منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي

منتدى المودة العالمى

ســـاحة إلكـترونية جــامعـة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي   الخميس يوليو 26, 2018 6:16 pm

مقدمة كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي

المؤلف:الشيخ الاكبر محيي الدين ابن العربي‏
تاريخ وفاة المؤلف:638 هـ
تعليقات د ابو العلا عفيفي
دكتوراة في الفلسفة من جامعة كمبردج

مقدمة كتاب فصوص الحكم

الجزء الاول

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 5
تصْدير، الفصوص و مذهب ابن عربي فيه‏
1- مؤلفات ابن عربي‏
للشيخ أبي بكر محمد بن علي الملقب بمحيي الدين بن عربي المتوفى سنة 638 ه 1240 م من المؤلفات ما لا يكاد العقل يتصور صدوره عن مؤلف واحد لم ينفق كل لحظة من لحظات حياته في التأليف و التحرير، بل شغل شطراً غير قليل منها فيما يشغل به الصوفية أنفسهم من ضروب العبادة و المجاهدة و المراقبة و المحاسبة.
و لو قيس ابن عربي بغيره من كبار مؤلفي الإسلام المتفلسفين أمثال ابن سينا و الغزالي لبذّهم جميعاً في ميدان التأليف من ناحية الكم و الكيف على السواء. 
أما من ناحية الكم، فقد ألَّف نحواً من مائتين و تسعة و ثمانين كتاباً و رسالة على حد قوله في مذكرة كتبها عن نفسه سنة 632، أو خمسمائة كتاب و رسالة على حد قول عبد الرحمن جامي صاحب كتاب نفحات الأنس، أو أربعمائة كتاب كما يقول الشعراني في اليواقيت و الجواهر. 
و قد وصفه بروكلمان (ج 1 ص 441) بأنه مؤلف من أخصب المؤلفين عقلًا و أوسعهم خيالًا، و ذكر له نحواً من مائة و خمسين مؤلفاً لا تزال باقية بين مخطوط و مطبوع. 
و مهما يكن من التضارب بين الكتّاب في عدد مؤلفات ابن عربي و أحجامها، فليس هناك من شك في أن هذا الرجل كان من أغزر كتاب المسلمين‏
................................................................................ 
فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 6
علماً و أوسعهم أفقاً و أدناهم إلى العبقرية و التجديد في ميدان دخل فيه كثيرون غيره، و لم يخرجوا منه بمثل ما خرج، و لا بلغوا فيه الشأو الذي بلغ. و لا جدال في أن مؤلفاته تربو على المائتين على أقل تقدير، من بينها «الفتوحات المكية»، تلك الموسوعة الصوفية العظيمة التي لم تلق بعد من العناية و الدرس ما هي جديرة به، و منها تفسيره الكبير للقرآن الذي يقول فيه صاحب فوات الوفيات (ص 301- 2) إِنه يبلغ خمسا و تسعين مجلدة، و منها: «فصوص الحكم» و «محاضرة الأبرار»، و «إنشاء الدوائر» و «عقلة المستوفز» و «عنقاء مغرب» و «ترجمان الأشواق» و غيرها. 
و أما من ناحية الكنيف، فإِن كتب ابن عربي جميعها- فيما أعلم- من واد واحد هو وادي التصوف الذي لزمه طول حياته و عاش في جوه العملي و النظري. فلم يخض في الفلسفة و الطب و الرياضة و التصوف كما فعل ابن سينا، و لم يشغل نفسه بمشاكل الفلاسفة و الرد عليهم و على غيرهم من الملاحدة، و بالتأليف في أصول الفقه و المنطق و التصوف كما فعل الغزالي.
و إنما كرّس جهده للكتابة في التصوف في شتى نواحيه، مبتدئاً بالكتب ذات الموضوعات الخاصة أمثال «التدبيرات الإلهية» الذي وضعه في المملكة الإنسانية و المقابلة بين الإنسان و العالم، و كتاب «مواقع النجوم» الذي وضعه في قواعد أهل الطريق، و رسالة الخلوة التي وضعها في نصح المريد و ما يجب عليه في خلوته، و «عنقاء مغرب» الذي وضعه في الولاية. 
ثم عقَّب بالكتب المطوّلة الشاملة لنواحي التصوف النظرية و العملية ككتاب الفتوحات المكية الذي ألّفه بين سنة 598 و سنة 635. فقد جمع في هذا الكتاب أشتاتاً من المعارف تمثل الثقافة الإسلامية بأوسع معانيها، و حشدها جميعها لخدمة العلم الأساسي الذي ندب نفسه للكتابة فيه، و هو التصوف. و انتهى في دور نضجه العقلي و الروحي بتأليف‏

................................................................................ 
فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 7

كتاب فصوص الحكم الذي يمثل خلاصة مذهب ظلَّ يضطرب في صدره نيفاً و أربعين عاماً، و هو لا يجرؤ على الجهر به في جملته، و لا يخرجه في صورة كاملة محكمة التأليف إلى أن صاغه آخر الأمر في هذا الكتاب الذي طلع به على الناس فأذهلهم و أثار في نفوسهم الحيرة و الشك كما أثار الإعجاب و التقدير.

2- منزلة الفصوص و أثره‏
و لا مبالغة في القول بأن كتاب «الفصوص» أعظم مؤلفات ابن عربي كلها قدراً و أعمقها غوراً و أبعدها أثراً في تشكيل العقيدة الصوفية في عصره و في الأجيال التي تلته. فقد قرر مذهب وحدة الوجود في صورته النهائية و وضع له مصطلحاً صوفيّا كاملًا استمده من كل مصدر وسعه أن يستمد منه، كالقرآن و الحديث و علم الكلام و الفلسفة المشائية و الفلسفة الأفلاطونية الحديثة و العتوصية المسيحية، و الرواقية و فلسفة فيلون اليهودي، كما انتفع بمصطلحات الإسماعيلية الباطنية و القرامطة و إخوان الصفا و متصوفة الإسلام المتقدمين عليه. 
و لكنه صبغ هذه المصطلحات جميعها بصبغته الخاصة و أعطى لكل منها معنى جديداً يتفق مع روح مذهبه العام في وحدة الوجود، فخلَّف بذلك ثروة لفظية في فلسفة التصوف كانت عدة متصوفة وحدة الوجود في العالم الإسلامي عدة قرون، و حولها حامت جميع المعاني التي طرقها كتَّابهم. 
و ما من صوفي إسلامي أتى بعد ابن عربي، شاعراً كان أم غير شاعر، عربيّا كان أم فارسيّاً أم تركياً، إلا تأثر بمصطلحه، و نطق عن وحي كلمه. 
و لست أذهب إلى أن هذا المصطلح الفلسفي الصوفي الكامل الذي وضع فيه المؤلف كتاباً خاصاً، موجود برمته في الفصوص، فإن فتوحاته المكية الذي هو أعظم موسوعة في التصوف في اللغة

................................................................................ 
فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 8
العربية غني حافل بهذه المصطلحات، و لكن الفصوص حوى أمهاتها و أضفى عليها من الدقة العلمية، و النضج الفكري ما لا نجده في كتاب آخر له. 
و إِلى مصطلحات الفصوص خاصة يرجع فضل تأثير ابن عربي فيمن ترسَّم خطاه في الطريق الصوفي.
على أن أهمية الفصوص ليست قاصرة على مصطلحاته التي رددها الصوفية و الشعراء من بعد ابن عربي ترديداً، فإِن للكتاب قيمة أخرى لا تقدر من ناحية مادته، إذ فيه يعالج المؤلف مشكلته الكبرى- مشكلة وحدة الوجود- و ما تفرع عنها من المسائل التي سلك في استنباطها مسلكاً كلامياً خاصًّا لا أجد له نظيراً في مؤلف آخر من مؤلفاته، و ربط هذه المسائل كلها ربطاً محكماً داخل دائرة مذهبه العام. فجاء كتابه خلاصة لمذهب في الفلسفة الصوفية منسجم متسق الأجزاء، و هو مذهب لا تكاد نظفر به كاملًا في كتاب آخر له، كما لا نظفر بمثله في كتب غيره من الصوفية الذين سبقوه أو أتوا من بعده. و في هذه الناحية أيضاً- ناحية مادة الفصوص- كان ديْن متأخري الصوفية لابن عربي عظيماً. 
و ليس ما خلَّفه شعراء الفرس من تراث شعري صوفي رائع سوى صدى لتلك المعاني التي ابتكرها صاحب الفصوص و ورثتها عنه العبقرية الفارسية فأبدعت في تصويرها و في أساليب التعبير عنها. فاضت قلوب شعراء الفرس و الترك بمعاني الوحدة الوجودية الشاملة و بالحب الإلهي القاهر القائم عليه كل شي‏ء. 
و قالوا إِن الحق أصل كل موجود، و إِنه يتخلل العالم بأكمله فيضاً عن فيض، و إِنه الفاعل على الحقيقة لكل شي‏ء في كل شي‏ء، تصدر عنه الأشياء، و تفيض عنه الحركات، يلبس في كل آن صورة جديدة- ما لا نهاية له من الصور الجديدة- يخلعها عن نفسه إِلى صور جديدة أخرى. و إن عالم الممكنات يخلق خلقاً جديداً في كل لحظة و يفنى في اللحظة التي تليها، و ان‏

................................................................................ 
فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 9
كنا لا ندرك ذلك من أنفسنا و من العالم الذي يحيط بنا لكثرة ما يتعاقب علينا و على العالم من صور الفناء و البقاء. و يصف شعراء الفرس و الترك كيف أضاء الحق بنوره الأزلي جميع نواحي الوجود، و كيف أضاءت أسماؤه بالوجود أعيان الموجودات و هي في حال عدمها الأزلي، فعكست كل عين منها كمالات الأسماء كما تعكس المرايا صور المرئيات، و كيف تجلت صفات الجلال الإلهي في نار الجحيم و في الشياطين و ظهرت صفات الجمال في الجنة و الملائكة، و كيف جمع الإنسان في نفسه هذه الصفات جميعها فكان عالماً صغيراً فيه كل ما في العالم الأكبر من صفات الجمال و الجلال.
هذه بعض المعاني التي تغنّى بها شعراء الفرس و الترك من أصحاب وحدة الوجود و كلها من مذهب ابن عربي في الصميم و من بعض ما أودع في كتابه الفصوص.
3- ابن عربي فيلسوف صوفي‏
و لكن ابن عربي و إن وهب بسطة في الفكر و الخيال، و عمقاً في الحس الروحي، يعوزه المنهج الفلسفي الدقيق و التحليل العلمي المنظم.
فهو من غير شك فيلسوف صاحب مذهب و مؤسس مدرسة، و لكنه فيلسوف آثر أن يهمل منهج العقل الذي هو منهج التحليل و التركيب و يأخذ بمنهج التصوير العاطفي و الرمز و الإشارة و الاعتماد على أساليب الخيال في التعبير.
و ربما كان له عذره في كل ذلك لأنه- ككل صوفي- يعالج مسائل يستعصى على العقل غير المؤيد بالذوق أن يدركها و يستعصى على اللغة غير الرمزية أن تفصح عن أسرارها.
و متى كان العقل وحده أداة صالحة للوصول إلى اليقين، أو إلى الحقيقة التي تطمئن إليها النفس؟ و متى كانت اللغة وحدها صالحة للتعبير عن تلك الحقيقة بعد الوصول إليها؟ فابن عربي فيلسوف‏

................................................................................ 
فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 10
من غير شك من حيث أن له مذهباً في طبيعة الوجود كسائر الفلاسفة، و لكنه فيلسوف صوفي اصطنع أساليب الصوفية و رموزهم للتعبير عن فلسفته. 
و هذا سبب من أسباب التعقيد الذي نلمسه في كل سطر من أسطر كتبه- لا سيما كتاب الفصوص: فإن القارئ لهذا الكتاب لا يكاد يظفر بالفكرة الفلسفية فيه حتى يجدها و قد غابت عن نظره تدريجاً تحت ستار من الرمزية يغلق معناها إلى حين، ثم تخرج من وراء هذا الستار مرة أخرى منصبة في قالب شعري صوفي يخاطب بها أصحاب الذوق و المواجيد لا أصحاب الفكر و النظر!. 
إن ابن عربي قد كتب كتبه تحت تأثير نوع من الوحي أو الإلهام، فأنزل في سطورها ما أُنزل به عليه لا ما قضى به منطق العقل، و لهذا يجب أن ننظر إلى مذهبه في جملته لا في تفاصيله، و نستخلص هذه الجملة من بين أشتات التفاصيل التي لا يبدو في ظاهرها انسجام و لا ترابط. 
و لم يكن الرجل واهماً و لا مفتريا حينما قال في فصوصه «و لا أُنزل في هذا المسطور الا ما ينزل به عليّ، و لست بنبي و لا رسول، و لكني وارث، و لآخرتي حارث». 
فهو يعتقد عن يقين أن كتابه من إملاء رسول اللّه من غير زيادة و لا نقصان، أملاه عليه في رؤيا رآها في دمشق سنة 627 ه، و أنه لم يكن إلا مترجماً لما كاشفه به النبي الذي هو منبع العلم الباطن و مصدر نور المعرفة. كما أنه لم يكن واهماً و لا مخدوعاً عن نفسه عند ما سمى موسوعته الكبرى في التصوف باسم «الفتوحات المكية» و سمى كتاباً آخر بالتنزيلات الموصلية إلى غير ذلك مما يؤيد به دعواه أنه لا يصدر في كتبه عن تفكير أو روية، بل عن كشف و إلهام، و أما ما نطق به فيها لم يكن الا من «الفتوح» الذي يفتح اللَّه به على الخاصة من عباده.
و لكني على الرغم من كل هذا موقن بأن لتفكير ابن عربي نصيباً غير قليل‏


فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 11
في تشكيل مذهبه، و إن كانت موجات الشعور الصوفي المباغتة كثيراً ما قللت من حدة هذا التفكير و طغت عليه و أنزلته المنزلة الثانية. 
و لهذا لا أرى من الصواب أن نصف مذهبه بأنه مذهب فلسفي بحت- إذا اعتبرنا التفكير و الترابط المنطقي أخص صفات الفلسفة- و لا بأنه مذهب صوفي بحت، إذا اعتبرنا الوجدان و الكشف أخص مميزات التصوف. و لكنه مذهب فلسفي صوفي معاً، جمع فيه بين وحدة التفكير و قوة الوجدان، و حاول أن يوفق فيه بين قضايا العقل و أحوال الذوق و الكشف: و ربما انفرد «الفصوص» من بين كتبه بأنه أكمل صورة جَمع فيها بين هاتين الناحيتين و استغلهما إلى أبعد مدى في تأييد مذهبه في وحدة الوجود. 
أما أن له مذهباً فلسفياً صوفياً في طبيعة الوجود فهذا ما لا سبيل إلى إنكاره أو الشك فيه، فإِننا نلمس هذا المذهب في كل صفحة من صفحات الفصوص كما نلمسه في كتبه الأخرى لا سيما الفتوحات، و كلما حاول أن يخفيه أو ينطق بغيره عاد إليه فأكده و ارتفع به صوته أشد ما يكون و أعنف ما يكون. غير أننا لا نكاد نظفر بهذا المذهب كاملًا في أي كتاب من كتبه- و إن كان الفصوص أجمعها و أشملها من هذه الناحية- و لذا يجدر بالباحث عن هذا المذهب أن يجمع عناصره المبعثرة في كل مكان و يؤلف بينها حتى يظهر له في وحدته المتماسكة.
و ما أشبه ابن عربي في هذا بفنان ألّف لحناً موسيقياً عظيماً ثم بدا له أن يخفيه عن الناس فمزقه و بعثر نغماته بين نغمات ألحان أخرى.
فاللحن الموسيقي العظيم هنالك لمن أراد أن يتكبد مئونة استخلاصه و جمعه من جديد! و قد سجل ابن عربي على نفسه قصد إخفاء مذهبه و الضن بأن يظهره كاملًا في أي كتاب من كتبه في عبارة وردت في الفتوحات (ج 1 ص 47- 48) حيث يقول بعد أن ذكر عقيدة العوام ثم أردفها بعقيدة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 12

الخواص «و أما التصريح بعقيدة الخلاصة (أي عقيدة خلاصة الخاصة و هي مذهبه في وحدة الوجود) فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، لكن جئت بها مبددة في أبواب هذا الكتاب (الذي هو الفتوحات) مستوفاة مبينة، لكنها كما ذكرنا متفرقة. 
فمن رزقه اللَّه الفهم فيها يعرف أمرها و يميزها من غيرها، فإِنها العلم الحق و القول الصدق، و ليس وراءها مرمى. و يستوي فيها البصير و الأعمى، تُلحق الأباعد بالأدني، و تلحم الأسافل بالأعالي».


4- أسلوبه في الفصوص و غيره‏
يقول العلامة نيكولسون في وصف أسلوب ابن عربي في الفصوص: إنه يأخذ نصاً من القرآن أو الحديث و يؤوله بالطريقة التي نعرفها في كتابات فيلون اليهودي و أريجن الإسكندري. و نظرياته في هذا الكتاب صعبة الفهم، و أصعب من ذلك شرحها و تفسيرها، لأن لغته اصطلاحية خاصة، مجازية معقدة في معظم الأحيان. 
و أي تفسير حرفي لها يفسد معناها، و لكنا إذا أهملنا اصطلاحاته استحال فهم كتابه و استحال الوصول إلى فكرة واضحة عن معانيه، و يمثل الكتاب في جملته نوعاً خاصاً من التصوف المدرسي العميق الغامض.
يستند كل فص من الفصوص السبعة و العشرين إلى طائفة من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية المتصلة بالكلمة الخاصة (النبي) الذي تنسب حكمة الفص إليه.
و يسرد المؤلف قصة كل نبي كما وردت في القرآن، و كما يعرفها جمهور المسلمين عادة، و لكنه يتخذ من كل قصة مسرحاً ليمثل فيه صاحب القصة الدور الخاص الذي يعهد إليه القيام به، فإِن الأنبياء على نحو ما صورهم في الفصوص نماذج‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 13

و صور للإنسان الكامل الذي يعرف اللَّه حق معرفته، فكل منهم ينطق- أو ينطقه ابن عربي- بالمعرفة التي اختص بها، فيقوم في ذلك بشرح ناحية من نواحي مذهبه و الدفاع عنه. فآدم مثلًا يفسر معنى الخلافة الإنسانية و يبين منزلته من اللَّه و العالم، و بأي معنى استحق الإنسان الخلافة عن اللَّه، و صدق عليه أنه الموجود الذي خلقه اللَّه على صورته. و أيوب يمثل دور الإنسان الذي ابتلاه اللَّه بعذاب الحجاب- لا عذاب البدن- فهو يبحث جاهداً عن طريقة لإزالة ألم الحجاب عن نفسه حتى يصل إلى برد شراب المعرفة الحقة. و داود و سليمان يتمثل فيهما نوعان من الخلافة: الخلافة الظاهرة التي هي خلافة الملك و يتبعها العلم الظاهر، و الخلافة الباطنة التي يتبعها العلم الباطن. 
و محمد يمثل دور المدافع عن الفردية الثلاثية: أي التثليث الذي قام عليه كل شي‏ء في الوجود و هكذا. يعمد ابن عربي في كل ذلك إلى تخريج المعاني التي يريدها من الآيات و الأحاديث بطريقة خاصة في التأويل. 
فإن كان في ظاهر الآية ما يؤيد مذهبه- مهما كانت دلالتها على التشبيه و التجسيم- أخذ بها، و إلا صرفها إلى غير معناها الظاهر. 
و هو مع هذا لا يجيز تأويل المعتزلة للآيات الدالة على التشبيه، بل يتهمهم بأنهم يحكمون العقل وحده في مسائل الإلهيات و يقولون بتنزيه اللَّه تنزيهاً مطلقاً، و هذا في نظره جهل بنصف الحقيقة، إذ الحقيقة الكاملة هي أن اللَّه تعالى منزه مشبَّه معاً. (راجع كلامه في الفص الثاني و العشرين في تفسير قوله تعالى‏ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏).
و لا تخلو طريقة تأويله للآيات من تعسف و شطط أحياناً لا سيما إذا عمد إلى الحيل اللفظية في الوصول إلى المعاني التي يريدها كأن يقول في الفص الأيوبي إن المراد بالشيطان في قوله تعالى‏ «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ» هو البعد،

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 14


و إن ما شعر به أيوب لم يكن ألم المرض الذي ابتلاه اللَّه به، بل ألم عذاب الحجاب و الجهل بالحقائق، أو يقول في الفص الموسوي إن المراد بقول فرعون‏ «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ» لأجعلنك من المستورين لأن السين من أحرف الزوائد، فإذا حذفت من سجن بقيت «جن» و معناها الوقاية و الستر، و في قوله (في الفص نفسه) «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» معناه مستور عنه علم ما سألته عنه. 
و كقوله في تفسير الآية «قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى‏ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» إن في الإمكان أن نجعل «رسل اللَّه» مبتدأ خبره اللَّه (الثانية) فيكون معنى الآية: و قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي (أي الرسول): رسل اللَّه هم اللَّهَ، هو أعلم حيث يجعل رسالته! و عماده في كل ذلك أنه يتكلم بلسان الباطن، الذي هو في الحقيقة لسان مذهبه، و يترك الظاهر الذي يعبر عن عقيدة العوام.
فهو يقابل دائماً بين هذين اللسانين كما يقابل بين العقل و الذوق: العقل الذي هو لسان الظاهر، و الذوق الذي هو لسان الباطن.
ثم إنه يتمشى مع القرآن في تسلسل آياته في القَصَص، متبعاً طريقة التأويل التي أشرنا إليها: يخرج من القصة ثم يعود إليها ثم يخرج منها ثم يعود إليها، شارحاً، معلقاً، متفلسفاً، شاطحاً أحياناً، مستطرداً في أغلب الأحيان.
و كثيراً ما يكون استطراده لمناسبات لفظية بحتة، كما تكلم في الفص المحمدي عن الطيب الوارد في الحديث «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث النساء و الطيب إلخ» فجره ذلك إلى الإفاضة، في ذكر الطّيِّب (ضد الخبيث) من الأفعال و الأشياء: أي الحسن و القبيح منها، ثم عرض لمشكلة الخير و الشر و حقيقة الشر و منزلته من الوجود العام. و كما جره‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 15

الكلام (في نفس الفص) في الصلاة و المصلي إلى الكلام في المصلي و المجلِّي و درجات الناس في قربهم من اللَّه.


5- غموض أسلوبه‏
المعروف عن الصوفية إطلاقاً أنهم قوم لا يتكلمون بلسان عموم الخلق، و لا يخوضون فيما يخوض فيه الناس من مسائل علم الظاهر، و إنما يتكلمون بلسان الرمز و الإشارة- إما ضنَّا بما يقولون على من ليسوا أهلًا له، و إما لأن لغة العموم لا تفي بالتعبير عن معانيهم و ما يحسونه في أذواقهم و مواجدهم. أما ما يرمزون إليه فحقائق العلم الباطن الذي يتلقونه وراثة عن النبي، و هذه الحقائق لا يستقل بفهمها عقل، و لا بالتعبير عنها لغة. 
و هذان الأمران وحدهما كافيان في تفسير الصعوبات التي تعترض سبيل الباحث في فهم معاني الصوفية و مراميهم. و لذا كان الحذر ألزم ما يلزم الناظر في أقوالهم حين يحللها أو يؤولها أو يحكم عليها.
فكثيراً ما زلت أقدام الباحثين في أساليب القوم فصرفوها إلى غير معانيها، أو حمَّلوها ما لا تحتمل، أو أخذوا بظاهرها حيث لا يراد ذلك الظاهر.
و هذه مسألة تنبه إليها القدماء و حذروا من الوقوع فيها، بل نصحوا الناس- طلباً للسلامة، و صوناً للصوفية من أن يتجنى عليهم من ليس منهم، أن يكُفُّوا عن قراءة كتبهم أو يخوضوا في أقوالهم. 
و قد تردد هذا النصح بوجه خاص في النهي عن مطالعة كتب ابن عربي لما اشتهر به غموض أساليبه و استغلاق معانيه- لا تزهيداً للناس في قراءتها، أو إنكاراً عليه فيما كتبه، و إن حدث ذلك أحياناً، بل حرصاً على ألّا يُساء فهم مقصوده، و حماية لعقيدة القارئين من أن تتسرب إليها شكوكهم في غنى عنها، بسبب قراءتهم لكلام رجل لا يفهمون أغراضه. و الأمثلة على ذلك‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 16

كثيرة. ذكر المقِّري في ترجمة محيي الدين قال: «ذكر الشيخ عبد اللَّه بن سعد اليافعي اليمني أن بعض العارفين كان يقرأ عليه كلام الشيخ (ابن عربي) و يشرحه، فلما حضرته الوفاة نهى عن مطالعته و قال إنكم لا تفهمون معاني كلامه». و ذكر الشعراني في اليواقيت و الجواهر (ص 10) أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يقول «ما وقع إنكار من بعضهم على الشيخ (ابن عربي) إلا رفقاً بضعفاء الفقهاء الذين ليس لهم نصيب تام من أحوال الفقراء خوفاً أن يفهموا من كلام الشيخ أمراً لا يوافق الشرع فيضلوا. 
و لو أنهم صحبوا الفقراء لعرفوا مصطلحهم و أمنوا من مخالفة الشريعة». و قال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني (شيخ سراج الدين المخزومي و هو أكبر المدافعين عن محيي الدين) «إياكم و الإنكار على شي‏ء من كلام الشيخ محيي الدين، فإنه رحمه الله لما خاض في بحار المعرفة و تحقيق الحقائق عبَّر في أواخر عمره في الفصوص و الفتوحات و التنزلات الموصلية و في غيرها بما لا يخفى على ما هو في درجته من أهل الإشارات، ثم إنه جاء من بعده قوم عُمْي عن طريقه فغلَّطوه في ذلك بل كفروه بتلك العبارات و لم يكن عندهم معرفة باصطلاحه، و لا سألوا من يسلك بهم إلى إيضاحه، و ذلك أن كلام الشيخ رضي اللَّه عنه تحته رموز و روابط و إشارات و ضوابط، و حذف إضافات هي في علمه و علم أمثاله معلومة، و عند غيرهم من الجهال مجهولة».
و إذا كان استعمال لغة الرموز و الإشارات، و التحدث بلسان الباطن من أسباب غموض لغة الصوفية بوجه عام، فهي كذلك بوجه خاص في لغة ابن عربي فإن غموض أسلوبه و استغلاق معانيه قد صارا مضرب المثل، و أصبحا من الحقائق التي يعترف بها دارسو التصوف في كل زمان. و ليست الصعوبة في فهمه راجعة إلى تعقيد في مذهبه، فإنه من أسهل المذاهب و أيسرها فهماً، و إنما ترجع إلى الأساليب‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 17

التي يعبر بها عن هذا المذهب و الطرق الغريبة الملتوية التي يختارها لبسطه. و ها أنا ذا أجِمل الأسباب الأخرى التي أدت إلى تعقيد أسلوبه و استغصاء فهمه.
أولًا: يغلب على ظني أنه يعتمد تعقيد البسيط و إخفاء الظاهر لأغراض في نفسه. فعباراته تحتمل في أغلب الأحيان معنيين على الأقل، أحدهما ظاهر و هو ما يشير به إلى ظاهر الشرع، و الثاني باطن و هو ما يشير به إلى مذهبه، و لو ان من يعمِّق النظر في معانيه و يدرك مراميه لا يسعه إلا القول بأن الناحية الثانية هي الهدف الذي يرمي إليه. أما ما يذكره مما له صلة بظاهر الشرع فإنما يقدمه إرضاء لأهل الظاهر من الفقهاء الذين يخشى أن يتهموه بالخروج و المروق.
فهو يتخيل دائماً وجود أعداء العلم الباطن- أو بعبارة أدق، أعداء مذهبه- و يقنعهم بأساليبهم و يدَّعم أقواله بالآيات و الأحاديث، ثم يمضي في تخريج مذهبه من تلك الآيات و الأحاديث، فيحاول بذلك أن يعبر الهوة السحيقة التي تفصل بين ظاهر العقائد الإسلامية و النتائج المنطقية التي تلزم عن مذهب فلسفي في وحدة الوجود.
و لست بحاجة إلى ذكر أمثلة على هذا النوع من التخريج و التوفيق، ففي تعليقاتي على الفصوص في الجزء الثاني من هذا الكتاب من الأمثلة ما فيه الكفاية.
و قد كان ابن عربي يشعر دائماً بهذه الثنائية في أسلوبه، كما كان دائماً على استعداد لأن ينتقل بقارئه من لسان الظاهر إلى لسان الباطن أو العكس. سئل مرة عما يعنيه بقوله:
يا من يراني و لا أراه  .....  ‏ كم ذا أراه و لا يراني‏

مشيراً بذلك إلى مذهبه في وحدة الوجود و أنه يرى الحق متجلياً في صور أعيان الممكنات و لا يراه الحق لأنه هو المتجلي في صورته، فأجاب من فوره:
فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 18
يا من يراني مجرماً .....  و لا أراه آخذا
كم ذا أراه منعماً و  ......  لا يراني لائذا «1»

و من أمثلة تأويل الظاهر بالباطن شرحه لكتابه المعروف بترجمان الأشواق الذي نظمه بلسان النسيب و الغزل يكنِّي بكل اسم فيه عن فتاة جميلة تعلق بها عند ما زار مكة سنة 598 ه، و يومئ إلى الواردات الإلهية و التنزلات الروحانية و المناسبات العلوية. 
و في ذلك يقول:
كلُّ ما أذكره من طلل‏ أو ربوع أو مغان كلُّ ما
أو خليل أو رحيل أو رُبىً‏ أو رياض أو غياض أو حِمَى‏
أو نساء كاعبات نُهَّدٍ طالعات كشموس أو دُمىَ‏
كل ما أذكره مما جرى‏ ذكره أو مثله أن تفهما
صفة قدسية علوية أعْلَمَتْ أن لصدقي قدما
فاصرف الخاطر عن ظاهرها و اطلب الباطن حتى تعلما «2»


ثانياً: أنه يستعمل كثيراً من المصطلحات الفلسفية و الكلامية على سبيل الترادف أو المجاز مع ألفاظ أخرى واردة في القرآن و الحديث فيحملها من المعاني ما يخرجها عن أصلها.
«فالخير» الذي تكلم عنه أفلاطون و «الواحد» الذي تكلم عنه أفلوطين، و الجوهر الذي تكلم عنه الأشاعرة، «و الحق» «و اللَّه» كما يفهمهما المسلمون: كل هذه مستعملة عنده بمعنى واحد.
كذلك يستعمل على سبيل الترادف كلمة «القلم» الواردة في القرآن «و حقيقة الحقائق» الواردة في فلسفة أريجن،
______________________________
(1) الفتوحات المكية ج 2 ص 646: و نفح الطيب ص 407.
(2) ذخائر الأعلاق في شرع ترجمان الأشواق لابن عربي طبعة بيروت سنة 1312 ه ص 5

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 19

و «الحقيقة المحمدية» الواردة في كلام الصوفية. و قد يستعمل الكلمة الواحدة في اكثر من معنى كما هو الحال في كلمة «العين» و «الحقيقة» و «الماهية» و «الهوية».
ثالثاً: ان تكون قوة التفكير عنده خاضعة إلى حد كبير لقوة خياله، لذلك تراه يلجأ إلى الأساليب الشعرية و التشبيهات و المجازات في إيضاح أدق المعاني الفلسفية في مذهبه. 
و هذه الأساليب على الرغم مما لها من القيمة في تقريب بعض المعاني المجردة إلى الذهن، قد تضلل القارئ الذي يأخذ بجميع لوازم الاستعارات و التشبيهات و ينسى انها مجرد أساليب لفظية لإيضاح المعاني. و لابن عربي كل العذر في هذا، فإن لغة المنطق قاصرة عن ان تعبر عن تلك المعاني الذوقية التي يدركها الصوفي في أحوال وجده، فليس لديه إلا لغة الإشارة و الرمز، و لغة الخيال و العاطفة، يومئ بها إيماء إلى تلك المعاني التي لا يدركها على حقيقتها إلا من ذاق مذاق القوم و جرب أحوالهم.
رابعاً: أنه لا يلتزم الرمزية- على صعوبتها- التزاماً مطرداً. 
فإذا رمز بشي‏ء في موضع، عاد فرمز به هو نفسه إلى شي‏ء آخر. 
فهو مثلًا يستعمل «موسى» في أول الفص الموسوي رمزاً على الروح الإلهي المتعين بالتعين الكلي ليشرح به فكرته عن قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل، و لكنه في مناقشته لقصة الخضر- في نفس الفص- يرمز بموسى إلى مجرد «الرسول» لتستقيم له المقابلة بين موسى الرسول و الخضر الولي من جهة، و بين علم الرسول (الذي هو علم أحكام الظاهر) و علم الأولياء (الذي هو علم أحكام الباطن) من جهة أخرى.
خامساً: كثيراً ما يمزج الآيات القرآنية بعضها ببعض و يفسر بعضها ببعض حيث لا توجد صلة ظاهرة بينها، و ذلك كما ورد في الفص الموسوي، فإنه خلط الآية 85 من سورة غافر، بالآية 98 من سورة يونس في قوله‏ «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 20
رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ‏ ... إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ» و كقوله في الفص الموسوي أيضاً «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ»*- فجاء بما يظهر و يستر، «و هو الظاهر و الباطن»- و ما بينهما، و هو قوله‏ «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» و في هذا خلط بين آيتين الأولى‏ «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ»، و الثانية «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» و الأمثلة على هذا النحو من الخلط كثيرة.
6- تعليقاتي على الفصوص‏
يرجع عهدي بدرس كتاب الفصوص إلى سنة 1927 عند ما اختار لي المرحوم الأستاذ نيكولسون المستشرق الإنجليزي المعروف محيي الدين بن عربي موضوعاً لدراسة الدكتوراه بجامعة كمبردج. و كان الأستاذ قد قرأ الفصوص، و بعض شروحه و كتب خلاصة عنه في كتابه «دراسات في التصوف الإسلامي»)Studies in the Islamic Mysticism( و همَّ بترجمته إلى اللغة الإنجليزية، و لكنه عدل عن فكرته قائلًا:
هذا كتاب يتعذر فهمه في لغته مع كثرة الشروح عليه، فكيف به إذا ترجم إلى لغة أخرى؟ و في اعتقادي أن هذا السبب عينه هو علة إحجام جمهرة من فضلاء المستشرقين- غير نيكولسون- عن دراسة الفصوص و الانتفاع به فيما كتبوه من بحوث قيمة عن ابن عربي، و هي غير قليلة. فالأستاذ لويس ماسنيون الذي جرؤ على معالجة كتاب الطواسين للحلاج و حل رموزها، لا يكاد يذكر الفصوص أو يشير إليه في دراساته الواسعة القيمة في التصوف. 
و آسين بلاسيوس، و هو من أكثر المستشرقين دراسة لابن عربي يقتصر على الفتوحات و غيره في كل ما يقوله عنه، أما الفصوص فلا يدخل له في حساب. و نيبرغ الذي كتب مقدمته البارعة في صدر

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 21

نشرته لكتب ابن عربي الصغيرة، لا يكاد يذكره. و فون كريمر الذي خطط معالم التصوف تخطيطاً مفيداً و ختم كتابه بفصل خاص عن ابن عربي، اعتمد فيما كتبه على الفتوحات و كتب الشعراني و أغفل الفصوص.


قبلت دعوة الأستاذ نيكولسون و أقبلت على قراءة كتب ابن عربي مبتدئاً بالفصوص فقرأته مع شرح القاشاني عليه عدة مرات، و لكن اللَّه لم يفتح عليَّ بشي‏ء! فالكتاب عربي مبين، و كل لفظ فيه إذا أخذته بمفرده مفهوم المعنى، و لكن المعنى الإجمالي لكل جملة، أو لكثير من الجمل، الغاز و أحاج لا تزداد مع الشرح إلا تعقيداً و إمعانا في الغموض. ذهبت إلى الأستاذ أشكوه حالي، و أذكِّره بأن هذه أول مرة استعصى عليَّ فهم كتاب باللغة العربية إلى هذا الحد.
فنصحني بترك الفصوص و الإقبال على كتب ابن عربي الأخرى، فقرأت منها نيفاً و عشرين كتاباً ما بين مطبوع و مخطوط، منها الفتوحات المكية. و هنا بدأت تنكشف لي معاني الشيخ و مراميه بعد ما أصبحت على إلْف باصطلاحاته و أساليبه. فلما عدت إلى الفصوص وجدته مع صغر حجمه خلاصة مركزة لأمهات تلك المعاني، وَ وَضَح لأول مرة ما كان منه مستغلقاً، و أصبح يسيراً عليَّ فهم ما ألفيته بالأمس عسيراً.
مضت بعد عودتي من انجلترا سنين و انا مشغول عن ابن عربي و فصوصه بدراسات أخرى في التصوف و غيره من فروع الفلسفة الإسلامية، و لكن عاودني الشوق القديم إلى مجالسة الشيخ الأكبر فأقبلت مرة أخرى على الفصوص أعده للشر و الترجمة إلى اللغة الإنجليزية و التعليق.
و ها أنا ذا أتقدم لقراء اللغة العربية بنشرة محققة لمتن الكتاب مستخلصة من ثلاثة مخطوطات: اثنين منها بدار الكتب بالقاهرة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 22
(و هما رقم 126 تصوف بتاريخ 10 جمادى الآخرة سنة 839 ه و هي التي رمزت إليها بحرف أو اتخذتها أساساً لنشرتي، و الثانية رقم 333 بتاريخ 18 شعبان سنة 927 ه و هي التي رمزت إليها بحرف ب): و الثالثة نسخة ملك الأستاذ نيكولسون بتاريخ ربيع الأول سنة 788 ه و هي التي رمزت إليها بحرف ن. 
و هذه أقرب الثلاثة إلى عصر المؤلف و لكنها أكثرها تحريفاً. و وضعت على هذه النشرة تعليقاتي الخاصة التي يتألف منها الجزء الثاني من المجلد، و هي شروح للفقرات الرئيسية و الجمل الصعبة الواردة في النص- لا من الناحية اللفظية كما يفعل الشراح عادة، و لا من ناحية كتاب الفصوص دون غيره من كتب المؤلف، بل هي تعليقات أوحت بها دراستي الطويلة لابن عربي و مذهبه، و استمددتها من كل ما قرأته له أو عنه، و من بعض أمهات الشروح الموضوعة على الفصوص.
و لم أتجه في هذه التعليقات اتجاهاً خاصاً غير ما يمليه عليَّ فهمي لمذهب الشيخ، تاركا أمر الحكم على عقيدته جانباً، غير متأثر بمواقف الذين وقفوا منه موقف الدفاع أو موقف الاتهام، فإن هذه النواحي أتفه من أن يعني بها الباحثون عن الحقيقة، الذين يدرسون مذاهب الفلسفة من حيث هي و ينزلونها منزلتها من التأريخ الفكري و الروحي للجنس البشري.
و لم يحظ كتاب من الكتب بمثل ما حظي به كتاب الفصوص من عناية الشراح و المفسرين، فقد ذكر له صاحب كشف الظنون اثنين و عشرين شرحاً، و زادها الشيخ محمد رجب حلمي (أحد أحفاد الشيخ محيي الدين على حد قوله) إلى سبعة و ثلاثين ما بين عربي و فارسي و تركي. و تتفاوت هذه الشروح تفاوتاً عظيماً

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 23

في قيمتها و مدى فهم واضعيها لابن عربي و مذهبه، كما تتفاوت في النزعات الخاصة التي تأثر بها أصحابها. و أعظمها قدراً على الإطلاق شروح كمال الدين القاشاني (المتوفى سنة 730 ه) و صدر لدين القونوي (المتوفى سنة 671 ه) و عبد الرحمن جامي (المتوفى سنة 898 ه) و قد استعنت بهذه الشروح الثلاثة إلى حدٍ كبير، مستأنساً في بعض الأحيان بشرحي بالي افندى (المتوفى سنة 960 ه) و عبد الغني النابلسي (المتوفي سنة 1144 ه).


و أملي أن تلقي تعليقاتي هذه شيئاً من الضوء، لا على ما غمض من معاني الفصوص و حسب، بل على مذهب ابن عربي في جملته كما صوره في الفصوص و في غيره. و فيها- فيما اعتقد- جوهر مذهب المؤلف لمن يريد جمعه و استخلاصه، و لكن حرصاً على ألَّا يواجهها القارئ الذي لا عهد له بابن عربي و لا إلمام له بالمسائل الرئيسية التي شغل بها نفسه، فيضطرب فهمه و يتشوش ذهنه، آثرت أن أذكر في هذا التصدير خلاصة عامة لمادة الفصوص و مذهب صاحبه.


7- تحليل لكتاب الفصوص و مذهب ابن عربي‏
الفصوص كتاب في الفلسفة الإلهية الممتزجة بالتصوف، لا في التصوف البحث.
و غاية المؤلف فيه البحث في طبيعة الوجود بوجه عام، و صلة الوجود الممكن (العالم) بالوجود الواجب (اللَّه).
و أخص ناحية فيه- كما تشهد بذلك عناوين فصوله- البحث في الحقيقة الإلهية متجلية في أكمل مظاهرها في صور الأنبياء عليهم السلام، فإن كل فص من فصوصه يدور حول «حقيقة» نبي من الأنبياء يسميها «كلمة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 24

فلان أو فلان، و هي تمثل صفة من صفات الحق، كصفة الألوهية في الفص الآدمي، و النفثية في الفص الشيثي، و السبوحية في الفص النوحي، و القدوسية في الفص الإدريسي، و الحقية في الفص الإسحاقي، و العلمية في الفص الإسماعيلي، و الفردية في الفص المحمدي. 
فابن عربي لا يعرض في هذا الكتاب لمسائل التصوف العملية أو النظرية، و لا يعرض لمسائل فلسفية بحتة، و لا لمسائل علم الفقه يحاول تفسيرها تفسيراً صوفياً على نحو ما فعل في الفتوحات المكية و غيره من الكتب، و لكنه يلخص مذهباً في الفلسفة الصوفية هو أدق و انضج ما فاض عن عقله و عاطفته الدينية معاً، يقر فيه قضية عامة في طبيعة الوجود ثم يفرّغ عنها كل ما يمكن تفريعه من المسائل المتصلة باللَّه و العالم و الإنسان: و هذه هي ناحيته الفلسفية، و يتلمس تأييد هذه الفلسفة بالذوق الصوفي و التجربة الشخصية: و هذه هي ناحيته الصوفية.


8- القضية الكبرى‏
و القضية الكبرى التي تعبر عن مذهبه، و حولها تدور كل فلسفته الصوفية و تتفرع عنها كل قضية أخرى، و التي ملكت عليه زمام تفكيره فصدر عنها و عاد إليها في كل ما قاله و ما أحس به، هي أن الحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها و ذاتها متكثرة بصفاتها و أسمائها لا تعدد فيها الا بالاعتبارات و النِّسَب و الإضافات. 
و هي قديمة أزلية أبدية لا تتغير و إن تغيرت الصور الوجودية التي تظهر فيها. فهي بحر الوجود الزاخر الذي لا ساحل له، و ليس الوجود المدرك المحسوس إلا أمواج ذلك البحر الظاهرة فوق سطحه. فإذا نظرت إليها من حيث ذاتها قلت هي «الحق»، و إذا نظرت إليها من حيث صفاتها و أسماؤها: أي من حيث ظهورها في أعيان‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 25
الممكنات قلت هي «الخلق» أو العالم. فهي الحق و الخلق، و الواحد و الكثير، و القديم و الحادث، و الأول و الآخر، و الظاهر و الباطن، و غير ذلك من المتناقضات التي يحلو للمؤلف أن يكثر من تردادها. و هذا المذهب هو المذهب المعروف بوحدة الوجود. و قد قرره ابن عربي في جرأة و صراحة في غير ما موضع من الفصوص و الفتوحات: من ذلك قوله: فسبحان من أظهر الأشياء و هو عينها:
فما نظرت عيني إلى غير وجهه‏ و لا سمعت أذني خلاف كلامه‏ «1»


و لم يكن لمذهب وحدة الوجود وجود في الإسلام في صورته الكاملة قبل ابن عربي، فهو الواضع الحقيقي لدعائمه و المؤسس لمدرسته، و المفصل لمعانيه و مراميه، و المصور له بتلك الصورة النهائية التي أخذ بها كل من تكلم في هذا المذهب من المسلمين من بعده. 
و من المبالغة التي لا مبرر لها أن نذهب إلى ما ذهب إليه ألفرِدْ فون كريمر في قوله إن التصوف الإسلامي قد تحول في نهاية القرن الثالث الهجري. (يريد عصر أبي يزيد البسطامي و الجنيد و الحلاج) إلى حركة دينية انصبغت بصبغة وحدة الوجود التي تغلغلت فيه و أصبحت من مقوماته في العصور التالية.
ذلك أن الأقوال المأثورة عن أبي يزيد البسطامي و الحلاج، بل عن ابن الفارض المعاصر لابن عربي، ليست في نظري دليلًا على اعتقادهم في وحدة الوجود، بل على أنهم كانوا رجالًا فنوا في حبهم للَّه عن أنفسهم و عن كل ما سوى اللَّه فلم يشاهدوا في الوجود غيره. 
و هذه وحدة شهود لا وحدة وجود. و فرق بين فيض العاطفة و شطحات الجذب، و بين نظرية فلسفية في الإلهيات: أي فرق بين الحلاج الذي صاح في‏
______________________________
(1) الفتوحات: ج 2 ص 604 س 5 من أسفل.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 26

حالة من أحوال جذبه بقوله «أنا الحق»، أو ابن الفارض الذي أفناه حبه لمحبوبه عن نفسه فلم يشعر إلا بالاتحاد التام به فقال:
متى حِلت عن قولي «أنا هي» أو أقل‏ و حاشا لمثلي إنها فيَّ حلّت‏ «1»


أقول: فرق بين هذين الرجلين و بين ابن عربي الذي يقول في صراحة لا مواربة فيها و لا لبس، معبراً لا عن وحدته هو بالذات الإلهية و لا عن فنائه في محبوبه، بل عن وحدة «الحق» و الخلق:
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا و ليس خلقاً بهذا الوجه فادّكروا
جمِّع و فرِّق فإن العين واحدة و هي الكثيرة لا تبقي و لا تذر «2»


بل على افتراض أن «أنا الحق» التي نطق بها الحلاج لم تكن صرخة جذب و لا كلمة شطح، و إنما كانت- كما يقول الأستاذ نيكولسون- تعبيراً عن نظرية كاملة في ثنائية الطبيعة الإنسانية المؤلفة من اللاهوت و الناسوت، فإن أقصى ما يمكن أن نصف به هذه النظرية هو أنها نظرية في الحلول لا في الاتحاد و لا في وحدة الوجود.
و لكن أي صورة من صور القول بوحدة الوجود يمثلها مذهب ابن عربي؟ إنه لا شك ليس مذهباً مادياً يحصر الوجود فيما يتناوله الحس و تقع عليه التجربة، و يعتبر اللَّه اسماً على غير مسمى حقيقي. على العكس هو مذهب روحي في جملته و تفاصيله، يُحلُّ الألوهية من الوجود المحل الأول و يعتبر اللَّه الحقيقة الأزلية و الوجود المطلق الواجب الذي هو أصل كل ما كان و ما هو كائن أو سيكون فإن نَسَبَ إلى‏
______________________________
(1) التائية الكبرى 277، و معنى البيت: متى تحولت عن دعواي أنني أنا هي (أي المحبوبة): حاشا لمثلي أن يقول إنها حلت في، و هو بهذا ينكر نظرية الحلول التي قال بها الحلاج.
(2) الفص الإدريسي.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 27

العالم وجوداً فهو كوجود الظلال بالنسبة لأشخاصها و صور المرايا بالنسبة للمرئيات. أما العالم في نفسه فليس إلا خيالًا و حلماً يجب تأويله لفهم حقيقته.
و الوجود الحقيقي هو وجود اللَّه وحده. 
و لذا لم يحتج وجود الحق إلى دليل، و كيف يصح الدليل في حق من هو عين الدليل على نفسه، بل كيف يصح الدليل على وجود النور و به تظهر جميع الموجودات التي نحسها؟ إنما خفي الحق لشدة ظهوره كالشمس تحتجب عن الناظر إليها لشدة ما يبهر ضوؤها بصره.
فمذهب ابن عربي إذن صريح في الاعتراف بوجود اللَّه، و لكنه اللَّه الجامع لكل شي‏ء في نفسه، الحاوي لكل وجود، الظاهر بصورة كل موجود. 
و غني عن البيان أن هذا التصوير للألوهية ليس التصوير الذي تصوّر به الأديانُ الشخصيةَ الإلهية:
أي الذات الإلهية المتصفة بصفات خاصة تميزها عن صفات الخلق. بل إن الصفة الوحيدة التي يرى ابن عربي انفراد اللَّه بها هي صفة الوجوب الذاتي التي لا قَدَمَ لمخلوق فيها.
9- العلاقة بين الحق و الخلق‏
و ليس في الفصوص فكرة منظمة تشرح العلاقة بين الحق و الخلق، الوحدة و الكثرة، على نحو ما نجده في فلسفة أفلوطين في الفيوضات أو فلسفة عبد الكريم الجيلي في التنزلات، فإن ابن عربي يفضل أن يشرح هذه المسألة الميتافيزيقية المعقدة بالالتجاء إلى التشبيه و التمثيل و استعمال ألفاظ المجاز الغامضة مثل التجلي في المرآة و التخلل و السريان في الوجود و التأثير و التصرف و ما إليها. فللحق وجود حقيقي و هذا له في ذاته، و وجود إضافي و هو وجوده في أعيان الممكنات و هذا بالنسبة له كالظل الذي يمتد على سائر الموجودات فيعطيها وجودها باسم اللَّه «الظاهر». فالعالم‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 28
ظل إذا نظرت إليه من حيث عينه و باطنه و جوهره المقوِّم له (الفص اليوسفي) و هو نَفَس الرحمن الذي تفتحت فيه صور الوجود من أعلاه إلى أسفله، إذ أن نفس الرحمن يحتوي صور جميع الموجودات بالقوة كما يحتوي نفس الإنسان بالقوة جميع ما يصدر عنه من حروف و كلمات.
و لكن الخلق (عالم الظاهر) في تغير مستمر و تحول دائم أو قل هو على الدوام في خلق جديد. أما الحق فهو على ما عليه كان منذ الأزل و يتكلم ابن عربي عن خلق العالم، و لكنه لا يقصد به إيجاد العالم من العدم و لا إحداثه في زمان معين، و إنما الخلق عنده هو ذلك التجلي الإلهي الدائم الذي لم يزل و لا يزال، و ظهور الحق في كل آن فيما لا يحصى عدده من الصور. و هذا الظهور مع كثرته و دوامه لا يتكرر أبداً، لأن نسبة الذات الإلهية إلى كل صورة من صور الوجود غير نسبتها إلى الصور الأخرى. و تتفق هذه الفكرة في ظاهرها مع نظرية الأشاعرة القائلين بأن العالم متشابه بالجوهر مختلف بالأعراض، و أن العرض الواحد لا يبقى زمانين، بل تختلف الأعراض على الجوهر الواحد في كل لحظة. و لذا كانت الموجودات في مذهبهم في تغير مستمر مع بقاء جوهرها ثابتاً لا يتغير. و هذا مشابه لما يسميه ابن عربي بالخلق الجديد. و لكنه يخطئ الأشاعرة في أنهم لم يقولوا إن الحق (اللَّه) هو ذلك الجوهر و إن مجموعة الصور و النسب التي يسمونها الأعراض هي الخلق (العالم) بل راحوا يفترضون جواهر فرده في ذلك الجوهر العام، و هذه الجواهر بحسب تعريفهم مجموعة من الأعراض إلا أن لها وجوداً قائماً بنفسه من حيث إنها عين ذلك الجوهر القائم بنفسه، و لكنها من حيث هي أعراض لا تقوم بنفسها، فقد جاء من مجموع ما لا يقوم بنفسه من يقوم بنفسه و هذا خلف (الفص الشعيبي). الحق في نظر ابن عربي هو روح الوجود و هو صورته الظاهرة، و كل قول يشعر بالاثنينية يتنافى مع مذهبه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 29
10- الذات الإلهية
يمكن النظر إلى الذات الإلهية من وجهين: الأول من حيث هي ذات بسيطة مجردة عن النسب و الإضافات إلى الموجودات الخارجية. و الثاني من حيث هي ذات متصفة بصفات. و هي من الوجه الأول منزهة عن صفات المحدثات و عن كل ما يربطها بالوجود الظاهر، بل منزهة عن المعرفة، فهي أشبه شي‏ء «بالواحد» الذي قال به أفلوطين، لا يمكن تصورها و لا التعبير عن حقيقتها، و كل ما يمكن وصفها به أسلوب محضة. كما أنها ليست من هذا الوجه إلهاً على الحقيقة، لأن الإله يقتضي المألوه، أي يقتضي نسباً و إضافات إلى من هو مألوه له، و لهذا يخطِّئ ابن عربي الغزاليَّ و من يرى رأيه من الحكماء الذين يدّعون أن اللَّه تعالى يُعْرَف من غير نظر في العالم فيقول: نعم تُعْرَف ذات قديمة أزلية، لا تعرف أنها إله حتى يُعْرَف المألوه، فهو الدليل عليه (الفص الإبراهيمي). و وجود الذات على الوجه الأول وجود مطلق، و وجودهما على الوجه الثاني وجود مقيد أو وجود نسبي، لأن وجود الحق متعيناً في صور أعيان الممكنات- أو متعيناً في هذه النسب و الإضافات المعبر عنها بالصفات. و من هنا كانت الموجودات كلها صفات للحق: و في هذا يقول ابن عربي: «فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن (أي المحدثات) ذلك الوصف» و لكن الصفات عين الذات في نظره و نظر المعتزلة من قبله، فالحق عين الخلق، أو عين الصفات الظاهرة في مجالي الوجود، و هي ليست شيئاً زائداً على الذات، بل هي نسب و إضافات إليها (الفص الزكرياوي).

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 30
و يلزم من هذا أن علم الحق بذاته هو علمه بكل شي‏ء في الوجود سواء في ذلك ما كان منه بالقوة و ما كان بالفعل، و لكن الحق يميز الأشياء عن نفسه من حيث هي موضوعات لعلمه، و هذا لا يتعارض مع وحدة العلم و العالم و المعلوم.
و هو تمييز لا بد منه في طبيعة الوجود- أي طبيعة الوجود كما نعرفه.
11- العين واحدة مختلفة بالاحكام‏
و العين الوجودية واحدة، و لكنها تختلف بالأحكام، أي تختلف بالصور التي يحكم عليها بما يميز كل واحدة منها عن الأخرى. فالصلة بين الحق و الخلق (اللَّه و العالم) كالصلة بين الواحد العددي و ما ظهر عنه من الأعداد. فكما أن الواحد العددي أوجد الأعداد كلها ففصلته و كثرته مع أحدية ذاته، كذلك أوجد الواجد الحق الكثرة الوجودية المسماة بالعالم ففصلته و كثرته. و كما أن الواحد العددي هو عين الأعداد الظاهرة فيه، كذلك الحق المنزه هو الخلق المشبَّه و ليس التمييز بين الخلق و الخالق إلا بالاعتبار، و إلا فالخلق هو الخالق، و الخالق هو الخلق لأن العين واحدة. و لكن من وجه آخر ليس الخلق حقاً و لا الحق خلقاً أي إذا نظرت إلى صورة الخلق دون عينه و جوهره، فأنت هو لا هو و هو أنت لا أنت: أي أنت هو على الحقيقة و بالعين و لست هو من حيث صورتك و مظهرك. و لهذا وُصِف الحق بالأضداد و عرف بها «قال أبو سعيد الخراز:
و هو وجه من وجوه الحق و لسان من ألسنته عن نفسه بأن اللَّه تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها» (الفص الإدريسي). «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ‏، و هو عين ما ظهر و ما بطن. ليس في الوجود من يراه غيره، و ليس في الوجود شي‏ء باطن عنه. فهو الظاهر لنفسه‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 31
و الباطن عن نفسه، و هو المسمى بأسماء جميع المحدثات» (الفص الإدريسي).
فالأمر حيرة في حيرة، واحد في كثرة، و كثرة مردها إلى واحد، و أضداد تجتمع في حقيقة واحدة، و حقيقة واحدة لا تُعْرف إلا بقبولها الأضداد! و لكن هذه حيرة الجهال. أما الواقفون على سر الحقيقة، العارفون بوحدة الوجود فلهم حيرة أخرى، هي حيرة الذين يرون الحق في كل مجلى و يقرون به في كل صورة، فحيرتهم إنما هي في تنقلهم الدائم مع الحق في الصور.
12- التنزيه و التشبيه‏
اقتضى هذا الموقف من ابن عربي أن ينظر إلى العين الوجودية الواحدة من وجهين و أن يصفها بصفتين، سمى الأولى تنزيهاً و الأخرى تشبيهاً و لو أنه يغلب جانب التنزيه على جانب التشبيه أحياناً و يعكس الأمر أحياناً أخرى حسب مقتضيات أحواله. ففي موضع يبالغ في التشبيه إلى حد يكاد يصطبغ معه مذهبه بصبغة مادية، كقوله و هو (أي الحق) هو المسمى بأسماء جميع المحدثات، و كقوله في مناقشة نظرية الأشاعرة في الجوهر و الأعراض إن الحق ليس إلا ذلك الجوهر الذي تكلموا عنه، و إن تجليات الحق في مظاهر الوجود ليست سوى أعراض ذلك الجوهر و أحواله (الفص اللقماني). و في موضع آخر يبالغ في التنزيه إلى حد ترتفع معه كل مناسبة بين الحق و الخلق كأن يقول: «إذ لا يصح أن يعرف من علم التوحيد إلا نفي ما يوجد في سواه سبحانه، و لهذا قال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ»، و «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» فالعلم بالسلب هو العلم باللَّه تعالى‏ «1». و لكن صفتي‏
______________________________
(1) الفتوحات- ج 1 ص 120 س 10.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 32
التشبيه و التنزيه صفتان حقيقيتان لا يمكن الاكتفاء بإحداهما دون الأخرى لأن العقل وحده- و هو ما يعطي التنزيه- لا يمكنه أن يستقل بمعرفته، و الوهم وحده- و هو ما يعطي التشبيه- لا يصوره على حقيقته. و في هذا يقول: «فان العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته باللَّه على التنزيه لا التشبيه، و إذا أعطاه اللَّه المعرفة بالتجلي كملت معرفته باللَّه فنزه في موضع و شبه في موضع، و رأى سريان الحق بالوجود في الصور الطبيعية و العنصرية، و ما بقيت له صورة إلا و ترى عين الحق عينها. و هذه هي المعرفة التامة الكاملة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند اللَّه، و حكمت أيضاً بهذه المعرفة الأوهام كلها». (الفص الإلياسي).
13- إله وحدة الوجود و إله الأديان‏
هكذا لم يستطع ابن عربي بعد ان قال بوحدة الوجود ان يدين بالإله الذي صوره الناس في مختلف أنواع الصور في معتقداتهم، و خلعوا عليه ما شاءت عقولهم و قلوبهم أن يخلعوه من الصفات. فإن إله المعتقدات في نظره من خلق الإنسان، يتصوره كل معتقد بحسب استعداده و حظه من العلم و الرقي الروحي. أما إله ابن عربي- بل إله متصوفة وحدة الوجود جميعاً- فلا صورة تحصره، و لا عقل يحده أو يقيده لأنه المعبود على الحقيقة في كل ما يعبد، المحبوب على الحقيقة في كل ما يحب. إن العارف الكامل في نظره هو من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه (الفص الهاروني)، و كل من عبد غير هذا أو أحب غيره فقد جهل حقيقة ما عَبَدَ وَ مَا أحَب.
يعبد المعتقد إله الخاص الذي خلقه في معتقده و يجحد غيره من آلهة الاعتقادات،

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 33
و يثني على الحق و ما درى أنه يثني على نفسه، لأن إله المعتقد من صنعه- و الثناء على الصنعة ثناء على الصانع. و لو عرف هذا المعتقد حقيقة الأمر، و أن غيره ما عبد إلا الحق في صورة خاصة من صور الاعتقاد، أي لو عرف قول الجنيد و قد سئل عن اللَّه فقال: «لون الماء لون الإناء»- لو عرف كل ذلك ما أنكر على غيره ما يعبده، لأن ذلك الغير يظن- و لا يعلم- أن معبوده هو اللَّه، و اللَّه تعالى يقول: «أنا عند ظن عبدي بي» أي إنني لا أتجلي لعبدي إلا في صورة معتقده الخاص. و إله المعتقدات يسعه القلب لأنه محصور محدود، أما اللَّه من حيث هو فلا يسعه شي‏ء، لأنه عين كل شي‏ء و عين ذاته، و لا يقال في الشي‏ء إنه يسع ذاته أو لا يسعها.
فعلى الرغم من قوله بوحدة الوجود و تصريحه بأن الحق و الخلق حقيقة واحدة لا تمايز بينهما إلا في وجوب الوجود الذي هو للحق خاصة، يعبد ابن عربي ذلك الحق و يعشقه. و لكن العبادة لها عنده معنى يختلف عما يفهم الناس منها عادة في العرف الديني. فالمعبود عنده هو الجوهر الأزلي القديم المقوم لجميع صور الوجود، و العابد هو الصورة المتقومة بهذا الجوهر. فكل صورة من الصور ناطقة بألوهية الحق، و كل معبود من المعبودات وجه من وجوه. أياما تولوا فثم وجه اللَّه، و أياما تعبدوا فإنكم لا تعبدون سواه. قال تعالى: «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ». يقول ابن عربي: حكم و قدر أزلًا أنكم لا تعبدون غير اللَّه مهما تكن صور معبوداتكم.
و أرقى أنواع العبادة و أحقها بهذا الاسم في نظره هو التحقق بالوحدة الذاتية بين العابد و المعبود: أي التحقق ذوقاً بأنك أنت هو و هو أنت: أنت هو من حيث صورتك، و من هنا كان لك الافتقار و الإمكان: بل العدم الذاتي. و هو أنت بالعين‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 34
و الجوهر، فإنه هو الذي يفيض عليك الوجود من وجوده. فالعبادة الحقة هي ما تحقق فيها الافتقار المطلق من جانب العبد، و الغنى المطلق من جانب الحق.
و اللَّه وحده هو الغنى المفتقر إليه. بل إن الافتقار إلى الأسباب افتقار في الحقيقة إلى اللَّه وحده. يقول ابن عربي في شرح قوله تعالى‏ «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ»: الفقراء هم الذين يفتقرون إلى كل شي‏ء من حيث إن ذلك الشي‏ء هو مسمى اللَّه، فإن الحقيقة تأبى أن يفتقر إلى غير اللَّه. و قد أخبر اللَّه أن الناس فقراء إلى اللَّه على الإطلاق، و الفقر حاصل منهم، فعلمنا أن الحق قد ظهر في صورة كل ما يُفْتَقَر إليه‏ «1» ثم استمعْ إليه و قد صاح في أعماق قلبه صوت عاطفته الدينية التي لا تقل في حرارتها و قوتها عن عاطفة أي مؤله متدين، و هو يصف الحق معبوده و معشوقه متحيراً في كنهه، مؤتنساً بقربه، مستوحشاً ببعده.
قال على لسان العرش: «أقسم بعليِّ عزته و قوي قدرته لقد خلقني، و في بحار أحديته غرَّقني، و في بيداء أبديته حيرني: تارة يطلع من مطالع أبديته فينعشني، و تارة يدنيني من مواقف قربه فيؤنسني، و تارة يحتجب بحجاب عزته فيوحشني، و تارة يناجيني بمناجاة لطفه فيطربني، و تارة يواصلني بكاسات حبه فيسكرني.
و كلما استعذبت من عربدة سكري قال لسان أحديته: «لَنْ تَرانِي»، فذبت من هيبته فرقاً، و تمزقت من محبته قلقاً، و صعقت عند تجلي عظمته كما خر موسى صعقاً. فلما أفقت من سكرة وجدي به، قيل لي أيها العاشق: هذا جمال قد صنَّاه، و حسن قد حجبناه، فلا ينظره إلا حبيب قد اصطفيناه‏ «2»».
هذا شعور بعيد عن متناول الماديين من أصحاب وحدة الوجود الذين يعتقدون‏
______________________________
(1) الفتوحات ج 2 ص 21 س 17.
(2) شجرة الكون ص 27.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 35
أن الكثرة و مظاهر الكون هي كل ما له وجود و كل ما له حقيقة. و لكن ابن عربي لم يهبط إلى هذا المستوي، و لم يغفل جانب الألوهية أو جانب الروحية في الوجود العام. بل على العكس غلَّب جانب الحق على جانب الخلق في الوحدة الوجودية حتى أصبح العالم مجرد ظل لا حقيقة له و لا وجود إلا بمقدار ما يفيض على الظل من صاحب الظل. و قد أنصف ابن تيمية، مع شدة إنكاره على ابن عربي، عند ما قال: «إنه أقرب القائلين بوحدة الوجود إلى الإسلام و أحسن منهم كلاماً في مواضع كثيرة فإنه يفرق بين الظاهر و المظاهر ... و يأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق و العبادات‏ «1»».
14- الإنسان و اللَّه‏
كان للحسين بن منصور الحلاج- أعظم من استشهد في الطريق الصوفي في أوائل القرن الرابع الهجري- أكبر الأثر في وضع أساس النظرية الفلسفية الصوفية التي عرفت عند ابن عربي و عبد الكريم الجيلي بنظرية الإنسان الكامل، و قُدِّر لها أن تلعب دوراً هاماً في تاريخ التصوف الاسلامي منذ عهدهما. فالحلاج أول من تنبه إلى المغزى الفلسفي الذي تضمنه الأثر اليهودي المشهور القائل بأن اللَّه تعالى خلق آدم على صورته‏ «2»، أي على الصورة الإلهية، و بنى على هذا الأثر نظريته في الحلول مفرِّقاً بين ناحيتين مختلفتين في الطبيعة الانسانية هما اللاهوت و الناسوت. و هما في نظره طبيعتان لا تتخذان أبداً، بل تمتزج إحداهما بالأخرى كما تمتزج الخمر بالماء.
______________________________
(1) رسائل ابن تيمية طبعة المنار ج 1 ص 176.
(2) ينسب الصوفية هذا القول خطأ إلى النبي عليه السلام.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 36
و هكذا اعترف الحلاج لأول مرة في تاريخ الإسلام بتلك الفكرة التي أحدثت فيما بعد انقلاباً بعيد المدى في الفلسفة الصوفية: أعني فكرة تأليه الإنسان و اعتباره نوعاً خاصاً من الخلق لا يدانيه في لاهوتيته نوع آخر.
أخذ ابن عربي هذه الفكرة الحلاجية، و لكنه اعتبر اللاهوت و الناسوت مجرد وجهين لا طبيعتين منفصلتين لحقيقة واحدة، إذا نظرنا إلى صورتها الخارجية سميناها ناسوتاً، و إن نظرنا إلى باطنها و حقيقتها سميناها لاهوتاً.
فصفتا اللاهوت و الناسوت بهذا المعنى صفتان متحققتان، لا في الإنسان وحده، بل في كل موجود من الموجودات، مرادفتان لصفتي الباطن و الظاهر أو لكلمتي الجوهر و العرض. و الحق الذي يتجلى في جميع صور الوجود يتجلى في الإنسان في أعلى صور الوجود و أكملها. و لذا ظهرت فيه هاتان الصفتان ظهوراً لا يدانيه فيه موجود آخر. على هذا الأساس بنى ابن عربي نظريته في الإنسان و منزلته من اللَّه و الخلق.
فالإنسان أكمل مجالي الحق، لأنه «المختصر الشريف» و «الكون الجامع» لجميع حقائق الوجود و مراتبه. هو العالم الأصغر الذي انعكست في مرآة وجوده كل كمالات العالم الأكبر، أو كمالات الحضرة الإلهية الأسمائية و الصفاتية. و لذا استحق دون سائر الخلق أن تكون له الخلافة عن اللَّه. و لما لم تقف الملائكة على حقيقة النشأة الإنسانية و ما أودع اللَّه فيها من أسرار أسمائه- لأنها ليس لها جمعية الإنسان و لا عموم خلقه- أبت السجود لآدم و أنكرت خلافته، و قالت: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ؟»، و لم تعلم أن سفك الدماء و الإفساد في الأرض مظاهر لصفات الجلال الإلهي الذي لا وجود له فيها، و أنها لم تسبح اللَّه و تقدسه تسبيح آدم و لا تقديسه، لأن كل موجود يسبح اللَّه‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 37
و يقدسه بقدر ما يتجلى فيه من صفات الكمال الإلهي التي هي الصفات الوجودية لا فرق في ذلك بين صفات الجمال و صفات الكمال، و لا بين ما يسمى في العرف أو في الدين خيراً أو شراً، طاعة أو معصية. فالإنسان الكامل إذن- و هو المرموز إليه بآدم- هو الجنس البشري في أعلى مراتبه لم تجتمع كمالات الوجود العقلي و الروحي و المادي إلا فيه. و الإنسان الكامل، و إن كان مرادفاً للجنس البشري في معظم أقوال ابن عربي، لا يصدق في الحقيقة إلا على أعلى مراتب الإنسان و هي مرتبة الأنبياء و الأولياء. و أكمل هؤلاء على الإطلاق هو النبي محمد «1» (صلعم)- لا محمد النبي المبعوث، بل الحقيقة المحمدية أو الروح المحمدي، فإنه هو المظهر الكامل للذات الإلهية و الأسماء و الصفات. و من هنا كانت طبيعته ثلاثية فردية. فهو الفرد الأول الذي تجلى الحق فيه، و أول الأفراد الثلاثة (الفص المحمدي).
و يشرح ابن عربي الصلة بين الإنسان و اللَّه، و بين الإنسان و العالم، مبيناً منزلة الإنسان من الوجود العام فيقول: إن اللَّه تعالى لما أوجد العالم كان شبحاً لا روح فيه، و كان كمرآة غير مجلوة. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة. (الفص الآدمي): يريد بذلك أن اللَّه تعالى أوجد في العالم لكل صفة من الصفات الإلهية مظهراً من مظاهر الوجود، و لكن العالم الذي تجلت فيه تلك الصفات فرادى على هذا النحو لا تتجلى فيه الحضرة الإلهية الأسمائية و الصفاتية و لا الوحدة الوجودية بتمامها. فكان كمرآة غير مجلوة، أو كجسم لا روح فيه.
لهذا خلق اللَّه الإنسان ليكون جلاء تلك المرآة و روح ذلك الجسم، لأنه وحده الذي‏
______________________________
(1) راجع وصفاً مطولًا لأفضلية محمد على سائر الخلق و أسبقيته في الوجود في الفتوحات ج 2 ص 97.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 38
تظهر فيه الذات الإلهية متعينة بجميع صفاتها. و هذا هو المعنى الجديد الذي أعطاه ابن عربي لقولهم: «خلق اللَّه آدم على صورته».
و الإنسان الكامل من الحق بمثابة إنسان العين من العين. فكما أن إنسان العين هو ما به تبصر العين، كذلك الإنسان هو المجلي الذي يبصر الحق به نفسه- إذ هو مرآته- و هو العقل الذي يدرك به كمال صفاته، أو هو الوجود الذي ينكشف به سر الحق إليه. و هو علة الخلق و الغاية القصوى من الوجود، لأنه بوجوده تحققت الإرادة الإلهية بإيجاد مخلوق يعرف اللَّه حق معرفته و يظهر كمالاته.
و لو لا الإنسان لما تحققت هذه الإرادة و لما عرف الحق. و هو الحافظ للعالم و المبقي على نظامه. (الفص الآدمي). بل هو الذي يعنيه عند ما يبالغ في تكريم الإنسان و تعظيم قدره، لأن النشأة الانسانية بكمالها الروحي و النفسي و الجسمي صورة اللَّه التي لا ينبغي أن يتولى حل نظامها سواه، و لأن في حلها حلًا لنظام الكون و ضياعاً للغاية المقصودة من وجوده. (الفص اليونسي).
هذا، و ليست نظرية ابن عربي في الإنسان الكامل و ما تفرع عنها من بحوث فلسفية دقيقة، إلا جزءاً من نظرية أخرى له أوسع و أشمل، و هي نظريته في الكلمة الإلهية «1»، فإنه عالج في هذه النظرية ثلاث مسائل هامة تحوم كلها حول موضوع واحد يسميه في كل حالة باسم خاص. المسألة الأولى «الكلمة» من الناحية الميتافيزيقية، و هذه يسميها حقيقة الحقائق، و هي مرادفة للعقل الإلهي أو العلم الإلهي.
و لما كان الحق لا يعقل شيئاً مغايراً لذاته، و عقله ذاته عقل لجميع الأشياء، كانت‏
______________________________
(1) راجع مقالي في نظريات الإسلاميين في «الكلمة». مجلة كلية الآداب جامعة فؤاد الأول:
المجلد الثاني: العدد الأول ص 33- 75.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 39
حقيقة الحقائق عقلًا و عاقلًا و معقولًا، و علماً و عالماً و معلوماً. فهي الحق متجلياً لنفسه في نفسه في صور العالم المعقول. و المسألة الثانية هي «الكلمة» من الناحية الصوفية و هذه يطلق عليها اسم الحقيقة المحمدية و يعتبرها مصدر كل وحي و إلهام للأنبياء و الأولياء على السواء. و على ذلك فالحقيقة المحمدية تساوي القطب عند الصوفية، و الامام المعصوم عند الاسماعيلية و القرامطة: أي أنها المحور الذي يدور عليه العالم الروحاني. و ليلاحظ أن من أهم أغراض المؤلف في كتاب الفصوص شرح العلاقة بين كل نبي و الأصل الذي يستمد منه علمه و ذلك الأصل هو «الكلمة» أو الحقيقة المحمدية. فهو يفسر نوع ذلك العلم- الذي يسميه حكمة كذا و حكمة كذا- و الاسم الغالب على كل نبي، لأن كل نبي تحت تأثير اسم إلهي خاص إلا محمداً عليه السلام فإنه تحت تأثير اسم «اللَّه» الذي هو جماع الأسماء الإلهية كلها.
و المسألة الثالثة هي «الكلمة» بمعنى الإنسان الكامل و قد لخصنا كلامه فيها.
15- نتائج مذهب ابن عربي في المسائل الدينية و الخلقية
كان من الضروري أن يؤدي مذهب ابن عربي الصريح في وحدة الوجود إلى نتائج لها خطورتها في ميدان الدين و الأخلاق. فنظريته في أن العلم تابع للمعلوم، و أن علم اللَّه بنا تابع لما تعطيه أعياننا الثابتة بما هي عليه من الاستعداد و الأحوال، و أن إرادة اللَّه لا تتعلق إلا بما علم. كل ذلك أدَّى إلى القول بأننا مسئولون- من الناحية الصورية على الأقل- عما يصدر عنا من الأفعال، لأنه لا يصدر عنا إلا ما تقتضيه أعياننا. و لكن ما قيمة هذه المسئولية؟ و ما معنى الحرية الانسانية في عالم كل ما فيه خاضع لقانون الوجود العام و صادر عن اللَّه؟

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 40
ثم القضاء و القدر ما شأنهما؟ أما القضاء فهو حكم اللَّه في الأشياء أن تكون على ما هي عليه في ذاتها كما علمها أزلًا، و هو لا يعلمها إلا على نحو ما تعطيه أعيانها كما ذكرنا. و أما القدر فهو توقيت حصول الشي‏ء كما تقتضيه طبيعة عينه. فكل ما يحكم به القضاء على الأشياء إنما يحكم به بواسطة الأشياء نفسها، لا بواسطة قوة خارجة عن طبيعتها، و هذا هو الذي يسميه ابن عربي «سر القدر» (الفص العُزَيري).
و على هذه النظرية الجبرية يرى ابن عربي أن كل شي‏ء يقرر مصيره بنفسه من حيث إن له حظاً من الموجود لا يتعداه، و هو لا يتعداه لأن عينه الثابتة اقتضته و لم تقتض غيره، و لأن اللَّه تعالى يعلم من الأزل أن هذا هو الأمر على ما هو عليه.
بل إن اللَّه نفسه لا يقدر أن يغير من ذلك شيئاً لأن إرادته لا تتعلق بمستحيل.
فالمؤمن و الكافر، و المطيع و العاصي، كل أولئك يظهرون في وجودهم على نحو ما كانوا عليه في ثبوتهم: أي على نحو ما كانت عليه أعيانهم الثابتة في علم الحق و في ذاته. و لذا قال تعالى: «وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» و قال: «وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ». يقول ابن عربي في شرح ذلك:» أي ما قدرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثم طالبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به، بل ما عاملناهم إلا بحسب ما علمناهم، و ما علمناهم إلا بما أعطونا من نفوسهم بما هي عليه، فإن كان ظلم فهم الظالمون .. كذلك ما قلنا لهم إلا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم، و ذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول كذا و لا نقول كذا. فما قلنا إلا ما علمنا أن نقول. فلنا القول منا، و لهم الامتثال و عدم الامتثال مع السماع منهم» (الفص اللوطي). و يقول أيضاً: «فلا تحمدن إلا نفسك و لا تذمَّن إلا نفسك. أما الحق فلم يبق له إلا أن تحمده على إفاضة الوجود عليك، فإن ذلك له لا لك» (الفص الابراهيمي).

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 41
و يقول: «فما أعطاه الخير سواه و لا أعطاه ضد الخير غيره، بل هو منعِّم ذاته و معذبها: فلا يذمن إلا نفسه و لا يحمدن إلا نفسه. فلله الحجة البالغة في علمه بهم، إذ العلم يتبع المعلوم» (الفص اليعقوبي).
فكأن ابن عربي يفرِّق- كما فرّق الحلاج من قبله- بين نوعين من الأمر:
الإلهي: الأمر التكليفي الذي يخاطب به اللَّه العباد فيطيعونه أو يعصونه على حسب مقتضيات أعيانهم الثابتة. و الأمر التكويني الذي يعبر عنه بالمشيئة الإلهية، و هذه لا تتعلق بشي‏ء إلا وجد على النحو الذي قدِّر أزلًا أن يكون عليه. فكل شي‏ء في الوجود خاضع للأمر التكويني، منفذ للإرادة الإلهية، سواء في ذلك الخير و الشر و الطاعة و المعصية و الإيمان و الكفر. فإن أتى الفعل موافقاً للأمر التكليفي سمي طاعة و استلزم الحمد، و إن أتى مخالفاً له سمي معصية و كفراً و استلزم الذم. و هو في كلتا الحالتين عين الطاعة للأمر التكويني. و معنى هذا أن المشيئة الإلهية تتعلق بالفعل من حيث هو، لا بالفاعل الذي يظهر الفعل على يديه. (الفص اللقماني).
و إذا كانت الطاعة و المعصية ليس لهما مدلول حقيقي- أو بالأحرى مدلول ديني- على نحو ما فسرنا، فأحرى بالثواب و العقاب ألا يكون لهما مدلول إيجابي في مذهب كمذهب وحدة الوجود. و أقصى ما يستطيع ابن عربي أن يقوله هو أن الثواب اسم ناشئ عن الطاعة في نفس المطيع، و أن العقاب اسم للأثر الناشى‏ء عن المعصية في نفس العاصي. و لكنه تمشياً مع منطق مذهبه أميل إلى أن يعتبر العقاب و الثواب- اللذة و الألم- حالتين يشعر بهما الحق نفسه، أي الحق المتعين في صورة العبد. أ لم يقل في أيوب إنه سأل اللَّه أن يرفع الضر عنه، و إن إزالة الألم عن أيوب في الحقيقة إزالة للألم عن الجناب الإلهي، فإن اللَّه قد وصف نفسه بأن يؤذي إلخ؟ (الفص الأيوبي).

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 42
لا عذاب و لا ثواب إذن بالمعنى الديني في الدار الآخرة، بل مآل الخلق جميعاً إلى النعيم المقيم، سواء منهم من قدر له الدخول في الجنة، و من قدر له الدخول في النار، فإن نعيم الجميع واحد و إن اختلفت صوره و تعددت أسماؤه.
يقول ابن عربي في حق أهل النار:
و إن دخلوا دار الشقاء فإنهم‏ على لذة فيها نعيم مباين‏
نعيم جنان الخلد و الأمر واحد و بينهما عند التجلي تباين‏
يسمى عذاباً من عذوبة لفظه‏ و ذاك له كالقشر و القشر صائن‏


أما الاختلاف بين أهل الجنة و أهل النار، فاختلاف في درجة كل من الطائفتين في المعرفة باللَّه و مرتبتهم في التحقق بالوحدة الذاتية مع الحق. و حجة ابن عربي واضحة لا لبس فيها، و هي مستمدة من روح مذهبه العام. ذلك أن رحمة اللَّه وَسِعَت كل شي‏ء، و ليس في الوجود شي‏ء إلا ذكرته الرحمة الإلهية. و معنى ذكر الرحمة الإلهية لشي‏ء من الأشياء منح ذلك الشي‏ء الوجود على النحو الذي هو عليه.
فالنعيم الحقيقي هو الحال التي يكون عليها الإنسان بعد موته و عودته إلى أصله الذي عنه ظهر. هنا لك يتحقق كل من منزلته، و يكون نعيمه على قدر هذه المنزلة، أي على درجة قربه من اللَّه. فمن تحقق بالوحدة الكاملة في حياته و عرف سر هذه الوحدة كان له أعظم قسط من النعيم، و من سترته الحجب عن هذه الوحدة فلم يدرك إلا جزءاً من أسرارها كان نعيمه على قدر إدراكه.
16- خاتمة
هكذا اقتضى مذهب وحدة الوجود أن يغير ابن عربي مفاهيم الاصطلاحات الدينية و يستبدل بها مفاهيم أخرى فلسفية صوفية تتفق و روح مذهبه فاللَّه عنده‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 43
هو الواحد الحق و الوجود المطلق، الظاهر من الأزل بصورة كل متعين. و العالم ظل اللَّه، لا وجود له في ذاته و لكنه من حيث عينه و جوهره قديم قدم اللَّه نفسه. و خلق العالم ليس إحداثاً له من العدم بل تجلي الحق الدائم في صور الوجود. و الرحمة الإلهية منح اللَّه الوجود للموجودات. و المعبود هو الحق الواحد مهما تعددت صور اعتقادات الخلق فيه. و الجنة و النار اسمان لنعيم القرب من اللَّه و عذاب الاحتجاب عنه. و الطاعة و المعصية اسمان لا مدلول لهما إلا في نظر التكاليف الشرعية إلخ إلخ.
و لكن منطق مذهب وحدة الوجود الذي يقضي القضاء التام على كيان أي دين منزَّل و يضيع معالم الألوهية بمعناها الديني الدقيق، لم يكن له ذلك الأثر الهادم في مذهب ابن عربي. فهو يهدم من ناحية ليبني من ناحية أخرى، بل يبني أحياناً على أنقاض ظاهر الشريعة ديناً أعمق في روحانيته و أوسع في أفقه و أكثر إرضاء للنزعة الانسانية العامة من كل ما تصوره أهل الظاهر من الفقهاء و المتكلمين عن الدين. و هو يحاول بكل ما أوتي من قوة و حيلة في الفكر أن يبقي على معنى الألوهية في مذهبه. فبدلًا من أن تتغلب عليه فكرة الوجود المادي فيعتبر الحقيقة قاصرة على العالم، و اللَّه اسماً على غير مسمى، غلبت عليه فكرة الوجود الروحي، فاعتبر الوجود الحق قاصراً على اللَّه، و العالم ظلًا له و صورة، و فرَّق بين وجهي الحقيقة الوجودية الواحدة (الحق و الخلق) على الرغم من العبارات الكثيرة التي يصرح فيها بعينيتهما. و هذه التفرقة على أساس أن الحق له الوجوب الذاتي الذي لا قَدَم لمحدث من المحدثات فيه.
الاسكندرية في 23 رمضان سنة 1365 (20 أغسطس سنة 1946) أبو العلا عفيفي‏


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في الخميس يوليو 26, 2018 6:36 pm عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: خطبة كتاب فصوص الحكم لسيدي ابن العربي الحاتمي   الخميس يوليو 26, 2018 6:17 pm

خطبة كتاب فصوص الحكم لسيدي ابن العربي الحاتمي

الشيخ الاكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي الطائي قدس الله روحه

الخطبة خطبة كتاب فصوص الحكم 

بِسم اللَّهِ الرحمن الرحِيم‏ «1» 
الحمد للَّه منزل الحِكَم على قلوب الكَلِم بأحديَّة الطريق الأمَم من المقام الأقدم و إن اختلفت النحل و الملل لاختلاف الأمم. و صلى اللَّه على مُمِدِّ «2» الهمم، من خزائن الجود و الكرم، و بالقيل الأقوم، محمد و على آله و سلم «1».
أما بعد: فإني رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم في مُبشِّرة أُرِيتُها في العشر الآخِر من محرم‏ «3» سنة سبع و عشرونَ و ستمائة بمحروسة دمشق، و بيده صلى اللَّه عليه و آله و سلم كتاب، فقال لي: هذا «كتاب فصوص الحكم» خذه و اخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع و الطاعة للَّه و لرسوله و أولي الأمر منا كما أُمِرْنا. فحقَّقْتُ الأمنية و أخلصت النيَّة و جردت القصد و الهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حدَّه لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم من غير زيادة و لا نقصان، و سألت اللَّه تعالى أن يجعلني فيه و في جميع أحوالي من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سطانٌ، و أن يَخُصَّني في جميع ما يرقمُهُ بَنَانِي و ينطق به لساني و ينطوي عليه جَناني بالإلقاء السُّبُوحي و النَّفْث الروحي في الرُّوعِ النفسي بالتأييد الاعتصامي، حتى أكون مترجماً لا متحكماً، ليتحقق من يقف عليه من أهلِ اللَّه أصحاب القلوبِ‏
______________________________
(1) (ا)+ رب يسر (ب)+ و به نستعين، (ن) تذكر ديباجة طويلة فيها اسم المؤلف.
(2) (ا) مؤيد
(3) ب المحرم.


فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 48
أنه من مقام التقديس المنزَّه عن الأغراض‏ «1» النفسية التي يدخلها التلبيس.
و أرجو أن يكون الحق‏ «2» لمَّا سمع دعائي قد أجاب ندائي، فما أُلقي إلا ما يُلْقِي إليَّ، و لا أُنزل في هذا المسطور إلَّا ما ينزِّل به عليَّ. و لست بنبيّ رسول و لكنِّي وارث و لآخرتي حارث.
فمن اللَّه فاسمعوا و إلى اللَّه فارجعوا
فإذا ما سمعتم ما أتيت به فَعُوا
ثم بالفهم فَصِّلوا مجمل القول و أجمعوا
ثم مُنُّوا به على‏ طالبيه لا تمنعوا
هذه الرحمة التي‏ وَسِعتكم فوسِّعوا


و من اللَّه أرجو أن أكون ممن أُيِّد فتأيد «3» و قُيِّد بالشرع المحمدي المطهّر «4» فتقيد و قيَّد، و حشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته. فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك:


عدل سابقا من قبل عبدالله المسافر في السبت يوليو 28, 2018 8:55 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 1- فص حكمة إلهية في كلمة آدميَّة    الخميس يوليو 26, 2018 6:21 pm

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدميَّة  

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

1- فص حكمة إلهية في كلمة آدميَّة    «1» «5»

لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها «6»، و إن شئت قلت أن يرى عينه، في كونٍ جامع يحصر الأمر كلَّه‏ «7»، لكونه متصفاً بالوجود، و يظهر به سرّه إليه: فإن رؤية الشي‏ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته‏ «8» نَفْسَه في أمرٍ آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة
______________________________
(1) ن الأغراض بالعين المهملة
(2) ب م ن الحق تعالى‏
(3) ب م ن يضيفان «و أيد»
(4) ب المطهر المحمدي‏
(5) فص حكمة إلهية إلخ ساقط في أ
(6) ن أن ترى أعيانها
(7) ن «كله» ساقطة
( ن رؤية.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 49
يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل و لا تجلّيه له «2».
و قد كان الحق سبحانه‏ «1» أوْجَد العالم كله وجود شبحٍ مَسوًّى‏ «2» لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوَّة. و من شأن الحُكمْ الإلهي أنه ما سوَّى محلًا إلا و يقبل‏ «3» روحاً إلهيّا عَبّر عنه بالنفخ فيه، و ما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي‏ «4» الدائم الذي لم يزل و لا يزال. و ما بَقي إلا قابلٌ، و القابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس «3». فالأمر «5» كله منه، ابتداؤه و انتهاؤه، «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ»، كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمرُ جلاء مرآة العالم، فكان آدم عينَ جلاء تلك المرآة و روح تلك الصورة، و كانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبَّر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير».
فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية و الحسية التي في النشأة الإنسانية. فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها، و أَنَّ فيها، فيما تزعم، الأهلية لكل منصب عالٍ و منزلة رفيعة عند اللَّه، لما عندها من الجمعية الإلهية مما «6» يرجع من ذلك إلى الجناب‏ «7» الإلهي، و إلى جانب حقيقة الحقائق، و- في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف- إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه و أسفله «4».
و هذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يُعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه. فسمِّي هذا المذكور
______________________________
(1) ساقطة من ب م ن‏
(2) ا مستوى‏
(3) ب م ن إلا و لا بد أن يقبل‏
(4) ن المتجلي‏
(5) ا و الأمر
(6) ب م ن بين ما يرجع‏
(7) ا الجانب.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 50
إنساناً و خليفة، فأما إنسانيته فلعموم نشأته و حصره‏ «1» الحقائق كلّها. و هو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به‏ «2» النظر، و هو المعبَّر عنه بالبصر. فلهذا سمي إنساناً «3» فإنه به ينظر «4» الحق إلى خلقه فيرحمهم «5» «5».
فهو الإنسان الحادث الأزلي و النش‏ء الدائم الأبدي، و الكلمة الفاصلة الجامعة «6»، قيام‏ «6» العالم بوجوده، فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم، و هو محل النقش‏ «7» و العلامة التي بها يختم بها الملك على خزانته. و سماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ به خلقَه‏ «8» كما يحفظ الختم الخزائن. فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلا بإذنه فاستخلفه في حفظ الملك‏ «9» فلا يزال العالم محفوظاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل. أَ لَا تراه إذا زال و فُكَّ من خزانة الدنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها و خرج ما كان فيها «10» و التحق بعضه ببعض، و انتقل الأمر إلى الآخرة فكان خَتْماً على خزانة الآخرة ختماً أبديّاً «7»؟ فظهر جميع ما في الصور الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية فحازت رتبة الإحاطة و الجمع بهذا الوجود، و به قامت الحجة للَّه تعالى على الملائكة. فتحفَّظْ فقد وعظك اللَّه بغيرك، سأنظر من أين أُتي على من أُتي عليه‏ «11». فإن الملائكة لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا «12» الخليفة، و لا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاتُهُ، و ليس للملائكة جمعية آدم، و لا وقفت مع الأسماء الإلهية
______________________________
(1) ن و حصر
(2) ب م ن به يكون‏
(3) ب إنساناً أيضاً
(4) ب م ن نظر
(5) ب م ن فرحمهم‏
(6) ب م ن فتم‏
(7) ن النفس‏
( ب: به الحافظ م ا به ساقطة
(9) ب م ن العالم‏
(10) ن «و خرج ما كان فيها» ساقطة
(11) ن أوتي على من أوتي ا «عليه» ساقطة
(12) ب هذه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 51
التي تخصها، و سبحت الحق بها و قدسته، و ما علمت أن للَّه أسماءً ما وصل علمها إليها، فما سبحته بها و لا قدَّسته تقديس آدم «8» «1». فغلب عليها ما ذكرناه، و حكم عليها هذا الحال فقالت من حيث النشأة: «أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها»؟ و ليس إلا النزاع و هو عين ما وقع منهم. فما قالوه في حق آدم هو عين ما هم فيه مع الحق. فلو لا أن نشأتهم تعطي ذلك ما قالوا في حق آدم ما قالوه و هم لا يشعرون. فلو عرفوا نفوسهم لعلموا، و لو علموا لعُصِمُوا. ثم لم يقفوا مع التجريح حتى زادوا في الدعوى بما هم عليه من التسبيح و التقديس. و عند آدم من الأسماء الإلهية ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبحت ربها بها و لا قدسته عنها تقديس آدم و تسبيحه.
فوصف الحق لنا ما جرى‏ «2» لنقف عنده و نتعلم الأدب مع اللَّه تعالى فلا ندَّعي ما نحن متحققون به و حاوون عليه‏ «3» بالتقييد، فكيف أن‏ «4» نُطْلِق في الدعوى فنعمَّ بها ما ليس لنا «5» بحال و لا نحن‏ «6» منه على علم فنفتضح؟ فهذا التعريف الإلهي مما أدَّب الحق به عبادَه الأدباءَ الأمناءَ الخلفاءَ. ثم نرجع إلى الحكمة فنقول: اعلم أن الأمور الكلية و إن لم يكن لها وجود في عينها فهي معقولة معلومة بلا شك في الذهن، فهي باطنة- لا تزال- عن الوجود العيني «9».
و لها الحكم و الأثر في كل ما له وجود عينيٌ، بل هو عينها لا غيرها أعني أعيان الموجودات العينية، و لم تزل عن كونها معقولة في نفسها. ف هي الظاهرة من حيث أعيان الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليتهَا. فاستناد كل موجود عيني لهذه الأمور الكلية التي لا يمكن رفعها عن العقل، و لا يمكن وجودها في العين‏
______________________________
(1) ب م ن «تقديس آدم» ساقط
(2) ب بما جرى‏
(3) اما لم نتحقق م ب م ن ما أنا محقق به و حاو عليه‏
(4) ب أنا
(5) المخطوطات الثلاث «لي»
(6) المخطوطات الثلاث «أنا».

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 52
وجوداً تزول به عن أن تكون معقولة. و سواء كان ذلك الوجود العيني مؤقتاً أو غير مؤقت، نسبة «1» المؤقت و غير المؤقت إلى هذا الأمر الكلي المعقول نسبة واحدة. غير أن هذا الأمر الكلي يرجع إليه حكمٌ من الموجودات العينية بحسب ما تطلبه حقائق تلك الموجودات العينية، كنسبة العلم إلى العالم، و الحياة إلى الحي. فالحياة حقيقة معقولة «2» و العلم حقيقة معقولة متميزة عن الحياة «3»، كما أن الحياة متميزة عنه. ثم نقول في الحق تعالى إن له علماً و حياة فهو الحي العالم.
و نقول في المَلَك‏ «4» إن له حياة و علماً فهو العالم و الحي. و نقول في الإنسان إن له حياة و علماً فهو الحي العالم. و حقيقة العلم واحدة، و حقيقة الحياة واحدة، و نسبتها إلى العالم و الحي نسبة واحدة. و نقول في علم الحق إنه قديم، و في علم الإنسان إنه محدث. فانظر ما أحدثته الإضافة من الحكم في هذه الحقيقة المعقولة، و انظر إلى هذا الارتباط بين المعقولات و الموجودات العينية.
فكما حَكَمَ العلمُ على مَنْ قام به أنْ يقال فيه‏ «5» عالم، حكم‏ «6» الموصوف به على العلم أنه‏ «7» حادث في حق الحادث، قديم في حق القديم. فصار كل واحد محكوماً به محكوماً «8» عليه.
و معلوم أن هذه الأمور الكلية و إن كانت معقولة فإنها معدومة العين موجودة الحكم، كما هي محكوم عليها إذا نسبت إلى الموجود العيني. فتقبل‏ «9» الحكم في الأعيان الموجودة و لا تقبل التفصيل و لا التجزّي فإن ذلك محال عليها، فإنها بذاتها في كل موصوف بها كالإنسانية في كل شخص من هذا النوع الخاص لم تتفصَّل‏ «10»
______________________________
(1) ب إذ نسبة
(2) ا تضيف «متميزة عن الحي»
(3) ب عن الحي.
(4) ب الملائكة
(5) ب إنه عالم‏
(6) ب فكذلك حكم‏
(7) ب م ن بأنه‏
( ب و محكوماً
(9) ب فيتقبل‏
(10) ا ينفصل بالنون.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 53
و لم تتعدَّد بتعدد «1» الأشخاص و لا برحت معقولة. و إذا كان الارتباط بين من له وجود عيني و بين من ليس له وجود عيني قد ثبت، و هي نسب‏ «2» عدمية، فارتباط الموجودات بعضها ببعض أقرب أن يعقل لأنه على كل حال بينها «3» جامع- و هو الوجود العيني- و هناك فما ثَمَّ جامع. و قد وُجِدَ الارتباط بعدم الجامع فبالجامع أقوى و أحق. و لا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه و افتقاره إلى محدِث أحدثه لإمكانه لنفسه. فوجوده من غيره، فهو مرتبط به ارتباط افتقار. و لا بد أن يكون المستندُ إليه واجبَ الوجود لذاته غنياً في وجوده بنفسه غير مفتقر، و هو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه. و لما اقتضاه لذاته كان واجباً به. و لما كان استنادُه إلى من ظهر عنه لذاته، اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شي‏ء من اسم و صفة ما عدا الوجوبَ الذاتيَّ فإن ذلك لا يصح في الحادث و إن كان واجب الوجود و لكن وجوبه بغيره لا بنفسه. ثم لتعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته، أحالنا تعالى في العلم به على النظر في الحادث و ذكر أنه أرانا آياته فيه فاستدللنا بنا عليه. فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف إلا الوجوب الخاص الذاتي «10». فلما علمناه بنا و منا نَسَبْنَا «4» إليه كل ما نسبناه إلينا.
و بذلك وردت الإخبارات‏ «5» الإلهية على ألسنة التراجم إلينا. فوصف نفسه لنا بنا: فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، و إذا شَهِدَنَا شهد نفسه. و لا نشك أنّا كثيرون بالشخص و النوع، و أنا و إن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعاً أن ثَمَّ فارقاً به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، و لو لا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد.
______________________________
(1) ا يتعدد بالياء
(2) ب نسبة
(3) ا بينهما
(4) ا نسبنا إليه (بالبناء للمجهول) كما نسبناه إلينا
(5) ن الأخبار.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 54
فكذلك أيضاً، و إن وَصَفَنَا بما وصف‏ «1» نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق، و ليس‏ «2» إلا افتقارنا إليه في الوجود و توقف وجودنا عليه لإمكاننا و غناه عن مثل ما افتقرنا إليه. فبهذا صح له الأزل و القدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم. فلا تُنسَبُ إليه الأوليّة «3» مع كونه الأول.
و لهذا قيل فيه الآخِر. فلو «4» كانت أوليته أولية وجود التقييد «5» لم يصح أن يكون الآخِرَ للمقيد، لأنه لا آخر للممكن، لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها. و إنما كان آخراً لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا، فهو الآخر في عين أوّليته، و الأول في عين آخريّته «11».
ثم لتعلم أن الحق وصف نفسه بأنه ظاهر باطن‏ «6»، فأوجد العالم عالم غيب و شهادة لندرك الباطنَ بغيبنا و الظاهر بشهادتنا. و وصف نفسه بالرضا و الغضب، و أوجد العالم ذا خوف و رجاء فيخاف غضبه و يرجو «7» رضاه.
و وصف نفسه بأنه جميل و ذو جلال فأوجَدَنَا على هيبة و أُنْسٍ. و هكذا جميع ما ينسب إليه تعالى و يُسَمّى به. فعبّر عن هاتين الصفتين باليدين اللتين توجهنا منه على خلق الإنسان الكامل لكونه الجامعَ لحقائق العالم و مفرداته. فالعالم شهادة و الخليفة غيب، و لذا تحجَّبَ‏ «8» السلطان. و وصف الحق نفسه بالحُجُب الظلمانية و هي الأجسام الطبيعية، و النورية و هي الأرواح اللطيفة. فالعالم‏ «9» بين‏ «10» كثيف و لطيف، و هو عين الحجاب على نفسه، فلا «11» يدرك الحقَّ إدراكَه نَفْسَه «12». فلا
______________________________
(1) ب: وصف به نفسه‏
(2) ب: و ليس ذلك‏
(3) ساقطة في ب م ن‏
(4) ن: لو كانت‏
(5) ب: وجود تقييد
(6) ب م ن: و باطن‏
(7) ب م ن: فنخاف غضبه و نرجو
( ب: يحجب‏
(9) ن: و العالم‏
(10) ا: من‏
(11) ا: و لا.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 55
يزال في حجاب لا يُرْفَع مع علمه بأنه متميز عن موجِده بافتقاره. و لكن لا حظَّ له في الوجوب‏ «1» الذاتي الذي لوجود الحق، فلا «2» يدركه أبداً. فلا يزال الحق من هذه الحقيقة غير معلوم علم ذوق و شهود، لأنه لا قَدَم للحادث في ذلك. فما جمع اللَّه لآدم بين يديه إلا تشريفاً. و لهذا قال لإبليس: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»؟ و ما هو إلا عين جمعه بين الصورتين: صورة العالم و صورة الحق، و هما يدا الحق. و إبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعية. و لهذا كان آدم خليفة فإن‏ «3» لم يكن ظاهراً بصورة من استخلفه فيما استخلفه‏ «4» فيه فما «5» هو خليفة، و إن لم يكن فيه جميع ما تطلبه الرعايا التي اسْتُخْلِفَ عليها- لأن استنادها إليه فلا بدّ أن يقوم بجميع ما تحتاج إليه- و إلا فليس بخليفة عليهم. فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم و صُوَرِه‏ «6» و أنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، و لذلك قال فيه «كنت سمعه و بصره» ما قال كنت عينه و أُذُنَهُ: ففرّق بين الصورتين. و هكذا هو «7» في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود. و لكن ليس لأحد مجموع ما «8» للخليفة، فما فاز إلا بالمجموع.
و لو لا «9» سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لو لا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكمُ في الموجودات العينيَّة. و من هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده:
______________________________
(1) ب: في وجوب الوجود الذاتي‏
(2) ا: و لا
(3) ا: و إن‏
(4) ا: «فيما استخلفه فيه» ساقطة
(5) ا: مما
(6) ب: مشطوبة
(7) ن: هو الخليفة
( ن: ما في الخليفة
(9): فلو لا.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 56

فالكل مفتقر ما الكل مستغن‏ هذا هو الحق قد قلناه لا نَكني‏
فإن ذكرت غنيّاً لا افتقار به‏ فقد علمت الذي بقولنا نَعْنِي‏
فالكل بالكل مربوط فليس له‏ عنه انفصالُ خذوا ما قلته عني «13»


فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني صورته الظاهرة، و قد «1» علمت نشأة روح آدم أعني صورته الباطنة، فهو الحق الخلق‏ «2». و قد علمت نشأة رتبته و هي المجموع الذي به استحق الخلافة. فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني، و هو قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً». فقوله‏ اتَّقُوا رَبَّكُمُ‏ اجعلوا ما ظهر «3» منكم وقاية لربكم، و اجعلوا ما بطن منكم، و هو ربكم، وقاية لكم: فإن الأمر ذمٌ و حمدٌ: فكونوا وقايته في الذم و اجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين «14».
ثم إنه سبحانه و تعالى أطْلَعَهُ على ما أوْدع فيه و جعل ذلك في قبضتَيْه:
القبضةُ الواحدة فيها العالم، و القبضة «4» الأخرى فيها «5» آدم و بنوه. و بيَّن مراتبهم فيه.
قال رضي اللَّه عنه: و لما أطلعني اللَّه سبحانه و تعالى في سري على ما أودع في هذا الإمام الوالد الأكبر، جعلت في هذا الكتاب منه ما حدَّ لي لا ما وقفت عليه، فإن ذلك لا يسعه كتاب و لا العالم الموجود الآن. فمما شهدته مما نودعه في هذا الكتاب كما حَدّه‏ «6» لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم:
______________________________
(1) ن: من قوله: «و قد علمت» إلى «فهو الحق الخلق» ساقط
(2) ا: الخلاق‏
(3) ن: يظهر
(4) ن: و قبضه‏
(5) ن: ساقطة
(6) ن: حد.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 57
حكمة  إلهية في كلمة آدمية، و هو هذا الباب.«1»
ثم حكمة نفثية في كلمة شيئية.
ثم حكمة سبُّوحيَّة في كلمة نُوحِيَّة.
ثم حكمة قدوسية في كلمة إدريسيَّة.
ثم حكمة مُهَيَّميَّة  في كلمة إبراهيمية.«2»
ثم حكمة حَقية في كلمة إسحاقية.
ثم حكمة عليَّة في كلمة إسماعيلية.
ثم حكمة روحية في كلمة يعقوبية.
ثم حكمة نورية في كلمة يُوسفية.
ثم حكمة أحدية في كلمة هودية.
ثم حكمة فاتحية في كلمة صالحية.
ثم حكمة قلبية في كلمة شُعَيبيَّة.
ثم حكمة ملكية في كلمة لوطية.
ثم حكمة قَدَرِية في كلمة عُزَيْرية.
ثم حكمة نبوية في كلمة عيسوية.
ثم حكمة رحمانية في كلمة سليمانية.
ثم حكمة وجودية في كلمة داودية.
ثم حكمة نَفَسِيَّة في كلمة يونسية.
ثم حكمة غيبية في كلمة أيوبية.
______________________________
(1) ب: فص حكمة
(2) ن: مهيمنية.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 58
ثم حكمة جلالية في كلمة يحياوية.
ثم حكمة مالكية في كلمة زكرياوية.
ثم حكمة إيناسية في كلمة إلياسية.
ثم حكمة إحسانية في كلمة لقمانية.
ثم حكمة إمامية في كلمة هارونية.
ثم حكمة علوية في كلمة موسوية.
ثم حكمة صمدية  في كلمة خالدية.«1»
ثم حكمة فردية  في كلمة محمدية.«2»
و فص كل حكمة الكلمة التي تنسب‏ «3» إليها. فاقتصرت على ما ذكرته من‏ «4» هذه الحِكَم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب. فامتثلت ما رسم لي، و وقفت عند ما حُدَّ لي، و لو رمت زيادة على ذلك ما استطعت، فإن الحضرة تمنع من ذلك و اللَّه الموفق لا رب غيره.
و من‏ «5» ذلك:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 2- فص حكمة نفثية في كلمة شيثيَّة   الخميس يوليو 26, 2018 6:37 pm

2- فص حكمة نفثية في كلمة شيثيَّة

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

2- فص حكمة نفثية في كلمة شيثيَّة    «1»

اعلم أن العطايا و المنح الظاهرة «2» في الكون على أيدي العباد و على غير أيديهم على قسمين: منها ما يكون عطايا ذاتية و عطايا أسمائية و تتميز عند أهل الأذواق، كما أن منها ما يكون عن سؤال في معيَّن و عن سؤال غير معيّن. و منها ما لا يكون عن‏
______________________________
(1) ب: ممدية
(2) ب: كلية فردية. ن: كلية
(3) ب م ن: نسبت‏
(4) ن: في‏
(5) ن: فمن.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 59
سؤال سواء «1» كانت الأعطية ذاتية أو أسمائية. فالمعيَّن كمن يقول يا رب أعطني كذا فيعيِّن أمراً ما لا يخطر له سواه (9- أ) و غير المعيّن كمن يقول أعطني ما تعلم فيه مصلحتي- من غير تعيين- لكل جزء من ذاتي من لطيف و كثيف. و السائلون صنفان، صنف بعثه على السؤال الاستعجال الطبيعي فإن الإنسان خلق عجولا. و الصنف الآخر بعثه على السؤال لِمَا علم أنَّ ثَمَّ أموراً عند اللَّه قد سبق العلم بأنها لا تُنَال إِلا بعد السؤال‏ «2»، فيقول: فلعل‏ «3» ما نسأله فيه‏ «4» سبحانه يكون من هذا القبيل، فسؤاله احتياط لما «5» هو الأمر عليه من الإمكان: و هو لا يعلم ما في علم اللَّه و لا ما يعطيه استعداده في القبول، لأنه من أغمض المعلومات الوقوف في كل زمانٍ فرد على استعداد الشخص في ذلك الزمان. و لو لا ما أعطاه الاستعدادُ السؤالَ ما سأل. فغاية أهل الحضور الذين لا يعلمون مثل هذا أن يعلموه في الزمان الذي يكونون‏ «6» فيه، فإنهم لحضورهم يعلمون ما أعطاهم الحق في ذلك الزمان و أنهم ما قبلوه إِلا بالاستعداد.
و هم صنفان: صنف يعلمون مِنْ قبولهم استعدادَهم، و صنف يعلمون من استعدادهم ما يقبلونه. هذا أتَمُّ ما يكون في معرفة الاستعداد في هذا الصنف. و من هذا الصنف من يسأل لا للاستعجال و لا للإِمكان، و إِنما يسأل امتثالًا لأمر اللَّه في قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». فهو العبد المحض، و ليس لهذا الداعي همة متعلقة فيما سأل فيه من معيَّن أو غير معين، و إِنما همته في امتثال أوامر سيِّده. فإِذا اقتضى الحال السؤال سأل عبودية و إِذا «7» اقتضى التفويض و السكوت سكت فقد ابتُلِيَ أيوب عليه السلام و غيره و ما سألوا رفع ما ابتلاهم اللَّه تعالى به،
______________________________
(1) ن: ساقطة
(2) ب م ن: سؤال‏
(3) ن: لعل‏
(4) ن: ساقطة
(5) ب: بما
(6) ن: يكون‏
(7) ب: فإِذا.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 60
ثم اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فرفعه اللَّه عنهم.
و التعجيل بالمسئول‏ «1» فيه‏ «2» و الإبطاء للقَدَرِ المعين له عند اللَّه. فإِذا وافق السؤالُ الوقتَ أسرع بالإجابة، و إِذا تأخر الوقت إِما في الدنيا و إِما إِلى الآخرة تأخرت الإجابة: أي المسئول فيه لا الإجابة التي هي لبَّيك من اللَّه فافهم هذا.
و أما القسم الثاني و هو قولنا: «و منها ما لا يكون عن سؤال» فالذي لا يكون عن سؤال فإِنما أُريد بالسؤال التلفظ به، فإِنه في نفس الأمر لا بد من سؤال إِما باللفظ أو بالحال أو بالاستعداد. كما أنه لا يصح حمد مطلق قط إِلا في اللفظ، و أما في المعنى فلا بد أن يقيده الحال. فالذي يبعثك على حمد اللَّه هو المقيِّد لك باسمِ فِعْلٍ أو باسم تنزيه. و الاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه و يشعر بالحال لأنه يعلم الباعث و هو الحال. فالاستعداد أخفى سؤال «3». و إِنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن اللَّه فيهم سابقة قضاء. فهم‏ «3» قد هيَّئوا مَحَلّهم لقبول ما يرد منه و قد غابوا عن نفوسهم و أغراضهم‏ «4». و من هؤلاء من يعلم أنّ علم اللَّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها، و يعلم أن الحق لا يعطيه إِلا ما أعطاه عينه من العلم به و هو ما كان عليه في حال ثبوته، فيعلم‏ «5» علم اللَّه به من أين حصل. و ما ثَمَّ صنف من أهل اللَّه أعلى و أكشف من هذا الصنف، فهم الواقفون على سِرِّ القدر و هم على قسمين: منهم من يعلم ذلك مجملًا، و منهم من يعلمه مُفَصَّلًا، و الذي يعلمه مفصلًا أعلى و أتم من الذي يعلمه مجملًا، فإِنه يعلم ما في علم اللَّه فيه إِما بإِعْلام اللَّه إِياه بما أعطاه عينُه من العلم به، و إما أن يكشف له عن‏ «6» عينه الثابتة و انتقالات الأحوال عليها إِلى‏
______________________________
(1) ا: في المسئول‏
(2) ن: ساقط
(3) ن: بهم‏
(4) ب م ن: و أعراضهم بالعين المهملة
(5) ب: فيعلم هذا العبد
(6) ب: من.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 61
ما لا يتناهى‏ «1» و هو أعلى: فإِنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللَّه به لأن الأخذ من معدن واحد إِلا أنه من جهة العبد عناية من اللَّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه يعرفها صاحب هذا الكشف إِذا «2» أطْلَعَه اللَّه على ذلك، أي أحوال عينه، فإِنه ليس في وسع المخلوق‏ «3» إِذا أطْلَعَه اللَّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطَّلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نِسَب ذاتية لا صورة لها. فبهذا القدْر نقول إِن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه‏ «4» المساواة في إِفادة العلم. و من هنا «5» يقول اللَّه تعالى: «حَتَّى نَعْلَمَ» و هي كلمة محققة المعنى ما هي كما يتوهمه من ليس له هذا المشْرَب. و غاية المنزه أن يجعل‏ «6» ذلك الحدوث في العلم للتعلق‏ «7»، و هو أعلى وجه يكون للمتكلم بعقْله في هذه المسألة، لو لا أنه أثبت العلم زائداً على الذات فجعل التعلق له لا للذات. و بهذا انفصل عن المحقق من أهل اللَّه صاحبِ الكشف و الوجود «4».
ثم نرجع إِلى الأعطيات فنقول: إِن الأعطيات إِما ذاتية أو أسمائية. فأما المِنَح و الهبات و العطايا الذاتية فلا تكون أبداً إِلا «8» عن تجل إِلهي. و التجلي من الذات لا يكون أبداً إِلا بصورة استعداد المتجلَّي‏ «9» له و غير ذلك لا يكون. فإِذن المتجلَّي له ما رأى سِوَى صورته في مرآة الحق، و ما رأى الحق و لا يمكن أن يراه مع علمه أنه ما رأى صورته إِلا فيه: كالمرآة في الشاهد إِذا رأيت الصورة فيها لا تراها مع علمك أنك ما رأيت الصُّوَرَ أو صورتك إِلا فيها. فأبرز اللَّه ذلك مثالًا نصبه لتجليه الذاتي‏
______________________________
(1) ب: ما يتناهى‏
(2) ساقط في ن‏
(3) ساقط في ن‏
(4) ب: فبهذه‏
(5) ن: هذا
(6) ن: جعل‏
(7) ب للتعلق به‏
( ن: ساقطة
(9) ن: التجلي‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 62
ليعلم المتجلَّى له أنه‏ «1» ما رآه. و ما ثَمَّ مثال أقرب و لا أشبَه بالرؤية و التجلي من هذا. و أجهد في نفسك عند ما ترى الصورة في المرآة أن ترى جرْم المرآة لا تراه أبداً البتة حتى إِن بعض من أدرك مثل هذا في صور «2» المرايا ذهب إِلى أن الصورة المرئية بين بصر الرائي و بين المرآة. هذا أعظم ما قَدَرَ عليه من العلم، و الأمر كما قلناه و ذهبنا إِليه. و قد بينا هذا في الفتوحات المكية «5» و إِذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق. فلا تطمع و لا تتعب نفسك في أن ترقى في‏ «3» أعلى من هذا الدرج‏ «4» فما هو ثَمَّ أصلًا، و ما بعده إِلا العدم المحض. فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، و أنت مرآته في رؤيته‏ «5» أسماءه و ظهور أحكامها و ليست سوى عينه. فاختلط الأمر و انبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: «و العجز عن درك الإدراك إِدراك، و منا من علم فلم يقل مثل هذا و هو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز. و هذا هو أعلى عالمٍ باللَّه. و ليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل و خاتم الأولياء، و ما يراه أحد من الأنبياء و الرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم، و لا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي‏ «6» الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء: فإِن الرسالة و النبوة- أعني نبوة التشريع، و رسالته- تنقطعان، و الولاية لا تنقطع أبداً. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء «6»، فكيف من دونهم من الأولياء؟ و إِن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه و لا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى. و قد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد
______________________________
(1) ب: إِنما
(2) ب: صورة
(3) ن: ساقطة
(4) ن: في الأصل المرقى، صححت إِلى الدرج في الهامش‏
(5) ن: رؤيتك‏
(6) ب: خاتم الولي.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 63
ما ذهبنا إِليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم‏ «1» فيهم، و في تأبير النخل. فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شي‏ء و في كل مرتبة، و إِنما نظرُ الرجال إِلى التقدم في رتبة العلم باللَّه: هنالك مطلبهم. و أما حوادث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها، فتحقق ما ذكرناه. و لمَّا مثّل النبي صلى اللَّه عليه و سلم النبوة بالحائط من اللَّبِن و قد كَمُلَ سوى موضع لبنَة، فكان صلى اللَّه عليه و سلم تلك اللبنة. غير أنه صلى اللَّه عليه و سلم لا يراها كما قال لبِنَةً واحدةً. و أما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، و يرى في الحائط موضع لبنَتين‏ «2»، و اللّبِنُ من ذهب و فضة. فيرى اللبنتين اللتين‏ «3» تنقص الحائط عنهما و تكمل بهما، لبنة ذهب و لبنة فضة. فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين. فيكمل الحائط. و السبب الموجِب لكونه رآها «4» لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر و هو موضع اللبنة الفضة «5»، و هو ظاهره و ما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن‏ «6» اللَّه في السر ما هو بالصورة الظاهرة «7» متبع فيه، لأنه يرى الأمر عَلَى ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا و هو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإِنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي‏ «8» به إِلى الرسول. فإِن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شي‏ء «9». فكل نبي من لدن آدم إِلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إِلا من مشكاة خاتم النبيين، و إِن تأخر
______________________________
(1) ا: في الحكم‏
(2) ب: اللبنتين‏
(3) ن: التي‏
(4) ن: يراها
(5) ب: الفضية
(6) ا: من‏
(7) ا: الظاهر
( ب: يوحيه‏
(9) ب م ن: بكل شي‏ء ساقطة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 64
وجود طينته، فإِنه بحقيقته موجود، و هو قوله صلى اللَّه عليه و سلم: «كنت نبياً و آدم بين الماء و الطين». و غيره من الأنبياء ما كان نبياً «1» إِلا حين بُعِثَ.
و كذلك خاتم الأولياء كان ولياً و آدم بين الماء و الطين، و غيره من الأولياء ما كان ولياً إِلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون اللَّه تعالى تسمّى «بالولي الحميد «2»». فخاتم الرسل من حيث ولايته، نسبته‏ «3» مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء و الرسل معه، فإِنه الولي الرسول النبي.
و خاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب. و هو حسنة من حسنات خاتم المرسل محمد صلى اللَّه عليه و سلم مقدَّمِ الجماعة و سيد ولد آدم في فتح باب الشفاعة. فعيّن حالًا خاصاً ما عمم. و في هذا الحال الخاص تقدم على الأسماء الإلهية «7»، فإِن الرحمن ما شفع‏ «4» عند المنتقم في أهل البلاء إِلا بعد شفاعة الشافعين. ففاز محمد صلى اللَّه عليه و سلم بالسيادة في هذا المقام الخاص. فمن فهم المراتب و المقامات لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام.
و أما المنح الأسمائية: فاعلم‏ «5» أن مَنْحَ اللَّه تعالى خلقه رحمةٌ منه بهم، و هي كلها من الأسماء. فإِما رحمة خالصة كالطيِّب من الرزق اللذيذ في الدنيا الخالص يوم القيامة، و يعطى ذلك الاسمُ الرحمنُ. فهو عطاء رحماني. و إِما رحمة «6» ممتزجة كشرب الدواء الكرِهِ الذي يعقب شربه الراحةُ، و هو عطاء إِلهي، فإِن العطاء الإلهي لا يتمكن إِطلاق عطائه منه من غير أن يكون على يدي سادن من سدنة الأسماء. فتارة يعطي اللَّه العبد على يدي الرحمن فيَخْلُصُ العطاء من الشوب الذي‏ «7» لا يلائم الطبع في الوقت أوْ لا يُنِيلُ الغرض و ما أشبه ذلك. و تارة يعطي اللَّه‏
______________________________
(1) ن: ساقطة
(2) ن: الحميد الجميل‏
(3) ن: نسبه‏
(4) ب يشفع‏
(5) ن: اعلم‏
(6) ن: رحمة به‏
(7) ب: ساقطة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 65
على يدي الواسع فيعم، أو على‏ «1» يدي الحكيم فينظر في الأصلح في الوقت، أو على يدي الوهاب‏ «2»، فيعطي ليُنْعِمَ لا يكون مع الواهب‏ «3» تكليف المعطَى له بعوض على ذلك من شكر أو عمل، أو على يدي‏ «4» الجبار فينظر في الموطن و ما يستحقه، أو على يدي‏ «5» الغفار فينظر المحل و ما هو عليه. فإِن كان على حال يستحق العقوبة فيستره عنها، أو على حال لا يستحق العقوبة فيستره عن حال يستحق العقوبة فيسمى معصوماً و معتنى به و محفوظاً و غير ذلك مما شاكل هذا النوع. و المعطي هو اللَّه من حيث ما هو خازن لما عنده في خزائنه.
فما يخرجه‏ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ‏ على يدي اسم خاص بذلك الأمر. «ف أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ‏» على يدي العدل و إِخوانه‏ «6». و أسماء اللَّه لا تتناهى لأنها تعْلَم بما يكون عنها- و ما يكون عنها غير متناهٍ- و إِن كانت ترجع إِلى أصول متناهية هي أمهات الأسماء أو حضرات الأسماء «8». و على الحقيقة فما ثَمَّ إلا حقيقة واحدة تقبل جميع هذه النِّسَبِ و الإضافات التي يكنَّى عنها بالأسماء الإلهية. و الحقيقة تعطي أن يكون لكل اسم يظهر، إِلى ما لا يتناهى، حقيقة يتميز بها عن اسم آخر، تلك‏ «7» الحقيقة التي بها يتميز هي الاسم‏ «8» عينه لا ما يقع فيه الاشتراك، كما أن الأعطيات تتميز كل أعطية عن غيرها بشخصيتها، و إِن كانت من أصل واحد، فمعلوم أن هذه ما هي هذه الأخرى، و سبب ذلك تميُّز الأسماء. فما في الحضرة الإلهية لاتساعها شي‏ء يتكرر أصلًا «9». هذا هو الحق الذي يعوَّل عليه. و هذا العلم كان علم شيث عليه السلام، و روحه هو الممد «10» لكل من يتكلم في‏
______________________________
(1) ن: و تارة على يدي الحكيم‏
(2) ب م ن: أو على يد الواهب‏
(3) ن: الوهاب‏
(4) ن: يد
(5) ن: يد
(6) ب+ كالمقسط و الحق و الحكم و أمثالها
(7) ب: و تلك‏
( ن: الام.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 66
مثل هذا من الأرواح ما عدا روحَ الخاتم‏ «1» فإِنه لا يأتيه المادة إِلا من اللَّه لا من روح من الأرواح، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح، و إِن كان لا يَعْقلُ ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري. فهو من حيث حقيقته و رتبته عالم بذلك كله بعينه، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري.
فهو العالم الجاهل، فيقبل الاتصاف بالأضداد كما قَبِلَ الأصلُ الاتصاف بذلك، كالجليل و الجميل‏ «2»، و كالظاهر و الباطن و الأول و الآخِر و هو عينه ليس‏ «3» غير. فيعلَم لا يعلم، و يدري لا يدري، و يشهد لا يشهد. و بهذا العلم سمي شيث لأن معناه هبة اللَّه. فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها و نِسَبِهَا، فإِن اللَّه وهبه لآدم أول ما وهبه: و ما وهبه إِلا منه لأن الولد سرُّ أبيه. فمنه خرج و إِليه عاد. فما أتاه غريب لمن عقل عن اللَّه. و كل عطاء في الكون على هذا المجرى. فما في أحد من اللَّه شي‏ء، و ما في أحد من سوى نفسه شي‏ء «11» و إِن تنوعت عليه الصور. و ما كل أحد يعرف هذا، و أَنَّ الأمر على ذلك، إِلا آحاد من أهل اللَّه. فإِذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل اللَّه تعالى. فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقِي إِليه ما لم يكن عنده من المعارف و تمنحه‏ «4» ما لم يكن قبل ذلك في يده، فتلك الصورة عينه لا غيره. فمن شجرة نفسه جنى ثمرة علمه، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيرَه، إِلا أن المحل أو الحضرة التي رأى فيها صورة نفسه تلقى إِليه تنقلب‏ «5» من وجه بحقيقة تلك الحضرة، كما يظهر الكبير في المرآة الصغيرة صغيراً أو المستطيلة مستطيلًا، و المتحركة متحركاً. و قد تعطيه‏
______________________________
(1) ب م ن: الختم‏
(2) ن: ساقطة
(3) ب: و ليس غيره، ن: لا غيره‏
(4) ب: و تمنيه‏
(5) ا: يتقلب.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 67
انتكاس صورته من حضرة خاصة، و قد تعطيه عينَ‏ «1» ما يظهر «2» منها فتقابل اليمينُ منها اليمينَ من الرائي، و قد «3» يقابل اليمينَ اليسارَ و هو الغالب في المرايا بمنزلة العادة في العموم: و بخرق العادة يقابل اليمينُ اليمينَ و يَظهر الانتكاس. و هذا كله من أعطيات حقيقة الحضرة المتجلَّى فيها التي أنزلناها منزلة المرايا. فمن عرف استعداده عرف قبوله، و ما كل من عرف قبوله يعرف استعداده إِلا بعد القبول، و إِن كان يعرفه مجملًا. إِلا أن بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أن اللَّه، لَمَّا ثبت عندهم أنه فعَّال لما يشاء، جوزوا على اللَّه تعالى ما يناقص الحكمة و ما هو الأمر عليه في نفسه.
و لهذا عدل بعض النظار «4» إِلى نفي الإمكان و إِثبات الوجوب‏ «5» بالذات و بالغير. و المحقق يثبت الإمكان و يعرف حضرته، و الممكنَ ما هو الممكن و من أين هو ممكن و هو بعينه واجب بالغير، و من أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب. و لا يعلم هذا التفصيل إِلا العلماء باللَّه خاصة.
و على قدم شيث‏ «6» يكون آخر مولود يولد من هذا النوع الإنساني «12». و هو حامل أسراره، و ليس بعده ولد في هذا النوع. فهو خاتم الأولاد. و تولد معه أخت له فتخرج قبله و يخرج بعدها يكون‏ «7» رأسه عند رجليها. و يكون مولده بالصين و لغته لغة أهل‏ «8» بلده. و يسري العقم في الرجال و النساء فيكثر النكاح من غير ولادة و يدعوهم إِلى اللَّه فلا يجاب. فإِذا قبضه اللَّه تعالى و قبض مؤمني زمانه بقي من بقي مثل البهائم لا يحِلُّون حلالًا و لا يحرمون حراماً، يتصرفون بحكم الطبيعة شهوة مجردة عن العقل و الشرع فعليهم تقوم الساعة.
______________________________
(1) ساقطة في ن‏
(2) ساقطة في ن‏
(3) ب: قد
(4) ن:+ من أصحاب العقول‏
(5) ن: الوجود
(6) ا:+ عليه السلام‏
(7) ن: فيكون‏
( ن: ساقطة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية   السبت يوليو 28, 2018 8:57 am

3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

3-  فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية  «1»

اعلم أيدك‏ «1» اللَّه بروح منه‏ «2» أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد «3» و التقييد. فالمنزه إما جاهل و إما صاحب سوء أدب. و لكن إذا أطلقاه و قالا به، فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه و وقف عند التنزيه و لم يَرَ غير ذلك فقد أساء «4» الأدب و أكذب الحقَّ و الرسلَ صلوات اللَّه عليهم و هو لا يشعر، و يتخيل أنه في الحاصل و هو من الفائت‏ «5». و هو كمن آمن ببعض و كَفَرَ ببعض، و لا سيما و قد علم أنَّ أَلْسِنَةَ الشرائع الإلهية إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول، و على الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع‏ «6» ذلك اللسان. فإن للحق في كل خلق ظهوراً «7»: فهو الظاهر في كل مفهوم، و هو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته و هويته: و هو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الباطن. فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبِّر للصورة «8». فيؤخذ في حد الإنسان مثلًا ظاهره و باطنه، و كذلك كل محدود. فالحق محدود بكل حد «2»، و صور العالم لا تنضبط و لا يحاط «9» بها و لا تعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته‏ «10». فلذلك‏ «11» يُجْهَل حدُّ الحق، فإنه لا يُعْلَم حدُّه إلا بعلم حد كل صورة، و هذا «12» محال حصوله: فحد الحق محال.
______________________________
(1) ساقط في ب م ن‏
(2) ساقط في ب م ن‏
(3) ن: التجريد
(4) ن: ساء
(5) ب: الغاية
(6) ن: موضع‏
(7) ب: ظهوراً خاصاً
( ب: للصور
(9) ب: يحاد
(10) ب: صوره‏
(11) ن: فكذلك‏
(12) ن: فهذا.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 69
و كذلك من شبّهه و ما نزَّهه فقد قيَّده و حدده و ما عرَفه. و من جمع في معرفته بين التنزيه و التشبيه بالوصفين على الإجمال- لأنه يستحيل ذلك على التفصيل لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور- فقد عرَفه مجملًا لا على التفصيل كما عرَف نفسه مجملًا لا على التفصيل. و لذلك ربط النبي صلى اللَّه عليه و سلم معرفة الحق بمعرفة النفس فقال: «من عرف نفسه عرف‏ «1» ربه». و قال تعالى: «2» «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ» و هو ما «3» خرج عنك‏ «وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» و هو عينك، «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ» أي للناظر «أَنَّهُ الْحَقُّ» من حيث إنك صورته و هو روحك. فأنت له كالصورة الجسمية لك، و هو «4» لك كالروح المدبر لصورة جسدك. و الحدُّ يشمل الظاهر و الباطن منك: فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها لم تبق إنساناً، و لكن يقال فيها إنها صورة الإنسان، فلا فرق بينها و بين صورة من خشب أو حجارة.
و لا ينطلق‏ «5» عليها اسم الإنسان‏ «6» إلا بالمجاز «3» لا بالحقيقة. و صور العالم لا يمكن‏ «7» زوال الحق عنها أصلًا. فحد الألوهية «8» له بالحقيقة لا بالمجاز كما هو حد الإنسان إذا كان حياً. و كما أن ظاهر صورة الإنسان تثني بلسانها على روحها و نفسها و المدبرِ لها، كذلك جعل اللَّه صورة «9» العالم تسبح بحمده و لكن لا نفقة تسبيحهم لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور. فالكل ألسِنَةُ الحق ناطقة بالثناء على الحق. و لذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»* أي إليه يرجع عواقب الثناء، فهو المثني‏ «10» و المثْنَى عليه:
______________________________
(1) ب: فقد عرف‏
(2) ب: ساقطة
(3) ن: ساقطة
(4) ب: ساقطة
(5) ب: يطلق‏
(6) ن: إنسان‏
(7) ن: يتمكن‏
( ا: الألوهة
(9) ب: صور
(10) ب: فهو المثني عليه (فقط).

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 70

فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً و إن قلت بالتشبيه كنت محدداً
و إن قلت بالأمرين كنت مسدداً و كنت إماماً في المعارف سيداً
فمن قال بالإشفاع كان مشركاً و من قال بالإفراد كان موحداً
فإياك و التشبيه إن كنت ثانياً و إياك و التنزيه إن كنت مفرداً
فما أنت هو: بل أنت هو و تراه في‏ عين الأمور مسرَّحاً و مقيداً «4»


قال اللَّه تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنزه، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فَشبَّه. و قال تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فشبه و ثنى، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فنزَّه و أفرد.
لو أن نوحاً عليه السلام‏ «1» جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه: فدعاهم جهاراً ثم دعاهم إسراراً، ثم قال لهم: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً». و قال: «دَعَوْتُ‏ «2» قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً». و ذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته. فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من إجابة دعوته. فعلم العلماء باللَّه ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، و علم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، و الأمر قرآن لا فرقان، و من أقيم في القرآن لا يصغي إلى‏ «3» الفرقان و إن كان فيه‏ «4». فإن القرآن يتضمن الفرقان «5» و الفرقان لا يتضمن القرآن. و لهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى اللَّه عليه و سلم و هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. «ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» يجمع‏ «5» الأمرين في أمر واحد. فلو أن نوحاً يأتي بمثل هذه الآية لفظاً أجابوه، فإنه شبَّهَ و نزَّهَ في آية واحدة، بل في نصف آية. و نوح دعا قومه‏ «لَيْلًا» من حيث‏
______________________________
(1) ب م ن: ساقطة
(2) ب: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي‏
(3) ب: على‏
(4) ب: ساقطة
(5) ا م ب: فجمع الأمر في أمر واحد.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 71
عقولهم و روحانيتهم فإنها غيب. «وَ نَهاراً» دعاهم أيضاً من حيث ظاهر «1» صورهم و حِسِّهم، و ما جمع في الدعوة مثل‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادهم فراراً. ثم قال عن نفسه إنه‏ «2» دعاهم ليغفر لهم «6»، لا ليكشف لهم، و فهموا ذلك منه صلى اللَّه عليه و سلم. لذلك‏ «جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» و هذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها فأجابوا دعوته بالفعل لا بلبيك. ففي‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» إثبات المثل و نفيه، و بهذا قال عن نفسه صلى اللَّه عليه و سلم إنه أوتي جوامع الكلم. فما دعا محمد صلى اللَّه عليه و سلم قوَمه ليلًا و نهاراً، بل دعاهم ليلًا في نهار و نهاراً في ليل. فقال نوح في حكمته لقومه: «يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً» و هي المعارف العقلية في المعاني و النظر الاعتباري، «وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ» أي بما «3» يميل بكم إليه فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه. فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، و من عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف. فلهذا انقسم الناس إلى غير عالِم و عالِم.
«وَ وَلَدُهُ» و هو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري. و الأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر. «إِلَّا خَساراً، فما ربحت تجارتهم» فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم: و هو في المحمديِّين‏ «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ»، و في نوح‏ «أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا» فأثبت المُلْكَ لهم و الوكالة للَّه فيهم. فهم مستخلفون فيه‏ «4».
فالملك للَّه و هو وكيلهم، فالملك لهم و ذلك ملك الاستخلاف. و بهذا كان الحق تعالى‏ «5» مالك‏ «6» الملك كما قال الترمذي «7» رحمه اللَّه. «وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً»، لأن الدعوة إلى اللَّه تعالى مكر بالمدعوِّ
______________________________
(1) ب: ظواهر
(2) ا: إذ
(3) ب: ما
(4) ا م ن: فيهم‏
(5) ب م ن: ساقطة
(6) ب: ملك.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 72
لأنه ما عَدِمَ من البداية فيدعي إلى الغاية. «أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ» فهذا عين المكر، «عَلى‏ بَصِيرَةٍ» فنبَّه أن الأمر له كله، فأجابوه‏ «1» مكراً كما دعاهم «8». فجاء المحمدي و علم أن الدعوة إلى اللَّه ما هي من حيث هويته و إنما هي من حيث أسماؤه فقال: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً» فجاء بحرف الغاية و قرنها بالاسم، فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسمٍ إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين. فقالوا في مكرهم: «وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً»، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه مَنْ يعرفه و يجهله من يجهله. في المحمديين: «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» أي حكم. فالعالم يعلم من عُبِدَ، و في أي صورة ظهر حتى عبدَ، و أن التفريق و الكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة و كالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عُبدَ غير اللَّه في كل معبود. فالأدنى من تخيل فيه الألوهية، فلو لا هذا التخيل ما عبد الحجر و لا غيره. و لهذا قال‏ «2»: «قُلْ سَمُّوهُمْ»، فلو سموهم لسموهم حجارة «3» و شجراً و كوكباً. و لو قيل لهم من عبدتم لقالوا إلهاً ما كانوا يقولون اللَّه و لا الإله. و الأعلى ما تخيل‏ «4»، بل قال هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر. فالأدنى صاحب التخيل يقول: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏» و الأعلى العالم يقول:
«فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا» حيث ظهر «وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ» الذين خبَتْ نار طبيعتهم، فقالوا إلهاً و لم يقولوا طبيعة، «وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً، أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه و النسب. «وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ»
______________________________
(1) ب: فأجابوا
(2) ا: اللَّه تعالى‏
(3) ب م ن: حجراً
(4) ا:+ فيه الألوهية.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 73
لأنفسهم. «الْمُصْطَفَيْنَ‏ «1»» الذين أورثوا الكتاب، أول الثلاثة. فقدمه على المقتصد و السابق‏ «2». «إِلَّا ضَلالًا» «9» إلا حيرة المحمدي. «زدني فيك تحيراً»، «كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا». فالحائر «3» له الدور و الحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه، و صاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالبٌ ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته: فله مِنْ و إلى و ما بينهما. و صاحب الحركة الدورية لا بدءَ له فيلزمَه «مِنْ» و لا غاية فتحكُمَ عليه «إلى»، فله الوجود الأتمُّ و هو المؤتى جوامع الكلم و الحِكَم.
«مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ» فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللَّه، و هو الحيرة، «فَأُدْخِلُوا ناراً» في عين الماء في المحمديين. «وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ»: سَجَرْت التنور «4» إذا أوقدته. «فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً» فكان اللَّه عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد. فلو أخرجهم إلى السِّيف، سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة، و إن كان الكل للَّه و باللَّه بل هو اللَّه. «قالَ نُوحٌ رَبِّ» ما قال إلهي، فإن الرب له الثبوت و الإله يتنوع بالأسماء فهو كل يوم في شأن. فأراد بالرب ثبوت التلوين «10» إذ لا يصح إلا هو. «لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ» يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها. المحمدي «لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه»، «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ»*. و إذا دفنت فيها فأنت فيها و هي ظرفك: «وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏» لاختلاف الوجوه. «مِنَ الْكافِرِينَ» الذين‏ «اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ‏ و جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ‏» طلباً للستر لأنه‏
______________________________
(1) إشارة إلى قوله تعالى‏ «وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» سورة ص آية 47
(2) إشارة إلى قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ» سورة فاطر آية 32
(3): ا فالمحير، ب فالحائر و المتحير لهم‏
(4) ب: التنوت.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 74
«دعاهم ليغفر لهم» و الغفر الستر. «ديَّاراً» أحداً حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة. «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ» أي تدعهم و تتركهم‏ «يُضِلُّوا عِبادَكَ» أي يحيروهم فيخرجوهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم أرباباً بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيداً، فهم العبيد الأرباب. «وَ لا يَلِدُوا» أي ما ينتجون و لا يظهرون‏ «إِلَّا فاجِراً» أي مظهراً ما ستر، «كَفَّاراً» أي ساتراً ما ظهر بعد ظهوره. فيظهرون ما سُتِرَ، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر و لا يعرف قصد الفاجر في فجوره‏ «1»، و لا الكافر في كفره، و الشخص واحد. «رَبِّ اغْفِرْ لِي» أي استرني و استر من أجلي فيجهل قدري و مقامي كما جهل قدرك في قولك: «وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ»*.
«وَ لِوالِدَيَّ»: من كنت نتيجة عنهما و هما العقل و الطبيعة. «وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ» أي قلبي. «مُؤْمِناً» مصدقاً بما يكون فيه من الإخبارات الإلهية و هو ما حدَّثت به أنفسهَا. «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» من العقول‏ «وَ الْمُؤْمِناتِ» من النفوس.
«وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ»: من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية.
«إِلَّا تَباراً» أي هلاكاً، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم‏ «2» وجه الحق دونهم.
في المحمديين. «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» و التبار الهلاك. و من أراد أن يقف على أسرار نوح «11» فعليه بالرقيِّ في فلك نوح‏ «3»، و هو في التنزلات الموصلية لنا و اللَّه يقول الحق‏ «4».
______________________________
(1) ا: بفجوره‏
(2) ن: بشهودهم‏
(3) ن م ب: فلك نوح‏
(4) ب: و السلام بدلًا من: و اللَّه يقول الحق- ن: لا تذكر شيئاً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية    السبت يوليو 28, 2018 8:58 am

4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية 

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية «1»

العلو «2» نسبتان، علو مكان و علو مكانة. فعلو المكان‏ «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا».
و أعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك و هو فلك الشمس، و فيه مقام روحانية إدريس عليه السلام‏ «1». و تحته سبعة أفلاك و فوقه سبعة أفلاك و هو الخامس عشر. فالذي فوقه فلكُ الأحمر و فلك المشترى و فلك كيوان و فلك المنازل و الفلك الأطلس فلك البروج‏ «2» و فلك الكرسي و فلك العرش. و الذي دونه فلك الزهرة و فلك الكاتب، و فلك القمر، و كرة «3» الأثير، و كرة الهوى، و كرة الماء، و كرة التراب «3». فمن حيث هو قطب الأفلاك هو رفيع المكان. و أما علو المكانة فهو لنا أعني المحمديين. قال اللَّه تعالى‏ «وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ» «4» في هذا العلو، و هو يتعالى عن المكان لا عن المكانة. و لما خافت نفوس العمَّال منا أتبع المعية بقوله‏ «4» «وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ»: فالعمل يطلب المكان و العلم يطلب المكانة، فجمع لنا بين الرفعتين علوّ المكان بالعمل و علو المكانة بالعلم. ثم قال تنزيهاً للاشتراك بالمعية «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» عن هذا الاشتراك المعنوي. و من أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات، أعني الإنسان الكامل، و ما نسب إليه العلو إلا بالتبعية، إما إلى المكان و إما إلى المكانة و هي المنزلة. فما كان علوه لذاته. فهو العلي بعلو المكان و بعلو المكانة. فالعلو لهما. فعلو المكان.
______________________________
(1) ساقطة في ب م ن‏
(2) ب: و فلك البروج، و لكن الفلك الأطلس هو فلك البروج- و عدتها سبعة عشر من غير اعتبار فلك البروج فلكاً مستقلًا
(3) ن: تذكر:
«و أكرة» في الجميع‏
(4) ا:+ تعالى.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 76
«ك الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» و هو أعلى الأماكن. و علو المكانة «كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ»، و «إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ‏ «1»»، «أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ»*. و لما قال اللَّه تعالى‏ «وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» فجعل «علياً» نعتاً للمكان، «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، فهذا علو المكانة. و قال في الملائكة «2» «أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» فجعل العلو للملائكة. فلو كان لكونهم ملائكة «3» لدخل الملائكة كلهم في‏ «4» هذا العلو.
فلما لم يعم، مع اشتراكهم في حد الملائكة، عرفنا أن هذا علو المكانة عند اللَّه‏ «5». و كذلك الخلفاء من الناس لو كان علوهم بالخلافة علواً ذاتياً لكان لكل إنسان. فلما لم يعم عرفنا أن ذلك العلو للمكانة. و من أسمائه الحسنى العلي.
على من و ما ثم إلا هو؟ فهو العلي لذاته. أو عن ما ذا و ما «6» هو إلا هو؟ فعلوه لنفسه. و هو من حيث الوجود عين الموجودات. فالمسمى محدثات هي العليَّة لذاتها و ليست إلا هو. فهو العلي لا علو إضافة، لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمَّت رائحة من الموجود، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات. و العين واحدة من المجموع في المجموع «5». فوجود الكثرة في الأسماء، و هي النسب، و هي أمور عدمية. و ليس إلا العين الذي هو الذات. فهو العلي لنفسه لا بالإضافة «7». فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة، لكن الوجوه الوجودية «8» متفاضلة. فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجود الكثيرة. لذلك نقول فيه هو لا هو، أنت لا أنت. قال‏
______________________________
(1) ا: ساقطة
(2) ب: إبليس الملائكة
(3) ب: الملائكة
(4) «في» ساقطة في ا
(5) ا:+ تعالى‏
(6) و ما: ساقطة في ب‏
(7) ن: بإضافة
( ب: الودية.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 77
الخراز «1» (22- 1) رحمه‏ «2» اللَّه تعالى، و هو وجه من وجوه الحق و لسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن اللَّه تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها. فهو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن. فهو عين ما ظهر، و هو عين ما بطن في حال ظهوره. و ما ثَمَّ من يراه غيره، و ما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه. و هو «3» المسمى أبا «4» سعد الخراز و غير ذلك من أسماء المحدثات. فيقول الباطن لا إذا قال الظاهر أنا، و يقول الظاهر لا إذا قال الباطن أنا. و هذا في كل ضد، و المتكلم واحد و هو عين السامع. يقول النبي صلى اللَّه عليه و سلم: «و ما حدَّثَتْ به أنفُسَها» فهي المحدثة السامعة حديثها، العالمة بما حدثت به أنفسها «5»، و العين واحدة و اختلفت الأحكام.
و لا سبيل إلى جهل مثل هذا فإنه يعلمه كل إنسان من نفسه و هو صورة الحق. فاختلطت الأمور و ظهرت الأعداد بالواحد «6» في المراتب‏ «6» المعلومة.
فأوجد الواحد العدد، و فصَّل العددُ الواحدَ، و ما ظهر حكم العدد إلا المعدود و المعدود منه عدم و منه وجود، فقد يعدم الشي‏ء من حيث الحس و هو موجود من حيث العقل. فلا بد من عدد و معدود، و لا بد من واحد ينشئ ذلك فينشأ بسببه. فإن كل‏ «7» مرتبة من العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلًا و العشرة إلى أدنى و إلى أكثر إلى غير نهاية، ما هي مجموع، و لا ينفك عنها اسم جمع‏ «8» الآحاد.
______________________________
(1) هو أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز صوفي من أهل بغداد مات سنة 277، راجع القشيري ص 22 و الحلية تحت أحمد بن عيسى ج 10 ص 246
(2) ساقطة في ب م ن‏
(3) هو ساقطة في ا في الأصل و لكنها وضعت بخط آخر
(4) ب: أبو
(5) ن: نفسها
(6) ب: في المراتب كلها
(7) ن م ب: فإن كان كل مرتبة، و كذلك النص في شرحي القاشاني و بالي .. و الكلام على أن جواب الشرط محذوف يدل عليه سياق العبارة
( ب: جميع.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 78
فإن الاثنين حقيقة واحدة و الثلاثة حقيقة واحدة «1»، بالغاً ما بلغتْ هذه المراتب، و إن كانت واحدة. فما عين واحدة منهن عين ما بقي. فالجمع يأخذها فنقول بها منها، و نحكم بها عليها. قد ظهر في هذا القول عشرون مرتبة، فقد دخلها التركيب فما تنفك تثبت عينَ ما هو منفيٌّ عندك لذاته.
و من عرف ما قررناه في الأعداد، و أن نفيها عين إثباتها «2»، علم أن الحق المنزّه هو الخلق المشبه، و إن كان قد تميز الخلق من الخالق. فالأمر الخالق المخلوق، و الأمر المخلوق الخالق. كل ذلك من عين واحدة، لا، بل هو العين الواحد و هو العيون الكثيرة. فانظر ما ذا ترى‏ «قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ»، و الولد عين أبيه. فما رأى‏ «3» يذبح سوى نفسه. «و فداه بذبح عظيم»، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان. و ظهر بصورة ولد:
لا، بل بحكم ولد «4» من هو عين الوالد. «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها»: فما نكح‏ «5» سوى نفسه. فمنه الصاحبة و الولد و الأمر واحد في العدد. فَمَن الطبيعةُ و مَنِ الظاهر منها «7»، و ما رأيناها نقصت بما ظهر منها و لا زادت بعدم ما ظهر؟ و ما «6» الذي ظهر غيرها: و ما هي عين ما ظهر لاختلاف الصور بالحكم عليها «7»: فهذا بارد يابس و هذا حار يابس: فجمع باليبس و أبان بغير ذلك. و الجامع الطبيعة، لا، بل العين الطبيعية. فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة، لا، بل صورة واحدة في مرايا «8» مختلفة. فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر. و من عرف ما قلناه لم يحر. و إن‏
______________________________
(1) و الثلاثة حقيقة واحدة ساقطة في ن‏
(2) ب م ن. ثبتها
(3) الضمير في رأي يعود على الوالد
(4) ن: و ظهر بصورة لا بحكم ولد
(5) الضمير عائد على آدم‏
(6) يفسرها بالي على أنها استفهامية (راجع شرحه ص 98)، و يفسرها جامي على أنها سالبة بمعنى ليس و هو الأصح (شرحه ج 1 ص 154) و المعنى و ليست الطبيعة شيئاً آخر غير ما ظهر، و مع ذلك ليست هي عين ما ظهر لاختلاف الصور باختلاف الحكم عليها
(7) ا: عليه‏
( ن:+ كثيرة مختلفة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 79
كان في مزيد علم فليس إلا من حكم المحل «8»، و المحل عين العين الثابتة: فيها يتنوع‏ «1» الحق في المجلى فتتنوع‏ «2» الأحكام عليه، فيقبل كل حكم، و ما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه، و ما ثَمَّ إلا هذا:
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا و ليس خلقاً بذاك الوجه فادكروا
من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته‏ و ليس يدريه إلا من له بصر
جمِّع و فرِّق فإن العين واحدة و هي الكثيرة لا تبقى و لا تذر


فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية و النسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، و سواء كانت‏ «3» محمودة عرفاً و عقلًا و شرعاً أو «4» مذمومة عرفاً و عقلًا و شرعاً.
و ليس ذلك إلا لمسمى اللَّه تعالى خاصة. و أما غير مسمى اللَّه مما هو مجلى له أو صورة فيه، فإن كان مجلى له فيقع التفاضل- لا بد من ذلك- بين مجلى و مجلى، و إن كان صورة فيه فتلك‏ «5» الصورة عين الكمال‏ «6» الذاتي لأنها عين ما ظهرت فيه. فالذي لمسمى اللَّه هو الذي لتلك الصورة. و لا يقال هي هو و لا هي غيره «9». و قد أشار أبو القاسم بن قسّي «10» في خَلْعِه إلى هذا بقوله: إن كل اسم إلهي يتسمى بجميع الأسماء الإلهية و ينعت بها. و ذلك‏ «7» أن كل اسم يدل على الذات و على المعنى الذي سيق له و يطلبه. فمن حيث دلالته على الذات له جميع الأسماء، و من حيث دلالته على المعنى الذي ينفرد به، يتميز عن غيره كالرب و الخالق و المصوِّر إلى غير ذلك. فالاسم المسمى من حيث الذات،
______________________________
(1) ب: ينبوع في الحالتين‏
(2) ب: ينبوع في الحالتين‏
(3) ساقطة في ا
(4) ب: و
(5) ن: فلتلك‏
(6) ب: كمال‏
(7) ب م ن: و ذلك هناك أن إلخ.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 80
و الاسم غير المسمى من حيث ما يختص به من المعنى الذي سِيق له. فإذا فهمت أن العليّ ما ذكرناه علمت أنه ليس علو المكان و لا علو المكانة، فإن علو المكانة يختص بولاة الأمر كالسلطان و الحكام و الوزراء و القضاة و كل ذي منصب سواء كانت فيه أهلية لذلك‏ «1» المنصب أو لم تكن، و العلو بالصفات ليس كذلك، فإنه قد يكون أعلم الناس يتحكم فيه من له منصب التحكم و إن كان أجهل الناس. فهذا عليٌ بالمكانة بحكم التبع ما هو عليٌ‏ «2» في نفسه.
فإذا عزل زالت رفعته و العالِم ليس كذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 5- فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبراهيمية   السبت يوليو 28, 2018 8:59 am

5- فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبراهيمية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

5- فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبراهيمية «1» «3»

إِنما سمي الخليل‏ «4» خليلًا لتخلله و حصره جميع ما اتصفت به الذات الإلهية. قال الشاعر:
قد «5» تخللت مسلك الروح مني‏ و به سمي الخليل خليلًا
كما يتخلل اللونُ المتلون، فيكون العَرَضُ بحيث جوهره ما هو كالمكان و المتمكن، أو لتخلل‏ «6» الحق وجود صورة إِبراهيم عليه السلام‏ «7».
و كل حكم يصح من ذلك، فإِن لكل حكم موطناً يظهر به لا يتعداه.
أ لا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، و أخبر بذلك عن نفسه، و بصفات النقص و بصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحق من أولها إِلى آخرها و كلها حق له كما هي صفات المحدثات‏
______________________________
(1) ب م ن: ذلك‏
(2) ن: ساقطة
(3): مهيمية ب م ن مهيمنية
(4) أ ساقطة
(5) ب: و قدم: ن و
(6) ب: التخلل‏
(7) ساقطة في ب م ن‏


فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 81
حق للحق «2». «الحمد للَّه»: فرجعت إِليه عواقب الثناء من كل حامد و محمود.
«وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» فعمَّ ما ذُمَّ و حُمِدَ، و ما ثَمَّ إِلا محمود و مذموم.
اعلم أنه ما تخلل شي‏ء شيئاً إِلا كان محمولًا فيه. فالمتخلِّل‏ «1»- اسم فاعل- محجوب بالمتخلَّل- اسم مفعول. فاسم المفعول‏ «2» هو الظاهر، و اسم الفاعل هو الباطن المستور. و هو غذاء له كالماء يتخلل الصوفة فتربو به و تتسع. فإِن كان الحق هو الظاهر فالخلق مستور فيه، فيكون الخلق جميع أسماء الحق سمعَه و بصرَه و جميعَ نسبه و إِدراكاته. و إِن كان الخلق هو الظاهر فالحق مستور باطن فيه، فالحق سمع الخلق و بصره و يده و رجله و جميع قواه كما ورد في الخبر الصحيح‏ «3». ثم إِن الذات لو تعرَّت عن هذه النسب لم تكن إِلهاً.
و هذه النسب أحدثتها أعياننا: فنحن جعلناه بمألوهيتنا «4» إِلهاً، فلا يعرف حتى نعرف. قال عليه السلام: «من عرف نفسه عرف ربه» و هو أعلم الخلق باللَّه.
فإِن بعض‏ «5» الحكماء و أبا حامد «6» ادعوا «7» أنه يُعْرَف اللَّه من غير نظر في العالم و هذا غلط. نعم تعرف ذات‏ «8» قديمة أزلية لا يعرف أنها إِله حتى يعرف المألوه. فهو الدليل عليه. ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق نفسه‏ «9» كان عين الدليل على نفسه و على أُلوهيته، و أن العالم ليس إِلا تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه‏ «10»، و أنه يتنوع و يتصوّر بحسب حقائق هذه الأعيان و أحوالها، و هذا بعد العلم به منا
______________________________
(1) ا: كالمتخلل‏
(2) ساقطة في ب.
(3) إِشارة إِلى الحديث القدسي القائل: «لا يزال العبد يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أحبه فإِذا أحببته كنت سمعه إلخ»
(4) ن: بألوهيتنا
(5) ن: ساقطة
(6) الإمام الغزالي المتوفى سنة 505 ه
(7) ا، ن: ادَّعى‏
( ن: ذاتاً
(9) ب: بنفسه‏
(10) ساقطة في ا، ن.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 82
أنه إِله لنا. ثم يأتي الكشف الآخر فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض‏ «1» في الحق، فيعرف بعضنا بعضاً، و يتميز بعضنا عن بعض «3». فمنا من يعرف أن في الحق وقعت هذه المعرفة لنا بنا، و منا من يجهل الحضرة التي وقعت فيها هذه المعرفة بنا: أعوذ باللَّه أن أكون من الجاهلين. و بالكشفين معاً ما يحكم علينا إِلا بنا، لا، بل نحن نحكم علينا بنا و لكن فيه، و لذلك قال‏ «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ»: يعني على المحجوبين إِذ «2» قالوا للحق لِمَ فعلت بنا كذا و كذا مما «3» لا يوافق أغراضهم، «فيكشِفُ لهم عن ساق»: و هو الأمر الذي كشفه العارفون هنا، فيرون أن الحق ما فعل بهم ما ادعوه أنه فعله‏ «4» و أن ذلك منهم، فإِنه ما علمهم إِلا على ما هم عليه، فتدحض‏ «5» حجتهم و تبقى الحجة للَّه تعالى البالغة. فإِن قلت فما فائدة قوله تعالى: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» «4» قلنا «6» «لو شاء» لو حرف امتناع لامتناع: فما شاء إِلا ما هو الأمر عليه. و لكن عين الممكن قابل للشي‏ء و نقيضه في حكم‏ «7» دليل العقل، و أي الحكمين المعقولين وقع، ذلك هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته.
و معنى «لَهَداكُمْ‏ «8»» لبيَّن لكم: و ما كل ممكن من العالم فتح اللَّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو عليه: فمنهم العالم و الجاهل. فما شاء «9»، فما هداهم أجمعين، و لا يشاء، و كذلك‏ «إِنْ يَشَأْ»*: فهل يشاء؟ هذا ما لا يكون‏ «10». فمشيئته أحدية التعلق و هي نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم‏
______________________________
(1) ب: ببعض بالباء
(2) ب: إِذا
(3) ا، ب، ما
(4) أنه فعله ساقطة في ا
(5) ب: فتندحض‏
(6) ب: قلت‏
(7) ن: حد
(8  : لهداهم أجمعين‏
(9) ب: شاء اللَّه‏
(10) معنى العبارة كلها: فما شاء اللَّه أزلًا هداية الناس أجمعين فلم يهتدوا من أجل ذلك لأن مشيئته متعلقة بما عليه الممكنات في حال ثبوتها. و حكم «لو شاء» في الآية: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» هو حكم «إِن يشأ» في قوله: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ»*. فهل يشاء اللَّه بعد هذا الخلاف ما عليه الأشياء في ثبوتها؟ هذا مستحيل.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 83
و المعلوم أنت و أحوالك. فليس للعلم أثر في المعلوم، بل للمعلوم أثر في العلم‏ «1» فيعطيه من نفسه ما هو عليه في عينه. و إِنما ورد الخطاب الإلهي بحسب ما تواطأ عليه المخاطبون «5» و ما أعطاه النظر العقلي، ما ورد الخطاب على ما يعطيه الكشف. و لذلك كثر المؤمنون و قل العارفون أصحاب الكشوف.
«وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ»: و هو ما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك، هذا إِن ثبت أن لك وجوداً. فإِن ثبت أن الوجود للحق لا لك، فالحكم لك بلا شك في وجود الحق. و إِن ثبت أنك الموجود فالحكم لك بلا شك. و إِن كان الحاكم الحق، فليس له إِلا إِفاضة الوجود عليك و الحكم‏ «2» لك عليك. فلا «3» تحمد إِلا نفسك و لا تذم إِلا نفسك، و ما يبقى للحق إِلا حمد إِفاضة الوجود لأن ذلك له لا لك.
فأنت غذاؤه بالأحكام، و هو غذاؤك بالوجود.


فتعين عليه ما تعين عليك «6». فالأمر منه إِليك و منك إِليه «7». غير أنك‏ «4» تسمى مكلَّفاً و ما كلَّفك إِلا بما قلت له كلفني بحالك و بما أنت عليه. و لا يسمَّى مكلَّفاً: اسم مفعول.
فيحمدني و أحمده‏ و يعبدني و أعبده‏
ففي حال أقرُّ به‏ و في الأعيان أجحده‏
فيعرفني و أنكره‏ و أعرفه فأشهده‏
فأنى بالغنى‏ «5» و أنا أُساعده فأسعده؟
لذاك الحق أوجدني‏ فأعلمه فأوجده‏
بذا جاء الحديث لنا و حقق فيَّ مقصده «8»


______________________________
(1) ب، ن: في العالم‏
(2) ن: فالحكم بالفاء
(3) ن: و لا
(4) ن: أنه‏
(5) ا: الضنى.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 84
و لما كان للخليل‏ «1» هذه المرتبة التي بها سمي خليلًا لذلك سنّ القِرَى‏ «2»، و جعله ابن مَسَرّة «10» مع ميكائيل‏ «3» للأرزاق «9»، و بالأرزاق يكون تغذي المرزوقين‏ «4». فإِذا تخلل الرزق ذات المرزوق بحيث لا يبقى فيه شي‏ء إِلا تخلله، فإِن الغذاء يسري‏ «5» في جميع أجزاء المغتذي كلها و ما هنالك‏ «6» أَجزاء فلا بد أن يتخلل جميع المقامات الإلهية المعبر عنها بالأسماء فتظهر بها ذاته جل و علا
فنحن له كما ثبتت‏ أدلتنا و نحن لنا
و ليس له سوى كوني‏ فنحن له كنحن بنا
فلي وجهان هو و أنا و ليس له أنا بأنا
و لكن فيَّ مظهره‏ فنحن له كمثل إِنا «11»

و اللَّه يقول الحق و هو يهدي السبيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 6- فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية    السبت يوليو 28, 2018 9:01 am

6-  فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية 

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

6-  فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية     «1»

فداء نبي ذَبْح لقربان‏ و أين ثؤاج الكبش من نوس إِنسان‏
و عظمه اللَّه العظيم عناية بنا أو به لا أدر «7» من أي ميزان‏
و لا شك أن البُدْن أعظم قيمة و قد نزلت عن ذبح كبش لقربان‏
فيا ليت شعري كيف ناب بذاته‏ شخيص كبيش عن خليفة رحمان‏
أ لم تدر أن الأمر فيه مرتب‏ وفاء لإرباح و نقص لخسران؟ «2»
____________________________
(1) ا:+ عليه السلام‏
(2) هكذا في المخطوطات الثلاثة و لكنها صححت القربى في ا
(3) ا:+ عليه السلام‏
(4) ا: المرزق‏
(5) ا: سرى‏
(6) ا: هناك‏
(7) لا أدر في المخطوطات الثلاثة و قد حذفت الياء من أدرى للضرورة الشعرية و كان في الإمكان أن يقول «لم أدر».

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 85
فلا خلق أعلى من جماد و بعده‏ نبات على قَدْرٍ يكون و أوزان‏
و ذو الحس بعد النبت و الكل عارف‏ بخلاف كشفاً و إِيضاح برهان‏
و أما المسمى آدما «1» فمقيد بعقل و فكر أو قلادة إِيمان‏
بذا قال سهل‏ «2» و المحقق مثلنا لأنا و إِياهم بمنزل إِحسان «3»
فمن شهد الأمر الذي قد شهدته‏ يقول بقولي في خفاء و إِعلان‏
و لا تلتفت‏ «3» قولًا يخالف قولنا و لا تبذر السمراء «4» في أمر عميان‏
هم الصم و البكم الذين أتى بهم‏ لأسماعنا المعصوم في نص قرآن «4»
اعلم أيدنا اللَّه و إِياك أن إِبراهيم الخليل عليه السلام قال لابنه: «إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ» و المنام حضرة الخيال فلم يعبرها. و كان كبش‏ «5» ظهر في صورة ابن إِبراهيم في المنام فصدَّق إِبراهيم الرؤيا، ففداه ربه من وَهم إِبراهيم بالذبح‏ «6» العظيم الذي هو تعبير رؤياه عند اللَّه تعالى و هو «7» لا يشعر. فالتجلي الصوري في حضرة الخيال محتاج‏ «8» إِلى علم آخر يدرك به ما أراد اللَّه تعالى بتلك الصورة.
أ لا ترى كيف قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم لأبي بكر «9» في تعبير الرؤيا:
«أصبت بعضاً و أخطأت بعضاً» فسأله أبو بكر أن يعرِّفه ما أصاب فيه و ما أخطأ فلم يفعل. «10» و قال اللَّه تعالى لإبراهيم عليه السلام حين ناداه:
«أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا» و ما قال له صَدَقْتَ‏ «11» في الرؤيا أنه ابنك: لأنه ما عبرها، بل أخذ بظاهر ما رأى، و الرؤيا «5»
______________________________
(1) ا، ب: آدم‏
(2) سهل بن عبد اللَّه التستري (المتوفي سنة 283 ه).
(3) ا: يلتفت بالياء
(4) ا: يبذر، ن: تبذل. و السمراء الحنطة و لا تبذر السمراء في أرض عميان أي لا تبذل المعرفة لغير المستعدين لقبولها
(5) ن: و كان كبشاً ظهر
(6) ب: بذبح‏
(7) ن: و هم لا يشعرون‏
( ن: إِنه محتاج‏
(9) ا:+ رضي اللَّه عنه‏
(10) ا:+ صلى اللَّه عليه و سلم‏
(11) ب: قد صدقت.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 86
تطلب التعبير. و لذلك قال العزيز «إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ‏ «1»». و معنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إِلى أمر آخر. فكانت البقر سنين في المَحْل و الخصب. فلو صدَق في الرؤيا لذبح ابنه، و إِنما صدّق الرؤيا في‏ «2» أن ذلك عين ولده، و ما كان عند اللَّه إِلا الذِّبحَ العظيم في صورة ولده (27- 1) ففداه لما وقع في ذهن إِبراهيم عليه السلام: ما هو فداء في نفس الأمر عند اللَّه‏ «3».
فصوّر الحس الذِّبح و صور الخيال ابن إِبراهيم عليه السلام. فلو رأى الكبش في الخيال لعبَّره‏ «4» بابنه أو بأمر آخر. ثم قال‏ «5» «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ‏ «6»» أي الاختبار المبين أي الظاهر يعني الاختبار في العلم: هل يعلم ما يقتضيه موطن الرؤيا من التعبير أم لا؟ لأنه يعلم أن موطن الخيال يطلب التعبير: فغفل فما وفَّى الموطن حقه، و صدّق الرؤيا لهذا السبب كما فعل تقي بن مخلد الإمام صاحب المسند، سمع في الخبر الذي ثبت عنده أنه عليه السلام قال: «من رآني في النوم فقد رآني في اليقظة فإِن الشيطان لا يتمثل على صورتي» فرآه تقي بن مخلد و سقاه النبي صلى اللَّه عليه و سلم في هذه الرؤيا لبناً فصدّق تقيُّ بن مخلد رؤياه فاستقاء «7» فقاء لبناً. و لو عبَّر رؤياه لكان ذلك اللبن علماً. فحرمه اللَّه علماً كثيراً على قدر ما شرب‏ «8». ألا ترى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم أُتِيَ‏ «9» في المنام بقدح لبن: «فشربته حتى خرج الرِّي من أظافيري‏ «10» ثم أعطيت فضلي عمر». قيل ما أوَّلته يا رسول اللَّه؟ قال العلم، و ما تركه لبناً على‏
______________________________
(1) ن: ساقطة
(2) ا: في ساقطة
(3) أي ففداه من أجل ما خطر بفكر إِبراهيم من أن الذي رآه كان صورة ابنه- و ليس ذلك فداء حقيقيًّا في نفس الأمر عند اللَّه، لأن الصورة التي رآها إبراهيم لم تكن صورة ابنه بل صورة الكبش ظاهرة في صورة ابنه.
(4) ا: لعبرنا عنه‏
(5) ب:+ تعالى‏
(6) ن: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ» أي الاختبار «المبين» أي الظاهر
(7) ن: فاستقى‏
( ن:+ من اللبن‏
(9) ب: لما أتى‏
(10) ب: أظفاري.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 87
صورة ما رآه لعلمه بموطن الرؤيا و ما تقتضيه‏ «1» من التعبير. و قد عُلِمَ أن صورة النبي صلى اللَّه عليه و سلم التي شاهدها الحس أنها في المدينة مدفونة، و أن صورة روحه و لطيفته‏ «2» ما شاهدها أحدٌ من أحدٍ و لا من نفسه‏ «3». كل روح بهذه المثابة فتتجسد له روح النبي في المنام بصورة جسده كما مات عليه لا يخرم‏ «4» منه شي‏ء. فهو محمد صلى اللَّه عليه و سلم المرئي من حيث روحه في صورة جسدية «5» تشبه المدفونة لا يمكن للشيطان أن يتصور بصورة جسده صلى اللَّه عليه و سلم عصما من اللَّه في حق الرائي. و لهذا من رآه بهذه الصورة يأخذ عنه جميع ما يأمره أو ينهاه عنه‏ «6» أو يخبره كما كان يأخذ عنه في الحياة الدنيا من الأحكام على حسب ما يكون منه اللفظ الدال عليه من نص أو ظاهر أو مجمل أو ما كان‏ «7» فإِن أعصاه شيئاً فإِن ذلك الشي‏ء هو الذي يدخله التعبير، فإِن خرج في الحس كما كان في الخيال فتلك رؤيا لا تعبير لها. و بهذا القدر و عليه اعتمد إبراهيم عليه السلام و تقي بن مخلد. و لما كان للرؤيا هذان الوجهان، و علمنا اللَّه: فيما فعل بإِبراهيم و ما قال له: الأدب لما يعطيه مقام النبوة، عَلِمْنَا في رؤيتنا الحق تعالى في صورة يردها الدليل العقلي أنْ نعبِّر «6» «8» تلك الصورة بالحق المشروع إِما في حق حال الرائي أو المكان الذي رآه فيه أو هما معاً. و إِن لم يردها الدليل العقلي أبقيناها على ما رأيناها «9» كما نرى الحق في الآخرة سواء.
______________________________
(1) ب، ن: يقتضي‏
(2) ا: و لطيفه‏
(3) أي أحد في صورة أحد و لا في صورة نفسه‏
(4) ا: يخرج، ب: يخرم منه شيئاً
(5) أي مثالية و هذا هو التعبير عندهم‏
(6) ساقطة في ب، ن‏
(7) أي أو أي شي‏ء كان من أقسام اللفظ
(8  : تغير:
(9) ا: رأينا.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 88


فللواحد الرحمن في كل موطن‏ من الصور ما يخفي و ما هو ظاهر
فإِن قلت هذا الحق قَدْ تَكُ‏ 1 صادقاً و إِن قلت أمراً آخراً أنت عابر
و ما حكمه في موطن دون موطن‏ و لكنه بالحق للخلق سافر
إِذا ما تجلى للعيون ترده‏ عقول ببرهان عليه تثابر
و يُقْبَل في مجلَى العقول و في الذي‏ يسمى خيالًا والصحيح النواظر «7»


يقول أبو يزيد «2» في هذا المقام لو أن العرش و ما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بها «3». و هذا وسع أبي يزيد في عالم الأجسام. بل أقول لو أن ما لا يتناهى وجوده يقدَّر انتهاء وجوده مع العين الموجدة له في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس بذلك في علمه. فإِنه قد ثبت أن القلب وسع الحق و مع ذلك ما اتصف بالري فلو امتلأ ارتوى. و قد قال ذلك أبو يزيد. و لقد نبهنا على هذا المقام بقولنا:
يا خالق الأشياء في نفسه‏ أنت لما تخلقه جامع‏
تخلق ما لا ينتهي كونه فيه‏ بك فأنت الضيق الواسع‏
لو أن ما قد خلق اللَّه ما لا ح بقلبي فجره الساطع‏ «4»
من وسع الحق فما ضاق عن‏ خلق فكيف الأمر يا سامع؟


بالوهم يخلق كل إِنسان في قوة خياله ما لا وجود له إِلا فيها، و هذا هو الأمر العام. و العارف يخلق بالهمة ما يكون له وجود من خارج محل الهمة «8» و لكن لا تزال الهمة تحفظه. و لا يئودها حفظه، أي حفظ ما خلقته. فمتى طرأ
______________________________
(1) ا: فديتك‏
(2) أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي الصوفي المعروف. قيل مات سنة 261 ه.
(3) ب: به‏
(4) ا: تذكر البيت الرابع قبل الثالث.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 89
على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عُدِمَ ذلك المخلوق، إِلا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات و هو لا يغفل مطلقاً، بل لا بد من حضرة يشهدها.
فإِذا خلق العارف بهمته ما خلق و له هذه الإحاطة ظهر ذلك الخلق بصورته‏ «1» في كل حضرة، و صارت الصور يحفظ بعضها بعضاً. فإِذا غفل العارف عن حضرة ما أو عن حضرات و هو شاهد حضرة ما من الحضرات، حافظٌ لما فيها من صورة خلقه، انحفظت‏ «2» جميع الصور بحفظه تلك الصورة الواحدة في الحضرة «3» التي ما غفل عنها، لأن الغفلة ما تعم قط لا في العموم و لا في الخصوص.
و قد أوضحت هنا سراً لم يزل أهل اللَّه‏ «4» يغارون على مثل هذا أن يظهر لما فيه من رد دعواهم أنهم الحق، فإِن الحق لا يغفل و العبد لا بد له أن يغفل عن شي‏ء دون شي‏ء. فمن حيث الحفظ لما خلق له أن يقول «أنا الحق»، و لكن ما حفظه لها حفظ الحق: و قد بينا الفرق. و من حيث ما غفل عن صورة ما و حضرتها فقد تميز العبد من الحق. و لا بد أن يتميز مع بقاء الحفظ لجميع الصور بحفظه صورة واحدة منها في الحضرة التي ما غفل عنها. فهذا حفظ بالتضمن، و حفظ الحق ما خلق ليس كذلك بل حفظه لكل صورة على التعيين.
و هذه مسألة أُخبرت أنه ما سطرها أحد في كتاب لا أنا و لا غيري إِلا في هذا الكتاب:
فهي يتيمة الدهر و فريدته. فإِياك أن تغفل عنها فإِن تلك الحضرة التي يبقي لك الحضور فيها مع‏ «5» الصورة، مثلها مثَلُ الكتاب الذي قال اللَّه فيه‏ «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ» فهو الجامع للواقع و غير الواقع. و لا يعرف ما قلناه إِلا من كان‏
______________________________
(1) أي بصورة العارف‏
(2) ب: ان حفظت- و هو خطأ
(3) ن: في الحضرات.
ا: ساقطة
(4) ب+ العارفون‏
(5) ب: ظاهر الصورة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 90
قرآنا «1» في نفسه «9» فإِن المتقي اللَّه «يجعل له فرقاناً» و هو مثل ما ذكرناه في هذه المسألة فيما يتميز به العبد من الرب. و هذا الفرقان‏ «2» أرفع فرقان.
فوقتاً يكون العبد رباً بلا شك‏ و وقتاً يكون العبد عبداً بلا إِفك‏
فإِن كان عبداً كان بالحق واسعاً و إِن كان رباً كان في عيشة ضنك‏
فمن كونه عبداً يرى عين نفسه‏ و تتسع الآمال منه بلا شك‏
و من كونه رباً يرى الخلق كله‏ يطالبه من حضرة المُلك و المَلك‏
و يعجز عمَّا طالبوه بذاته‏ لذا تر بعض العارفين به يبكي‏
فكن عبد رب لا تكن ربَّ عبده‏ فتذهب بالتعليق في الناروالسبك 10
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 7 - فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية    السبت يوليو 28, 2018 9:03 am

7 - فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية 

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

7 - فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية     «1»

أعلم أن مسمى اللَّه‏ «3» أحديٌّ بالذات كلٌ بالأسماء. و كل موجود فما له من اللَّه إِلا ربه خاصة يستحيل أن يكون له الكل‏ «4». و أما الأحدية الإلهية فما لواحد فيها قدم، لأنه لا يقال لواحد منها شي‏ء و لآخر منها شي‏ء، لأنها لا تقبل التبعيض. فأحديته مجموع كله بالقوة «2». و السعيد من كان عند ربه مرضياً، و ما ثَمَّ إِلا من هو مرضي عند ربه لأنه الذي يبقي عليه ربوبيته، فهو عنده مرضي فهو سعيد.
و لهذا «5» قال سهل‏ «6» إِن للربوبية سراً- و هو أنت: يخاطب‏ «7» كل عين- لو ظهر «8»
______________________________
(1) المراد بالقرآن الجمع و بالفرقان الفرق‏
(2) ب: القرآن‏
(3) ا+ تعالى خاصة
(4) ب:+ بعد الكل‏
«فلكل شخص اسم هو ربه‏ ذلك الشخص جسم هو قلبه»
(5) ن: و بهذا بالباء
(6) ن:+ رضي اللَّه عنه‏
(7) ا، ن: تخاطب بالتاء
(8 :) ظهر هنا معناها زال، ذكرها الشيخ في الفتوحات ج 2 ص 631 س 8 من أسفل، حيث اقتبس عبارة سهل بن عبد اللَّه و هي: «للربوبية سر لو ظهر لبطلت الربوبية». قال ظهروا عن البلد أي ارتفعوا. قال في الصحاح هذا أمر ظاهر عنك عاره أي زائل. و قوله «و هو أنت» من كلام ابن عربي لا من كلام سهل، و على هذا فمعنى قوله «يخاطب كل عين» أن ذلك السر الذي هو أنت مراد به كل إِنسان و كل موجود. و يصح أن تكون العبارة كلها من كلام سهل: فيخاطب أي سهل بكلمة أنت كل عين.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 91
لبطلت الربوبية «3». فأدخل عليه «لو» و هو حرف امتناع لامتناع‏ «1»، و هو لا يظهر فلا تبطل الربوبية لأنه‏ «2» لا وجود لعين إِلا بربه. و العين موجودة دائماً فالربوبية لا تبطل دائماً. و كل مرضي محبوب، و كل ما يفعل المحبوب محبوب، فكله مرضي، لأنه لا فعل للعين، بل الفعل لربها فيها فاطمأنت