك ذلك الأمر، فإنه يجلسه على كراسي تسمى منصة الصور، فيجلس عليه متشكلا بصورة ما نزل به من الأمر، ولا يعود إلى بساطته أبدا.
بل يبقى على ما هو عليه من التشكل والتصور الجرمي الجزئي يعبد الله تعالى في الوجود.
لأن الأرواح إذا تشكلت بصورة من الصور لا سبيل إلى أن تنخلع تلك الصورة عن نفسها بأن تعود إلى البساطة الأصلية، هذا ممتنع.
لكنها في قوتها أن تتصور بكل صورة على عدم مفارقتها للصورة الأصلية التي لها حكمة من الله تعالى، وتلك الصورة الروحانية هي كلمات الله تعالى التي تقوم بالموجودات كما تقوم الروح بالجسد.
فإذا برزت من الغموض العلمي إلى الجلاء العيني تبقى قائمة بذواتها في الوجود، فجميع أجسام العالم من المخلوقات من المعدن والنبات والحيوانات والألفاظ وغير ذلك.
لها أرواح قائمة بها على صورة ما كانت عليه أجسامه حتى إذا زال الجسم بقيت الروح مسبحة الله سبحانه وتعالى، باقية بإبقاء الحق لها، لأن الحق لم يخلق الأرواح للفناء، وإنما خلقها للبقاء.
فالمكاشف إذا أراد کشف أمرا من أمور الوجود تتجلى عليه تلك الأرواح التي هي كلمات الله تعالى، فيعرفها بأعيانها وأسمائها وأوصافها.
فإن كل روح من أرواح الوجود متجلية في الملابس التي كانت أوصافها ونعوته وأخلاقه على الجسم الذي كانت تديره، وهو كالحيوان والمعدن والنبات و المركب والبسيط، أوعلى الصورة التي كانت الروح معناه، وهو كالألفاظ والأعمال و الأعراض والأغراض وما أشبه ذلك إذا كانت قد برزت من العالم العلمي إلى العالم العيني.
وأما إذا كانت باقية على حالها في العالم العلمي، فإنه يراها كذلك صورة قائمة عليها من أنواع الخلع ما سيكون أعمالا و أوصافا، فالمظهر هنا الذي هو الجسد أو الصورة.
ولكن يعلم أن لا وجود لها حينئذ إلا من حيث هو، فيأخذ منها ما شاء من معلوم، لا من حیثيتها هي، بل من حيثيته هو، لكن على ما تقتضيه حقائقها، بخلاف ما لو يراها بعد بروزها إلى العالم العيني فإنه يعلم أن وجودها حينئذ من حيثيتها هي، فيكلمها وتجيبه بأنواع ما حوته من العلوم والحقائق.
وفي هذا المشهد اجتماع الأنبياء والأولياء بعضهم ببعض.
أقمت فيه بزبيد بشهر ربيع الأول في سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية، فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والأولياء والملائكة العالين والمقربين، وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات جميعها.
وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد، وتحققت بعلوم إلهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه، وكان في هذا المشهد ما كان.
فظن خيرا ولا تسأل عن الخير.
غاص بنا غواص البيان في بحر هذا التبيان حتى ألجأ القدر إلى إبراز هذه الدرر، فلنكتف من ذلك بما قد بدا فيها مما لم يخطر إظهاره أبدا ولنرجع إلى ما نحن فيه و بصدده من ذكر سماء الدنيا.
اعلم أن الله تعالى خلق دور فلك سماء الدنيا مسيرة أحد عشر ألف سنة، وهو أصغر أفلاك السموات دورة، فيقطع القمر جميع دور هذا الفلك في أربع وعشرين ساعة معتدلة أعني مستقيمة.
فيقطع في كل ساعة مسيرة أربعة آلاف سنة وخمسمائة عام، ثم إن للقمر فلكة في نفس الفلك، وكذلك كل كوكب فإن له فلكة صغيرة يدور بنفسه في الفلك الكبير. فالفلك الأكبر بطيئ الدورة، وذلك الفلك الصغير سريع الدورة.
وما تراه من خنس الكواكب وهو رجوعها فإنه لاختلاف دور فلكها في دوران الفلك الكبير فتسبقه في الدور، فيحسبها الشخص راجعة ولم ترجع إذ لو رجعت لخرب العالم بأسره.
واعلم أن القمر جرم کمودي لا ضياء له في نفسه من حيث هو، بل إنه قابل للشمس بنصفه أخذ منها النور فلا يزال نصفه منيرة ونصفه الذي لم يقابل الشمس يكون مظلما، ولهذا لا يرى نور القمر إلا من جهة الشمس أبدا، بخلاف بقية
الكواكب السيارة، فإن كل كوكب منها يقابل نور الشمس في جميعها.
فمثلها مثل البلورة الشفافة إذا وقع فيها النور سري في ظاهرها وباطنها بخلاف القمر فإنه كالكرة المعدنية المصقولة لا تقبل النور إلا في مقابلة الشمس، ولهذا ينقص نوره في الأرض ويزيد بخلاف بقية الكواكب.
واعلم أن السموات بعضها محيط ببعض، فأكبرها سماء زحل وأصغرها سماء القمر، وهذه صورتها.
.    
وكل فلك مماس لسمائه من تحته وهو أمر معنوي، لأنه اسم لسمت دوران الكوكب في أوجه.
والكوكب اسم للجرم الشفاف المنير من كل سماء، ولو أخذنا في بيان الدقائق والثواني والدقائق والدرج والحلول والسمت والسير، أو لو شرحنا خواص ذلك ومقتضياتها لاحتجنا إلى مجلدات كثيرة.
فلنعرض عن ذلك فليس المطلوب إلا معرفة الله تعالى، وما ذكرنا هذا القدر من ظاهر الأشياء إلا وقد رمزنا تحتها أسرارا إلهيا جعلناها كاللب لهذا القشر «والله يقول الحق وهو يهدي السبيل».
وأما السماء الثانية:
فإنها جوهر شفاف لطيف ولونها أشهب، خلقها الله تعالى من الحقيقة الفكرية.
فهي للوجود بمثابة الفكر الإنسان، ولهذا كانت محلا لفلك الكاتب وهو عطارد، جعله الله تعالى مظهرا لاسمه القدير، وخلق سمائه من نور اسمه العليم الخبير.
ثم جعل الله الملائكة الممدة لأهل الصنائع جميعها في هذه السماء ووكل بهم ملكة جعله روحانية هذا الكوكب، وهذه السماء أكثر ملائكة من جميع السلوات، ومنها ينزل العلم إلى عالم الأكوان، وكانت الجن تأتي إلى صفيح سماء الدنيا فتسمع منها أصوات ملائكة السماء الثانية، لأن الأرواح لا يمنعها البعد عن استماع الكلام.
لكن إذا كانت في عالمها، وأما إذا لم تكن في عالمها كان حكمها حكم هذا العالم الذي هي فيه.
ولما كانت الجن أرواحا وهي في عالم الأجسام والكثافة ارتقت حتى بلغت نحو العالم الروحي وهو صفيح سماء الدنيا، فسمعت بواسطة ذلك الارتقاء کلام ملائكة السماء الثانية لعدم الفاصل.
ولم يمكنها سماع الثالثة لحصول الفاصل، فكذلك أهل كل مقام لا يكشفون إلا ما فوقهم بمرتبة واحدة . فإذا حصل الفاصل وتعددت المراتب فلا يعرف الأدنى ما هو الأعلى فيه.
فلأجل ذا كانت الجن تدنو من سماء الدنيا فتسمع أصوات ملائكة السماء الثانية لتسترق السمع وترجع إلى مشركيها فتخبرهم بالمغيبات.
فهي الآن إذا رقت إلى ذلك المحل نزل بها الشهاب الثاقب فأحرقها، وهو النور المحمدي الكاشف لأهل الحجب الظلمانية عن كثافة محتدهم، فلا يمكنهم الترقي لاحتراق جناح طير الهمة فيرجع خاسرة حاسرا.
رأيت نوح عليه السلام في هذه السماء جالسا على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء فسلمت عليه وتمثلت بين يديه، فرد علي السلام ورحب بي .
وقام فسألته عن سمائه الفكري ومقامه السري فقال: إن هذه السماء عقد جوهر المعارف…. فيها تتجلى أبكار العوارف، ملائكة هذه السماء مخلوقة من نور القدرة.
لا يتصور شيئا في عالم الوجود إلا وملائكتها المتولية لتصوير ذلك المشهود، فهي دقائق التقدير المحكمة لرقائق التصوير.
عليها يدور أمر الآيات القاهرة والمعجزات الظاهرة، ومنها تنشأ الكرامات الباهرة.
خلق الله في هذه السماء ملائكة ليس لهم عبادة إلا إرشاد الخلق إلى أنوار الحق، يطيرون بأجنحة القدرة في سماء العبرة، على رؤوسهم تيجان الأنوار مرصعة بغوامض الأسرار.
من ركب على ظهر ملك من هذه الأملاك طار بجناحه إلى سبعة الأفلاك، وأنزل الصور الروحانية في القوالب الجسمانية متى شاء وكيف شاء.
فإن خاطبها كلمته، وإن سألها أعلمته جعل الله دور فلك هذه السماء مسيرة ثلاث عشرة ألف سنة وثلاثمائة سنة وثلاثة وثلاثين سنة ومائة وعشرين يوما .
يقطع کوکبها وهو عطارد في كل ساعة مسيرة خمسمائة سنة وخمس وخمسين سنة ومائة وعشرين يوما، فيقطع جميع فلكه في مضي أربع وعشرين ساعة معتدلة.
ويقطع الفلك الكبير في مضي سنة كاملة وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء اسمه نوحائيل عليه السلام ثم رأيت في هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان.
فتأمل فيما أشرناه وتفكر فيما لغزناه ومن وجودك  لا من خارج عنك، فاطلب حل ما قد رمزناه.
وأما السماء الثالثة :
فلونها أصفر وهي سماء الزهرة، جوهرها شفاف وأهلها المتلونون في سائر الأوصاف.
خلقت من حقيقة الخيال وجعلت محلا لعالم المثال، جعل الله کوکبها مظهرة لاسمه العليم، وجعل فلكها مجلى قدرة الصانع الحكيم، فملائكتها مخلوقة على كل شكل من الأشكال، فيها من العجائب والغرائب ما لا يخطر بالبال يسوغ فيها المحال ورما امتنع فيها الجائز الحلال.
خلق الله دور فلك هذه السماء مسيرة خمس عشرة ألف سنة وستة وثلاثين سنة ومائة وعشرين يوما.
يقطع کوکبها وهو الزهرة في كل ساعة مسيرة ستمائة سنة وإحدى وثلاثين سنة وثمانية عشر يوما وثلث يوم، فيقطع الفلك في مضي أربعة وعشرين ساعة، ويقطع جميع منازل الفلك الكبير في مسيرة ثلثمائة يوم وأربعة وعشرين يوما.
وملائكة هذه السماء تحت حكم الملك المسمى صورائيل وهو روحانية الزهرة، ثم إن ملائكتها محیطون بالعالم يجيبون من دعاهم من بني آدم.
رأيت ملائكة هذه السماء مؤتلفة لكن على أنواع مختلفة، فمنهم من وكله الله بالإيحاء إلى النائم إما صريحة وإما بضرب مثل يعقله العالم.
ومنهم من وكله الله تعالی بتربية الأطفال وتعليمهم المعاني والأقوال؛ ومنهم من وكله الله بتسلية المهموم وتفريح المغموم.
ومنهم من وكله الله بالناس المستوحشين ومكالمة المتوحدين ومنهم من وكله الله تعالى بإضرام نيران الحب للمحبين في سويداء اللب.
ومنهم من وكله الله بحفظ صورة المحبوب لئلا يغيب عن عاشقه الملهوب ؛ ومنهم من وكله الله بإبلاغ الرسائل بين أهل الوسائل.
اجتمعت في هذه السماء بيوسف عليه السلام، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفة عن رموز الأنوار عالما بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار متحققة بأمر المعاني مجاوزة عن قيد الماء والأواني.
فسلمت عليه تحية وافد إليه فأجاب وحيا ثم رحب بي وبيا.
فقلت له: سيدي أسألك عن قولك: "رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث" .آية 101 سورة يوسف.
أي المملكتين تعني وعن تأويل أي الأحاديث تکنی؟
فقال: أردت المملكة الرحمانية المودعة في النكتة الإنسانية.
وتأويل الأحاديث: الأمانات  الدائرة في الألسنة الحيوانية.
فقلت له: يا سيدي أليس هذا المودع في التلويح حللا من البيان والتصريح.
فقال: اعلم أن للحق تعالی أمانة في العباد يوصلها المتكلمون بها إلى أهل الرشاد. قلت: كيف يكون للحق أمانة وهو أصل الوجود في الظهور والإبانة؟
فقال: ذاك وصفه، وهذا شأنه، ذاك حكمه وهذه عبارته، الأمانة يجعلها الجاهل في اللسان ويحملها العالم في السر والجنان، والكل في حيرة عنه ولم يفز غير العارف بشيء منه.
فقلت: وكيف ذاك؟
فقال: اعلم أيدك الله وحماك أن الحق تعالى جعل أسراره كدرر إشارات مودعة في أسرار عبارات… فهي ملقاة في الطريق، دائرة على ألسنة الفريق، يجهل العام إشارتها ويعرف الخاص ما سكن عبارتها، فيؤولها على حساب المقتضى ويثوبها إلى حيث المرتضى.
وهل تأويل الأحلام إلا رشحة من هذا البحر أو حصاة من جنادل هذا القفر؟
فعلمت ما أشار إليه الصديق ولم أكن قبله جاهلا بهذا التحقيق، ثم تركته وانصرفت في الرفيق الأعلى ونعم الرفيق.
وأما السماء الرابعة:
فهي الجوهر الأفخر، ذات اللون الأزهر سماء الشمس الأنور، وهو قطب الأفلاك خلق الله تعالى هذه السماء من النور القلبي.
وجعل الشمس فيها بمنزلة القلب للموجود، به عمارته ومنه نضارته، منها تلتمس النجوم أنوارها وبها يعلو في المراتب منارها.
جعل الله هذا الكوكب الشمسي في هذا الفلك القلبي مظهر الألوهية ومجلى المتنوعات أوصافه المقدسة النزيهة الزكية فالشمس أصل لسائر المخلوقات العنصرية. كما أن الاسم "الله" لسائر المراتب العلية.
نزل إدريس عليه السلام هذا المقام النفيس لعلمه بالحقيقة القلبية، فتميز عن غيره في الرتبة العربية، جعل الله هذه السماء مهبط الأنوار ومعدن الأسرار.
ثم إن الملك الجليل المسمى إسرافيل هو الحاكم على ملائكة هذه السماء، وهي روحانية الشمس ذات السناء.
لا يرفع في الوجود خفض ولا يحدث فيه بسط ولا قبض إلا بتصريف هذا الملك الذي جعله الله محتد هذا الفلك، وهو أعظم الملائكة هيبة وأكبرهم وسعة وأقواهم همة.
له من سدرة المنتهى إلى ما تحت الثرى يتصرف في جميعها ويتمكن من شريفها ووضيعها، منصته عند الكرسي ومحتد هذا الفلك الشمسي، وعالمه السماوات والأرض وما فيهما من عقل وحس.
ثم اعلم أن الله تعالى جعل الفلك الشمسي مسيرة سبع عشرة ألف سنة وتسعة وعشرين سنة وستين يوما، فيقطع جميع الفلك في مضي أربع وعشرين ساعة معتدلة ويقطع الفلك الكبير في ثلثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم وثلاث دقائق.
اعلم أن هذا المقام الذي فيه إدريس عليه السلام هو مقام من مقامات محمد صلى الله عليه وسلم .
ألا تراه لما بلغ ليلة إسرائه إلى السماء الرابعة ارتقى عنه إلى ما فوقه، فبلوغه عليه الصلاة والسلام إلى المستوى الإدريسي شاهد تحقيقه في المقامات العلية بالمرتبة المربوبية، وبجوازه عنه شاهد ما هو أعلى منه حتى برز منشور سعده بخلعة
"سبحان الذي أسرى بعبده " آية 1 سورة الإسراء.
فمقام العبودية هو المقام المحمود الرفيع وهو لواء الحمد الشامخ المنيع.
واعلم أن الله تعالى جعل الوجود بأسره مرموزة في قرص الشمس، تبرزه القوى الطبيعية في الوجود شيئا فشيئا بأمر الله تعالى.
فالشمس نقطة الأسرار ودائرة الأنوار، أكثر الأنبياء أهل التمكين في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجیس وغيرهم ممن يكثر عدده ويطول أمده.
كلهم نازلون في هذا المنزل الجلي، وقاطنون في هذا المقام العلي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل إلى الصراط السوي.
وأما السماء الخامسة:
فإنها سماء الكوكب المسمی بهرام، وهو مظهر العظمة الإلهية والانتقام، نزل به يحيى عليه السلام لمشاهدته العظمة والجبروت وملاحظته العزة والملكوت.
ولهذا لم يهم بزلة، وما منهم إلا من هم أو جاء بخلة سماؤه مخلوقة من نور الوهم ولونها أحمر كالدم، و ملائكة هذه السماء خلقهم الله تعالى مرائي للكمال ومظاهر للجلال.
بهم عبد الله في هذا الوجود، وبهم دان أهل التقليد للحق بالسجود، جعل الله عبادة هذه الملائكة تقريب البعيد وإيجاد الفقيد.
فمنهم من عبادته تأسيس قواعد الإيمان في القلب والجنان، ومنهم من عبادته طرد الكفار عن عالم الأسرار.
ومنهم من عبادته شفاء المريض وجبر الكسر المهيص.
ومنهم من خلق القبض الأرواح فيقبض بإذن الحاكم ولا جناح وحاكم هذه السماء الأثيل هو الملك المسمى عزرائيل.
وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ، جعل الله تعالى محتد هذا الملك هذه السماء و منصته عند القلم الأعلى.
لا ينزل ملك إلى الأرض للانتقام ولا لقبض الأرواح ولا لنشر انتظام إلا بأمر هذا الملك الذي هو روحانية بهرام.
واعلم أن الله تعالى جعل دور هذه السماء مسيرة تسع عشرة ألف سنة وثمان
مائة سنة وثلاثة وثلاثين سنة ومائة وعشرين يوما.
يقطع هذا الكوكب منها في كل ساعة معتدلة مسيرة ثمانمائة سنة وست وعشرين سنة ومائة وأربعين يوما.
فيقطع جميع الفلك في مضي أربع وعشرين ساعة، ويقطع الفلك الكبير في مضي خمسمائة وأربعين يوما بالتقريب.
وروحانيته هي الممدة لأرباب السيوف والانتقام، وهي الموكلة بنصر من أراد الله نصره من أهل الزمام .
وأما السماء السادسة:
فمحتدها من نور الهمة، وهي جوهر شفاف روحاني أزرق اللون، وكوكبها مظهر القيومية ومنظر الديمومية ذو النور الممد المسمی بالمشتري.
رأيت موسی علیه السلام متمكنة في هذا المقام، واضعا قدمه على سطح هذه السماء، قابضا بيمينه ساق سدرة المنتهى، سكران من خمر تجلى الربوبية حيران من عزة الألوهية.
قد انطبعت في مرآة علمه أشكال الأكوان، وتجلت في إنيته ربوبية الملك الديان، يهول منظره الناظر، ويزعج أمره الوارد والصادر، فوقفت متأدبة بين يديه، وسلمت بتحقيق مرتبته عليه، فرفع رأيه من سكرة الأزل ورحب بي ثم أهل.
فقلت له: يا سيدي قد أخبر الناطق بالصواب، الصادق في الخطاب، أنه قد برزت لك خلعة لن تراني من ذلك الجناب، وحالتك هذه غير حالة أهل الحجاب فأخبرني بحقيقة هذا الأمر العجاب.
فقال: اعلم أنني لما خرجت من مصر أرضي إلى حقيقة فرضي، ونوديت من طور قلبي بلسان ربي من جانب شجرة الأحدية في الوادي المقدس بأنوار الأزلية "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني" .آية 14 سورة طه.
فلما عبدته كما أمر في الأشياء، وأثنيت عليه بما يستحقه من الصفات والأسماء تجلت أنوار الربوبية لي فأخذني عني.
فطلبت البقاء في مقام اللقاء، ومحال أن يثبت المحدث الظهور القديم، فنادى لسان سري مترجما عن ذلك الأمر العظيم.
فقلت: ربي "أرني أنظر إليك" آية 143 سورة الأعراف.
فأدخل بأنيتي في حضرة القدس عليك، فسمعت الجواب من ذلك الجناب ولن تراني ولكن انظر إلى الجبل وهي ذاتك المخلوقة من نوري في الأزل، "فإن استقر مكانه "بعد أن أظهر القديم سلطانه . "فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل" وجذبتني حقيقة الأزل وظهر القديم على المحدث "جعله دكا" فخر موسى لذلك صعقا، فلم يبق في القديم إلا القديم، ولم يتجلى بالعظمة إلا العظيم، هذا على أن استيفاؤه غير ممكن وحصره غير جائز.
فلا تدرك ماهيته ولا ترى ولا يعلم كنهه ولا يدري، فلما اطلع ترجمان الأزل على هذا الخطاب أخبركم به من أم الكتاب، فترجم بالحق والصواب، ثم تركته وانصرفت وقد اغترفت من بحره ما اغترفت.
واعلم أن الله تعالى جعل دور فلك هذه السماء مسيرة اثنتين وعشرين ألف سنة وستة وستين سنة وثمانية أشهر.
فيقطع کوکبها وهو المشتري فيها في كل ساعة مسيرة تسعمائة سنة وتسع عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما ونصف يوم.
فيقطع جميع الفلك في مضي أربع وعشرين ساعة، ويقطع جميع الفلك الكبير في مضي اثنتي عشرة سنة، يقطع كل سنة برجة من الفلك الكبير.
وخلق الله تعالى هذه السماء من نور الهمة، وجعل میکائیل موكلا بملائكتها، وهم ملائكة الرحمة.
جعلهم الله معارج الأنبياء، ومراقي الأولياء، خلقهم الله تعالى لإيصال الرقائق إلى من اقتضتها له الحقائق.
دأبهم ربع الوضيع وتسهيل الصعب المنيع، يجولون في الأرض، بسبب رفع أهلها من ظلمة الخفض، فهم أهل البسط بين الملائكة والقبض.
وهم الموكلون بإيصال الأرزاق إلى المرزوقين على قدر الوفاق، جعلهم الله تعالى من أهل البسط والحظوة، فهم بين الملائكة مجابو الدعوة، لا يدعون لأحد بشيء ألا أجيب.
ولا يمرون بذي عاهة إلا ويبرأ ويطيب، إليهم أشار عليه الصلاة والسلام في قوله: «فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة أجيب دعوته وحصلت بغيته". قريبا منه: البخاري 198 / 1 ، ومسلم في: الصلاة (72)، وأبو داود (936)، والترمذي (250)، وابن ماجه (852)..
فما كل ملك يجاب دعاه، ولا كل حامد يستطاب ثناه.
ثم إني رأيت ملائكة هذه السماء مخلوقة على سائر أنواع الحيوانات، فمنهم من خلقه الله تعالى على هيئة الطائر وله أجنحة لا تنحصر للحاصر وعبادة هذا النوع خدمة الأسرار ورفعها من حضيض الظلمة إلى عالم الأنوار.
ومنهم من خلقه الله تعالى على هيئة الخيول المسومة، وعبادة هذه الطائفة المكرمة رفع القلوب من سجن الشهادة إلى فضاء الغيوب.
ومنهم من خلقه الله تعالى على هيئة النجائب وفي صورة الركائب، خلقه الله تعالى على هيئة البغال والحمير، وعبادة هذا النوع رفع الحقير وجبر الكسير والعبور من القليل إلى الكثير.
ومنهم من خلقه الله تعالى على صورة الإنسان، وعبادة هؤلاء حفظ قواعد الأديان، ومنهم من خلق على صفة بسائط الجواهر والأعراض، وعبادة هؤلاء إيصال الصحة إلى الأجسام المرضى.
ومنهم من خلق على أنواع الحبوب والمياه وسائر المأكولات والمشروبات، وعبادة هؤلاء إيصال الأرزاق إلى مرزوقها من سائر المخلوقات.
ثم إني رأيت في هذه السماء ملائكة مخلوقة بحكم الاختلاط مزجة، فالنصف من ماء عقد ثلجة، فلا الماء يفعل في إطفاء النار ولا النار تغير الماء عن ذلك القرار.
واعلم أن ميكائيل عليه السلام هو روحانية كوكب هذه السماء، وهو الحاكم على سائر الملائكة المقيمين في هذا الفلك.
جعل الله محتده هذه السماء و منصته عن يمين سدرة المنتهى، سألته عن البراق المحمدي هل كان مخلوقة من هذا المحتد العلی؟
فقال: لا، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم  لم تتكاثف عليه الستور، فلم ينزل سته عن سماء النور، وذلك محتد العقل الأول ومنشأ الروح الأفضل، فبراقه من فلك هذا المقام المكين، وترجمانه جبريل وهو الروح الأمين؛ وأما من سواه من الأنبياء وسائر الكمل من الأولياء، فإن مراكبهم في السفير الأعلى على نجائب هذه السماء فيصعدون عليها من حضيض أرض الطبائع حتى يجاوزوا الفلك السابع، ثم ليس لهم مركب إلا الصفات ولا ترجمان إلا الذات.
وأما السماء السابعة:
فسماء زحل المکرم، وجوهرها شفاف أسود كالليل المظلم.خلقها الله من نور العقل الأول.
وجعلها المنزل الأفضل، فتلونت بالسواد إشارة إلى سوادها والبعاد، فلهذا لا يعرف العقل الأول إلا كل عالم أكمل.
هذا هو سماء کيوان المحيط بجميع عالم الأكوان، أفضل السماوات وأعلى الكائنات، جميع الكواكب الثابتة في موكبه سائرة سيرة خفية في كوكبه.
دورة فلكه مسيرة أربع وعشرين ألف سنة وخمسمائة عام، يقطع كوكبه في كل ساعة معتدلة مسيرة ألف سنة وعشرين سنة وعشرة أشهر.
ويقطع الفلك الكبير في مدة ثلاثين سنة.
وجميع الكواكب الثابتة التي فيها لكل منها سير خفي مهين لا يكاد ييين، منها ما يقطع كل برج من الفلك في ثلاثين ألف سنة، ومنها ما يقطع بأكثر وأقل.
ولأجل دقتها وكثرتها لا تعرف، وليس لها أسماء عند الحساب.
ولكن أهل الكشف يعرفون اسم كل نجم ويخاطبونه باسمه ويسألونه عن سيره، فيجيبهم ويخبرهم بما يقتضيه في فلكه.
ثم إن هذه الأسماء أول سماء خلقها الله تعالى محيطة بعالم الأكوان، وخلق السموات التي تحتها بعدها.
فهو نور العقل الأول الذي هو أول مخلوقات الله في عالم المحدثات.
رأيت إبراهيم عليه السلام قائمة في هذه السماء، وله منصة يجلس عليها عن يمين العرش من فوق الكرسي، وهو يتلو آية " الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق" آية 39 سورة إبراهيم.
واعلم أن ملائكة هذه السماء كلهم مقربون، ولكل من المقربين منزلة على قدر وظيفته التي أقامه الله فيها، وليس فوقه إلا الفلك الأطلس.
وهو الفلك الكبير، سطحه هو الكرسي الأعلى، وبينهما أعني الفلك الأطلس
والفلك المكوكب ثلاثة أفلاك وهمية حكمية لا وجود لها إلا في الحكم دون العين.
الفلك الأول منها، وهو الفلك الأعلى على فلك الهيولي،
الفلك الثاني فلك الهباء.
الفلك الثالث فلك العناصر، وهو آخرهم مما يلي الفلك المكوكب.
وقال بعض الحكماء:
ثم فلك رابع، وهو فلك الطبائع.
واعلم أن الفلك الأطلس هو عرصة سدرة المنتهى، وهي تحت الكرسي وقد سبق بيان الكرسي.
ويسكن سدرة المنتهى الملائكة الكروبيون، رأيتهم على هيئات مختلفة لا يحصى عددهم إلا الله.
قد انطبقت أنوار التجليات عليهم حتى لا يكاد أحد منهم يحرك جفن طرفه؛ فمنهم من وقع على وجهه، ومنهم من جثا على ركبتيه وهو الأكمل، ومنهم من سقط على جنبه، ومنهم من جمد في قيامه وهو أقوى.
ومنهم من دهش في هويته، ومنهم من خطف في إنيته.
ورأيت منهم مائة ملك مقدمين على هؤلاء جميعهم، بأيديهم أعمدة من النور مكتوب على كل عمود اسم من أسماء الله الحسنى.
يرهبون بها من دونهم من الكروبيين، ومن بلغ مرتبتهم من أهل الله تعالى.
ثم رأيت سبعة من جملة هذه المائة متقدمة عليهم يسمون قائمة الكروبيين.
ورأيت ثلاثة مقدمين على هذه السبعة يسمون بأهل المراتب والتمكين.
ورأيت واحدة مقدمة على جميعهم يسمى عبد الله.
وكل هؤلاء عالون ممن لم يؤمروا بالسجود لآدم.
ومن فوقهم كذلك المسمى بالنون والملك المسمى بالقلم وأمثالهما أيضا عالون، وبقية ملائكة القرب دونهم.
وتحتهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل و عزرائيل وأمثالهم.
ورأيت في هذا الفلك من العجائب والغرائب ما لا يسعنا شرحه.
واعلم أن جملة الأفلاك التي خلقها الله تعالى في هذا العالم ثمانية عشر فلك:
الفلك الأول: العرش المحيط.
الفلك الثاني: الكرسي.
الفلك الثالث: الأطلس، وهو فلك سدرة المنتهى.
الفلك الرابع: الهيولي.
الفلك الخامس: الهباء.
الفلك السادس: العناصر.
الفلك السابع: الطبائع.
الفلك الثامن: المكوكب، وهو فلك زحل ويسمى فلك الأفلاك.
الفلك التاسع: فلك المشتري.
الفلك العاشر: فلك المريخ.
الفلك الحادي عشر: فلك الشمس.
الفلك الثاني عشر: فلك الزهرة.
الفلك الثالث عشر: فلك عطارد.
الفلك الرابع عشر: فلك القمر.
الفلك الخامس عشر: فلك الأثير. وهو فلك النار
الفلك السادس عشر: فلك الهواء.
الفلك السابع عشر: فلك الماء
الفلك الثامن عشر: فلك التراب.
والبحر المحيط الذي فيه البهموت، وهو حوت يحمل الأرض على منكبيه، ثم فلك الهواء ثم فلك النار، ثم فلك القمر، ويرجع صاعدة كما هبط.
ثم لكل موجود في العالم فلك وسيع يراه المكاشف ويسبح فيه ويعلم ما يقتضيه، فلا تحصى الأفلاك لكثرتها، قال الله تعالى: "كل في فلك يسبحون".آية 33 سورة الأنبياء.
واعلم أن كل واحد من فلك النار والماء والهواء على أربع طباق، وذلك التراب على سبع طباق، وسيأتي بيان الجميع في هذا الباب، فلنبدأ بذكر الأرض وطباقها، لأن الله تعالى قد أردف ذكر السماء بالأرض، فلا تجعل بينهما فاصلة.
أما الطبقة الأولى من الأرض:
فأول ما خلقها الله تعالى كانت أشد بياضا من اللبن وأطيب من رائحة المسك، فاغبرت لما مشى آدم عليه السلام عليها بعد أن عصي الله تعالى.
وهذه الأرض أرض النفوس، ولهذا كانت يسكنها الحيوانات.
دورة كرة الأرض مسيرة ألف ومائة عام وستة وستون عامة ومائتا يوم وأربعون يوما، قد غمر الماء منها ثلاثة أرباع بحكم الحيطة، فبقي الربع من وسط الأرض إلا ما يلي الجانب الشمالي.
وأما الجانب الجنوبي فأجمعه بكليته مغمور تحت الماء من نصف الأرض، ثم ربعه من الجانب الشمالي تحت الماء.
فما بقي إلا الربع وهذا الربع فالخراب منه ثلاثة أرباعه، ولم يبق إلا الربع من الربع.
ثم هذا الربع المتبقي لم تكن مدته المسكونة منه إلا مسيرة أربعة وعشرين عاما وباقيها برار وقفار عامرة بالطرق ممكنة الذهاب والإياب.
لم يبلغ الإسكندر من الأرض إلا هذا الربع المتبقي، سلك قطره شرقا وغربا، لأن بلاده في المغرب، وكان ملكة بالروم.
فأخذ أولا يسلك مما يليه من جنبه حتى بلغ إلى باطن الأرض منه، فوصله إلى مغرب الشمس؛ ثم سلك الجنوبي وهو ما يقابله حتى تحقق بظهور تلك الأشياء، فوصل إلى مشرق الشمس، ثم سلك الجانب الجنوبي وهو الظلمات حتى بلغ يأجوج ومأجوج، وهم في الجانب
الجنوبي من الأرض، نسبتهم من الأرض نسبة الخواطر من النفس.
لا يعرف عددهم ولا يدرك حصرهم، لم تطلع الشمس على أرضهم أبدأ.
فلأجل هذا غلب عليهم الضعف حتى أنهم لم يقدروا في هذا الزمان على خراب السد.
ثم سلك الجانب الشمالي حتى بلغ محلا منه لم تغرب الشمس فيه، وهذه الأرض بيضاء على ما خلقها الله تعالى عليه هي مسكن رجال الغيب.
وملكها الخضر عليه السلام، أهل هذه البلاد تكلمهم الملائكة لم يبلغ إليها آدم ولا أحد ممن عصى الله تعالى، فهي باقية على أصل الفطرة.
وهي قريبة من أرض بلغار، وبلغار بلدة في العجم لا تجب فيها صلاة العشاء في أيام الشتاء، لأن شفق الفجر يطلع قبل غروب شفق المغرب فيها.
فلا يجب عليهم صلاة العشاء، ولا حاجة إلى تبيين عجائب الأرض لما قد نقلت الأخبار من عجائبها مما لا يحتاج إلى ذكره فافهم ما أشرنا إليه.
وهذه الأرض من أشرف الأراضي وأرفعها قدرا عند الله تعالى، لأنها محل النبيين والمرسلين والأولياء الصالحين.
فلولا ما أخذ الناس من الغفلة عن معرفتها لكنت تراهم يتكلمون بالمغيبات ويتصرفون في الأمور المعضلات، ويفعلون ما يشاءون بقدرة صانع البريات،فافهم جميع ما أشرنا إليه.
واعرف ما دللناك عليه، ولا تقف مع الظاهر، فإن لكل ظاهر باطن، ولكل حق حقيقة والسلام.
وأما الطبقة الثانية من الأرض:
فإن لونها كالزمردة الخضراء تسمى أرض العبادات، يسكنها مؤمنون الجن، ليلهم نهار الأرض الأولى، ونهارهم ليلها.
لا يزال أهلها قاطنين فيها حتى تغيب الشمس عن أرض الدنيا، فيخرجون إلى ظاهر الأرض يتعشقون بيني آدم تعشق الحديد بالمغناطيس، ويخافون منهم أشد من خوف الفريسة للاساد.
دورة كرة هذه الأرض ألفا سنة ومائتا سنة وأربعة أشهر، ولكن ليس فيها خراب، بل الجميع معمور بالسكني.
وأكثر مؤمني الجن يحسدون أهل الإرادات والمخالفات، فأكثر هلاك السالكين من جن هذه الأرض يأخذون الشخص من حيث لا يشعر بهم.
ولقد رأيت جماعة من السادات، أعني طائفة من متصوفة هذا الزمان مقیدین مغلغلين، قد قيدهم جن هذه الأرض، فأصمهم وأعمى أبصارهم.
وقد كانوا ممن يسمع كلام الحضرة بأذنيه، فصار إذا خوطب من غير جهة هذه الأرض لا يسمع ولا يعقل، وهم محجوبون بما هم فيه، فلو قيل لهم ما هم عليه لأنكروا ذلك فإنهم ما أشرت إليه تحقق بما دللتك عليه.
واستعن بالله في إحكام الطريق ينجك الحق من كيد هذا الفريق.
وأما الطبقة الثالثة من الأرض:
فإن لونها أصفر کالزعفران تسمى أرض الطبع، يسكنها مشرکو الجن، ليس فيها مؤمن بالله.
قد خلقوا للشرك والكفر يتمثلون بين الناس على صفة بني آدم.
لا يعرفهم إلا أولياء الله تعالى، لا يدخلون بلدة فيها رجل من أهل التحقيق إذا كان متمكنة بشعاع أنواره.
وأما قبل ذلك فإنهم يدخلون عليه ويحاربهم، فلا يزالون كذلك حتى ينصره الله تعالى عليهم، فلا يقربون بعد هذا من أرضه.
ومن توجه إليه احترق بشعاع أنواره، ليس لهؤلاء عمل في الأرض إلا إشغال الخلق عن عبادة الله تعالى بأنواع الغفلة.
دورة كرة هذه الأرض مسيرة أربعة آلاف سنة وأربعمائة سنة وثمانية أشهر.
كلها عامرة بالسكان ليس فيها خراب، لم يذكر الحق سبحانه وتعالى فيها منذ خلقها إلا مرة واحدة بلغة غير لغة أهلها.
فافهم ما أشرنا إليه واعرف ما دللناك عليه.
وأما الطبقة الرابعة من الأرض:
فإن لونها أحمر كالدم تسمى أرض الشهود، دورة كرة هذه الأرض مسيرة ثمانية آلاف سنة وخمس وستين سنة ومائة وعشرين يوما.
كلها عامرة بالسكني، يسكنها الشياطين، وهم على أنواع كثيرة، يتوالدون من نفس إبليس.
فإذا تحصلوا بين يديه جعلهم طوائف، يعلم طائفة منهم القتل ليكونوا أدلة عليه لعبادة الله.
ثم يعلم طائفة الشرك ويحكمهم في معرفة علوم المشركين ليوطن بنيان الكفر في قلوب أهله.
ويعلم طائفة العلم ليجادلوا به العلماء.  ويعلم طائفة منهم المكر .
وطائفة الخداع . وطائفة الزنا .  وطائفة السرقة.
حتى لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة إلا وقد أرصد لها طائفة من حفدته.
ثم يأمرهم أن يجلسوا في مواضع معروفة،
فيعلموا أهل الخدع والمكر وأمثال ذلك أن يقيموا في دركة الطمع،
ويعلموا أهل القتل والطعن وأمثال ذلك أن يقيموا في دركة الرياسة،
ويعلموا أهل الشرك أن يقيموا في دركة الشرك،
ويعلموا أهل العلم أن يقيموا في دركة المناجاة والعبادات،
ويعلموا أهل الزنا والسرقة وأمثال ذلك أن يقيموا في دركة الطبع؛
ثم جعل بأيديهم سلاسل وقيودا يأمرهم أن يجعلوها في أعناق من يحتكم لهم سبع مرات متواترات ليس بينها توبة.
ثم يسلمونه بعد ذلك إلى عفاريت الشياطين فينزلون إلى الأرض التي تحتهم، ويجعلون أصول تلك السلاسل فيهم.فلا يمكنه مخالفتهم بعد أن توضع تلك السلاسل في عنقه أبدا..
"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل".
وأما الطبقة الخامسة من الأرض:
فإن لونها أزرق كالنيلة، واسمها أرض الطغيان.
دورة كرتها سبعة عشرة ألف سنة وستمائة سنة وعشر سنين وثمانية أشهر.
كلها عامرة بالسكني، يسكنها عفاريت الجن والشياطين، ليس لهم عمل إلا قيادة أهل المعاصي إلى الكبائر.
وهؤلاء كلهم لا يصنعون إلا بالعكس؛ فلو قيل لهم اذهبوا جاءوا، ولو قيل لهم تعالوا ذهبوا،
هؤلاء أقوى الشياطين کيدا، فإن من فوقهم من أهل الطبقة الرابعة كيدهم ضعيف يرتدع بأدنى حركة.
قال الله تعالى: "إن كيد الشيطان ضعيفا" .آية 76 سورة النساء.  .
وأما هؤلاء فكيدهم عظيم يحكمون على بني آدم بغلبة القهر فلا يمكنهم مخالفتهم أبدأ.
 «والله يقول الحق وهو يهدي السبيل». .
أما الطبقة السادسة من الأرض:
فهي أرض الإلحاد، لونها أسود كالليل المظلم.
دورة كرة هذه الأرض مسيرة خمس وثلاثين ألف سنة ومائتي سنة وإحدى وعشرين سنة ومائة وعشرين يوما.
كلها عامرة يسكنها المردة ومن لا يتحكم لأحد من عبادة الله تعالى.
واعلم أن سائر الجن على اختلاف أجناسهم كلهم على أربعة أنواع:
1- فنوع عنصريون.
2- ونوع ناریون .ولو كانت النار راجعة إلى العنصرين فثم نكتة،
3- ونوع الهوائيون.
4- ونوع ترابيون.
فأما العنصريون فلا يخرجون عن عالم الأرواح وتغلب عليهم البساطة، وهم أشد الجن قسوة، سموا بهذا الاسم لقوة مناسبتهم بالملائكة.
وذلك لغلبة الأمور الروحانية على الأمور الطبيعية السفلية منهم، ولا ظهور لهم إلا في الخواطر.
قال الله تعالى: "شياطين الإنس والجن" .آية 112 سورة الأنعام.  فافهم.
ولا يتراءون إلا للأولياء.
وأما الناريون فيخرجون من عالم الأرواح غالبا، وهم يتنوعون في كل صورة أكثر ما يفاجئون الإنسان في عالم المثال، فيفعلون به ما يشاءون في ذلك العالم، وكيد هؤلاء شديد، فمنهم من يحمل الشخص بهيكله فيرفعه إلى موضعه؛ ومنهم من يقيم معه، فلا يزال الرائي مصروعا ما دام عنده.
وأما الهوائيون فإنهم يتراءون في المحسوس مقابلين للروح فتنعكس صورهم على الرائي فينصرع.
وأما الترابيون فإنهم يلبسون الشخص ويعفرونه بترابهم، وهؤلاء أضعف الجن قوة ومكرا.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

يتبع الجزء الثاني 


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الأحد يوليو 15, 2018 12:46 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثاني والستون في السبع السماوات وما فوقها والسبع الأرضين وما تحتها والسبع البحار وما فيها من العجائب والغرائب ومن يسكنها من أنواع المخلوقات   الأحد يوليو 15, 2018 12:43 pm


الباب الثاني والستون في السبع السماوات وما فوقها والسبع الأرضين وما تحتها  والسبع البحار وما فيها من العجائب والغرائب ومن يسكنها من أنواع المخلوقات

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الجزء الثاني

وأما الطبقة السابعة من الأرض:
فإنها تسمى أرض الشقاوة، وهي سطح جهنم، خلقت من سفليات الطبيعة يسكنها الحيات والعفاريت وبعض زبانية جهنم.
دورة كرة هذه الأرض مسيرة سبعين ألف سنة وأربعمائة سنة واثنتين وأربعين سنة وأربعة أشهر.
وحياتها وعقاربها كأمثال الجبال و أعناق البخت، وهي ملحقة بجهنم نعوذ بالله منها..
أسكن الله هذه الأشياء في هذه الأرض لتكون أنموذجا في الدنيا لما في جهنم من عذابه.
كما أسكن طائفة مثل سكان الجنة على الفلك المكوكب ليكون أنموذجا في الدنيا لما في الجنة من نعيمه، ونظير ذلك في مخيلة الإنسان.
وما في الجانب الأيسر منها من الصور الممثلة هو نسخة هذه الأرض، وما في الجانب الأيمن منها هو نسخة ما في الفلك الأطلس من الحور وأمثاله.
كل ذلك لتقوم حجته على خلقه، لأنه تعالى لو لم يجعل في هذه الدار شيئا من الجنة والنار لكانت العقول لا تهتدي إلى معرفتها لعدم المناسبة فلا يلزمها الإيمان بها.
فجعل الحق تعالى في هذه الدار هذه الأشياء من الجنة والنار لتكون مرقاة للعقول إلى معرفة ما أخبر به الحق تعالى به من نعيم الجنة وعذاب النار. فافهم ما أشرنا إليه ولا تقف مع ظاهر اللفظ.
ولا تنحصر بباطن معناه، بل تحقق بما أشار باطنه إليه وتيقن بما ذلك ظاهره علیه فإن لكل ظاهر باطنا، ولكل حق حقيقة، والرجل من استمع القول فاتبع أحسنه، جعلنا الله وإياكم ممن تذكروا فإذا هم مبصرون.
ثم اعلم أن أطباق الأرض إذا أخذت في الانتهاء دار الدور عليها في الصعود.
كما أن أهل النار إذا استوفوا ما كتب عليهم وخرجوا لا يخرجون إلا إلى مثل ما ينتهي إليه حال أهل الجنة من كريم المشاهدة والتحقق بتحقق المطالعة إلى أنوار العظمة الإلهية.
فكما أن الماء أول فلك قبل ذلك التراب، كذلك هو أول فلك بعد فلك التراب، ثم الهواء بعده، ثم النار، ثم القمر، ثم كل فلك على الترتيب المذكور إلى فلك الأفلاك، وإلى أن ينتهي إلى العرش المحيط.
واعلم أن البحار السبعة المحيطة أصلها بحران، لأن الحق سبحانه وتعالى لما نظر إلى الدرة البيضاء التي صارت ماء.
فما كان مقابلا في علم الله تعالى لنظر الهيبة والعظمة والكبرياء، فإنه لشدة الهيبة صار طعمه مالحة زعافا.
وما كان مقابلا في علم الله تعالى لنظر اللطف والرحمة صار طعمه عذبا.
وقدم الله ذكر العذب في قوله تعالى: "هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج " لسر سبق الرحمة الغضب.
فلهذا كان الأصل بحرین عذب ومالح.
فبرز من العذب جدول إلى جانب المشرق منه واختلط بنبات الأرض فنبتت رائحته فصار بحرة على حدته، ثم خرج منه أي
العذب من جدول مما يلي جانب المغرب، فقرب من البحر المالح المحيط فامتزج طعمه فصار ممتزجة وهو بحر على حدته.
وأما البحر المالح فخرجت منه ثلاث جداول:
جدول أقام وسط الأرض فبقي على طعمه الأول مالحة ولم يتغير فهو بحر على حدته.
وجدول ذهب إلى اليمين، وهو الجانب الجنوبي، فغلب عليه طعم الأرض التي امتد إليها، فصار حامضة، وهو بحر على حدته.
وجدول ذهب إلى الشام، وهو الجانب الشمالي فغلب عليه طعم الأرض التي امتد فيها فصار مرة زعافة وهو بحر على حدته.
وأحاط بجبل قاف والأرض جميعها بما فيها لم يعرف له طعم يختص به ولكنه طيب الرائحة، لا يكاد من شمه أن يبقى على حالته بل يهلك من طيب رائحته.
وهذا هو البحر المحيط الذي لا يسمع له غطيط، فافهم هذه الإشارات واعرف ما تضمنته هذه العبارات.
وها أنا أفصل لك هذا الإجمال وأودعه من أسرار الله غريب الأقوال.

أما البحر العذب :
فهو طيب المشرب وسهل المركب منتقل الخاص والعام ومتعلق الأفكار والأفهام، يغترف منه القريب والبعيد، ويقترف منه الضعيف والشديد.
به يستقیم قسطاس الأبدان ويقوم في الحكم ناموس الأبدان، أبيض اللون شفاف الكون.
يسرع في منافذه الطفل والمحتلم، ويرتع في موائده الطالب والمغتنم، حيتانه سهلة الانقياد قريبة الاصطياد، خلقت من نور تعظیم الاحترام.
الحلال فيه بين من الحرام، وبها ارتبط الحكم الظاهر، وبها أصلح أمر الأول والآخر، كثيرة السفر قليلة الخطر.
قل أن تنعطب مراكبها أو يغرق من موجها راكبها، هي سبيل الهارب إلى نجاته وطريق الطالب إلى أمنياته.
يستخرج منها لآلىء الإشارات من أصداف العبارات، ويظهر منها مرجانة الحكم في شباك الكلام.
مراكبها منقولة ومراسيها معلومة لا مجهولة، قريبة القعر بعيدة الغور، سكانها أهل الملل المختلفة والنحل المؤتلفة.
رؤساؤها المسلمون وحكامها الفقهاء العاملون قد وكل الله ملائكة النعيم بحفظها، وجعلهم أهل بسطها وقبضها.
ولها أربعة فروع مشتهرة وأربعون ألف فرع مندثرة.
فالفروع المشتهرة الفرات والنيل وسيحون وجيحون.
والمندثرة فأكثرها بأرض الهند والتركمان وفي الحبشة منها فرعان.
دورة محيط هذه الأبحر مسيرة أربع وعشرين سنة وهي متشعبة في أقطار الأرض ومتفرعة في طولها والعرض.
يتشعب منها فرعان الأول بإرم ذات العماد، والآخر بنعمان.
فأما الذي أخذ في العرض وبين من ملابسة الأرض، فهو العامر للديار والأعمال والظاهر بين أيدي السفرة والعمال.
وأما الذي أخذ في طول الالتحاد وسكن إرم ذات العماد، فهو البحر الممزوج ذو الدر الممزوج.

فافهم هذه الإشارات وأعرف هذه العبارات فليس الأمر على ظاهره.
والله محيط بأول الأمر وآخره.
وأما البحر النتن فهو الصعب المسالك القريب المهالك.
هو طرق السالكين ومنهج السائرين، يروم المرور كل أحد عليه ولا يصل إلا العباد إليه.
لونه أشهب وكونه أغرب، أمواجه بأنواع البر طافحة وأرباحه بأنصاف الفضائل غادية ورائحة، حيتانه کالبغال والجمال تحمل الكل وأعباء الأثقال إلى بلد الدر الأنفس ولم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.
لكنهم صعاب الانقياد لا يصادون إلا بالجد والاجتهاد، لا يعبر مراكبهم الباهرة إلا أهل العزائم القاهرة.
تهب رياحها من جانب الشرق الواضح فتسير بأفلاكها إلى ساحل البحر الناجح، أهلها صادقون في الأفعال مؤمنون في الأقوال والأحوال، سكانها العباد والصالحون والزهاد.
يستخرج من هذا البحر درر البقاء ومراجين النقاء، يتحلى بها من تطهر وتزکی وتخلق وتحقق وتجلى، قد وكل الله ملائكة العذاب بحفظ هذا البحر العجاب.
دور محیط هذا البحر مسيرة خمسة آلاف سنة.
وقد أخذ سردة في العرض غير ممتد في الأرض وأما البحر الممزوج ذو الدر الممزوج، لونه أصفر أمواجه معقودة كالصخر الأحمر، لا يقدر کل على شربه ولا يطيق كل أحد أن يسير فيه سرب.
هو بحر ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، صعب المسالك كثير العطب والمهالك.
لا يسلم فيه إلا آحاد المؤمنين ولا يحكم أمره إلا أفراد المعتقدين.
وكل من ركب في فلكه من الكفار فإنه يئول به إلى الغرق والانكسار، وأكثر مراكب المسلمين تتبعها قروش هذا البحر المعين، لا يعمر مراكبه إلا أهل العقول الراقية المؤيدة بالنقول الشافية.
وأما من سواهم فإنه يستكثر الغرامة ويطلب الفائدة في الإقامة، حيتان هذا البحر كثيرة العلل عظيمة الحيل، لا تصاد إلا بشباك الإبريسم يقينا ولا يتولى ذلك إلا رجال كانوا مؤمنين.
يستخرج منه اللؤلؤ لاهوتي المحتل ومرجان ناسوتي المشهد، وفوائد هذا البحر لا يحصى عددها ولا يعرف أمدها.
وعطبه شديد الخسران مؤثر في الأبدان والأديان.
سكان هذا البحر أهل الصديقية الصغرى، والحاملون لغذاء أهل الصديقية الكبرى، رأيت سكان هذا البحر سليمي الاعتقاد سالمين بحسن الظن من فتن الانقياد.
قد وكل الله ملائكة التسخير بحفظ هذا البحر الغزير، هم أهل إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد.
وهذا البحر يضرب موجه على ساحل هذه البلدة القريبة وينتفع أهلها بحيتانه العجيبة.
قطر محیط هذا البحر مسيرة سبعة آلاف سنة، وقد يقطعها المسافر في مثل السنة، متفرعة في طول الدار غامرة الجواب منها والعمار.
وأما البحر المالح فهو المحيط العام والدائر التام، ذو اللون الأزرق والغور الأعمق، يموت عطشا من شرب من مائه ويهلك فناء.
هبت رياح الأزل في مغاربه فتصادمت الأمواج في جوانبه، فلا يسلم فيه السابح ولا يهتدي فيه الغادي والرائح، إلا إذا أيدته أيادي التوفيق.
فعادت سفينته شرعا في ذلك البحر العميق، مراكبه لا تسير إلا في الأسحار و أرياحه لا تهب إلا جملة من اليمين واليسار.
سفينته من ألواح الناموس معمورة و بمسامير القاموس مسمورة، ضلت الأفكار في طريقه وحارت الألباب في عميقه، مراكبه كثيرة العطب سريعة الهلاك والنصب.
لا يسلم فيه إلا الآحاد ولا ينجو من مهالكه إلا الأفراد، قروش هذا البحر تبتلع المراكب والراكب وتستهلك المقيم والذاهب.
يجد المسافر فيه على كل مسلك ألف ألف مهلك.
ينبههم الحرام فيه بالحلال ويختلط المنشأ فيه بالمال، ليس لقعره انتهاء ولا لآخره ابتداء.
لا يقدر على الخوض فيه إلا أهل العزائم الوافية ولا يتناول من دره إلا أهل الهمم العالية.
أمره مبني على حقيقة المحصول متأسس عليه الفروع والأصول، أمواجه متلاطمة ودفقاته متصادمة وأهواله متعاظمة وسحائب غيثه متراكمة.
ليس لأهله دلیل غير الكواكب الزاهرات ولا مرسى لمراكبه غير التيه في الظلمات.
حيتانه على هيئة سائر المخلوقات وهوامه بأنواع السموم نافثات.
خلق الله تعالى حشرات هذا البحر من نور اسمه القادر وجعلها حقيقة حكمة الأمر الظاهر، يستخرج الغواص من هذا البحر إذا سلم من مده والجزر، يتيمات الدرر في أصداف الخفر.
جعل الله سكانه من الملأ الأعلى طائفة لهم اليد الطولى ووكل بحفظهم ملائكة الإيحاء.
اعلم أنه لما نظر الله تعالى في القدم إلى الياقوتة الموجودة في العدم، كان لهذا البحر نور ذلك الياقوت وبهجته.
وكان العذب من جداوله وصورته وهيئته، فلما صارت الياقوتة ماء صار البحران ظلمة وضياء.
فلما مرج البحرين يلتقيان جعل الله بينهما ماء الحياة برزخ لا يبغيان، وهذا الماء في مجمع البحرين وملتقى الحكمين والأمرين.
وهو عين يتبع جارية في جانب المغرب عند البلد المسمى بالأزل المغرب، فمن خاصية هذا البحر المعين الذي خلقه الله في مجمع البحرین أن من شرب منه لا يموت ومن سبح فيه أكل من كبد البهموت.
والبهموت حوت في البحر المالح هذا المذكور أولا، جعله الله الحامل للدنيا وما فيها.
فإن الله تعالى لما بسط الأرض جعلها على قرني ثور يسمى البرهوت وجعل الثور على ظهر حوت في هذا البحر يسمى البهموت.
وهو الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله: "وما تحت الثرى ".آية 6 سورة طه.
ومجمع البحرين هذا هو الذي اجتمع فيه موسى عليه السلام بالخضر على شاطئه، لأن الله تعالى كان قد وعده بأن يجتمع بعبد من عباده على مجمع البحرين.
فلما ذهب موسى وفتاه حاملا لغذائه ووصلا إلى مجمع البحرين لم يعرفه موسى عليه السلام إلا بالحوت الذي نسية الفتى على الصخرة وكان البحر مدة فلما جزر بلغ الماء إلى الصخرة فصارت حقيقة الحياة في الحوت، فاتخذ سبيله في البحر سربا.
فعجب موسى من حياة حوت ميت قد طبخ على النار، وهذا الفتى اسمه يوشع بن نون، وهو أكبر من موسى عليه السلام في السن بسنة شمسية وقصتهما مشهورة.
وقد فصلت ذلك في رسالتنا الموسومة بـ"مسامرة الحبيب ومسايرة الصحيب" فليتأمل فيه.
سافر الإسكندر ليشرب من هذا الماء اعتمادا على كلام أفلاطون أن من شرب من ماء الحياة فإنه لا يموت.
لأن أفلاطون كان قد بلغ هذا المحل وشرب من هذا البحر فهو باق إلى يومنا هذا في جبل يسمى دراوند.
وكان أرسطو تلميذ أفلاطون وهو أستاذ الإسكندر صحب الإسكندر في مسيره إلى مجمع البحرين.
فلما وصل إلى أرض الظلمات ساروا وتبعهم نفر من العسكر وأقام الباقون بمدينة تسمى ثبت "برفع الثاء المثلثة والباء الموحدة وإسكان التاء المثناة من فوق " وهو حد ما تطلع الشمس عليه.
وكان في جملة من صحب الإسكندر من عسكره الخضر عليه السلام، فساروا مدة لا يعلمون عددها ولا يدركون أمدها وهم على ساحل البحر.
وكلما نزلوا منزلا شربوا من الماء، فلما ملوا من طول السفر أخذوا في الرجوع إلى حيث أقام المعسكر، وقد كانوا مروا بمجمع البحرين على طريقهم من غير أن يشعروا به.
فما أقاموا عنده ولا نزلوا به لعدم العلامة، وكان الخضر عليه السلام قد ألهم بأن أخذ طيرة فذبحه وربطه على ساقه.
فكان يمشي ورجله في الماء، فلما بلغ هذا المحل انتعش الطير واضطرب عليه، فأقام عنده وشرب من ذلك الماء واغتسل منه وسبح فيه فكتمه عن الإسكندر وكتم أمره إلى أن خرج.
فلما نظر أرسطو إلى الخضر عليه السلام علم أنه قد نال من دونهم بذلك، فلزم خدمته إلى أن مات، واستفاد من الخضر هو والإسكندر علوما جمة.
اعلم أن عين الحياة مظهر الحقيقة الذاتية من هذا الوجود .
فافهم هذه الإشارات وفك رموز هذه العبارات ولا تطلب الأمر إلا من عينك بعد خروجك من إنيتك.
لعلك تفوز بدرجة "أحياء عند ربهم يرزقون". آية 169 سورة آل عمران.
ويسمح لك الوقت بأن تصير من حزبهم فتكون المراد بموسى و خضره، و بالإسكندر والظلمات ونهره.
واعلم أن الخضر عليه السلام قد مضى ذكره فيما تقدم، خلقه الله تعالى من حقيقة "ونفخت فيه من روحي ". آية 72 سورة ص .  فهو روح الله.
فلهذا عاش إلى يوم القيامة اجتمعت به وسألته، ومنه أروى جميع ما في هذا البحر المحيط.
وأعلم أن هذا البحر المحيط المذكور، وما كان منه منفصلا عن جبل " ق " مما يلي الدنيا فهو مالح وهو البحر المذكور.
وما كان منه متصلا بالجبل فهو وراء المالح، فإنه البحر الأحمر الطيب الرائحة، وما كان من وراء جبل " ق" متصلا بالجبل الأسود فإنه البحر الأخضر وهو من الطعم كالسم القاتل، ومن شرب منه قطرة هلك، وفنی لوقته.
وما كان منه وراء الجبل بحكم الانفصال والحيطة والشمول بجميع الموجودات فهو البحر الأسود الذي لا يعلم له طعم ولا ريح، ولا يبلغه أحد، بل وقع به الإخبار، فعلم وانقطع عن الآثار فكتم.
وأما البحر الأحمر الذي نشره كالمسك الأذفر فإنه يعرف بالبحر الأسمى ذي الموج الأنمي، رأيت على ساحل هذا البحر رجالا مؤمنين، ليس لهم عبادة إلا تقریب الخلق إلى الحق، قد جبلوا على ذلك.
فمن عاشرهم أو صاحبهم عرف الله بقدر معاشرتهم، وتقرب إلى الله بقدر  مسايرتهم، وجوههم كالشمس الطالع والبرق اللامع، يستضيء بهم الحائر في تيهات القفار، ويهتدي بهم التائه في غيابات البحار.
إذا أرادوا السفر في هذا البحر نصبوا شركا الحيتانه، فإذا اصطادوها ركبوا عليها، لأن مراكب هذا البحر حيتانه، ومكتسبه لؤلؤه ومرجانه.
ولكنهم عندما يستووا على ظهر هذا الحوت ينتعشون بطيب رائحة البحر فيغمى عليهم، فلا يفيقون إلى أنفسهم، ولا يرجعون إلى محسوسهم ما داموا راكبين في هذا البحر.
فتسير بهم الحيتان إلى أن يأخذوا حدها من الساحل، فتقذف بهم في منزل من تلك المنازل.
فإذا وصلوا إلى البر وخرجوا من ذلك البحر، رجعت إليهم عقولهم، وبان لهم محصولهم، فيظفرون بعجائب وغرائب لا تحصر، أقل ما يعبر عنها: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
واعلم أن أمواج هذا البحر كل موجة منها تملأ ما بين السماء والأرض ألف ألف مرة إلى ما لا ينتهي.
ولولا أن عالم القدرة يسع هذا البحر لما كان يوجد في الوجود بأسره، وكل الله الملائكة الكروبيين بحفظ هذا البحر، فهم واقفون على شاطئه، لا يستقر بهم قرار في وسطه، وليس في هذا البحر من السكان سوی دوابه والحيتان.
وأما البحر الأخضر، فإنه مر المذاق، معدن الهلاك والإغراق، يوصف عند العلماء به بخير الصفات، ويوسم عند عارفيه بأحسن السمات، ليس فيه حوت ومن يركبه يموت.
رأيته وعلى ساحله مدينة مطمئنة أمينة، هي المدينة التي وصل إليها الخضر وموسى "فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما". آية 77 سورة الكهف.
وذلك لأنهما لبسا ثياب الفقراء، وتلك البلدة لا يمكن أن يأكل طعامها إلا الملوك والأمراء.
ثم إني رأيت أهلها مشغوفين بركوب هذا البحر، ومتعلقين بحب هذا الأمر، حتى أنهم يجتمعون في رأس كل سنة، وهو يوم عيدهم.
فيركبون على نجائب متلونة بكل لون، فأخضر وأحمر وأصفر وغير ذلك، ويشدون نفوسهم عليها، ويربطون عصابة على أعين النجب، ثم يقربونها إلى جانب البحر، فمن سار به نجيبه إلى البحر هلك هو والنجيب.
ومن أخذ به مركبه عن البحر صفحة فإنه يرجع حيا، ولكنه في نفسه كالخائب والمردود، وكالمهجور والمطرود.
فلا يزال يقتني نجيبة آخر ويربيه ويطعمه إلى دور السنة، ثم يفعل ما فعل في العام السابق إلى أن يتوفر في البحر تعشقا منهم للبحر، كما تتعشق الفراشة بنور السراج.
فلا تزال تلقي بنفسها فيه إلى أن تفنى وتهلك فيه.
وأما البحر السابع فهو الأسود القاطع، لا يعرف سكانه، ولا يعلم حيتانه، فهو مستحيل الوصول غير ممكن الحصول، لأنه وراء الأطوار وآخر الأكوار والأدوار، لا نهاية لعجائبه ولا آخر لغرائبه.
قصر عنه المدى فطال، وزاد على العجائب حتی كأنه المحال.
فهو بحر الذات الذي حارت دونه الصفات، وهو المعدوم والموجود والموسوم والمفقود والمعلوم والمجهول والمحكوم والمنقول والمحتوم والمعقول.
وجوده فقدانه، وفقده وجدانه، أوله محيط بآخره، وباطنه مستور على ظاهره، لا يدرك ما فيه، ولا يعلمه أحد فيستوفيه، فلنقبض العنان عن الخوض فيه والبيان.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وعليه التكلان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث والستون في سائر الأديان والعبادات ونكتة جميع الأحوال والمقامات. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل    الأحد يوليو 15, 2018 12:47 pm

الباب الثالث والستون في سائر الأديان والعبادات ونكتة جميع الأحوال والمقامات. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث والستون في سائر الأديان والعبادات ونكتة جميع الأحوال والمقامات

الجزء الأول

اعلم أن الله تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته.  فهم مجبولون على ذلك، مفطورون عليه من حيث الأصالة.
فما في الوجود شيء إلا وهو يعبد الله تعالى بحاله ومقاله وفعاله، بل بذاته وصفاته، فكل شيء في الوجود مطيع الله تعالى، لقوله تعالى للسماوات والأرض "ائتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين". آية 11 سورة فصلت.
وليس المراد بالسماوات إلا أهلها، ولا بالأرض إلا سكانها.
وقال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". آية 56 سورة الذاريات.  
ثم شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدونه بقوله: "كل ميسر لما خلق له"
صحيح مسلم في القدر 9، وأبو داود 4709 ، و الترمذي 3111، وابن ماجه 78 , 91.  
لأن الجن والإنس مخلوقون لعبادته وهم میسرون لما خلقوا له، فهم عباد الله بالضرورة.
ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات، لأن الله تعالى متجلي باسمه المضل كما هو متجل باسمه الهادي.
فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم، كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم.
واختلف الناس في أحوالهم الاختلاف أرباب الأسماء والصفات، قال الله تعالى: "كان الناس أمة واحدة". آية 213 سورة البقرة.
يعني عباد الله مجبولين على طاعته من حيث الفطرة الأصلية.
فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه الهادي، و ليعبده من يخالف الرسل من حيث اسمه المضل.
فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل وذهبت كل طائفة إلى ما علمته أنه صواب، ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ، ولكن حسنه الله عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر.
وهذا معنى قوله: "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها".  آية 56 سورة هود.
فهو الفاعل بهم على حسب ما يريده مراده، وهو عين ما اقتضته صفاته.
فهو سبحانه وتعالى يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضره جحود أحد بذلك.
بل هو سبحانه وتعالى يتصرف فيهم على ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله.
فكل من في الوجود عابد الله تعالى، مطيع لقوله تعالى:
"وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ".آية 44 سورة الإسراء.
لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحودا وغير ذلك.
فلا يفقهه كل أحد، ثم إن النفي إنما وقع على الجملة، فصح أن يفقهه البعض فقوله: "ولكن لا تفقهون تسبيحهم " يعني من حيث الجملة، فيجوز أن يفقهه بعضهم.
ثم اعلم أن الله تعالى لما أوجد هذا الوجود، وأنزل آدم من الجنة، وكان آدم وليا قبل نزوله إلى الدنيا.
فلما نزل إلى الدنيا آتاه الله تعالى النبوة، لأن النبوة تشريع وتكليف، والدنيا دار التكليف، بخلاف الجنة، فإنه كان بها وليا، لأنها دار الكرامة والمشاهدة وذلك هو الولاية.
ثم لم يزل أبونا آدم وليا في نفسه إلى أن ظهرت ذريته فأرسل إليهم، وكان يعلمهم ما أمره الله تعالى به.
وكانت له صحف أنزلها الله عليه فمن تعلم من أولاده قراءة تلك الصحف آمن بالضرورة لما فيها من البيان الذي لا يمكن أن يرده متأمل.
فهؤلاء الذين اتبعوه من ذريته، ومن اشتغل بلذاته عن تعلم قراءة تلك الصحف، واتبع هواه، آلت به ظلمة الغفلة إلى الغرور بالدنيا، ثم آل به ذلك إلى الإنكار وعدم الإيمان بما في الصحف مما أنزله الله على آدم عليه السلام، وهؤلاء هم الكفار.
ثم لما توفي آدم عليه السلام افترقت ذريته:
فذهبت طائفة ممن كان يؤمن بقرب آدم عليه السلام من الله تعالى إلى أن يصور شخصية من حجر على صفة آدم، لحفظ حرمته بالخدمة له، وليقيم ناموس المحبة بمشاهدة شخصه على الدوام.
لعل ذلك يكون مقربا له إلى الله تعالى، لأنه يعلم أن خدمة آدم في حال حياته كان مقربا له إلى الله تعالى، فظن أنه لو خدم شخص آدم كان كذلك.
ثم تبعتها طائفة من بعدها فضلوا في الخدمة فعبدوا الصورة نفسها، فهؤلاء هم عبدة الأوثان.
ثم ذهبت طائفة أخرى إلى القياس بعقولهم، فزيفوا عبدة الأوثان وقالوا: الأولى أن تعبد الطبائع الأربعة،لأنها أصل الوجود.
إذ العالم مركب من حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة.
فعبادة الأصل أولى من عبادة الفرع، لأن الأوثان فرع العابد، لأنها تحتها فهو أصلها فعبدوا الطبائع، وهؤلاء هم الطبيعيون.
ثم ذهبت طائفة إلى عبادة الكواكب السبعة، فقالوا: إن الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ليس شيء منها في نفسه له حركة اختيارية فلا فائدة في عبادتها،
والأولى عبادة الكواكب السبعة وهي: زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر، لأن كل واحد من هؤلاء مستقل بنفسه سائر في فلكه.
يتحرك بحركة مؤثرة في الوجود تارة نفعا وتارة ضر فالأولى عبادة من له التصرف، فعبدوا الكواكب وهؤلاء هم الفلاسفة.
وذهبت طائفة إلى عبادة النور والظلمة لأنهم قالوا: إن اختصاص الأنوار بالعبادة تضييع للجانب الثاني، لأن الوجود منحصر من نور وظلمة. فالعبادة تضييع لهؤلاء أولی.
فعبدوا النور المطلق حيث كان من غير اختصاص بنجم أو غيره.
وعبدوا الظلمة المطلقة المتجلية حيث كانت، فسموا النور يزدان. وسموا الظلمة أهرمن وهؤلاء هم الثانوية.
ثم ذهبت طائفة إلى عبادة النار لأنهم قالوا: إن مبني الحياة على الحرارة الغريزية وهي معنى، وصورتها الوجودية هي النار، فهي أصل الوجود وحده، فعبدوا النار وهؤلاء هم المجوس.
ثم ذهبت طائفة إلى ترك العبادة رأسا زعما بأنها لا تفيد، وإنما الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة الإلهية على ما هو الواقع.
فما ثم إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وهؤلاء هم الدهریون ويسمون بالملاحدة أيضا ثم إن أهل الكتاب متفرقون :
فبراهمة وهؤلاء يزعمون أنهم على دين إبراهيم وأنهم من ذريته ولهم عبادة مخصوصة.
ويهود وهؤلاء الموسويين.
ونصارى وهؤلاء العيسويون.
ومسلمون وهم المحمديون.
فهؤلاء عشر ملل، وهم أصول الملل المختلفة، وهي لا تتناهى لكثرتها، ومدار الجميع على هذه العشر الملل.
وهم الكفار والطبائعية والفلاسفة والثانوية والمجوس والبراهمة والدهرية واليهود والنصارى والمسلمون.
وما ثم طائفة من هذه الطوائف إلا وقد خلق الله منها ناسا للجنة وناسا للنار.
ألا ترى أن الكفار في الزمن المتقدم من النواحي التي لم تصل إليها دعوة رسل ذلك الوقت منقسمون على عامل خير جزاه الله بالجنة؟ وعامل شر جزاه الله بالنار؟ .
وكذلك أهل الكتاب، فالخير قبل نزول الشرائع ما قبلته القلوب وأحبته النفوس واستبشرت به الأرواح.
وبعد نزول الشرائع ما تعبد الله به عباده، والشر قبل نزول الشرائع ما قبلته القلوب وكرهته النفوس وتألمت به الأرواح، وبعد نزول الشرائع ما نهى الله عنه عباده.
فكل هذه الطوائف عابدون لله تعالى كما ينبغي أن يعبد، لأنه خلقهم لنفسه لا لهم فهم له كما يستحق.
ثم إنه سبحانه وتعالى أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته فتجلى في جميعها بذاته فعبدته جميع الطوائف.
فأما الكفار فإنهم عبدوه بالذات، لأنه لما كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره والكفار من جملة الوجود هو حقيقتهم فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم ولا رب له بل هو الرب المطلق.
فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها، ثم من عبد منهم الوثن فلسر وجوده سبحانه بکماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذرات الوجود.
فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها، فما عبدوا إلا الله، ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم ولا يحتاج إلى نياتهم، لأن الحقائق ولو طال إخفاؤها لا بد لها أن تظهر على ساق مما هو الأمر عليه.
وذلك سر اتباعهم للحق في أنفسهم، لأن قلوبهم شهدت لهم بأن الخير في ذلك الأمر، فانعقدت عقائدهم على حقيقة ذلك وهو عند ظن عبده به.
وقال عليه الصلاة والسلام: "استفت قلبك ولو أفتوك المفتون".هذا على تأويل عموم القلب.   الإتحاف 1 / 160 ، والحلية 44 / 9 ، والتاريخ الكبير 1 / 145.
وأما على الخصوص فما كل قلب يستفتي، ولا كل قلب يفتي بالصواب، فهذا يراد به بعض القلوب لا كلها.
فتلك اللطيفة الاعتقادية بحقيقة الأمر الذي هم فاعلوه قادتهم إلى ظهور حقيقة الأمر على ذلك المنهج في الآخرة، وقال تعالى: "كل حزب بما لديهم فرحون ". آية 32 سورة الروم.
يعني في الدنيا والآخرة، لأن الاسم لا ينفك عن المسمى , فهو سماهم بأنهم فرحون ووصفهم بهذا الوصف، والوصف غير مغاير للموصوف.
بخلاف ما لو قال: فرح كل حزب بما لديهم، كان هذا صيغة الفعل.
ولو قال: يفرح على صيغة المضارع كان يقتضي الانصرام.
وأما الاسم فهو لدوام الاستمرار، فهم فرحون في الدنيا بأفعالهم، وفرحون في الآخرة بأحوالهم، فهم دائمون في الفرح بما لديهم.
ولهذا لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه بعد إطلاعهم على ما ينتجه من العذاب لما وجدوه من اللطيفة الملذوذة في ذلك، وهي سبب بقائهم فيه.
فإن الحق تعالى من رحمته إذا أراد تعذيب عبد بعذاب في الآخرة أوجد له في ذلك العذاب لذة غريزية يتعشق بها جسد المعذب لئلا يصح منه الالتجاء إلى الله تعالى والاستعاذة به من العذاب.
فيبقى في العذاب ما دامت تلك اللذة موجودة له، فإذا أراد الحق تخفيف عذابه فقده تلك اللذة فيضطر إلى الرحمة.
وهو تعالى شأنه أنه يجيب المضطر إذا دعاه، فحين يصح منه الالتجاء إلى الله تعالى والاستعاذة به، فيعيذه الحق من ذلك.
فعبادة الكفار له عبادة ذاتية، وهي وإن كانت تؤول بهم إلى السعادة فإنها طريق الضلال لبعد حصول سعادتها.
فإنه لا تنكشف لصاحبها الحقائق إلا بعد خوض طباق النار الأخروية جميعها جزاء بما خاض في الدنيا طباق النار الطبيعية بالأفعال والأحوال والأقوال على مقتضى البشرية.
فإذا استوفي ذلك قطع طريقه إلى الله تعالى، لأنه نودي من بعد فیصل ذلك إلى سعادته الإلهية، فيفوز بما فاز به المقربون من أول قدم،لأنهم نودوا من قرب. فافهم.
وأما الطبائعية :
فإنهم عبدوه من حيث صفاته الأربع، لأن الأربعة الأوصاف الإلهية التي هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، أصل بناء الوجود.
فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة مظاهرها في عالم الأكوان.
فالرطوبة مظهر الحياة، والبرودة مظهر العلم، والحرارة مظهر الإرادة، واليبوسة مظهر القدرة وحقيقة هذه المظاهر ذات الموصوف بها سبحانه وتعالى.
فلما لاح لسائر أرواح الطبيعيين تلك اللطيفة الإلهية الموجودة في هذه المظاهر، وعاينوا أثر أوصافه الأربعة الإلهية ثم باشروها في الوجود على حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة.
علمت القوابل من حيث الاستعداد الإلهي أن تلك الصفات معان لهذه الصور، أو قل أرواح لهذه الأشباح، أو قل ظواهر لهذه المظاهر، فعبدت هذه الطبائع لهذا السر فمنهم من علم ومنهم من جهل، فالعالم سابق والجاهل لاحق.
فهم عابدون للحق من حيث الصفات، ويئول أمرهم إلى السعادة كما آل أمر من قبلهم إليها بظهور الحقائق التي بني أمرهم عليها.
وأما الفلاسفة فإنهم عبدوه من حيث أسماؤه سبحانه وتعالى، لأن النجوم مظاهر أسمائه وهو تعالى حقيقتها بذاته.
فالشمس مظهر اسمه الله، لأنه الممد بنوره جميع الكواكب كما أن الاسم الله تستمد جميع الأسماء حقائقها منه.
والقمر مظهر اسمه الرحمن، لأنه أكمل الكواكب يحتمل نور الشمس، كما أن الاسم الرحمن أعلى مرتبة في الاسم الله من جميع الأسماء كما سبق بيانه في بابه.
والمشتري مظهر اسمه الرب؛ لأنه أسعد كوكب في السماء، كما أن اسم الرب أخص مرتبة في المراتب لشموله كمال الكبرياء لاقتضائه المربرب.
وأما زحل فمظهر الواحدية لأن كل الأفلاك تحت حيطته، كما أن الاسم الواحد تحت جميع الأسماء والصفات.
وأما المريخ فمظهر القدرة لأنه النجم المختص بالأفعال القاهرية.
وأما الزهرة فمظهر الإرادة، لأنه سريع التقلب في نفسه، فكذلك الحق يريد في كل آن شيئة.
وأما عطارد فمظهر العلم لأنه الكاتب في السماء.
وبقية الكواكب المعلومة مظاهر أسمائه الحسنى التي تدخل تحت الإحصاء وما لا يعلم من الكواكب الباقية فإنها مظاهر أسمائه التي لا يبلغها الإحصاء.
فلما ذاقت ذلك أرواح الفلاسفة من حيث الإدراك الاستعدادي الموجود فيها بالفطرة الإلهية.
عبدت هذه الكواكب لتلك اللطيفة الإلهية الموجودة في كل كوكب؛ ثم لما كان الحق حقيقة تلك الكواكب اقتضى أن يكون معبودة لذاته فعبدوه لهذا السر.
فما في الوجود شيء إلا وقد عبده ابن آدم وغيره من الحيوانات كالحرباء فإنها تعبد الشمس، وکالجعل يعبد النتائة وغيرهما من أنواع الحيوانات، فما في الوجود حيوان إلا وهو يعبد الله تعالى.
إما على التقييد بمظهر ومحدث، وإما على الإطلاق؛ فمن عبده على الإطلاق فهو موحد، ومن عبده على التقييد فهو مشرك.
وكلهم عباد الله على الحقيقة لأجل وجود الحق فيها.
فإن الحق تعالى من حيث ذاته يقتضي أن لا يظهر في شيء إلا ويعبد ذلك الشيء؛ وقد ظهر في ذات الوجود.
فمن الناس من عبد الطبائع وهي أصل العالم.
ومنهم من عبد الكواكب.
ومنهم من عبد المعدن.
ومنهم من عبد النار.
ولم يبق شيء في الوجود إلا وقد عبد شيئا من العالم.
إلا المحمديون فإنهم عبدوه من حيث الإطلاق بغير تقييد بشيء من أجزاء المحدثات، فقد عبدوه من حيث الجميع ثم تنزهت عبادتهم عن تعلقهم بوجه دون وجه من باطن وظاهر، فكان طريقهم صراط الله إلى ذاته، فلهذا فازوا بدرجة القرب من أول قدم، فهؤلاء الذين أشار إليهم الحق بقوله:"أولئك ينادون من مكان قريب". آية 44 سورة فصلت.
بخلاف من عبده من حيث الجهة وقيده بمظهر كالطبائع أو كالكواكب أو كالوثن أو غيرهم، فإنهم المشار إليهم بقوله:"أولئك ينادون من مكان بعيد " لأنهم لا يرجعون إليه إلا من حيث ذلك المظهر الذي عبدوه من حيث هو ولا يظهر عليهم في غيره. وذلك عين البعد الذي نودوا إليه من حيث هو، وبعد الوصول إلى المنزل يتحد من نودي من قريب ومن نودي من بعيد فافهم.
وأما الثنيوية فإنهم عبدوه من حيث نفسه تعالى، لأنه تعالى جمع الأضداد بنفسه، فشمل المراتب الحقية والمراتب الخلقية، وظهر في الوصفين بالحكمين وظهر في الدارين بالنعتين.
فما كان منسوبة إلى الحقيقة الحقية فهو الظاهر في الأنوار، وما كان منسوبة إلى الحقيقة الخلقية فهو عبارة عن الظلمة.
فعبدوا النور والظلمة لهذا السر الإلهي الجامع للوصفين وللضدين والاعتبارين والحكمين كيف شئت من أي حكم شئت، فإنه سبحانه يجمعه وضده بنفسه.
فالثنوية عبدوه من حيث هذه اللطيفة الإلهية مما يقتضيه في نفسه سبحانه وتعالى، فهو المسمى بالحق وهو المسمى بالخلق، فهو النور والظلمة.
وأما المجوس فإنهم عبدوه من حيث الأحدية، فكما أن الأحدية مفنية لجميع المراتب والأسماء والأوصاف، كذلك النار فإنها أقوى الاستقصات وأرفعها، فإنها مفنية لجميع الطبائع بمحاذاتها، لا تقاربها طبيعة إلا وتستحيل إلى النارية لغلبة قوتها، فكذلك الأحدية لا يقابلها اسم ولا وصف إلا ويندرج فيها ويضمحل، فلهذه اللطيفة عبدوا النار وحقيقتها ذاته تعالى.
واعلم أن الهيولي قبل ظهورها في ركن من أركان الطبائع التي هي النار والماء والهواء والتراب لها أن تلبس صورة أي ركن شائت، وأما بعد ظهورها في ركن من الأركان فلا يمكنها أن تخلع تلك الصورة وتلبس غيرها، فكذلك الأسماء والصفات في عين الواحدية كل واحدة منهن لها معنى الثاني، فالمنعم وهو المنتقم.
فإذا ظهرت الأسماء في المرتبة الإلهية لا يفيد كل اسم إلا ما اقتضته حقیقته فالمنعم ضد المنتقم، فالنار في الطبائع مظهر الواحدية في الأسماء.
فلما انتشقت مشام أرواح المجوس لعطر هذا المسك زكمت عن شتم سواه، فعبدوا النار وما عبدوا إلا الواحد القهار.
وأما الدهرية فإنهم عبدوه من حيث الهوية، فقال عليه الصلاة والسلام: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر".صحيح مسلم  الألفاظ من الأدب 5 ، وأحمد 2/395 , ، والبيهقي 3/365 .
وأما البراهمة فإنهم يعبدون الله مطلقا لا من حيث نبي ولا من حيث رسول، بل يقولون إن ما في الوجود شيء إلا وهو مخلوق له.
فهم مقرون بوحدانية الله تعالى في الوجود، لكنهم ينكرون الأنبياء والرسل مطلقة، فعبادتهم للحق نوع من عبادة الرسل قبل الإرسال.
وهم يزعمون أنهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ويقولون إن عندهم كتابا كتبه لهم إبراهيم الخليل عليه السلام من نفسه من غير أن يقولوا إنه من عند ربه.
فيه ذكر الحقائق وهو خمسة أجزاء.
فأما الأربعة أجزاء فإنهم يبيحون قراءتها لكل أحد، وأما الجزء الخامس فإنهم لا يبيحون إلا للآحاد منهم لبعد غوره.
وقد اشتهر بينهم أن من قرأ الجزء الخامس من كتابهم لا بد أن يئول أمره إلى الإسلام فيدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم .
وهذه طائفة أكثر من يوجدون ببلاد الهند، وثم ناس يتزيون بزيهم ويدعون أنهم براهمة وليسوا منهم، وهم معروفون بينهم بعبادة الوثن فمن عبد منهم الوثن فلا يعد من هذه الطائفة عندهم.
وكل هذه الأجناس السابق ذكرها لما ابتدعوا هذه العبادات من أنفسهم كانت سببا لشقاوتهم، ولو آل بهم الأمر إلى السعادة فإن الشقاوة ليست إلا ذلك البعد الذي يثبتون فيه قبل ظهور السعادة فهي الشقاوة فافهم.
وأما من عبد الله على القانون الذي أمره به نبیه کائنا من كان من الأنبياء فإنه لا يشقى، بل سعادته مستمرة تظهر شيئا فشيئا.
فكان ذلك الشيء سببا لشقاوتهم، وهم في الشقاوة على قدر مخالفتهم لأوامر الله تعالى وسعادتهم على قدر موافقتهم كتابه تعالى.
فإن الحق لم يرسل نبيا ولا رسولا إلى أمة إلا وجعل في رسالته سعادة من تبعه منهم.
وأما اليهود فإنهم يتعبدون بتوحيد الله تعالى ثم بالصلاة في كل يوم مرتين وسيأتي بيان سر الصلاة في محله إن شاء الله تعالى.
ويتعبدون بالصوم ليوم كنورة إذ هو اليوم العاشر من أول السنة وهو يوم عاشوراء، وسيأتي بيان سره أيضا.
ويتعبدون بالاعتكاف في يوم السبت، وشرط الاعتكاف عندهم أن لا يدخل في بيته شيئا مما يتمول به ولا مما يؤكل، ولا يخرج منه شيئا، ولا يحدث فيه نکاحا ولا بيعا ولا عقدا.
وأن يتفرغ لعبادة الله تعالى لقوله تعالى في التوراة: "أنت وعبدك وأمتك لله تعالى " في يوم السبت.
فلأجل هذا حرم عليهم أن يحدثوا في يوم السبت شيئا مما يتعلق بأمر دنياهم، ويكون مأكوله مما جمعه يوم الجمعة، وأول وقته عندهم إذا غربت الشمس من يوم الجمعة وآخره الاصفرار من يوم السبت.
وهذه حكمة جليلة فإن الحق تعالى خلق السموات والأرضين في ستة أيام و ابتدأها في يوم الأحد ثم استوى على العرش في اليوم السابع وهو يوم السبت.
فهو يوم الفراغ، فلأجل هذا عبد الله اليهود بهذه العبادة في هذا اليوم إشارة إلى الاستواء الرحماني وحصوله في هذا اليوم فافهم.
ولو أخذنا في الكلام على سر مأكولهم ومشروبهم الذي سنه لهم موسى، أو لما أخذنا في الكلام على أعيادهم وما أمرهم فيها نبيهم وفي جميع تعبداتهم وما فيها من الأسرار الإلهية خشينا على كثير من الجهال أن يغتروا به فيخرجوا عن دينهم لعدم علمهم بأسراره.
فلنمسك عن إظهار أسرار تعبدات أهل الكتاب، و لنبين ما هو أفضل من ذلك وهو أسرار و تعبدات أهل الإسلام، فإنها جمعت جميع المتفرقات ولم يبق شيء من أسرار الله إلا وقد هدانا إليه محمد صلى الله عليه وسلم فدينه أكمل الأديان وأمته خير الأمم.
وأما النصارى فإنهم أقرب من جميع الأمم الماضية إلى الحق تعالى، فهم دون المحمديين.
وسببه أنهم طلبوا الله تعالی فعبدوه في عيسى ومريم وروح القدس، ثم قالوا بعدم التجزئة، ثم قالوا بقدمه على وجوده في محدث عیسی، وكل هذا تنزیه في تشبيه لائق بالجانب الإلهي.
لكنهم لما حصروا ذلك في هؤلاء الثلاثة نزلوا عن درجة الموحدين، غير أنهم أقرب من غيرهم إلى المحمديين لأن من شهد الله في الإنسان كان شهوده أكمل من جميع من شهد الله من أنواع المخلوقات.
فشهودهم ذلك في الحقيقة العيسوية يئول بهم إذا انكشف الأمر على ساق أن يعلموا أن بني آدم كمراء متقابلات يوجد في كل منها ما في الأخرى.
فيشهدون الله تعالى في نفسهم فيوحدونه على الإطلاق فينقلبون إلى درجة الموحدين لكن بعد جوازهم على صراط البعد، وهو التقييد والحصر المتحكم في عقائدهم. وتعبد الله النصارى بصوم
تسعة وأربعين يوما يبتدأ فيه بيوم الأحد ويختم به.
وأباح لهم أن يصوموا بقية يوم الأحد فيخرج منهم ثمانية آحاد فيبقى أحد وأربعون يوما، ذلك مدة صومهم.
وكيفية صيامهم أن لا يأكلوا ما يقتات ثلاثة وعشرين ساعة من العصر إلى ما قبله بساعة وهي وقت الأكل.
ويجوز لهم فيما بقي من الأوقات التي يصومون فيها أن يشربوا الخمر والماء، وأن يأكلوا من الفواكه ما لا يقوم مقام القوت وتحت كل نكتة من هذه سر من أسرار الله تعالى.
ثم إن الله تعالى تعبدهم باعتکاف يوم الأحد و بأعياد تسعة لسنا بصدد ذكرها، وتحت كل لطيفة من هذه علوم جمعة وإشارات شتى، فلنقبض عن بيانها ولنذكر ما هو الأهم من بيان ما تعبد الله به المسلمين.
وأما المسلمون فاعلم أنهم كما أخبر الله تعالی عنهم بقوله: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" .آية 110 سورة آل عمران.
لأن نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم  خير الأنبياء، ودينه خير الأديان، وكل من هو بخلافهم من سائر الأمم بعد نبؤة محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه بالرسالة كائنا من كان فإنه ضال شقي معذب بالناركما أخبر الله تعالى.
فلا يرجعون إلى الرحمة إلا بعد أبد الآبدين، لست سبق الرحمة الغضب، وإلا فهم مغضوبون، لأن الطريق التي دعاهم الله تعالى إلى نفسه بها طريق الشقاوة والغضب، والألم والتعب، فكلهم هلکی.
قال الله تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(*) وأي خسارة أعظم من قوت السعادة المنزلة لصاحبها في درجة القرب الإلهي.
فكونهم نودوا من بعد هو خسارتهم وهو عين الشقاوة والعذاب الأليم، ولا يعتد بدينهم ولو كان صاحبه يصل بعيد مشقة لأنه دين شقاوة، فما شقوا إلا باتباع ذلك الدين.
ألا ترى مثلا إلى من يعذب في الدنيا ولو يوما واحدة بأنواع عذاب الدنيا وهو كخردلة وأقل من عذاب الآخرة، كيف يكون شقية بذلك العذاب؟
فما بالك بمن يمكث أبد الآبدين في نار جهنم.
وقد أخبرك الله تعالى أنهم باقون فيها ما دامت السموات والأرض، فلا ينتقلون منها إلى الرحمة إلا بعد زوال السموات والأرض، فحينئذ يدور بهم الدور ويرجعون إلى الشيء الذي كان منه البدء وهو الله تعالى فافهم.
والمسلمون كلهم سعداء بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم، بقوله:
لما قال له الأعرابي: أرأيت إذا حللت الحلال وحرمت الحرام وأديت المفروضة ولم أزد على ذلك شيئا ولم أنقص منه شيئا، أو كما قال هل أدخل الجنة.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : نعم، ولم يوقفه بشرط بل أطلق بتصريح دخول الجنة بذلك العمل فقط.
ومن حصل في الجنة فقد فاز بأول درجة من درجات القرب.
قال الله تعالى: "فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز".آية 185 سورة آل عمران.  
فالمسلمون على الصراط المستقيم وهو الطريق الموصل إلى السعادة من غير مشقة والموحدون من المسلمين، أعني أهل حقيقة التوحيد على صراط الله، وهذا الصراط أخص وأفضل من الأول.
فإنه عبارة عن تنوعات تجليات الحق تعالی لنفسه بنفسه، والصراط المستقيم عبارة عن الطريق إلى الكشف عن ذلك.
فالمسلمون أهل التوحيد، والعارفون أهل حقيقة وتوحيد، وما عدا هؤلاء فكلهم مشركون، سواء فيه جميع الملل التسع الذين ذكرناهم، فلا موحد إلا المسلمون.
ثم إن الله تعالى تعبد المسلمين من حيث اسمه الرب، فهم مقتدون بأوامره ونواهيه، لأن أول آية أنزلها الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم :"اقرأ باسم ربك الذي خلق ". آية 1 سورة العلق.  
قرن الأمر بالربوبية لأنها محله، ولذلك افترضت عليهم العبادات، لأن المربوب يلزمه عبادة ربه.
فجميع عوام المسلمين عابدون الله تعالى من حيث اسمه الرب لا يمكنهم أن يعبدوه من غير ذلك.
بخلاف العارفين فإنهم يعبدونه من حيث اسمه الرحمن لتجلي وجوده الساري في جميع الموجودات عليهم فهم ملاحظون للرحمن، فهم يعبدونه من حيث المرتبة الرحمانية.
بخلاف المحققين فإن عبادتهم له سبحانه وتعالى من حيث اسمه الله لثنائهم عليه بما يستحقه من الأسماء والصفات التي اتصفوا بها.
لأن حقيقة الثناء أن تتصف بما وصفته به من الاسم أو الصفة التي أثنيت عليه وحمدته بها، فهم عباد الله المحققون و العارفون عباد الرحمن وعامة المسلمين عباد الرب.
فمقام المحققين الحمد لله و مقام العارفين "الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وتحت الثرى".
ومقام عامة المسلمين "ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ".آية 193 سورة آل عمران.
وأعني بعامة المسلمين جميع من دون العارفين من الشهداء والصالحين والعلماء والعاملين، فإنهم عوام بنسبتهم إلى أهل القرب الإلهي.
وهم المحققون الذين بنى الله أساس هذا الوجود عليهم، وأدار أفلاك العوالم على أنفاسهم، فهم محل نظر الحق من العوالم، بل هم محل الله من الوجود ولا أريد بلفظ المحل الحلول ولا التشبيه ولا الجهة، بل أريد به أنهم محل ظهور الحق تعالى بإظهار آثار أسمائه وصفاته فيهم وعليهم.
فهم المخاطبون بأنواع الأسرار، وهم المصطفون لما وراء الأستار، وجعل الله قواعد الدين بل قواعد جميع الأديان مبنية على أرض معارفهم.
فهي ملانة من أنواع اللطائف لهم، لا يعرفها إلا هم فكلامه سبحانه وتعالى عبارات لهم فيها إلى الحقائق إشارة.
ولأمره وتعبداته رموز، لهم عندها من المعارف الإلهية كنوز، ينقلهم الحق بمعرفة ما وصف لهم من مكانة إلى مكانه، ومن حضرة إلى حضرة، ومن علم إلى عيان، ومن عيان إلى تحقق إلى حيث لا أين.
فجميع الخلق لهم كالآلة حمال لتلك الأمانات التي جعلها الله تعالی ملكة لهذه الطائفة، فهم يحملون الأمانة مجازة إليهم، وهؤلاء يحملونها حقيقة له تعالی، فهم محل المخاطبة من كلام الله تعالى و مورد الإشارات ومجلى البيان والباقون ملحقون بهم على سبيل المجاز.
فهم عباد الله الذين يشربون من صرف الكافور، والباقون يخرج لهم من ذلك العين فكل على قدر كأسه قال الله تعالى:"إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا". آية 5 , 6  سورة الإنسان.
فعباد الله مع الله على الحقيقة، والأبرار مع الله على المجاز، والباقون مع الله على التبعية والحكم على الحقيقة، فالكل مع الله كما ينبغي لله، والكل عباد الله،والكل عباد الرحمن، والكل عباد الرب.
ثم اعلم أن الله تعالى جعل مطلق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سبع مراتب:
المرتبة الأولى: الإسلام.
المرتبة الثانية: الإيمان.
المرتبة الثالثة: الصلاح.
المرتبة الرابعة: الإحسان.
المرتبة الخامسة: الشهادة.
المرتبة السادسة: الصديقية.
المرتبة السابعة: القربة.
وما بعد هذه المرتبة إلا النبوة، وقد انسد بابها بمحمد صلى الله عليه وسلم  .
ثم إن الإسلام مبني على خمسة أصول:
الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
الثاني: إقامة الصلاة.
الثالث: إيتاء الزكاة.
الرابع: صوم رمضان.
الخامس: الحج إلى بيت الله الحرام. لمن استطاع إليه سبيلا. .
وأما الإيمان فمبني على ركنين:
الركن الأول: التصديق اليقيني بوحدانية الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى.
وهذا التصديق اليقيني هو عبارة عن سكون القلب إلى تحقيق ما أخبره به من الغيب، كسكونه إلى ما شاهده ببصره من الوجود فلا يشوبه ريب.
الركن الثاني: الإتيان بما بني الإسلام عليه.
وأما الصلاح فمبني على ثلاثة أركان:
الأول: هو الإسلام.
والثاني: هو الإيمان.
والثالث: دوام عبادة الله تعالى بشرط الخوف والرجاء في الله تعالی.
وأما الإحسان فمبني على أربعة أركان:
الأول: الإسلام.
والثاني: الإيمان.
والثالث:الصلاح.
والركن الرابع: الاستقامة في المقامات السبعة، وهي التوبة، والإنابة، والزهد والتوكل، والرضا، والتفويض، والإخلاص في جميع الأحوال.
وأما الشهادة مبنية على خمسة أركان:
الإسلام، والإيمان، والصلاح، والإحسان،
والركن الخامس: الإرادة.
وله ثلاثة شروط:
الأول: انعقاد المحبة لله تعالى من غير علة.
والثاني: دوام التذكر من غير فترة.
والثالث: القيام على النفس بالمخالفة من غير رخصة.
وأما الصديقية مبنية على ستة أركان:
الأول: الإسلام.
والثاني:الإيمان.
والثالث: الصلاح.
والرابع : الإحسان.
الخامس : الشهادة.
والركن السادس: المعرفة.
ولها ثلاث حضرات:
الحضرة الأولى: علم اليقين.
الحضرة الثانية: عين اليقين.
الحضرة الثالثة: حق اليقين.
ولكل حضرة من جنسها سبعة شروط:
الأول: الفناء.
الثاني: البقاء.
الثالث: معرفة الذات من حيث تجلى الأسماء.
الرابع: معرفة الذات من حيث تجلى الصفات.
الخامس: معرفة الذات من حيث الذات.
السادس: معرفة الأسماء والصفات بالذات.
السابع: الاتصاف بالأسماء والصفات.
وأما القربة مبنية على سبعة أركان:
الأول:الإسلام.
الثاني:الإيمان.
الثالث: الصلاح.
الرابع: الإحسان.
الخامس: الشهادة.
السادس: الصديقية.
والركن السابع: الولاية الكبرى.
ولها أربع حضرات:
الحضرة الأولى: حضرة الخلة، وهي مقام إبراهيم الذي من دخله كان آمنا.
والحضرة الثانية: حضرة الحب، فيه برزت لمحمد صلى الله عليه وسلم خلعة التسمي بحبيب الله.
والحضرة الثالثة: حضرة الختام، وهو المقام المحمدي، فيه رفع لواء الحمد.
والحضرة الرابعة: حضرة العبودية، فيه سماه الله تعالى بعبده حيث قال: "سبحان الله الذي أسرى بعبده " . وفيه نبیء وأرسل إلى الخلق ليكون رحمة للعالمين، فليس للمحققين من هذا المقام إلا التسمي بعبده سبحانه فهم خلفاء محمد صلى الله عليه وسلم في جميع الحضرات.
ما خلا ما اختص به في الله مما انفرد به محتده عنهم, فمن اقتصر من المحققين على نفسه فقد ناب عن محمد صلى الله عليه وسلم في مقام النبوة.
ومن يهدي إلى الله تعالى کساداتنا الكمل من المشايخ فقد ناب عنه في مقام الرسالة.
ولا يزال هذا الدين قائما ما دام على وجه الأرض واحد من هذه الطائفة، لأنهم خلفاء محمد صلى الله عليه وسلم يذبون عن دينه كما يذب الراعي عن الغنم، فهم إخوانه الذين أشار إليهم بقوله: "واشوقاه إلى اخواني الذين يأتون من بعدي " الحديث .
فهؤلاء أنبياء لا أولياء، يريد بذلك نبوة القرب والإعلام والحكم الإلهي لا نبوة التشريع، لأن نبوة التشريع انقطعت محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء منبئون بعلوم الأنبياء من غير واسطة.
ثم اعلم أن الولاية عبارة عن تولي الحق سبحانه وتعالى عبده بظهور أسمائه وصفاته عليه علما وعينة وحالا وأثر لذة وتصرفا.
ونبوة الولاية: إرجاع الحق العبد إلى الخلق ليقوم بأمورهم المصلحة لشئونهم في ذلك الزمان على شرط الحال.
فیدبر الخلق بحاله ويجرهم إلى ما هو الأصلح لهم، فمن دعا الخلق منهم إلى الله تعالى قبل محمد صلى الله عليه وسلم كان رسولا، ومن بعد محمد صلى الله عليه وسلم كان خليفة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
لكنه لا يستقل في دعواه بنفسه، بل يكون تبعة لمحمد صلى الله عليه وسلم كمن مضى من ساداتنا الصوفية، مثل أبي يزيد والجنيد والشيخ عبد القادر ومحيي الدين بن العربي وأمثالهم رضي الله عنهم.
ومن لم يدع إلى الله تعالی بل وقف مع تدبير أمور الخلق على حسب ما ينبئه الله تعالی عن أحوالهم فهو نبي نبوة ولاية .
ثم هذا إذا كان على طريق مستقلة من غير اتباع لمن قبله فهو نبي نبوة تشريع، وقد انسد بابها محمد صلى الله عليه وسلم.
فظهر من هذا جميعه أن الولاية اسم للوجه الخاص الذي بين العبد وبين ربه، ونبوة الولاية اسم للوجه المشترك بين الخلق والحق في الولي، ونبوة التشريع اسم لوجه الاستقلال في متعبداته بنفسه من غير احتياج إلى أحد والرسالة اسم للوجه الذي بين العبد وبين سائر الخلق.
فعلم من هذا أن ولاية النبي أفضل من نبوته مطلقا، ونبوة ولايته أفضل من نبوة تشريعه، ونبوة تشريعه أفضل من رسالته، لأن نبوة التشريع مختصة به، والرسالة عامة بغيره.
وما اختص به من التعبدات كان أفضل مما تعلق بغيره، فإن كثيرا من الأنبياء كانت نبوته نبوة ولاية، كالخضر في بعض الأقوال وكعيسى إذا نزل إلى الدنيا فإنه لا يكون له نبؤة تشريع وكغيره من بني إسرائيل.
وكثير منهم لم يكن رسولا بل كان نبيا مشرعا لنفسه.
ومنهم من كان رسولا إلى واحد، ومنهم من كان رسولا إلى طائفة مخصوصة، ومنهم من كان رسولا إلى الإنس دون الجن.
ولم يخلق الله رسولا إلى الأسود والأحمر والأقرب والأبعد إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ، فإنه أرسل إلى سائر المخلوقات، فلهذا كان رحمة للعالمين.
فإذا علمت هذا فقل على الإطلاق إن الولاية أفضل من النبوة مطلقا في النبي ونبوة الولاية أفضل من نبوة التشريع، و نبوة التشريع أفضل من نبؤة الرسالة.
واعلم أن كل رسول نبي تشريع وكل نبي تشريع نبي ولاية، ونبوة التشريع أفضل من الولي مطلقا.
ومن ثم قيل: بداية النبى نهاية الولي فافهم وتأمله، فإنه قد خفي على كثير من أهل ملتنا .
"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل".

فصل نذكر فيه أسرار ما تعبدنا الله به على لسان نبيه محمد .

وهي الخمس التي بني الإسلام عليها، ثم نتبعها بذكر أسرار الإيمان، ونوضح أسرار المعاني التي جعلها الله في مقام الصلاح من دوام العبادة خوفا ورجاء.
ثم نومیء إلى أسرار المقامات السبعة المذكورة في الإحسان، وهي التوبة والإنابة والزهد والتوكل والرضا والتفويض والإخلاص.
ونذكر طرفة من مقامات الشهادة و نومیء إلى شيء من علامات صاحب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
ونأتي بجمل مفصحة عن غرائب مقام الخلة والحب والختام والعبودية.
وكل ذلك عن طريق الإجمال والإختصار، ولو أردنا تفصيل ذلك على طريق الإطناب احتجنا إلى مجلدات كثيرة ولسنا بصدد ذلك.
فأول ما تذكر سر كلمة الشهادة.
اعلم أنه لما كان الوجود منقسمة بين خلق حكمه السلب والانعدام والفناء وحق حكمه الإيجاد والوجود والبقاء كانت كلمة الشهادة مبنية على سلب وهي لا، وإيجاب وهي إلا, معناه لا وجود لشيء إلا الله.
ولفظ إله في قوله: "لا إله" يراد به تلك الأوثان التي يعبدونها، سماها الله تعالى إلها كما سموها موافقة لهم لسر وجوده في أعيانها.
فهي بوجوده آلهة حقا، فكل معبود منها بظهور الحق في عينه إله، لأنه تعالی عينها وهو الله حيثما ظهر مستحق الألوهية.
ثم إفراد الجميع في الاستثناء بقوله إلا الله، يعني ليست تلك الآلهة إلا الله فلا تعبدوا إلا الله على الإطلاق من غير تقييد بجهة، فإنه كل الجهات، فما في الوجود شيء إلا الله تعالى.
فهو تعالى عين جميع الموجودات، ولما كان هذا الأمر موقوفة على الشهود والكشف قرنت به لفظة الشهادة فقيل أشهد بمعنى "أنظر بعيني شهودا" أن لا في الوجود شيء إلا الله.
وهنا أبحاث كثيرة في الاستثناء، هل هو متصل أو منقطع؟
وهل الآلهة المنفية آلهة حق أم آلهة بطلان؟
وعدم إفادة المعنى فيما لو كانت بطلانا مع عدم جوازه فيما لو كانت حقا؟
وكيف وجه الجميع والوفاق ومسائل شتى، ولكل منها أجوبة قاطعة وبراهين ساطعة فافهم.
وأما الصلاة:
فإنها عبارة عن واحدية الحق تعالى، وإقامتها إشارة إلى إقامة ناموس الواحدية بالاتصاف بسائر الأسماء والصفات.
فالطهر عبارة عن الطهارة من النقائص الكونية، وكونه يشترط بالماء إشارة إلا أنها لا تزول إلا بظهور آثار الصفات الإلهية التي هي حياة الوجود، لأن الماء سر الحياة.
وكون التيمم يقوم مقام الطهارة للضرورة إشارة للتزكي بالمخالفات والمجاهدات والرياضات.
فهذا لو تزکی عسى أن يكون فإنه أنزل درجة عمن جذب عن نفسه فتطهر عن نقائصها بماء حياة الأزل الإلهي.
وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: " آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها".صحيح مسلم في : الذكر 73 ، وأحمد 4/371 ،  6/209 .
فآت نفسي تقواها إشارة إلى المجاهدات والمخالفات والرياضات.
وقوله: "وزكها أنت خير من زكاها"، إشارة إلى الجذب الإلهي لأنه خير من التزكي بالأعمال والمجاهدات.
ثم استقبال القبلة إشارة إلى التوجه الكلي في طلب الحق.
ثم النية إشارة إلى انعقاد القلب في ذلك التوجه.
ثم تكبيرة الإحرام إشارة إلى أن الجناب الإلهي أكبر وأوسع مما عسى أن يتجلى به عليه فلا يقيده بمشهده بل هو أكبر من كل مشهد ومنظر ظهر به على عبده فلا انتهاء له.
وقراءة الفاتحة إشارة إلى وجود كماله في الإنسان لأن الإنسان هو فاتحة الوجود، فتح الله به أقفال الموجودات..
فقراءتها إشارة إلى ظهور الأسرار الربانية تحت الأسرار الإنسانية.
ثم الركوع إشارة إلى شهود انعدام الموجودات الكونية تحت موجود التجليات الإلهية ثم القيام عبارة عن مقام البقاء، ولهذا يقول فيه سمع الله لمن حمده، وهذه كلمة لا يستحقها العبد لأنها إخبار عن حال إلهي.
فالعبد في القيام الذي هو إشارة إلى البقاء خليفة الحق تعالی وإن شئت قلت عينه ليرفع الإشكال، فلهذا أخبر عن حال نفسه بنفسه.
أعني ترجم عن سماع حقه ثناء خلقه، وهو في الحالين واحد غير متعدد.
ثم السجود عبارة عن سحق آثار البشرية و محقها باستمرار ظهور الذات المقدسة؛ ثم الجلوس بين السجدتين إشارة إلى التحقق بحقائق الأسماء والصفات، لأن الجلوس استواء في القعدة.
وذلك إشارة إلى حقيقة قوله: "الرحمن على العرش استوى".آية 5 سورة طه .
ثم السجدة الثانية إشارة إلى مقام العبودية، وهو الرجوع من الحق إلى الخلق؛ ثم التجليات إشارة إلى الكمال الحقي والخلقي، لأنه عبارة عن ثناء على الله تعالى وثناء على نبيه وعلى عباده الصالحين وذلك هو مقام الكمال.
فلا يكمل الولي إلا بتحققه بالحقائق الإلهية وأتباعه لمحمد صلى الله عليه وسلم و بتأدبه لسائر عباد الله الصالحين، وهنا أسرار كثيرة قصدنا فيها الاختصار.
وأما الزكاة:
فعبارة عن التزكي بإيثار الحق على الخلق، أعني يؤثر شهود الحق في الوجود على شهود الخلق.
فإذا أراد أن يشهد نفسه يؤثر الحق فيشهده سبحانه وإذا أراد أن يتصف بصفات نفسه يؤثر الحق فيتصف بصفاته، وإذا أراد أن يعلم ذاته فيجد الإنية يؤثر الحق فيعلم ذاته سبحانه وتعالى فيجد الهوية، فهذه إشارة الزكاة.
وأما كونه واحدة في كل أربعين في العين فلأن الوجود له أربعون مرتبة، والمطلوب المرتبة الإلهية، فهي المرتبة العليا وهي واحدة من أربعين.
وقد ذكرنا جميعها في کتابنا المسمى بـ "الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم" فلينظر هناك.
وأما الصوم :
فإشارة إلى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات الصمدية.
فعلى قدر ما يمتنع أي يصوم عن مقتضيات البشرية تظهر آثار الحق فيه.
وكونه شهرا كاملا إشارة إلى الاحتياج إلى ذلك في مدة الحياة الدنيا جميعها، فلا يقول إني وصلت فلا أحتاج إلى ترك مقتضيات البشرية.
وأن الممحوق ليس للبشريات إليه سبيل، فإن من فعل ذلك فهو مخدوع ممكور به، فينبغي للعبد أن يلزم الصوم وهو ترك المقتضيات البشرية ما دام في دار الدنيا ليفوز بالتمكين من حقائق الذات الإلهية.
وهنا أبحاث كثيرة في نية الصوم والفطر والسحور والتراويح وغير ذلك مما اختص به رمضان فلنكتف بما مضى.
وأما الحج :
فإشارة إلى استمرار القصد في طلب الله تعالى.
والإحرام إشارة إلى ترك شهود المخلوقات، ثم ترك المخيط إشارة إلى تجده عن صفاته المذمومة بالصفات المحمودة.
ثم ترك حلق الرأس إشارة إلى ترك الرياسة البشرية.
ثم ترك تقليم الأظافر إشارة إلى شهود فعل الله في الأفعال الصادرة منه.
ثم ترك الطيب إشارة إلي التجرد عن الأسماء والصفات لتحققه بحقيقة الذات.
ثم ترك النكاح إشارة إلى التعفف عن التصرف في الوجود.
ثم ترك الكحل إشارة إلى الكف عن طلب الكشف بالاسترسال في هوية الأحدية.
ثم الميقات عبارة عن القلب، ثم مكة عبارة عن المرتبة الإلهية، ثم الكعبة عبارة عن الذات، ثم الحجر الأسود عبارة عن اللطيفة الإنسانية، واسوداده عبارة تلونه بالمقتضيات الطبيعية، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: "نزل الحجر الأسود أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم".الترمذي في: الحج 877 وقال: حسن صحيح، وابن خزيمة 2733 ، والإتحاف 4/ 344 ، والمشكاة 2577 .
فهذا الحديث عبارة عن اللطيفة الإنسانية لأنه مفطور بالأصالة على الحقيقة الإلهية، وهي معنى قوله: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ". سورة التين.
ورجوعه إلى الطبائع والعادة والعلائق والقواطع هو اسوداده، وكل ذلك خطايا بني آدم، وهذا قوله: "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)"سورة التين.
فإذا فهمت فاعلم أن الطوائف عبارة عما ينبغي له أن تدرك هويته ومحتده ومنشأه ومشهده، وكونه سبعة إشارة إلى الأوصاف السبعة التي بها تمت ذاته.
وهي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام.

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

يتبع الجزء الثاني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 309
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: الباب الثالث والستون في سائر الأديان والعبادات ونكتة جميع الأحوال والمقامات. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل    الأحد يوليو 15, 2018 12:51 pm

 الباب الثالث والستون في سائر الأديان والعبادات ونكتة جميع الأحوال والمقامات. كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل 

كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

الباب الثالث والستون في سائر الأديان والعبادات ونكتة جميع الأحوال والمقامات

الجزء الثاني

وثم نكتة باقتران هذا العدد بالطواف وهي ليرجع من هذه الصفات إلى صفات الله تعالى فينسب حياته إلى الله، وعلمه إلى الله، وإرادته إلى الله، وقدرته إلى الله وسمعه إلى الله، وبصره إلى الله، وكلامه إلى الله.
فيكون كما قال عليه الصلاة والسلام: "أكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به الحديث".
ثم الصلاة مطلقة بعد الطواف إشارة إلى بروز الأحدية وقيام ناموسها فيمن تم له ذلك، وكونها يستحب أن تكون خلف مقام إبراهيم إشارة إلى بروز الخلة، فهو عبارة عن ظهور الآثار في جسده.
فإن مسح بيده أبرأ الأكمه والأبرص، وإن مشی برجله طويت له الأرض، وكذلك باقي أعضائه لتحلل الأنوار الإلهية فيها من غير حلول.
ثم زمزم إشارة إلى علوم الحقائق، فالشرب منها إشارة إلى التضلع من ذلك.
ثم الصفا إشارة إلى التصفي من الصفات الخلقية.
ثم المروة إشارة إلى الارتواء من الشرب بكاسات الأسماء والصفات الإلهية.
ثم الحلق حينئذ إشارة إلى تحقق الرياسة الإلهية في ذلك المقام.
ثم التقصير إشارة لمن قصر فنزل عن درجة التحقيق التي هي مرتبة أهل القربة. فهو في درجة العيان، وذلك حظ كافة الصديقين.
ثم الخروج عن الإحرام عبارة عن التوسع للخلق والنزول إليهم بعدم العندية في مقعد الصدق.
ثم عرفات عبارة عن مقام المعرفة بالله والعلمين عبارة عن الجمال والجلال اللذين عليهما سبيل المعرفة بالله، لأنهما الأدلاء على الله تعالى.
ثم المزدلفة عبارة عن شيوع المقام وتعاليه.
ثم المشعر الحرام عبارة عن تعظيم الحرمات الإلهية بالوقوف مع الأمور الشرعية.
ثم منى عبارة عن بلوغ المنى لأهل مقام القربة.
ثم الجمار الثلاث عبارة عن النفس والطبع والعادة.
فيحصب كل منها بسبع حصيات، يعني يفنيها و يذهبها و يدحضها بقوة آثار السبع الصفات الإلهية.
ثم طواف الإفاضة عبارة عن دوام الترقي لدوام الفيض الإلهي، فإنه لا ينقطع بعد الكمال
الإنساني، إذ لا نهاية لله تعالى.
ثم طواف الوداع إشارة إلى الهداية إلى الله تعالی بطريق الحال، لأنه إبداع سر الله تعالى في مستحقه.
فأسرار الله تعالى وديعة عند الولي لمن يستحقها لقوله تعالى: "فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم".آية 6 سورة النساء .
وهنا أسرار كثيرة في ذكر الأدعية المتلوة في جميع تلك المناسك، وتحت كل دعاء سر من أسرار الله تعالى أضربنا عن ذكرها قصدا للاختصار، والله أعلم.
وأما الإيمان:
فهو أول مدارج الكشف عن عالم الغيب، وهو المركب الذي يصعد براكبه إلى المقامات العلية والحضرات السنية.
فهو عبارة عن تواطؤ القلب على ما بعد عن العقل درکه، فكل ما علم بالعقل لا يكون تواطؤ القلب على ذلك إيمانا، بل هو علم نظري مستفاد بدلائل المشهود، فليس هو إيمان لأن الإيمان يشترط فيه قبول القلب للشيء بغير دليل، بل تصدیق محض.
ولهذا نقص نور العقل عن نور الإيمان، لأن طائر العقل يطير بأجنحة الحكمة وهي الدلائل، ولا توجد الدلائل إلا في الأشياء الظاهرة الأثر وأما الأشياء الباطنة فلا يوجد لها دليل ألبتة.
وطير الإيمان يطير بأجنحة القدرة ولا وقوف له عن أوج دون أوج، بل يسرح في جميع العوالم؛ لأن القدرة محيطة بجميع ذلك.
فأول ما يفيد الإيمان صاحبه أن يرى ببصيرته حقائق ما أخبر به، فهذه الرؤية إنما كشفت بنور الإيمان.
ثم لا يزال يرقى بصاحبه إلى حقيقة التحقيق بما آمن به، قال الله تعالى: "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".  آية 1: 5 سورة البقرة. 
فلم يكن الريب منتفية عن الكتاب إلا للمؤمنين، لأنهم آمنوا به ولم يتوقفوا للنظر إلى الدليل، ولم يتقيدوا بما قيدهم العقل، بل قبلوا ما ألقى إليهم، فقطعوا بوقوعه من غير ريب.
فمن توقف إيمانه بالنظر إلى الدلائل والتقييد بالعقل فقد ارتاب بالكتاب، وما أسس علم الكلام إلا لأجل مدافعة الملاحدة وغيرهم من أهل البدع، لا لأجل وقوع الإيمان في القلوب.
فالإيمان نور من أنوار الله تعالی پری به العبد ما تقدم وما تأخر.
ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى"
ولم يقل: اتقوا فراسة المسلم ولا العاقل ولا غيره، بل قید بالمؤمن.
ثم اعلم أن هذه الآية لها معان كثيرة لسنا بصدد ذكرها ولكنا بينا ما أشار إليه الألف واللام والميم والكاف والكتاب وغيره.
وأرجو أن يؤذن لي أن أكتب للقرآن تفسیرة يكون فيه بيان ما أوضح الله فيه من الأسرار المستغربة عن العقول فيحصل به تمام الوعد الإلهي لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: " ثم إن علينا بيانه ".آية 19 سورة القيامة.
ولا بد من ذلك الكتاب، فأرجو أن أكون أنا المشرف بهذه الخدمة الكتاب الله تعالى، فقوله في الآية: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب" أشار بذلك إلى حقيقة ألف لام ميم.
وذلك من طريق الإجمال إشارة إلى الذات والأسماء والصفات وذلك الكتاب والكتاب هو الإنسان الكامل، فألف لام ميم بما أشار إليه هو حقيقة الإنسان ولا ريب فيه هدى للمتقين الذين هم وقاية عن الحق والحق وقاية عنهم.
فإن دعوت الحق کنیت به عنهم، وإن دعوتهم فقد کنیت بهم عنه "الذين يؤمنون بالغيب" والغيب هو الله لأنه غيبهم آمنوا به أنه هويتهم وأنهم عينه.
"ويقيمون الصلاة" يعني يقيمون بناموس المرتبة الإلهية في وجودهم بالاتصاف بحقيقة الأسماء والصفات .
"مما رزقناهم ينفقون" يعني يتصرفون في الوجود من تمرة ما أنتجته هذه الأحدية الإلهية في ذواتهم، فكأنهم رزقوا ذلك بواسطة ملاحظة الأحدية الإلهية فيهم، فهؤلاء السابقون المفردون المشار إليهم بقوله عليه الصلاة والسلام لأصحابه:" سيروا سبق المفردون".
واللاحقون هم "الذين يؤمنون" بالغيب يعني "بما أنزل إليك" يا محمد مطلقا "وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون" فهؤلاء هم المؤمنون بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى.
وأولئك هم المؤمنون بالله فهم يطلعون على حقيقة الملائكة والكتب وعلى إرسال الحق للرسل، ويرون اليوم الآخر ويشاهدون القدر خيره وشره من الله تعالى.
فأما من لم يطلع عليها فليسوا مؤمنين بجميع ذلك، بل عالمون علم ومعرفة عيانية شهودية، فهم مؤمنون بالله وحده، لأن علمهم بما دونه علم شهودي فلا يكون إيمانا.
لأن من شرط الإيمان أن يكون معلومه غيبا لا شهادة، وليس عندهم غيب إلا كنه الذات الإلهية، فهم وإن كانوا من الله على شهود جلي عيني، فهم مؤمنون بما لا يتناهی منه.
فإيمانهم مختص بالله تعالى وحده، ومن ألحق بهم مؤمنون بالله وبجميع هذه الأشياء المذكورة في تعريف الإيمان بقوله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالی فهؤلاء لاحقون وأولئك هم السابقون.
وأما الصلاح:
فهو عبارة عن دوام العبادة، وهي أعمال البر طلبا لثواب الله تعالى وخشية من عقابه، فهو يعلم الأشياء الله تعالى، ولكنه بها يطلب منه الزيادة في دنياه وآخرته، فهو عابد الله خوفا من ناره وطمعا في جنته.
فيستحکم بذلك في قلبه عظمة الحق ويأخذ من قلبه استحکام البعد عن معاصي الله تعالى، فیتزکی عن الأمور المنهي عنها.
وفائدة دوام العبادة تمكن النكتة الإلهية من سويداء قلب العابد، فلو کشف الغطاء بعد ذلك لا ينخرم على الإطلاق فيكون في حقائقه مقيدة بشرائعه وهذا ما أنتج له دوام العبادة بشرط الرجاء.
لأن عبادة الصالحين مشروطة بذلك، بخلاف المحسن فإنه يعبد الله رهبة منه ورغبة في عباته.
والفرق بينه "المحسن" وبين الصالح أن الصالح يخاف من عذاب النار على نفسه، ويطمع في ثواب الجنة لنفسه، فعلة خوفه ورجائه هي النفس.
والمحسن يرهب من جلال الله تعالى ويرغب في جمال الله تعالى، وعلة رغبته ورهبته جمال الله تعالى وجلاله، فالمحسن مخلص لله والصالح صادق في الله، وشرط المحسن أن لا يجري عليه كبيرة، بخلاف الصالح فإنه لا يشترط له ذلك فافهم.
وأما الإحسان:
فهو اسم المقام يكون العبد فيه ملاحظة لآثار أسماء الحق وصفاته، فيتصور في عبادته كأنه بين يدي الله تعالى.
فلا يزال ناظرا إلى هذه الكينونة، وأقل درجاته أن ينظر إلى أن الله ناظر إليه، وهذه أول درجات المراقبة، ولا يصح هذا إلا بشروط سبعة، وهي التوبة والإنابة والزهد والتوكل والتفويض والرضا والإخلاص.
فأما التوبة :
فلأنه متى عاد إلى الذنب لم يكن مراقبا، ولا ناظرة إلى نظر الحق إليه، لأن من يرى أن الله يراه لا تطاوعه قواه ولا قلبه على المعصية.
فتوبة المحسن ومن تحت مقام الإحسان من الصالحين والمؤمنين والمسلمين إنما هي من الذنب.
وتوبة أهل مقام الشهادة من خاطر المعصية.
وتوبة أهل مقام الصديقية من أن يخطر غير الله في البال.
وتوبة المقربين من الدخول تحت حكم الحال فلا تملكهم الأحوال.
وذلك عبارة عن التحقق في الاستواء الرحماني من التمكين في كل تلوين بمعرفة أهله.
وأما الإنابة فاشتراطها في مقام الإحسان.
لأنه ما لم يرجع عن النقائص هيبة من الله تعالى وينب إلى الله تعالى لم تصح له المراقبة.
فإنابة المحسنين ومن تحتهم من الصالحين والمؤمنين والمسلمين إنما هي من جميع ما نهى الله عنه إلى الوقوف مع أوامره تعالى وحفظ حدوده.
وإنابة الشهداء رجوعهم عن إرادة نفوسهم إلى مراد الحق تعالى، فهم تارکون لإرادتهم مريدون لما أراد الحق تعالى.
وإنابة الصديقين رجوعهم من الحق إلى الحق.
وإنابة المقربين رجوعهم من الأسماء والصفات إلى الذات.
وهذا مقام بشكل على الصديقين تحققه، فكل منهم يزعم أنه مع الذات وليس الأمر كذلك.
فإنهم مع الأسماء والصفات، لأن سكرتهم بخمر الواحدية أخذتهم عن تعقل ذلك.
وإن قلت إنهم مع الذات فقید وقل بواسطة الأسماء والصفات.
بخلاف المحققين فإنهم مع الذات من غير تقييد بل بالذات في الذات مع الذات، والمحققون هم أهل مقام القربة، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى۔
وأما الزهد:
فاشتراطه في مقام الإحسان، فلأن من شرط المراقب الله تعالى أن لا يلتفت إلى الدنيا.
ألا ترى إلى العبد إذا كان حاضرا بين يدي سيده عالما بأن سيده يطلب منه الخدمة كيف يزهد في مصالح نفسه فيشتغل بما يأمره به السيد .
فزهد المحسنين ومن تحتهم من الصالحين والمؤمنين والمسلمين إنما هو في الدنيا وفي لذاتها.
وزهد الشهداء في الدنيا والآخرة جميعها.
وزهد الصديقين في سائر المخلوقات فلا يشهدون إلا الحق تعالى وأسمائه وصفاته.
وزهد المقربين في البقاء مع الأسماء والصفات فهم في حقيقة الذات.
وأما التوكل:
فاشتراطه في مقام الإحسان، فلأن من شرط من يرى أن الله تعالى يراه أن يصرف أموره إليه لأنه أدرى بمصالحه، فلا يتعب نفسه فيما لا يفيد منه شيء.
وشرط التوكل أن يتوكل العبد ليفعل السيد به ما يشاء، وهذا معنى قوله: "وعلى الله فتوكلوا إن کنتم مؤمنين ".آية 23 سورة المائدة.
يعني توكلوا إن کنتم مؤمنين بأنه لا يفعل إلا ما يريد، فكلوا أمور كم إليه ولا تعترضوا عليه، وليس هذا للصالحين.
فإن الصالح ومن دونه يتوكل على الله لكن ليفعل الله له مصالحه، وهذا معنى قوله تعالى: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ". آية 3 سورة الطلاق.  
والأول أعني من يتوكل ليفعل الله به ما يشاء هو من الطائفة المذكورة في آخر هذه الآية بقوله تعالى:" وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)"  سورة الطلاق .
يعني لا بد أن يفعل الله ما يريد "قد جعل الله لكل شيء قدرا (3)". سورة الطلاق.   
فتوكل المحسنين هو عبارة عن صرف الأمر إلى الله تعالى، 
وتوكل الشهداء عبارة عن رفع الأسباب والوسائط بنظرهم إلى المسبب سبحانه وتعالى وتصريفه فيهم قد توكلوا عليه بجعل إرادته عين مرادهم 
فليس لهم اختيار يتميزون به في طلب بل جميع ما يريده الله تعالى هو اختبارهم وإرادتهم.
وتوكل الصديقين إرجاع شأن ذواتهم إلى شأن ذوات الحق تعالى.
فلا يقع نظرهم على أنفسهم فهم متوكلون على الله تعالى بالاستغراق في شهوده والاستهلاك في وجوده، 
واتكال المحققين عدم الانبساط بعد التمكين في البساط.
وأما التفويض:
فهو والتسليم واحد وبينهما فرق يسير وهو أن المسلم قد لا يكون راضية بما يصدر إليه ممن سلم إليه أمره، بخلاف المفوض فإنه راض بماذا عسى أن يفعله الذي فوض المفوض أمره إليه.
وهما أعني التسليم والتفويض قريب من الوكالة، والفرق بين الوكالة وبينهما أن الوكالة فيها رائحة من دعوى الملكية للموكل فيما وكل فيه الوكيل، بخلاف التسليم والتفويض فإنهما خارجان عن ذلك.
فتفويض المحسنين ومن دونهم للحق في جميع أمورهم هو إرجاع الأمور التي جعلها الله لهم إلى الحق، فهم بريئون من دعوى الملكية لما صرفوه إلى الحق تعالى من جميع أمورهم، فذلك هو التفويض.
وتفويض الشهداء سكونهم إلى الحق تعالى فيما يقلبهم فيه، فهم ملاحظون الأفعال الله تعالى في أنفسهم، وفي غيرهم مفوضون إليه زمام الأمر.
يرون أن أخذ الحق بنواصي سائر المخلوقات عام وبنواصيهم خاص إلى ما يريده الحق تعالی فهم بريئون في أعمالهم من دعوى الفاعلية.
فلأجل هذا لا يتوقعون الأجر ولا يطلبون الجزاء لأنهم لا يرون لأنفسهم فعلا فيستحقون به الجزاء .
وتفويض الصديقين ملاحظة الجمال الإلهي حيث تنوعات التجليات فهم غير مقيدين بتجلي دون غيره، فهم مفوضون أمر تجلياته إلى ظهوره.
ففي أيهما ظهر شاهدوه على حسب المقام والاسم والصفة والإطلاق والتقييد. 
وتفويض المقربين
 عدم الجزع على ما اطلعوا عليه بما جرى به القلم في المخلوقات، فلا يتصرفون في الوجود بشيء بل مفوضون إلى الحق تعالى يتصرف في ملكه كيف يشاء.
وهؤلاء هم الأمناء الأدباء لا يفشون أسرار الله، ولا يطلبون بذلك علوا على غيرهم ولا فسادا في أمور الناس.
بل يعاملون الخلق بما يعامل بعضهم بعضا، فلا يتعاطون شيئا من هتك ستر ولا نقود أمر، بل كائنون مع الخلق بأجسادهم بائنون عنهم بأرواحهم في حضرة القرب الإلهي.
وأما الرضا :
فشرطه أن يكون بعد القضاء، وأما قبله فإنه عزم على الرضا وقد نص على هذا غير واحد من أئمة الطريق.
فرضا المحسنين عن الله تعالى بالقضاء ولا يلزم من هذا أن يرضوا بالمقضي، لأن الله تعالى قد يقضي مثلا بالشقاوة فرضاهم عن الله بالقضاء إذ القضاء هو حكم الله تعالى.
فيجب الرضا بحكمه ولا يلزمهم أن يرضوا بالشقاء، بل يجب عليهم أن لا يرضوا به.
ورضا الشهداء هو محبتهم الله تعالى من غير طلب وصول أو نفور من هجر أو بعاد، بل على البعد واللقاء والسخط والرضاء لا يرجعون عن محبتهم ولا يلتفتون إلى راحتهم.
ورضا الصديقين بتعشق المحاضر برضا الحاضر في أعلى المناظر، وذلك لأنهم لا يزالون في الترقي، وكلما ترقى العبد ضاق طريقه في الحضرة الإلهية.
لأن العبد أول ما يكون مع الله تعالى في تجلي الأفعال، فيشهده في سائر المخلوقات، ثم إذا أرتقي ضاق مشهده، ولا يزال كلما ترقى تضيق مناظره.
فرضا الصديقين هو سكوتهم إلى الحق في ذلك الضيق، وهذا لا يدرك بالعقل، بل هو أمر كشفي ذوقي.
وأما رضا المقربين ففي رجوعهم من الحق إلى الخلق.
وأما الإخلاص :
فإنه من الصالحين ومن دونهم عدم الالتفات إلى نظر المخلوقات في العبادات، وإخلاص المحسنين عبادة الحق تعالى من غير طلب الجزاء في الدارين، فعبادتهم الله تعالى لكونه أمرهم بعبادته، فنسبة الصالحين ومن دونهم من المحسنين نسبة الأجير إلى العبد الرق الذي لا يطلب أجره في عمله.
وإخلاص الشهداء إفراد الحق تعالى بالوجود.
وإخلاص المحققين الصديقين عدم الاحتياج في معرفة الذات إلى شيء من الأسماء والصفات
وإخلاص المقربين تحقيق التبري من بقايا التلوين تحت ظهور آثار التمكين، وذلك هو عين حقيقة السحق والمحق .

"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل".

وأما الشهادة فإنها نوعان: شهادة كبرى، وشهادة صغرى.
فالشهادة الصغرى على أقسام، وقد ورد الحديث بها كمن مات غريبا أو غريقا أو مبطونا وأمثال ذلك.
وأعلى مقامات الشهادة الصغرى القتل في سبيل الله بين الصفين في الغزو.
والشهادة الكبرى قسمان: أعلى، وأدنى.
فالأعلى شهود الحق تعالى بعين اليقين في سائر مخلوقاته، فإذا رأى مثلا شيئا من المخلوقات فإنه يشهد الحق تعالى في ذلك الشيء من غير حلول ولا انفصال بل بما أخبر به سبحانه وتعالى بقوله: "فأينما تولوا فثم وجه الله" .آية 115 سورة البقرة.
وهو الذي أشرنا إليه بقولنا في الشهادة إن من شروطها دوام المراقبة من غير فترة، فإذا صح للعبد هذا المشهد فهو مشاهد الله تعالى.
وهذا أعلى مناظر الشهادة وما بعدها إلا أول مراتب الصديقية وهو الوجود، فيفني عن نفسه بوجود ربه، وحينئذ يدخل في دائرة الصديقية.
وأما القسم الأدنى من الشهادة الكبرى فهو انعقاد المحبة الله تعالى من غير علة، فتكون محبته الله تعالى لصفاته وكونه أهلا أن يحب.
واعلم أن المحبة على ثلاثة أنواع:
محبة فعلية. ومحبة صفائية. ومحبة ذاتية.
فالمحبة الفعلية: محبة العوام، وهو أن يحب الله تعالى لإحسانه عليه ليزيده مما أسداه إليه.
والمحبة الصفاتية: محبة الخواص، وهؤلاء هم يحبونه لجماله وجلاله من غير طلب كشف الحجاب ولا رفع لنقاب، بل محبة الله خالصة من علل النفوس.
لأن تلك المحبة ليست الله خالصة، بل هي لعلة نفسية، فالمحب المخلص منزه عن ذلك.
ومحبة الخاصة في التعشق الذاتي الذي ينطبع بقوته في العاشق بجميع أنوار المعشوق، فيبرز العاشق في صفة معشوقه كما يتشكل الروح بصورة الجسد للتعشق الذي بينهما، وسيأتي بيانه في آخر الكتاب عند ذكر المقربين.
فمحبة العوام محبة فعلية ومحبة الشهداء محبة صفاتية، ومحبة المقربين محبة ذاتية.
ومن جملة شروط أهل الشهادة الكبرى القيام على النفس بالمخالفات من غير رخصة، يعني يقومون عليها بمخالفاتها في العزائم لا في الرخص.
فإنه قد أخطأ كثير من طائفتنا في تحقيق المخالفات، فادعى أنه لو أرادت نفسه أن تصوم أو تصلي مثلا كان الواجب عليه أن يخالفها بالأكل والشرب وترك الصلاة، وهذا خطأ.
لأن النفوس من حيث الأصالة لا تطلب إلا ما لها فيه راحة العاجل، فالطلب الذي لها في الأصل هو كالأكل وطلب الصوم وغيره من أعمال البر ليس إلا للروح، وليس من شرط الطريق مخالفة الروح لأنها ليست الملك والملك جليس الله بخلاف النفس فإنها جليس الهوى.
والهوى جليس الشيطان فلهذا خولفت لتطمئن، فتسكن مع الروح إلى الله تعالى، وهذه المخالفة هي التي أشار إليها عليه الصلاة والسلام بالجهاد الأكبر في قوله: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" فلهذا جعلنا الشهادة بالسيف شهادة صغرى، والشهادة بالمحبة شهادة كبرى.
وأما الصديقية :
فإنها عبارة عن حقيقة مقام من عرف نفسه فقد عرف ربه.
وهذه المعرفة لها ثلاث حضرات:
الحضرة الأولى: حضرة علم اليقين.
والحضرة الثانية: حضرة عين اليقين.
والحضرة الثالثة: حضرة حق اليقين.
فعلامة الصديق في تجاوز هذه الحضرات أن يصير غيب الوجود مشهودة له، فيرى بنور اليقين ما غاب عن بصر المخلوقات من أسرار الحق تعالى.
فيطلع حينئذ إلى حقيقته، فيشهد قناعه تحت سلطان أنوار الجمال، فيكتسب بهذا الفناء بقاء إلهيا.
والمراد بقولي يكتسب هو أن يظهر له البقاء الإلهي كما لم يزل منذ كان الوجود، لا أنه مستفاد في تلك الحضرة، فإذا بقي ببقاء الله تعالى تجلت عليه الأسماء إسما فاسما، فعرف الذات حينئذ من حيث الأسماء، وهذا حد بلوغ علم اليقين.
ومن هذا لا يكون إلا عينة، ثم يرتقي من ذلك إلى تجليات الصفات فيشهدها صفة بعد أخرى، فيكون مع الذات بما لها من الصفات.
ثم يرتقي من ذلك إلى أن لا يحتاج إلى الأسماء والصفات في کینونته مع الذات، ثم يرتقي من ذلك إلى أن يعرف موقع الأسماء والصفات من الذات، فيعرف الذات بالذات.
فتنصب بين يديه حضرة الأسماء والصفات، فيشاهد حقائقها ويدرك إجمالها في التفصيل، وتفصيلها في الإجمال.
فلا يزال يتقلب في خلع الربوبية إلى أن تنقله يد العناية إلى الاتصاف بالأسماء والصفات، فإذا بلغ الأجل المحتوم وتناول كأس الرحیق المختوم كان صاحب حق اليقين.
فإذا فض الختام وانصبغ الكأس بلوم المدام فهو صاحب حق اليقين، وهذا أول مقامات المقربين.
وأول القربة :
فهي عبارة عن تمكن الولي قريبا من تمكن الحق في صفاته وهذا مشاع.

كما يقال: قارب فلان العالم فلانا، يعني في العلم والمعرفة، وقارب مسلم التاجر قارون موسى، يعني في المالية.
فالقربة هي ظهور العبد في تنوعات الأسماء والصفات بقريب من ظهور الحق فيها، لأنه يستحيل أن يستوفي العبد حقيقة صفة من الصفات.
ولكنه إذا انصرف على سبيل التمكين فيها بحيث لا يستعصي عليه شيء مما يطلبه فعلم ما تشوف لعلمه وفعل ما أراد حدوثه في العالم.
مثل إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك مما هو الله تعالى، فقد قارب الحق أي صار في جوار الله تعالى، فهذا القرب هو الجوار.
ألا ترى إلى أهل الجنة لما كانوا في نوع من جوار الله تعالی کیف انفعلت لهم الأكوان.
فما شاؤه كان في الجنة فهذا قرب، وأول حضرات هذا المقام الخلة، وهو أن يتخلل العبد بالحق تعالی فيظهر في جميع أجزاء جسده آثار التخلل بأن تنفعل الأشياء له بلفظة (كن)، وأن يبرئ العلل والأمراض ويأتي بالمخترعات بيده، وأن يكون لرجله المشي في الهواء وأن يقدر على التصور بكل صورة بتمام هيكله.
وهذا معنى قوله: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها".
فإذا كان الحق تعالى سمعه وبصره ورجله وباقي جسده كان ذلك العبد خليل الله تعالى، یعني تخللته أنوار الحق تعالى.
فهو خليل الله له من مقام الخلة الإبراهيمية نصيب؛ فإن الجسد جميعه بين جوارح وقوى، فالجوارح هي كاليد والرجل والقوى هي كالسمع والبصر فعم باطنه وظاهره.
فكل واحدة من هؤلاء أعني سمعه وبصره ولسانه ورجله ويده تنفعل الأكوان لها لأنها الله تعالى.
فيفعل بيده ويتكلم بيده ويبطش بيده وينظر بيده ويعلم بيده، وكذلك كل جارحة من جوارحه وقوة من قواه يفعل بها جميع ذلك وذلك شاهد الخلة.
ألا ترى إلى سيد هذا المقام وهو إبراهيم عليه السلام لما أراد شهود تحقيق ذلك كيف أخذ أربعة من الطير فجعل على كل جبل منهن جزءا، فلما دعاه بلسانه أتينه سعية، وذلك شاهد أنه على كل شيء قدير، فقد قارب بهذه الآيات إلى حضرة الكبير المتعال.
واعلم أن مقام القربة هي الوسيلة، وذلك لأن الواصل إليها يصير وسيلة للقلوب إلى السكون إلى التحقق بالحقائق الإلهية.
والأصل في هذا أن القلوب ساذجة في الأصل عن جميع الحقائق الإلهية، ولو كانت مخلوقة فإنها منها بنزولها إلى عالم الأكوان اكتسبت هذه السذاجة فلا تقبل شيئا في نفسها حتى تشاهده في غيرها،
فيكون ذلك الغير لها كالمرأة أو الطابع.
فتنظر نفسها في ذلك الشيء فتقبله لنفسها وتستعمله كما تستعمل ذلك الشيء بحكم الأصالة.
فاسم الحق أو وسيلة الأرواح إلى السكون إلى الأوصاف الإلهية، وقلب الولي الواصل إلى مقام القربة وسيلة الأجسام إلى السكون إلى التحقق بالحقائق الإلهية لظهور الآثار.
فلا يمكن الولي أن يتحقق جسده بالأمور الإلهية إلا بعد مشاهدته كيفية تحقق ولي من أهل مقام القربة.
فيكون ذلك الولي وسيلته في البلوغ إلى درجة التحقق، وكل من الأنبياء والأولياء وسيلتهم محمد صلى الله عليه وسلم .
فالوسيلة هي عين مقام القربة وأول مرتبة من مراتبها مقام الخلة، وانتهاء مقام الخليل ابتداء مقام الحبيب، لأن الحبيب الذاتي عبارة عن التعشق الاتحادي فيظهر كل من المتعشقين على صورة الثاني، ويقوم كل منهما مقام الآخر.
ألا ترى إلى الجسد والروح لما كان تعشقها ذاتية كيف تتألم الروح لتألم الجسد في الدنيا، ويتألم الجسد لتألم الروح في الأخرى.
ثم يظهر كل منهما في صورة الآخر، وإلى هذا أشار سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله لمحمد صلى الله عليه وسلم : "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ". آية 10 سورة الفتح.  أقام محمد صلى الله عليه وسلم  مقام نفسه.
وكذلك قوله: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" .آية 80 سورة النساء.  
ثم صرح النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري لما رآه في النوم فقال له: يا رسول الله اعذرني فإن محبة الله شغلتني عن محبتك.
فقال له: يا مبارك إن محبة الله هي محبتي فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم هناك خليفة عن الله كان الله هنا نائبا عن محمد صلى الله عليه وسلم ، والنائب هو الخليفة، والخليفة هو النائب، فذاك هو هذا وهذا هو ذاك.
ومن هنا تفرد محمد صلى الله عليه وسلم بالكمال، فختم الكمالات والمقامات الإلهية باطنة، وشهد له بذلك ختمه لمقام الرسالة ظاهرا، وآخر مقام المحبة أول مقام الختام.
ومقام الختام :
عبارة
 عن التحقق بحقيقة ذي الجلال والإكرام إلا في نوادر مما لا يمكن المخلوق أن يصل إلى ذلك، فتكون تلك الأشياء له في سبيل الإجمال، وهي في الأصل الله على سبيل التفصيل.
فلأجل هذا لا يزال الكامل يترقى في الأكملية، لأن الله تعالى ليس له نهاية، فلا يزال الولي يترقى فيه على حسب ما يذهب به الله في ذاته.
ثم اعلم أن مقام العبودية غير مختص بمكانة دون غيرها، فقد يرجع الولي من مقام الخلة إلى الخلق فيقيمه الله في مقام العبودية، وقد يرجع من مقام الحب وقد يرجع من مقام الختام.
وفائدة هذا الكلام أن العبودية رجوع العبد من المرتبة الإلهية بالله إلى الحضرة الخلقية، فمقام العبودية له هيمنة على جميع المقامات.
والفرق بين العبادة والعبودية والعبودة:
هو أن العبادة صدور أعمال البر من العبد بطلب الجزاء
والعبودية صدور أعمال البر من العبد الله تعالی عارية عن طلب الجزاء، بل عملا خالصا لله تعالى،
و العبودة هي عبارة عن العمل بالله.
ولذلك كانت الهيمنة لمقام العبودة على جميع المقامات،
وكذلك مقام الختام فإنه منسحب على مقامات القربة جميعها، لأنه عبارة عن ختم مقامات الأولياء، بمجرد بلوغ الولي مقام القربة يجوز جميع المقامات التي يصل إليها المخلوق في الله تعالى.
لأنه يلتحق في مقام القربة بالله تعالى، فيختم بوصوله إليها جميع مقامات الخلق، ويكون له فيها نصيب من مقام الخلة، ونصيب من مقام الحب فيكون هو الختام في نفس مقام القربة.
وإنما اختص اسم الخلة بأول مرتبة من مقامات القربة لأن المقرب هو من تخللت آثار الحق وجوده، ثم مقام الحب بعد ذلك، لأنه عبارة عن المقام المحمدي في المناظر الإلهية.
ومقام الختام هو اسم لنهاية مقام القربة، ولا سبيل إلى نهايتها، لأن الله تعالی لا نهاية له.
لكن اسم الختام منسحب على جميع مقامات القربة، فمن حصل في مقام القربة فهو ختم الأولياء ووارث النبي في مقام الختام.
لأن مقام القربة هو المقام المحمود والوسيلة الذهاب المقرب فيها إلى حيث لا يتقدمه فيها أحد، فيكون هو فردا في تلك المقامات الإلهية.
وينبغي أن يعتقد ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أشار إلى ذلك بقوله:

" إن الوسيلة أعلى مكان في الجنة، ولا تكون إلا لواحد، وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل".
لأنه كان له البدء في الوجود، فلا بد أن يكون له الختام عليه أفضل الصلاة والسلام
...
تم الكتاب بتحقيق
وتعلیق أبي عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي PDF

تحميل كتاب الانسان الكامل فى معرفة الاواخر و الاوائل للجيلي وورد - WORD

عبدالله المسافر في الله
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل للعارف بالله سيدي عبد الكريم الجيلي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المودة العالمى ::  حضرة الملفات الخاصة :: الإمام عبد الكريم الجيلي -
انتقل الى: