منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي

منتدى المودة العالمى

ســـاحة إلكـترونية جــامعـة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 ترجمة حياة العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي من كتاب المناظر الإلهية تحقيق د. نجاح الغنيمي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 312
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: ترجمة حياة العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي من كتاب المناظر الإلهية تحقيق د. نجاح الغنيمي   الخميس مايو 31, 2018 5:28 am

ترجمة حياة العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي من كتاب المناظر الإلهية تحقيق د. نجاح الغنيمي

كتاب المناظر الإلهية العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

حياة الشيخ عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه

اسمه ولقبه ونسبه وأصله :
يعرفنا الجيلى بنفسه فيذكر أنه : عبد الكريم بن ابراهيم بن عبد الكريم بن خليفة بن أحمد بن محمود ، الكيلاني نسبا ، البغدادی اصلا ، الربيعي عريا ، الصوفى حسبا(انظر : قاب قوسين ، مخط - ق ۳۱) .
و « الكيلاني » نسبة الى جيلان التي يذكر ياقوت أنها : اسم لبلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان ، والعجم يقولون : كيلاني .. 
واذا نسب الى البلاد قبل لا جيلاني ،. وإذا نسب إلى رجل منهم ، قيل : جيلي . وأهل جيلان هم الجيل . 
والجيل ايضا قريبة من أعمال بغداد ، تحت المدائن ، بعد زرارين يسمونها الكيل. (انظر : ياقوت الحموي : معجم البلدان ، ج ۲، ص 179 - 180
وقد استند جولد زيهر .. وكذلك حاجي خليفة ، في نسبتهما الجيلى الى بغداد - الى هذا الموضع الأخير الذي ذكره ياقوت (انظر : حاجي خليفة : كشف الظنون ، برقم ۱۰۹۸۹). .
ولكن ليس لدينا من المصادر ما يدلنا على أن الجيلي ولد ، او نشا في هذه البلاد ، أو أن صلته بها تجاوزت مجرد النسبة الاسمية . 
والاشارة الوحيدة التي قابلتنا في أحد مؤلفات الجيلي تدل على أنه زار هذه البلاد في سفرة من سفراته العديدة ، ولا شيء غير ذلك . 
فهو يذكر أنه سافر بعيدا ، فلم ير اشر من طائفة من الصوفية تدعى الكمال ، رغم أنها لا تؤمن بالله ورسوله ، ولا تتقيد بالتكاليف الشرعية .
وقد رأى كثيرا منه في هذه البلاد القاصية التي سافر إليها ، ومنها جيلان . 
وهو يحذر قراءة  من السكن في بلدة فيها واحد من هذه الطائفة ، أو مجاورتهم ، أو رؤيتهم ، أو معاشرتهم ، أو مخالطتهم. ( انظر : شرح رسالة الأنوار ، ص 25 - 26 مخط طلعت برقم  1277) .
واشارة الجيلى الى (جيلان) ووصفه لها بأنها « أقصى البلاد » ، وكذلك حين يستخدم الفعل « سافر » اشارة الى حال ذهابه اليها - يعني أن هذه البلاد بعيدة عن موطنه الأصلي، بل لا تمت له بصلة ما ، فضلا عن أن تكون مسقط رأسه .
وأذن فالآراء التي قررت أن الجيلي ولد بجيلان ، هي آراء لا أساس لها من الصحة ولا سند لها .
أما عبارة « البغدادی اصلا »، التي استخدمها الجيلي في التعريف بنفسه ، فإنها تشير إلى أن والد الجيلى بغدادی ، الأمر الذي يذكرنا بعبارة ياقوت الحموي ، من أن " الجيل أيضا. قرية من أعمال بغداد" أما عبارة « الربيعي عربا » فهي نسبة الى عدة قبائل عربية اشتق اسمها من أصل هذه النسبة .
اقربها صلة بالجيلى : واليس : هي قبيلة ربيعة بن نزار، وحسب تفصيل ابن حزم في (جمهرة أنسابه ) حيث أورد جملة من أبناء هذه القبيلة ، وقال ومنهم:«بنوه باليمن». 
(  ابن حزم الأندلسي : جمهرة أنساب العرب ، ص 292). 
وقد أكد المذحجی النسابة اليمنى هذه النسبة. (محمد بن على المذحجی القرشی النسابة : رسالة في انساب القبائل التي سكنت مدينة زبيد باليمن ، مخط دار الكتب برقم 140 بتاريخ ، ق.۱۰۲. ظ.) .
واذا عرفنا أن قبيلة ربيعة بن نزار ترجع الى معد بن عدنان. (ابن حزم : المصدر السابق ، ص 484) .
وأن عدنان هذا هو ولد اسماعیل بن ابراهيم ، صراحة بلا شك ، وفقا لما ذكره القلقشندي. (نهاية الأرب في أنساب العرب، ص. ۸-۱۰).
وصحت نسبة الجيلي الى هذه القبيلة - فان هذا يعني أن الجيلي ينشب الى أحسن الأصول العربية ارومة وحسبا ونسبا ، ومن هنا يحق له أن يفخر بنسبته عربا ، و أن يفخر بنسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم - إذ ينتهى نسب كليهما الى عدنان من ولد إسماعيل.
- وذلك حين يقول شعرا : 

ياسيد الرسل الكرام ومن له     …….       فوق المكان مكانة الإمكان 
انت الكريم فخذ فلى بك نسبة   …….    عبد الكريم أنا المحب الفاني 
(الانسان الكامل ، ج ۱ ص ۱۳)
وإذا كان والد الجيلى بغداديا ، فمن المرجح أن يكون نسب الجيلي العربي من طريق والدته ، لا من طريق والده ، وإن لم يكن هناك مانع من أن يكون والد الجيلي بدوره عربيا ، كفرد من أفراد قبيلة ربيعة التي انتشرت في موجة من موجات الهجرة ، إبان عصور الفتوحات الاسلامية ، واستقر بعدها في بغداد ، أو في قرية الجيل من أعمال بغداد .
أما عبارة الجيلي « الصوفي حسبا » فهي قاطعة في الدلالة على مشربه الروحي ، وذوقه الباطني الصوفي .
أسرة الجيلى ومولده :  
وفيما يتعلق بوالد الجيلي ، فيذكر الخزرجي ، المؤرخ اليمني ، أن الفقيه الصالح عفيف الدين ابراهيم الجيلي ، كان في بداية حياته "سفلوتا " من السفاليت ، يخدم من جملة العسكر الذين يحملون السلاح.
ويعملون في خدمة علماء السلطان والأمراء وغيرهم ، وكان في غاية من الغفلة ، واقام على ذلك مدة ، ثم أقلع عن ذلك كله ، وترك الخدمة وحمل السلاح ، وأقبل على خدمة الله تعالى ، وعبادته والانقطاع إليه . 
وكان زاهدا ، قانعا من الدنيا العولة منها ، صابرا على ذلك ، وكان كثير الاجتهاد في عبادة الله تعالى ، وظهرت عليه أمارات القبول ، وكانت له کرامات كثيرة ، وصحب الشيخ اسماعيل بن ابراهيم الجبرتي . 
وكان إبراهيم الجيلي محبوبا عند الناس ، حسن الخلق ، لين الجانب . 
وقد استوطن في آخر عمره قرية « أبيات حسين » ، وترك زبيد ، وهناك تزوج ، وأنجب ذرية ، وظل مقيما بها حتى توفي في ۱۲ رجب من عام 790 هـ . (العقود اللؤلؤية ، ج ۲ من ۲۰۰ . وانظر : طراز أعلام الزمن ، مخط دار الكتب ج ۲، ص ۱۸ ، ۱۹ ).
و ابيات حسين هي قرية تتبع الوادی سردد ، وقصبنها المهجم من أرض زبید.
( انظر : طراز اعلام الزمن ، ترجمة ابن سرداب ، وانظر كذلك: یاقوت ، معجم البلدان ، ج 3 ص 73 - 74 .) . 
أما الشيخ الجبرتي ، فهو من كبار صوفية اليمن ، وسنعرف بعد أنه كان شيخا مرشدا للجيلي ، بل ابرز شيوخه على الاطلاق، وقد اشار اليه الجيلى في كتابه الحالي ( المناظر الألهية ) في منظر ( التلامت ).. 
ولم يوضح لنا الخزرجي تفاصيل تأهل ابراهيم الجيلي حين استوطن ابيات حسين ، ولم يعرض. كذلك بتفصيل أولاده الذين ظهروا له، أنجبهم من هذا الزواج ، وهل كان الجيلى واحدا منهم ؟
وليست هناك مصادر ترشدنا إلى جواب حاسم على هذه الأسئلة . 
ولكن حيث سبق لنا استنتاج أن عبد الكريم الجيلي عربي من قبيلة ربيعة بن نزار ، من فرع والدته ، أي أن والدته عربية ، وهذا هو كل ما نعرفه عنها حاليا . 
وربما أمكننا استنتاج أنها توفيت بعد ولادة عبد الكريم بزمن قليل .. 
وهذا الاستنتاج مستخلص من نص لعبد الكريم تحدث فيه عن رؤيا رأى فيها امراة وصفها بأنها ربته صغيرا .
فيقول : « رأيت مرة في المنام ، وانا بصنعاء اليمن ، بتاريخ سنة خمس وثمانمائة ، امرأة كانت قد ربتني ، وأحسنت إلى في صغري ، وكانت قد ماتت ۰۰۰». 
(شرح مشكلات الفتوحات ، مخط برلين برقم 2874 ، ق 32 و).
 وهذا النص قد يسمح لنا - وقد لا يسمح - استنتاج أن والدة الجيلى ماتت وهو صغير ، بحيث قامت بتربيته امرأة اخرى . 
وهذا هو كل ما لدينا من معلومات عن هذا الجانب .
ولا نعرف عن حياة الجيلي في أبيات حسين شيئا ؛ خاصة طفولته .
ولم يعتن هو بذكرها أو بالحديث عنها في مؤلفاته ، على غير ما اعتاد من ذكر كثير من البلدان التي زارها او مكث فيها . 
ولكن إذا كان تاریخ ولادة الجيلى صحيحا حسبما ذكر في قصيدته العينية المشهورة ،وهو سنة 767 هـ .(القصيدة العينية ، ق ۱۷ ، مخط تيمور . تصوف برقم ۷۱). 
فان هذا يعني أن والده قد تأهل بوالدته قبله بعام على الأقل . 
وإذا كان تاريخ وفاة إبراهيم هو عام ۷۹۰ھ ، فإن عدد سنين استيطانه أبيات حسين هو على الأقل ، حوالي أربعة وعشرين عاما ، وهو رقم ليس بالهين ، ولا تستقيم معه عبارة الخزرجي السابقة من انه « : استوطن أبيات حسين في آخر عمره » ، إلا إذا افترضنا أن ابراهيم الجيلي كان من المعمرين ، أو أنه لا توجد صلة أبوة بينه وبين عبد الكريم :
وهناك أخيرا نص الحسين بن الأهدل اليمني ، وهو عالم يمنى معاصر للجيلى ، والوحيد الذي أشار للجيلي من بين معاصريه ، وذكره بالاسم ، وذلك حين يقول :
« ۰۰۰ عبد الكريم الجيلاني العجمي ، اجتمعت به ، قبل أن أعرف مذهبه ، بابيات حسين ، وبها توفي ، وهو مدفون في تربة الشيخ إبراهيم الجيلي ..".
( انظر : كشف الغطاء عن حقائق التوحيد : ق 184 ط).
فالأهدل لقب الجيلي بالعجمي ، ثم يذكر مكان دفنه ، دون إشارة بسيطة ، أو ما يفيد إدراكه ، إلى أن عبد الكريم هو ابن إبراهيم صاحب التربة المذكورة . 
وهذا يضعنا في حيرة شديدة ، لأن هذا النص وان كان يفيدنا بمكان دفن الجيلي بدقة ، فإنه يشككنا في صلته بابراهيم ، بحيث يمكن أن يكونا شخصين غريبين عن بعضهما تماما . 
وهذه المشكلة ستظل دون حسم إلى أن تظهر نصوص جديدة تغير من ذلك الموقف.
وحين يتحدث الجيلي عن أسرته في القصيدة العينية نراه يقدم لنا صورة غيبية ميتافيزيقية لا تفيدنا في مجال الحقائق التاريخية ، بل لعلها  تثير مشاكل مذهبية عديدة ، ليس المقام مناسبا لمناقشتها ، أو حتى إيرادها .
وعلى كل حال ، فإن حديث الجيلي ، في قصيدته العينية ، عن والديه يتسم بطابع التبجيل والاحترام ، وذلك حين يصفهما بقوله « أبواي الأطهران » وحين يصف زواجهما بقوله « تجامعا بعقد حلال نعم ذاك التجامع ». ( انظر : القصيدة العينية ، مخط دار الكتب ، ق 51 ظ - 52 و.) ۰
وهذا هو كل ما نظفر به من حديث الجيلي في قصيدته عن والديه وأسرته من الناحية الواقعية والتاريخية ، ونحن في انتظار نصوص جديدة تسد هذا النقص ، ومن المؤكد أن نشر تراث الجيلي، وظهور مؤلفاته المفقودة ،سيفيدنا الكثير في هذا المجال. 
نشأته :
ليس لدينا الكثير في هذا المجال كذلك. وكل ما لدينا لا يريد عن نصين أو ثلاثة :
أولهما : النص الذي سبق وأن أوردناه في الحديث عن أسرته ، وتتعلق برؤيا رآها الجيلي في نومه لامرأة ربته صغيرا ، واستتجنا منه ان الجيلي قد فقد أمه وهو صغير ، بحيث تولت تربيته امرأة أخرى ،
.. والنص الثاني : هو بعض أبيات قصيدته العينية التي وصف فيها أحواله من طفولته الى أن اكتمل فوقا وسلوكا ،.
 وأصبح من أصحاب المقامات والسلوك، وهذا الجانب يعرضه الجيلي في صوره مقبولة نوعا ما ، وان كان ذلك لا يخلو من طابع التعميمات المبالغة والميتافيزيقية ، وهو يقول : 

 ومذ كنت طفلا فالمعالي تطلبني   ……  وتأنف نفسي كل ما هو واضع 
ولی همة كانت وها هي لم تزل      ……  على أن لى فوق الطباق صوامع
وقد كنت جماحا الى كل هيئة .. الأبيات » (القصيدة العينية)  
ويعقب الشيخ عبد الغني النابلسي على هذه التعميمات بقوله :
« ... ذكر بمن أوصافه أنه من حين كان طفلا وهو يطلب المراتب العلية ، وتأنف نفسه من الأمور البنية الحسية .... الخ » (القصيدة العينية) .
والفكرة العامة التي يوحي بها النصان السابقان ، هو أن الجيلي منذ طفولته قد اتجه كلية صوب ميدان الحقائق والرقائق .
وتطلع بأنظاره إلى الوصول لأعلى المراتب الروحية ، وتجاهل عالم الماديات بكل ما فيه . 
وفاته : مكانا ، وتاريخا :
وكما لم يكن هناك اتفاق بين الباحثين ، حول أصل الجيلي ، وموطنه ،فهناك كذلك اختلاف حول تاريخ وفاته ، ومكان دفنه:
وقد ذكر الأستاذ ماسينيون ما يفيد دفن الجيلي في بغداد .
فقال ما ترجمته : « نقرا على شاهد قبره ، ببغداد ، ما نصه فقط : ( سنة اثنين ۰۰۰. بعد الهجرة ... »(۱۸) .
وقد وثق الأستاذ بترت هذا الادعاء فقال ما ترجمته :
«...لقد استطعت أن أزور ضريح الجيلي في بغداد في ۱۳ أغسطس عام 1955 م غير أنه أصبح يستخدم للسكان ، وموقعه هو : شارع النعمان بجوار مسجد السلطان على شارع الرشید ۰۰۰ » (۱۹) .
ولكن نص الأهدل المشهور يثبت خطأ ذلك ، فيقول :
« ۰۰. وكان من أهلهم في ذلك البحر عبد الكريم الجيلاني العجمي اجتمعت به قبل أن أعرف مذهبه بأبيات حسين ، وبها توفي ، وهو مدفون في تربة الشيخ ابراهيم الجيلي ۰۰۰ » ( كشف الغطاء ، ق 184 ظ) .
فالجيلى إذن توفي ، ودفن بأبيات حسين باليمن ، وليس ببغداد العراق ، وهذا نص قاطع بصم هذه المشكلة للأبد .
أما تاريخ وفاته ، فليس لدينا نص قاطع به ، ولكننا اذا تمعنا في نص الأهدل السابق ، فإننا نلاحظ أن مضمونه يشير الى وفاة الجيلي قبل ان يكتب الأهدل كتابه هذا ، الذي أورد فيه النص السابق ، وهو ( كشف الغطاء) .
وهذا لا يمنع من أن يكون الجيلي توفي أثناء تحرير الأهدل الكتاب المذكور . 
وإذا عرفنا أن آخر تاريخ ذكره الجيلي في كتبه هو سنة 805 هـ .(انظر : حقيقة الحقائق . ق 35 ظ - 36 و . وفيه ذكر لهذا التاريخ . مخط دار الكتب .).
 وأن الأهدل فرغ من تحرير كتابه هذا في ثاني عشر ذي الحجة سنة 829 هـ . وأنه استغرق في كتابته حوالي عشر سنوات ،حسب ما يذكره هو بنفسه ( کشف الغطاء ، ق 249 ظ ) . 
فإن النتيجة المباشرة لذلك هو أن الجيلي يمكن أن يكون قد توفي ما بين سنة 805 هـ ، وبين سنة 829 هـ . على كل الأحوال ، وليس بعد سنة ۸۲۹. هـ . 
بأي حال من الأحوال ، وهذا هو أقصى ما نستطيعه الى ان تظهر نصوص أخرى .
على أنه اذا كانت كل الدلائل تشير إلى أن الجيلي ولد ، ونشأ ، وتوفي في اليمن ، فإن هذا سبب كاف يدعونا إلى التوقف قليلا عند هذا البلد ، وهو بيئته وموطنه ، لنعرف خصائصه ودقائقه في عصر الجيلي ، وانعكاس ذلك على الجيلى نفسه . وهذا هو موضوع الفقرة التالية .
اليمن في عصر الجيلي
والحديث عن موطن الجيلي في عصره يشمل جوانب عدة : 
الجانب الجغرافي ، و الجانب السياسي ، والجانب الاجتماعي والعلمي. 
والجانب الديني والرومى والصوفي ، وهو آخر الجوانب في هذا المجال : الجانب الجغرافي :
واقرب الجغرافيين المعاصرين للجيلي هو ، بلا شك ، أبو العباس أحمد القلقشندي ، المتوفى سنة 821 هـ .. ومن ثم فهو مصدرنا الأساسي في جغرافية اليمن .
ويعتبر القلقشندي أن اليمن قطعة من شبه جزيرة العرب ، يحدها من الغرب : بحر القلزم ( البحر الأحمر ) . 
ومن الشرق : حدود مكة ، حيث الموضع المعروف بطلحة الملك ، وما على سبب ذلك الى بحر فارس(۲۳) .
وقد تحدث القلقشندي بعد ذلك عن سبب تسمية هذا البلد باليمن ، وعن جوه ، وخصوبة ارضه ، بما هو معروف عنه ولا حاجة بنا إلى ذكره (24) . .
ويقسم القلقشندي اليمن الى قسمين رئيسيين : 
القسم الأول - التهائم :
وهي المنخفض من البلاد ، وهي باردة الهواء ، طيبة المسكن : وتشتمل على عدة بلاد ، وقلاع ، وحصون حصينة ، بفضل البر ما بين بعضها عن بعض ، وبها قاعدتان ( أی عاصمتان ) :
۔  تعز  : وهي مصيف صاحب اليمن ومقر ملوكهم . وهی حصن في الجبال ، مطل على التمائم ، وارض زبيد ، وفوقها منتزه يقال له مهلة ، قد ساق له صاحب اليمن المياه من الجبال التي فوقها ، وبنى فيها ابنية عظيمة ، في غاية الحسن ، وفي وسط بستان هناك (۲۰) .
ومع أهمية هذه المدينة ، فإننا لا نراها تتردد في كتب الجيلي ، وفي نصوصه ، وإن لم يخل الامر من اشارة اليها هنا أو هناك فی کتب معاصریه . 
أما القاعدة الأخرى فهي المهمة ، وهي التي تقابلنا كثيرا في كتب صوفية اليمن عموما ،وكتب الجيلي بصفة خاصة ،وهي: 
زبيد : وهي مشتی صاحب اليمن ، بناها زياد بن أبيه ، في خلافة المأمون، ثم غلب عليها بنو الصليحي ، ثم صارت قاعدة بني رسول، وهم الحكام المعاصرون للجيلي ، وهي قصبة التهائم ، مبنية في مستوى من الأرض عن البحر على أقل من يوم ، وماؤها من الآبار ، وبها نخيل كثيرة ، وعليها سور به عدة أبواب (۲۹) .
ويتعرض المقدسي لذكر أهم الأبواب، التي فتحت في أسوارها ، فيحصيهم أربعة ، أهمهم بالنسبة لنا : باب سهام ، وهو ينفد الى الشمال ، إلى وادي ربع وسهام.. وترجع أهمية هذا الباب الى قربه من جبانة علماء وصوفية زبيد ومنهم شيوخ الجيلي في الطريق الصوفي (۲۷) .
 إلى جانب أنه بدأ رحلاته ببلدة الأنفة من قرى الوادي سهام حيث قابل الشيخ المكدش وذكر ذلك في كتابه ( المناظر الالهية ) منظر البيت . وسنرى تفصيل ذلك بعد في موضعه .
وتشتهر زبيد كذلك بمساجدها الكثيرة التي بناها حكام اليمن وساداته على مر العصور ، مثل مسجد الأشاعر ومسجد معاذ في راس الوادي ، ومسجد أبي الغيث بن جميل ، ومسجد الشيخ الجبرتي ، وعشرات غيرها من المساجد (۲۸) .
وقد ورد اسم مسجد الجبرتي عديد المرات في مؤلفات الجيلي سواء في مجالس السماع الذي كانت تعقد فيه ، او في تأليف كتاب فيه (حقيقة الحقائق ، مخط دار الكتب .. ق 36 و . والكهف والرقيم ، ص 24 - 25 ) ، وغير ذلك .
وكذلك هناك العديد من المدارس الدينية ، والخانقاوات والزوايا الصوفية ، وهذا كله يعكس صورة النشاط المعماري والعلمي والديني الذي كان يسود زبيد في عصر الجيلي .
وهناك مدن أخرى في اليمن التهامي سوى القاعدتين السابقتين أهمها : 
عدن ، وظفار ، وحلى ، والمهجم ،. و حصن الدملوة ، والشرجة ، وهي موطن المؤرخ اليمني المشهور صاحب ( طبقات الخواص ) ، وجبلة ، والجند ، وسيرين، ومرباط، وبلاد مهرة، والشخر . 
وقد اشار الجيلي في كتابه الى بعض هذه المدن ، خاصة عدن .
القسم الثاني - من اليمن :
النجود : وهي ما ارتفع من الأرض ، وهي مقر . أئمة الزيدية . 
وهي شديدة الحر، وقد انطوى فيها جزء من اليمن ، وإن كان ما بيد أولاد رسول هو الجزء الوافر الأعظم .. 
فاليمن منقسم الى قسمين : سواحل ، وجبال . 
والسواحل كلها لبنی رسول. 
والجبال كلها او. غاليها للإشراف. 
وهي أقل دخلا من السواحل ، لمدد البحر لتلك ، واتصال سبيلها عنه ، وانقطاع المدد عن هذه البلاد ، لانقطاع سبيلها من كل جهة ۰۰۰(۳۰) .
ويشتمل هذا القسم على قاعدة ، وعدة حصون ، وبلاد مخضبة :
 فالقاعدة هي صنعاء : وهي مدينة من نجود اليمن . 
وقد ذكرها الجيلي في الحد مؤلفاته ، حيث شاهد فيها رؤيا بخصوص المرأة التي ربته
صغيرا (۳۱) . 
أما الحصون والبلاد فمنها : كحلان، ونجران ، وصعدة ، وخيوان ، وجرش ، ومأرب ، وحضرموت (۳۲) .
وتشتهر اليمن بريح الجنوب المنسوبة إليها ، وهي ريح تشتهر بصلتها بالسحاب : تجمعه ، و تؤلفه، وتسوقه ، وتلقح الأشجار .
وقد ورد في الحديث الشريف : أنها من ريح الجنة (۳۳) . 
وقد أحب الجيلى اليمن ، وتجول بمعظم أرجائه في عصره ، وإن لم يذكر معظم هذه المدن في كتبه التي وصلتنا باستثناء زبيد التي ذكرها مرارا وتكرارا . 
وعلاوة على ذلك ، فقد أظهر الجيلي تعلقة بطبيعة اليمن ورياحها ،بحيث نراه ينشد شعرا فيقول: 
وأهوى نسيم الريح هب يمانيا     …..    وان هب من شام فاني على الود
وفي تعقيبه ، هو بنفسه ، على هذا البيت ، يفسر الريح اليماني بالخير ، او النفحات الرحمانية ، بينما يفسر ريح الشام بغير ذلك ، أو بالشفر(34).
 إلى جانب كثرة : تكرارها و إيراده للحديث المشهور ( إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ) . 
وهذا كله يدلنا على شغف الجيلى باليمن الأمر الذي يؤكد من جديد أنه مسقط رأسه ، وموطنه .
وهذا ينقلنا إلى الجانب الثاني:
الجانب السياسي :
لن نطيل في هذا الجانب ، خاصة وأن الجيلي لم يعرض له إلا بطريق غير مباشر ، من خلال صلات اليمن بغيره من البلاد ، في سفرات قصيرة عابرة ، وان كانت لها أهميتها . 
على حين أن إبراهيم الجيلي - ابوه ؟ 
- كان يعمل في خدمة حكام اليمن في ذلك الوقت .
كانت اليمن في عصر الجيلي تخضع لحكم بنی رسول أو الرسوليين ( ۳۵ ) . 
وقد أورد المستشرق زامباور ثبتا بأسماء ملوك اليمن من بنی رسول وتاريخ توليهم الملك .
سنقتصر على ذكر من عاصرهم الجيلي ووالده إبراهيم ، وهم :
- الملك المجاهد سيف الدين على بن داوود ... ذو الحجة سبلة 721 هـ .
- الملك الأفضل ضرغام الدين العباسی بن علی ۰۰۰ جمادى الأخيرة سنة 764 هـ.
- الملك الأشرف ممهد الدين إسماعيل ( الأول ) بن العباس  رمضان سنة 778 هـ.
- الملك الناصر صلاح الدين احمد بن اسماعيل .. ربيع الثاني سنة 803 هـ .
- الملك المنصور عبد الله بن أحمد ۰۰۰ جمادى الأولى سنة 827 هـ .
- الملك الأشرف إسماعيل ( الثاني ) بن احمد ... جمادى الأولى سنة 830 هـ .
وكانت لليمن علاقات متصلة بمصر، كما ذكر القلقشندي (۳۷) واستفاد الجيلي من ذلك ، فقد كان في القاهرة في سلخ رجب من سنة 803 هـ . 
وفيها انتهى من تأليف كتابه الهام ( غنية أرباب السماع ) (۳۸) . كما أشار الخزرجي كذلك . 
الى علاقات اليمن الطيبة بالهند ، وحكامها المسلمين (۳۹) . 
ومن هنا ، لم يكن غريبا أن نری الجيلي في الهند سنة 790 هـ ، وهو يقص علينا مشاهداته ، وانطباعاته المثيرة عما رآه هناك في عدة من كتبه (40) .
وفي عصر الجيلي كان سلاطين اليمن الرسوليين في حرب ومعارك شبه دائمة مع الأشراف الزيديين ، وهم - كما قلنا - يسيطرون على الأجزاء المرتفعة من اليمن او النجود . 
كذلك شغل السلاطين بقمع الفتن والثورات المحلية التي كانت تقوم ، بين الحين والآخر ، في الجهات التي خضعت لحكمهم ، ولا يعنينا تفصيل هذه الجوانب ، بقدر ما يعنينا ذكر أن إبراهيم الجيلي -والد الجيلي- وقد كان سفلوتا من سفاليت السلطان.
ای جنديا بسيطا ، فمن المؤكد أنه اشترك في هذه المعارك ، وقمع الفتن . 
كذلك كان الجبرتي - شيخ الجيلي - مشاركة ، بطريقة ما ، في احد المعارك التي دارت بين احد أئمة الزيدية وبين السلطان الرسولي في ذلك الوقت (41) .
أما الجيلي فلم يزد مشاركته في هذا الجانب السياسى ، عن استفادته بطريق غير مباشر ، من حسن العلاقات ، بالسفر لبعض البلاد خ ارج اليمن ، وهذا كل ما لدينا في هذا الجانب .
 الجانب الاجتماعي والعلمي :
وصف الرحالة المغربي ابن بطوطة في رحلته الى اليمن ، في القرن الثامن الهجري ، وكان مارا بها سنة 731 هـ ، ما شاهده في المجتمع اليمني ، والمدن اليمنية ، ثم زار زبيد ، وتحدث عن طباع اهلها ، والعلاقات الاجتماعية بينهم ، ومراتبهم ، واحتفالاتهم ، وأسلوب معاملتهم للغرباء ، وجمال نسائهم ، وحسن عشرتهن لأزواجهن - بما يعطي انطباعا طيبا عن كل ما ذكره (انظر : ابن بطوطة : تحفة النظار ، ج ۱، ص ۱۰۹ - ۱۰۷ ) . 
ثم تحدث عن مقابلته لبعض علماء زبيد وفقهائها ، وأثنى على صلاحهم وحسن دينهم وأمانتهم ومکارم أخلاقهم ، ثم وصف حديثهم عن كرامة للصوفي اليمني الكبير احمد بن العجيل مع بعض فقهاء الزيدية ، الذين ينكرون عقيدة القدر ، ويرون أن المكلف يخلق افعاله . 
فجعلتهم هذه الكرامة يقتنعون ببطلان عقيدتهم ، ويعودون الى الحق (۶۳) . 
وانتقل ابن بطوطة الى تعز ، لمقابلة السلطان ، فوصف أهل تعز وتحدث عن فظاظتهم وتكبرهم وتجبرهم ، وذكر أن ذلك حال البلاد التي يسكنها الملوك . 
ثم تحدث عن احيائها السكنية، ثم تحدث عن البلاط السلطاني ، ونظامه ، وترتيبه ، وبروتوكول الحضرة السلطانية ، وما في ذلك من شكليات ورسميات (44) . ويفصل القلقشندي أرباب الوظائف والرتب في اليمن في عصره ، ولكنه يبدو متحاملا بعض الشيء في اتهامه لسلطان اليمن بالتشبه « بالديار المصرية »، وفي اتهامه له بامتناعه عن مقابلة ولاة الأمور ببابه ، وولاة المظالم ، بل يكتفي بالتأشير بخطه على رقعة بها ترفع إليه (45) ...
ومهما يكن من أمر فان ابراهيم الجيلي - والد عبد الكريم -. عاش في جو البلاط السلطاني هذا ، وانتهى به الأمر إلى أن رفض كل ما ينكره به ، واختار حياة الزهد والتصوف ، وغادر زبيد الى أبيات حسين ، حيث تأهل ، وظهر له اولاد ، وتوفي هنالك.
وحين بدأ عبد الكريم الجيلى ان يصور مرتبة الأنبياء والأولياء من محمد صلى الله عليه وسلم ، لم يتردد في اختيار مصطلحات وظائف البلاط السلطاني .
وذلك حين يقول : « ... فالأنبياء والرسل ، صلوات الله وسلامه عليهم ، كانوا لمحمد ، صلى الله عليه وسلم ، كالحجاب ، لمزورهم قبله في العالم الدنياوی ، كما، يمر الحاجب قبل الملك . 
والأولياء المحمديون ، رضوان الله عليهم ، هم لمحمد ، صلى الله عليه وسلم ، كالخدم والخواص ، الذين يكونون حول الملك ، على خزائنه ، ومراتبه ۰۰۰.» (سر النور المتمكن ، مخط برلين برقم 3024) . .
وكذلك حين اشار في المنظر الثاني ( منظر المراقبة ) من كتابنا الحالي إلى ملك الروم بين عساکره وحشمه .
ولا يمكن أن يكون عبد الكريم قد اختار هذه المصطلحات دون علم بدقائق أعمال أصحابها . 
وإنما هو يعرف حدود عمل كل من الحاجب والخادم ، والعساكر والحشم ، وهكذا ؛ وهذه الامور تتطلب الاتصال بمن له دراية بها ، وهذا ، من جديد ، يؤكد الصلة الاسرية بين عبد الكريم وبين ابراهيم والده . .
أما الجانب العلمي ، فقد كان اليمن عموما ، وزبيد بصفة خاصة ، يعيش حياة علمية مزدهرة ، قبل وإبان عصر الجيلي ، في جميع فروع العلم والمعارف الإسلامية والعربية ، ولا يستثنى من ذلك علم التصوف والحقائق . 
وكثر العلماء والفقهاء بها ، سواء من ابنائها الخلص ، أو من الوافدين عليها . وشجع ملوك بني رسول العلم والعلماء ، بل كان منهم من شارك بنفسه في حركة التأليف والكتابة : كالملك المؤيد هزبر الدين داود بن يوسف الرسولي ، الذي كانت خزانته تشتمل على مائة ألف مجلد ، وكان على صلة دائمة طيبة بالشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (47) . 
وذكر السخاوي ، وكذلك بروكلمان ، عن الملك الأشرف اسماعیل بن العباس ، أنه اشتغل بالعلم وصنف العديد من الكتب (48) . 
وذكر بروكلمان كذلك أن الملك الأفضل عباس بن الملك المجاهد ، وهو ابو الملك الأشرف السابق ، قد ألف عدة كتب في الأنساب ، والمناقب اليمنية ، والتاريخ (الخزرجي : العقود ، ج 2، ص 188 .) . 
وأشار الخزرجي الى تشجيع ملوك اليمن واكرامهم للعلماء سواء من ابناء اليمن ، كما فعل من تكريم للقاضي محمد بن عبد الله الريمي على تصنيفه ( التفقيه في شرح التنبيه ) (الخزرجي : العقود ).
 أو من العلماء الزائرين كالفيروز آبادی ، عالم اللغة المشهور ، حين قدومه إلى اليمن ، وحين فراغه من تصنيفه ( الاصعاد ) (الخزرجي : العقود ، ج ۲، ص 264 , 297) .
أما عدد علماء اليمن ، فهم كثيرون كثرة جمة ، يستحيل حصرها ، في جميع فروع العلم ، ويكفينا أن تقول أن معظم مؤلفات المؤرخين اليمنيين في عصر الجيلى ليست ، في غالبها ، إلا ثبتا سرديا بأسماء علماء اليمن ، وترجمة حياتهم ، وأعمالهم ، وتاريخ وفاتهم ۰۰۰. وهكذا . 
ويبرز من بين كتب هؤلاء المؤرخين ، أشهر كتابين للمؤرخ اليمنی الخزرجي ، وهما: ( العقود اللؤلؤية ) ، و ( أعلام الزمن ). 
ثم تاريخ الجندي ( السلوك )، وغيرهما الكثير لمؤرخين وكتاب آخرین . 
واذا اضفنا الى ذلك ، ما ذكرناه عن كثرة المدارس والمساجد ، والزوايا والخوانق - لاكتملت الصورة للجو العلمي في اليمن في عصر الجیلی.
وقد أشار الجيلى الى العديد من الفقهاء ، وان كان ذكره لهم باعتبارهم صوفية ، وسنرى تفصيل ذلك بعد . .
ومع ذلك ، فقد كان هناك تيار آخر ، يضاد هذا التيار العلمي ، يستشري بين أهل اليمن بجميع طبقاتهم ، الا وهو : تيار الخرافات والخزعبلات . 
ولا يمكن أن يكون ذلك نتاجا لعقلية علمية ، أو بتأثير من التيارات العلمية التي ازدهرت في ذلك العصر .
وانما الأدعي الى القبول أن يكون ذلك وليد تراث بدائي من العصور الأولى نمته التيارات الصوفية العديدة في اليمن ، في ذلك الوقت ، خاصة تبار مدرسة ابن عربی ، بغيبياته ، وتصوراته الخطيرة ، حتى وإن كان ذلك بطريق غير مباشر . وكتب المؤرخين اليمنيين تفيض بقصص الجان ، ومشاركتهم للانس في كثير من الأحداث اليومية : ولقد أورد الخزرجي قصة مؤداها ان السلطان وجنوده كانوا محصورين في الحصن من قبل بعض الأعداء.
وذات يوم برز للسلطان من جدار الحصن غلام احتضنه وطار به الى مكان آخر في الحصن .
وما أن فعل ذلك حتى سقط على المكان الذي كان يقف فيه السلطان حجرا كبيرا من حجارة المنجنيق ! 
ولما سأله السلطان عن هويته ، اخبره انه ابنه من فلانة ، ولكن الجن كان قد اختطفه من بطن أمه قبل ولادته وقدم له يد المساعدة في الحرب الى أن انتصر السلطان .! 
والغريب أن الخزرجی يذكر القصة كما لو كانت حقيقية وصادقة ، وهذا غريب.!
ويحكي المؤرخ الجندي قصة فقيه يمني كان يحضر دروسه جنی فمر بهم صائد احناش ، فرجا الجنى الشيخ أن يأمره بمسكه عندما يتحول الى حنش .
وعندما تحول الجني وأمسكه الرجل ، رجا الشيخ وتلاميذه الصائد ، فترك لهم الحنش ، وغاب الجنى ، وظهر بعد خمسة عشر يوما وقد احترق جسده ، وحكي تجربته ... وهي شيء غريب .
ومبعث الغرابة هنا أن الجندي المؤرخ يحكي القصة نقلا عن فقيه عالم ، وليس عن واحد من العوام ، وهذا يعني توثيق القصة ، ومن ثم توثيق الإيمان بالخرافات في البيئة اليمنية في عصر الجيلي .
ويقص الخزرجي قصة أخرى عن فقيه آخر اختطفه الجن الى مملكته لمحاكمته على قتله واحدا منهم كان يتخفى في صورة « حنش » ، وذكر وقائع المحاكمة ، وتفاصيلها العجيبة ، واخيرا صدر حكم البراءة ، فعاد الى البشر ليحكي قصته . ويذكر الخزرجي أن الملك المظفر لما سمع قصة الفقيه ، سأل عنه ، فأخبروه أنه فقير ، ای صوفی ، فاثنى عليه ، وحمد الله أن جعل مثل هذا في بلاده !. 
و تعقيب الملك الأشرف  يعني ان الايمان بهذه الخرافات ليس قاصرا على العامة ، وإنما يمتد كذلك الى الملوك وسلاطين اليمن .
 ومن هنا لم يكن غريبا أن نرى الجيلى ، وهو يشارك في هذا المجال بنصيب وافر ، فقد ذكر الجن ، مؤمنهم ، وكافرهم ، وصنف انواعهم ، وفصل كل نوع في نصوص طويلة للغاية ، يخرجنا إيرادها عن مجال البحث الأصلي ، و نكتفي بالاحالة على مصدرها وموضعها ( الانسان الكامل ، ج ۲، ص ۱۰۹ ، ۱۱۰ ، ۱۱۱) . 
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على تفاعل الجيلى و تأثره ببيئته وموطنه ، وليس هذا هو الجانب الوحيد من جوانب تعلق أهل اليمن بالخرافات والترهات . 
فهناك الكثير ، والكثير جدا من القصص التي تشير الى أعمال غير طبيعية وغير منطقية ، فهى تجاوزات واضحة في الملوك والفكر ، صدر معظمها من صوفية ، وعدها أهل اليمن من باب الكرامات والعنايات ، وسنرى تفصيل ذلك في الجانب التالي والأخير .
 الجانب الديني والروحي والصوفي :
منذ مطالع عصر الوحي ، وأهل اليمن يشتهرون بحميتهم الدينية ، وشدة ايمانهم ، ورقة قلوبهم وأفئدتهم ، وقد ورد في صحيح مسلم عن الرسول عنه أنه قال : ( جاء اهل اليمن ، هم أرق افئدة ، الايمان يمان ، والفقه يمان ، والحكمة يمانية ) (صحيح مسلم بشرح النووي) .
وقد وصف الرحالة الأندلسي ابن جبير الحجاج اليمنيين أثناء أدائهم المناسك ، في رحلته للحج ، في نهاية القرن السادس الهجري ، وصفا مشوقا مبينا صدقهم ، وإخلاصهم ، وحرارة إيمانهم : فهم يطوفون وقد تشابكت ايديهم ، بعضهم البعض الآخر ، بحيث اذا وقع واحد منهم ، وقع الباقون معه ! ... الخ .
وهذه الروح الفطرية جعلت من اليمن تربة صالحة للتصوف ، وانتشرت الطرق الصوفية في ربوع اليمن ، كما ذاع صيت الكثير من الشخصيات الصوفية اليمنية ، وان كان غالب تراثهم جملا شفاهية . 
والقليل منه كتب مدونة ، لم يصلنا غالبها كذلك ، وهذا يعني انهم كانوا يهتمون بالسلوك ، اولا وقبل كل شيء ، ولا يعنيهم ، في كثير أو قليل ، تدوین قواعد هذا السلوك ، بالاضافة الى أن الكثيرين منهم كانوا أميين ، لا يقرأون ولا يكتبون ، وهذا بالطبع سينعكس على الكم الضخم من الأساطير التي راجت عنهم ، واشتهروا بها .
ومن الطرق التي كانت موجودة في اليمن : 
القادرية : نسبة الى عبد القادر الجيلاني ، وقد أشار الجيلى الى مقامه ورتبته في كتابه الحالي ( المناظر ) في حديثه عن ( منظر الخلع ومنظر خلع العذار ) . 
ومن شعبها :
(أ) الزيلعية ، نسبة إلى الشيخ أحمد بن عمر الزيلعي .
(ب) طريقة ابن عجيل الزوالي اليمني ، المتوفی 690 هـ ، ( ج ).
(ج) الغيثية ، نسبة إلى الشيخ أبي الغيث بن جميل . وقد أشار له الجيلي ، وبين مرتبته وقدره الروحى في الكتاب الحالي ( منظر خلع العذار ).
( د ) الأهلية ، نسبة الى الشيخ أبي الحسن علي بن عمر الأهدل الحسيني .
( هـ ) البجلية ، نسبة الى الشيخ محمد بن حسين البجلي . 
( و ) الطواشية ، نسبة الى نور الدين علي بن عبد الله الطواشي . 
(ز) الحكمية ، نسبة إلى محمد بن أبي بكر الحكمي . 
(ح) النهارية ، نسبة إلى عمر بن موسى النهاري الحسيني . . وغير ذلك من الطرق ، من غير طريق القادرية.(انظر : اليافعي : مرآة الجنان ، ج 3 ، ص 355 ومواضع اخرى كثيرة . البهاء الجندي : السلوك ، ج 2، ص 71) . 
وهناك شخصيات أخرى صوفية يمنية لها ثقلها في تحديد الاطار العام للتصوف في اليمن على مشارف عصر الجيلي .
من أشهرها : أبو الذبيح اسماعيل بن محمد بن إسماعيل ، المشهور بالحضرمي. ، وغيره الكثير ، وكراماتهم امتلأت بها مصادر التاريخ اليمنی. 
( انظر : اليافعی ، مرآة الجنان ، ج ۳ ص ۳۵۵. ومواضع اخرى كثيرة ، البهاء الجندي : السلوك ، ج ۲، ص ۷۱).
ومن الظواهر البارزة في تصوف مطلع عصر الجيلى : 
انتشار ظاهرة ( السماع الصوفي ) ومجالسه وحلقاته ، بمظاهره العديدة من الجذب والوجد والحركة البدنية العنيفة ، وهو من أهم عناصر مذهب الجيلى ، وأساس تشقيقاته ، وتخريجاته ، وتأويلاته الروحية والفكرية. ( انظر : دراستنا ( عبد الكريم الجيلي ومكانته في الفكر الإسلامي الصوفي ) ج ۲، الفصل الأول ( السماع ) .) .
وقد أشار في كتبه الى العديد من مجالس السماع التي كانت تعقد في مسجد شيخه الجبرتي ، ومنزل العديد من اخوانه ، كالرداد وغيره من أصحابه ..
ومن الانصاف ان نذكر انه كان هناك من الصوفية اليمنيين من رفضوا هذه الرياضة الروحية ، منهم : أبو الغيث بن جميل ، والحسين السودي ، وأبو الحسن على التباعی ، وغيرهم كثيرون .(اليافعی : روض الرياحين ، ص ۲۷۸ .. الخزرجي :العقود ، ج ۱، ص ۳۱۹ .الجندي :السلوك ،ج ۲، ص ۱۲۹ - ۱۳۰).
ومن هذه الظواهر كذلك ، ظاهرة الرؤى والمنامات الكشفية ، وقد حفلت بها كذلك المصادر اليمنية ، بحيث يعجز الباحث عن اختيار مثال يخصه بالذكر ، دون سواه ، وقد شارك الجيلى بنصيب وافر في هذا المجال ، وامتلأت مؤلفاته بالعديد من الرؤى والأحلام ذات المغزى .
وقد أشرنا إلى إحداها في فقرة ( أسرته ) حين رأى في نومه المراة التي كانت تربيه صغيرا . 
ومن هذه الظواهر كذلك شيوع تراث التصوف الجذبي و الشطحي ، کتراث الحلاج ، وأبي يزيد البسطامي ، والشبلي ، وعين القضاة الهمذاني ، وغيرهم من الشطاح . الى جانب تراث التصوف السني المعتدل ، ولكن الغلبة كانت للتراث الجذبي ، وهو المناسب لطبيعة البيئة اليمنية . 
وهذا واضح تماما في مؤلفات الجيلي عموما ، وفي كتابه ( المناظر ) بصفة خاصة ، ومن كم نقوله العديدة وكيفها . 
وفي عصر الجيلي سيطرت أفكار ابن عربي ومدرسته الصوفية الفلسفية . 
ولكن هذه الأفكار اختلطت بالتيارات الأسطورية والخرافية لليمنيين ، فابتعدت كثيرا عن رصانة طابع فكر ابن عربي الذي يكاد أن يكون فلسفيا . 
واقتربت كثيرا من طابع التصوف اليمني الذي يتميز بالتلقائية والانطلاق بلا ضوابط من أي نوع ، وفي كل الاتجاهات . 
وكان أبرز مشايخ هذا الاتجاه في عصر الجيلي هو الشيخ إسماعيل الجبرتي وتلاميذه العديدون : ومن بينهم عبد الكريم الجيلي ، مؤلف (( المناظر الالهية ) ، وأبو بكر الزداد ، وقد ذكره الجبلي في كتبه ، ومنها ( المناظر ) .
 وأبو بكر الحكاك ، الشاعر الصوفي اليمنى ، وقد ذكره الجيلى كذلك في (المناظر): ( منظر الحضائر ) .
 و أحمد الحبايبی ، وغيرهم الكثير . 
وقد كان لهؤلاء الصوفية تجاوزات سلوكية وعقدية عديدة ، وسنرى نماذج لبعضها لدى الجيلي في كتابه الحالي.
استفزت مشاعر الفقهاء وعلماء السنة العقدين المعاصرين : كالحسين بن الأهدل ، صاحب ( كشف الغطاء عن حقائق التوحيد والعقائد ) والمتوفى سنة 855 هـ ، واحمد بن أبي بكر الناشري ، المتوفى سنة 845 هـ . 
وإسماعيل بن أبي بکر المقرى ، المتوفى سنة 897 هـ . 
ثم أبي بكر الخياط ، المتوفى سنة 839 هـ . 
واستعرت الحرب الفكرية بين الجانبين ، واستمرت الملاحاة بينهما مدة طويلة ، وقام الفقهاء الكلاميون بالتشهير بالجبرتي وتلاميذه ، واتباع مدرسة ابن عربی عموما . 
وقد حفظ لنا الأهدل في كتابه السابق ، وقائع كثيرة من هذه الحرب الضروس ، وكذلك ابن حجر ، وتلميذه السخاوى ، وغيرهم .
وأهم أوجه النقد التي وجهوها للصوفية هي : 
السماع ، والقول بالحلول والاتحاد (انظر : كشف الغطاء ، مواضع عديدة ، وابن حجر : المعجم المفهرس ، مخط، ص ۳۹۲ ، أنباء الغمر ، ج ۲، ص ۵۲۰ ، السخاوي : الضوء اللامع، ج۱، ص ۲۵۷ - ۲۰۸ ، عبد الغني النابلسي : الرد المتين ، مخط، في 44. وانظر أخيرا : دراستنا عن الجيلى السابقة ، ج۱، معاصروه ، ومواضع اخرى . ) . 
وإيراد تفاصيل هذه المعارك هنا يخرج هذه الدراسة عن غايتها ، فليرجع القارئ للمصادر التي ذكرناها في الحاشية .
ومهما يكن من أمر ، فقد نال الجيلى نصيبه من هذه المعارك الدامية ، إذ أن الأهدل خصه بالذكر ، في نص رهيب مفزع ، رغم انه افادنا كثيرا في جلاء نقاط كثيرة في ترجمة حياة الجيلي ، ويقول الأهدل : « ... وكان من أهلكهم في ذلك البحر : عبد الكريم الجيلاني العجمي ، اجتمعت به قبل أن أعرف مذهبه بأبيات حسين ، وبها توفي ، وهو مدفون في تربة الشيخ إبراهيم الجيلي ، حکی لی عنه فقيه صادق متقن انه صحبه في بعض أسفاره ، فسمع منه الثناء العظيم على ابن عربی ، وعلومه ، وكتبه ، وسمع منه التصريح بربوبية كل من يلقاه في الطريق من إنسان ، او طائر ، أو شجر :.. » ( کشف الغطاء : ق ۱۸ ط .) . 
ومن الواضح أن الجيلى حين قابل الأهدل داراه واخفي عنه حقيقة حاله ، ونجح في ذلك ، إلى أن تمكن من معرفة مذهبه عن طريق شخص آخر صحب الجيلي في بعض أسفاره ، ولازمه مدة تمكن فيها من معرفة حقيقة مذهبه ، وهو شيء رهيب .
وقد أظهر الجيلى ردود فعل كثيرة ، في العديد من مؤلفاته ، الموقف هؤلاء الفقهاء والعلماء المناوئين لتيار صوفية مدرسة ابن عربی في اليمن : 
مثل تكراره نفي ادعاء الحلول او الاتحاد عن نفسه ، أو عن كتبه ومؤلفاته ، وقد فعل ذلك في كثير من كتبه عموما .
وكتابه الحالی ( المناظر الالهية ) خصوصا ، في خطبة الكتاب ، وفي ثنايا العديد من المناظر ، وسنرى تفصيل ذلك في الفقرة الخاصة بتحليل الكتاب ودراسته به
وفي منظر ( الإيمان ) يبين خشيته من علماء عصره ، فيمسك عن ذكر ما كان بصدد ذكره ، وهو يقول : « ... وكنت قد سطرت كلمات في هذا المنظر ، من قبيل ما يجده صاحب هذا المنظر ، وأسندته على حسب ما فتح الله به على ، فيما بيني وبينه تعالى . 
فوجدت هذا لا يكاد العقل يقبله ، وربما علمت به نزاعا من بعض علمائنا في ذلك : فاستخرت الله تعالى ، وعزمت على ذلك ، وعلمت أن الله تعالى لم يكتم ذلك ، الا غيرة عليه ممن ليس من أهله ... ».
ورغم ذلك ، فقد أورد الجيلي في مناظره ما لا يصدقه عقل ، وما لا يقبله منطق ، ومن المؤكد أن علماء اليمن لو كانوا قد قرأوا كتب الجيلي عموما ، و كتابه (المناظر) بصفة خاصة لاشتدوا في موقفهم منه عن الأهدل . 
وعلى كل ، فإن هذا تراثنا ، بقضه وقضيضه ، ونحن مطالبون بمعرفته ، بايجابياته وسلبياته ، فهو تراث الأجداد .
وهذا القدر يكفينا لكي ننتقل لدراسة شيوخ الجیلی …
شيوخ الشيخ الجيلي رضي الله عنه 
ا- ابرزهم هو الشيخ إسماعيل الجبرتي ، المولود سنة 722 هـ ، والمتوفى سنة 806 هـ . 
وكان من أصحاب الجذبات والسماع ، وله.شهرة كبيرة في عصر الجيلي.
وتربى الجيلي على يديه ، واستفاد منه كثيرا ، واشار اليه في كتبه ومؤلفاته ، فهو نعرض له في كتابه ( مراتب الوجود ) في نص طويل جدا يدافع فيه عن وجهة نظر الجبرتي في حثه المريدين على قراءة كتب ابن عربی ، وفائدة ذلك لهم ، من حيث اختصار الوقت وبيان الطريق ، ... الخ ، وقد توقف الجيلي طويلا في حديثه حول ذلك (مراتب الوجود ، مخط تيمور ، ص. - 1 ).
وهذا النص الطويل بيين الى اى جد تأثر الجيلي بأفكار شيخه الجبرتي ، وارشاده ، بحيث نراه بعرضها على هذا النحو من التفصيل ، ويشرحها ، ويدافع عنها بحماس بالغ .
وفي موضع آخر من مؤلفاته يحدثنا الجيلي عن مساعدة شيخه الجبرتي له في موقف روحی عصيب مر به اثناء جلسة من جلسات السماع كان يحضرها ، فغلبه الجذب والوجد ، وصاح من الألم ، فسارع الجبرتي إلى معونته إلى أن استرد وعيه و اتزانه (الإنسان الكامل ، ج ۲، ص ۳۹ ) .
وقد حفظ الجيلى بعض عبارات الجبرتي المأثورة ، وأوردها في كتبه ، وهو ينقل أحدها ، فيقول : « ... من سیدی و شيخي الشيخ اسماعیل بن ابراهیم الجبرتي ، قدس الله سره ، في الجنة يوما ، وهو يقول : إن العمل إذا صدر من العبد غير مقارن للنية في الوله ، فاذا اراد ان يقصد به وجه الله ، فلينو بعد الشروع فيه.
ولو كان العبد قد نوى نية قبيحة ، ثم تاب عنها في أثناء العمل ، ونوى نية صالحة غير تلك ، فإن ذلك أيضا نافع في حسن صورة العمل ، ويكون العمل حيا كاملا ، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه .
(قاب قوسين ، بخط دار الكتب ، ق ۳۲ ظ - ۳۳ و ).
وهناك الكثير غير هذه العبارة أوردها الجبلي في كتبه نقلا عن شيخه الجبرتي ،. ولكننا سنكتفي بهذا القدر .
ومهما يكن من أمر ، فإن كل نصوص الجيلى السابقة تبين شدة تعلق الجيلي بشيخه الجبرتي ، واحترامه وتبجيله له ، الى الحد الذي حدي بالجيلى الى نظم قصائد عديدة في مدح شيخه ، نجتزئ من أحدها بالأبيات التالية : 

يا ابن ابراهيم يا بحر الندى  ……    ياذا الجبرتي الجبور طبيبه 
العبدك الجيلي منك عناية       ……    صباغة طبع المحب حبيبه 
انت الكريم بغير شك وهو ذا   ……     عبد الكريم ومنك يرجى طبيبه 
ما حب قلبي قط شيئا غيركم   ……    كلا وليس سواكم مطلوبه 
(الانسان الكامل ، ج ۲، ص ۱۸ - ۱۹)
والجيلى لا يعتبر مبالغا في هذه العبارات التي استخدمها لإظهار حبه وتقديره لشيخه الجبرتي ، لأنه - كما نعرف - اغفل ذكر اي شيء يتصل بأسرته في كتبه التي وصلتنا ، على حين أنه لا يكاد يخلو كتاب . 
من كتبه ، من اشارة او عبارة تتعلق بشيخه الجبرتي . 
وقد أشار الجبلي في كتابه الحالي ( المناظر الالهية ) إلى شيخه الجبرتي ، في سياق عرضه لمنظر ( التلامت ) ، وهذا شيء غريب ، أن يورد الجيلي شيخه الجبرتي في سياق هذا المنظر : لأن التلامت غير الملامة . 
فهو يعد الملامتية : أدباء امناء ، وهم اصحاب مداراة الناس ، مع حفظ بواطنهم مع الحق . 
اما اصحاب منظر ( التلامت ) فهم من لم يتمكنوا من حفظ بواطنهم ، فظهر أثرها على ظواهرهم ،فلامهم الناس على ذلك. 
وهو يعتبر الجبرتي واحدا من هؤلاء أصحاب منظر التلامت ،. وهو يعبر عن ذلك في حديثه عن :
آفة هذا المنظر ، فيقول :
« آفة هذا المنظر : ظهور حكم ذلك التجلي الذي تغربوا به عن الناس، فبرز حكم بواطنهم على أجسامهم ، حتى صدر منهم ما صدر ، مما أوجب الملامة عليهم ، فهم ضعفاء لظهور اثر ذلك في ظواهرهم به ولهذا نزلوا عن درجة الأمانة ، التي اختص بها الملامتية : الأمناء ، الأدباء ، الخلفاء ، الذين هم محل نظر الله تعالى من هذا العالم . 
وإن صدقت فراستی، فمنهم سيدي الشيخ شرف الدين اسماعيل بن ابراهيم الجبرتي ، نفع الله به ، ولا نعلم أحدا ممن أدركناه على طريقه ، فهو غريب الأولياء » .
وهذا تقويم غريب من الجيلى لشيخه بعد أن أظهر له كل هذا القدر ، الذي شاهدناه له ، من المحبة والاحترام ، ولعله يحاول الدفاع عنه أمام حملات هجوم العلماء والفقهاء المعاصرين للجبرتي ، على النحو الذي لمسناه ، في حديثنا عن الجانب الديني والصوفي في اليمن . "
وهناك في حياة الجيلي شيوخ أخرين ، ذكرهم عرضا في بعض كتبه ، منهم :
2 - جمال الدين محمد بن إسماعيل بن المكدش:
وقد ذكره الجيلي في ( المناظر الالهية ) ، المنظر الثامن والتسعين ، ( منظر البهت ) ، وهو بذكر عنه التالي :
".. وفي هذا المشهد رأيت رجلا من الشيوخ ، ببلدة تسمى الأنفة ، هو الفقيه الأجل العارف جمال الدين محمد بن إسماعيل المكدش ، نفع الله به . توفي سنة ثمان وتسعين وسبعمائة ، بقريته المذكورة .
ورأيت من هذا المذكور في زيارتي له ، أيام بدایتی ، بركات كثيرة .. »
والتاريخ الذي يذكره الجيلي لوفاة هذا الرجل ، يخالف ما ذكره الشرجي في ترجمته للمكدش ، إذ هو يحدد وفاته بسنة 778 هـ.
 ولو صدق التاريخ الذي ذكره الشرجي ، لكان معنى ذلك أن الجيلي قابل هذا الرجل وعمره حوالي أحد عشر عاما ، وهو غير معقول .
وعلى كل حال ، فان المناوي ، في ترجمته للمكدش يوافق الجيلي على التاريخ الذي ذكره لوفاته (الكواكب الدرية : مخط دار الكتب، ق 263 ظ - 264 و). 
وهناك نوع آخر من شيوخ الجيلى ، وهم:
3 - شيوخ مجهولون :
 أشار لهم الجيلي بين حين وآخر ، في بغض كتبه ، ولقبهم بألقاب تنكرية عامة من مثل « رجل من أهل الله تعالى » ، وغير ذلك . 
وكان يلجأ للواحد منهم ، عندما يحزبه أمر عاجل ، أو ازمة روحية شديدة . 
وقد ذكر واحدا منهم في كتابه الحالي ( المناظر ) ، في ( منظر اللذة السارية ) حين غانی من شدة هذا المنظر ، وفزع من ردود فعله البدنية العنيفة ، فتحير ، واضطر الى استشارة اقرب شیخ متيسر ، فكان هو هذا الرجل.
يقول الجيلى :
« ... فلما وجدت ما وجدت ، سرت في لذة الهية ، حتى ذقت أمرا محسوسا ، تكاد الروح أن تذهب لوجدانه . 
فلما رجعت الى عالم الأكوان ، حدث في حادث . وكنت يومئذ مبتدئا في هذه الطريق ، فلزمني البدء أن اعرض قصتي على رجل كنت أعرفه من أهل الله تعالى ، فلما عرضت عليه أمر الحادث ، فقال لي : إن حصول الحادث لوجود بقية بشرية ، ولكنه علامة صحة هذا المشهد . وهي التي أشار إليها الرجل ، رضي الله عنه ، في تربيته لى ... »
وهذه هي نهاية الفقرة الحالية ، وننتقل للحديث عن مؤلفات الجيلى.
(انظر : ( عبد الكريم الجيلي ومكانته في الفكر الإسلامي الصوفي. ) ، ج۱، الفصل الثاني : آثاره العلمية ، وانظر كذلك :.....) .
مؤلفات الشيخ عبد الكريم الجيلى
للجيلى مؤلفات كثيرة ، معظمها مفقود ، وسنكتفي بذكر الموجود منها فقط ، وفي ترتيبها التاريخي بقدر الامكان : .
1 - الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم .
2 - شرح أسرار الخلوة لابن عربی .
3 - القصيدة العينية .
4 - قصيدة الدرة الوحيدة ، في اللجة السعيدة .
5 - الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل .
6 - المناظر الالهية .
7 - حقيقة اليقين ، وزلفة التمكين .
8 - غنية أرباب السماع ، في كشف القناع ، عن وجود الاستماع .
9 - كتاب النقطة . ( وهو الجزء الأول من : حقيقة الحقائق ) . 
10 - الكمالات الإلهية ، في الصفات المحمدية .
11 - لوامع البرق الموهن ، في معنى ما وسعنی ارضی و لا سمائی ، و وسعنی قلب عبدي المؤمن . ( وهو الجزء التاسع من الناموس الأعظم ).
12 - قاب قوسين ، وملتقى الناموسين "وهو الجزء العاشر من الناموس الأعظم ".
13 -  سر النور المتمكن ، في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : المؤمن مرآة المؤمن وهو" الجزء الحادي عشر من الناس الأعظم ".
14 - لسان القدر بكتاب نسيم السحر ( وهو الجزء الثاني عشر من الناموس ).
15 - شرح مشكلات الفتوحات المكية .
16 - مراتب الوجود .

تحقيق نسبة كتاب المناظر الإلهية إلى مؤلفه الشيخ عبد الكريم الجيلي
كتاب ( المناظر الإلهية ) صحیح النسبة الى مؤلفه عبد الكريم الجيلي ، والأدلة على ذلك كثيرة جدا ، سواء من حيث الشكل أو المضمون :
1- فقد أحال الجيلي في داخل كتاب "المناظر" إلى كتب له أخرى ، موثقة النسبة إليه ، أهمها : 
"الانسان الكامل ، في معرفة الأواخر والأوائل"، و"قطب العجائب ، وفلك الغرائب " ، و "المملكة الربانية ، المودعة في النشأة الإنسانية ".
و سنورد ، فيما بعد، فقرة خاصة بتفصيل هذه الإحالات بدقة ، في ثنايا تحليلنا للكتاب ودراسته .
2 - كما أحال الجيلي في كتب أخرى له ، الى كتابنا الحالي "المناظر" : فالحال في كتابه "غنية أرباب السماع" الى "المناظر" . ( انظر : غنية أرباب السماع ، مخط دار الكتب ، ق 167 و .).
وأحال في كتابه " الكمالات الالهية " الى "المناظر" كذلك. (انظر : الكمالات الالهية ، ق 67 ظ. مخط دار الكتب .) .
3 - كما أحال الجيلي ، في كتب اخرى له ، على كتب أشار إليها الجيلي في كتابه " المناظر" :
فقد أحال الجيلي إلى " الإنسان الكامل " ، وهو احد الكتب التي ذكرها الجيلي في " المناظر " - في كتابه : " مراتب الوجود " في المراتب التالية : 13 ، 15 ، 25، 32 ،. 
وفي كتابه : " حقيقة الحقائق " ق 51 و 52 ظ تجلى الأفعال ، 64 و, 67 ظ.
وأحال الى "المملكة الربانية ، المودعة في النشأة الانسانية"، وهو من الكتب المفقودة للجيلى : في "مراتب الوجود" المرتبة الأربعين ..
وأحال الى "قطب العجائب ، وفلك الغرائب"، وهو مفقود كذلك ، في "مراتب الوجود" المرتبة 40 ، و18. 
وفي "حقيقة الحقائق" ق 51 و ، 69 و . 
وفي "سر النور المتمكن" ق14 ومخطوط برلين برقم 3024.
وغير ذلك من الكتب . فهذه كلها أدلة اكيدة - من حيث الشكل - على ثبوت نسبة كتاب "المناظر" الى الجيلي ..
أما من حيث المضمون ، فهناك يتوفر خصائص أسلوب الجيلى فيه ، وعناصر مذهبه الصوفي.
وطابع الجيلي الشخصي البارز في مؤلفاته على النحو الذي سنراه في عناصر فقرات تحليل الكتاب ودراسته . 
وكذلك شيوخه كالجبرتی ، واخواته في الطريق ، كالرداد ، والحكاك ، وغيرهم ممن أشار لهم في كتابه "المناظر" وكتبه الأخرى .
وهذا يعني أنه لا يوجد ادنى شك في صحة نسبة الكتاب : "المناظر الالهية" - الى عبد الكريم الجيلي
وهذا القدر يكفينا لكي ننتقل للحديث عن تحليل الكتاب ودراسته 
- شروط الجيلي في القاريء ، وكيفية فهم الكتاب :
فهذا الكتاب - المناظر الالهية - تسجيل دقيق لرحلة الجيلى الروحية ، التي قام بها في حياته السلوكية الصوفية ،. منذ البدايات ، حتى النهايات ، أو الغايات . وهي رحلة خطرة للغاية : في مطلعها ، وفي منتهاها ، وفي تضاعيفها ، بل في كل خطوة من خطواتها . 
ولعظم هذه الخطورة ، يبادر الجيلي فيشرح لنا كل مرحلة ، او كل خطوة من خطواتها ، في قالب منظر من مناظر الكتاب ، البالغ عددها الواجد بعد المائة . 
وهو يعرفنا بعثرة كل خطوة يخطوها السالك ، وقصور كل مرحلة يقطعها الصوف ، وعيب كل منظر يشهده العيد : في هيئة " آفة " يذكرها لنا في نهاية كل منظر ، ويؤكد لنا أن الآفات ملحقة بالعبد ، كما أن المناظر ملحقة بالله .
ولا ينسى أن ينبه القارئ الى أن تخطيه هذه الآفة ، هو شرط لترقية الى المنظر التالي . 
كما لا ينسى ان ننبه القراء ، في خطبة الكتاب ، إلى أن هذه المناظر الالهية ، ما هي الا محاضر لاجمال العلوم اللدنية . 
ومن هنا فان تفصيلها لا يكون الا عن « موهبة ثابتة الهية » ، وليس كسبا يصطنعه العبد بجده واجتهاده . 
وهذه الموهبة الالهية قد يدركها العبد وهو "في نفس المنظر العلي" وقد يتأخر عليه ذلك الإدراك ، أو" تفصيل تلك العلوم " ، إلى ما لا بعد نزوله عن تلك المناظر " . 
وفي الحال الأول :
يتيسر له الإدراك عن طريق الإيحاء الإلهى ،
أو عن طريق " حقيقة اتصاف من الصفة العلمية » الإلهية ، وثمرة ذلك على العبد : هو استيفاؤه أداء آداب الحال والمقال اللازمين لمقام كل منظر .
أما في الحال الثانية : 
فان العبد إذا لم يتيسر له الالهام الالهي ، فلابد له من شيخ مرب ، له معرفة كشفية بالمناظر الإلهية " مكاشف بالمناظر الإلهية" ييسر له فهم هذه المناظر .
"وإدراك تفاصيلها ، وثمرة ذلك على العبد : هو توفية " الوقت الذي هو فيه أدبه ". ولكن بالطبع - يفوته أدب تلك المناظر،  لفوات وقوعها ، وانقضاء معايشتها ، وليست الحكاية كالمعايشة ، لأن التجلي الواحد، أو المنظر الواحد ،لا یبقی زمانین ۰أما من لم يتيسر له الوهاب الإلهي ، سواء أكان ذلك إيحاء إليها ، أم بحقيقة اتصاف من الصفة العلمية ، أم بأعلام شيخ مربي مكاشف بالمناظر الإلهية .
ـ فانه إذا جذب إلى بعض المناظر الإلهية ، وخرج منها ، أنكر حاله فيها ، ودهش من أوصافها لو سمع بها ، لضعف علمه ، وقصور فهمه .
وإذن فهذه الرحلة الروحية للجيلي ، هي رحلة خاصة ، فى عالم مخصوص ، هو عالم المشاهد ، أو المناظر الالهية ، أو التجليات الإلهية ، من طريق الأسماء والصفات ، قام بها صوفي ذو تكوين روحى خاص ، وهو الجيلى ، سجلها في دقة وأناة ، ليقرأها قراء من نوع روحى خاص .  تيسر لهم ما ذكره الجيلى من شروط وعدة روحية خاصة ۰
و من هنا ، فإننا نرى الجيلي يردد کثیرا عبارات ذات مغزى ، في مواضع عديدة متفرقة من كتابه ، من مثل :
"وهذا كلام لا يفهمه الا الغرباء • • • • •" و "... ولا يعرف ذوق ما قلناه الا  الغرباء ….» و" …… ولقد اشم رائحة من وراء 
هذا السر ، لا يحل نشرها ، إذ لا يمكن بثها . 
فعليك بك ، والله المستعان » و « ... فوا أسفاه عليك : كيف يكون فهمك لهذا الکلام ! » . ، و « ... ولا یعرف ما قلناه إلا من وقع في هذا المشهد ...)) انظر : منظر 22 ،68 ، 69 ، 74 ، 93 وغيرها.
– ضوابط قراءة الكتاب :
والجيلى لا يكتفي بذلك ، يل أنه - زيادة في الحيطة ـ بيضع للقراء ضوابط منهجية وعقدية :  تصبون الناظر في هذا. الكتاب عن الزيغ والزلل ، وتمنعه عن الخطأ والخطل . 
انظر : خطبة الکتاب ۰ وهو یری - بادئ ذي بدء - أن طالبی معرفة علم الحقائق ، آی التصوف ، عليه " أن يقيس العلوم الواردة إليه على الأصول المشروعة التي قد ثبتت بالكتاب والسنة فما وجده من تلك العلوم موافقا للشريعة ، اعتقده و تحلى به . 
وما یجده مخالفا توقف عن استعماله ... إلى أن يفتح الله تعالى يما يؤيده من الشريعة ، فيستعمله حينئذ ".. 
و مبدأ تقويم علم الحقائق بمقاييس الشرع هو مبدأ مشترك بين شيوخ التصوف كلهم ، ما قیل ابن عربی و ما بعده .
ثم يضع الجيلى ، بالاضافة الى المبداً العام السابق ، أصولا أربعة لابد من الالتزام بها لكل ناظر فى هذا الكتاب ، وخلاصتها الآتى :
1 ـ الاعتقاد في التنزيه المطلق لله تعالى .
2 - الاعتقاد في أفضلية محمد صلى الله عليه وسلم على كل المقربين واکمليته على رسل رب العالمين وختمه للمرسلين.
3 - الاعتقاد بصحة ما جاء به محمد به ، و ما حواه من عقائد سمعية وغيرها .
4 - ينبغي للناظر أن يجعل طلبه لهذا العلم : "خالصا لمعرفة الله ، خالصا لوجهه "
، ولكونه أهلا لأن يعرف ، وليس للوصول إليه أو معرفته! ..
ومن هنا فعليه تزكية نفسه ، وتطهيرها حتى يمكنه الله تعالى من ذلك.
والچیلی یذکرنا بهذه الأصول والمبادئ طوال مناظر کتابه ، في المواضيع التي يشعر فيها بخطورة الفكرة ، ، أو الخطرة ، ، أو اللطيفة ، أو الرقيقة ، فيقول :
" …  كما يشاء الله تعالى ، من غير تشبيه ، ولا حلول ، ولا نوع من النقائص " منظر 28 ( الحق ) .
ويقول في موضیع آخر :
" … تچلت أنواره ق الوجودات ، بغير حلولی ، ولا مزج ، ولا شائبة نقص..." منظر30 ( الواحدة )۰ و یقول : 
" …  والله تعالى كذلك ، ومن وراء ذلك ، وبخلاف ذلك  …" منظر 76 ( الصورة ) ۰ 
و یقول : 
" …  فالحق تعالى هو القائم بمعنی صور الموجودات والتجلي فیھا ، بغير حلول ، ولا مزج ، بل هو کما هو أهله  …" منظر 77 ( المعنی ) ۰ 
و یقول : 
" … والله . تعالى منزه عن الشرك والاتحاد ، تعالى الواحد سبحانه و تعالی … " منظر 80 ( المعية ) ، وغير ذلك من المناظر .
لغة الشيخ عبد الكريم الجيلى :
وهي آخر عناصر الطابع الشخصي للكتاب : 
ولغة الجيلى فى عمومها لغة سهلة سلسلة . وهو يكتب نثرا شعريا سلسا منسجما. وهو يستخدم السجع الطويل والقصير الفقرات . 
وكثيرا ما يستخدم ألوان البديع والبيان ، وهو يؤثر بالقطع المعاني الباطنة على الظاهرة ، والكناية على المجاز ، وهو يقول في أحد كتبه : « ... جميع ما سنورده ، فانی لم ارد به ظاهر ما دلت عليه حقيقة الألفاظ ، ... فان البلغاء مطبقو . على أن الكلام بالكناية أفضل منه بالمجاز ... (حقيقة الحقائق ، مخط ق 46.) .
ولكنه في كل ذلك ، لا يصدر في كتابته واسلوبه عن قريحة محترف من محترفي الكتابة والتأليف ، وإنما هو يعبر عن ذاته وشخصه ، دون تعمل ، بنفس الحرارة التي لفحته وهو يخوض تجربة الموضوعات التي يعبر عنها .
ومن هنا كان أسلوبه سلسا منسجما ، تجری نغمته على طبقات مختلفة ، وفقا لأهمية الموضوع ، وشدة التجربة ، فلا يجد القارىء عناء في الشعور بهذه الحرارة ، مهما كان سجع. الجيلي طويلا أو قصيرا ، ومهما كانت تشبيهاته ، وصوره البيانية غريبة ، وكتاب ( المناظر الالهية ) الذي بين أيدينا اليوم ، هو مثال صادق يعكس خصائص أسلوب الجيلي ، وطريقته في الكتابة ، خاصة في المواضع التي يتحدث فيها بضمير المتكلم المفرد .
ونحب أن نضيف الى ذلك ، أن الجيلي كثيرا ما يستخدم الفاظا وعبارات مأخوذة من اللهجة المحلية اليمنية .
وعلى سبيل المثال : تعبيره شبه الدائم "من حصل في هذا المنظر" أو « من يحصل » وغير ذلك من التعبيرات التي سيلحظها القارئ .
وقد يتعثر الجيلي في تعبيره عن الفكرة فيجيء تعبپره غريبا غير مفهوم ، كما فعل في المنطر الثاني والثلاثين ( منظر الفتق )، حين يقول :
... فترى المسألة الواحدة المعقولة في ضد ما يقال ، بعينها في ضده ، لكن من جهة أخرى ، لتداخل حضراتها في بعضها بعض ، وغير ذلك من المواضع .
والحقيقة أننا لا نستطيع الجزم بخطأ عبارة لو تعبير للجيلى ، ما دامت مؤلفاته لا تزال مخطوطة ، لم تنشر علميا ، وينبغي أن تتفق النسخ الخطية كلها على قراءة واحدة حتى يمكن للباحث أن يقرر أنها خطأ الجيلي ، وليس خطأ الناسخ.
ومهما يكن من امر ، فإن هذه الخصائص الأسلوبية كلها تشير - من جديد - الى الطابع الشخصي للجيلي في مؤلفاته ، وهو السمة البارزة والغالبة في كل مؤلفاته .
النسخ الخطية الكتاب 
اعتمدت في النشرة المحققة لهذا الكتاب على أربع نسخ مخطوطة تفصيلها كالآتي :
ا- النسخة الأولى ، وهي المرموز لها بالرمز (أ) . وهي نسخة خطية موجودة بمجموعة مخطوطات الحيوان الهندي ، بلندن انجلترا .
وهي نسخة. ضمن مجموعة مؤلفات برقم 666 ، وترتيبها الثالث من ورقة 34 إلى ورقة 61 ، ومسطرتها كالآتي :
8 بوصة طولا ، في 6 بوصة عرضا ، ويوجد بكل صفحة 20 سطرا . وهي جيدة للغاية ، وبها اضافات كثيرة جدا ، غير موجودة بالنسخ الأخرى غالبا .
 مثل : فهرست المناظر في مطلع الكتاب ، ومثل معظم الاحالات على مؤلفات الجيلى ، وقراءاتها الجيدة للنص ، ويمكن للقارئ متابعة ذلك عن طريق المقابلات الموجودة بالحواشي . 
ومن هنا فقد اعتمدت عليها كنسخة أولى ، ورمزت لها بالرمز (أ).
۲- نسخة دار الكتب مجاميع برقم 347 ، وميكروفيلم رقم ۰4534 والمجموعة تشمل ثلاثة كتب ، يقع كتابنا الثاني في ترتيب كتب المجموعة ، من ورقة 12 - 25 .
والمجموعة مكتوبة بقلم عادی بخط عبد القادر الصديقي البغدادی القادری ، فرغ منها في السابع والعشرين من شعبان من عام 1140 هـ . بحلب حسبما هو مذكور في نهاية المخطوط.
وقد استفدنا من هذه النسخة ، في تصحيح بعض القراءات للنص ورمزنا لها بالرمز (ب)  
3- نسخة دار الكتب برقم (23803 ب ).. وهي تحتوي على كتابين للجيلى :
الأول : ( الكهف والرقيم ). من ورقة 1 - 25 ظهر .
 الثاني : ( المناظر الالهية ) من ورقة 26 - 44.
وهي نسخة مكتوبة بقلم نسخ معتاد ، تمت كتابتها سنة ۹۹۸ هـ . ومسطرتها 23  سطر 14 في  21 سم .
وهذه النسخة بها كثير من الاخطاء ، والسقط ، والنقص في الجمل، ومع ذلك فقد استخدمناها لتصحيح قراءة النص . وقد رمزنا لها بالرمز ( ج ).
4 - نسخة المكتبة الملكية ببرلين - ألمانيا ، برقم 3306 ، مكتبة شبرنجر برقم 855 ، ضمن مجموعة بها عدة كتب . ويقع مخطوط المناظر بين ورقة 76 - 103.
ويصف الأستاذ الفرت حالة المخطوطة ، فيقول : بها اكل ارضة ، وبصفة خاصة في النصف الأول منها .
 أما عن الورق : فهو أصفر اللون ، فوي وأملس . وجلد الغلاف رمادي اللون ، مزين ببعض النقوش الذهبية .
وقد ذكر العنوان واسم المؤلف على الورقة 67 أ.
الخط : فارسي ، كبير نسبيا ، وعريض ، وغير منقوط ، والعناوين بالخط الأحمر . نسخها أبو طالب الحسيني . وتوجد بالمخطوط حواش على الهوامش .
وقد استفدنا من هذه النسخة في المقابلات ، وتصحيح قراءة النص ورمزنا لها بالرمز ( د ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ترجمة حياة العارف بالله الشيخ عبد الكريم الجيلي من كتاب المناظر الإلهية تحقيق د. نجاح الغنيمي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المودة العالمى ::  حضرة الملفات الخاصة :: الإمام عبد الكريم الجيلي -
انتقل الى: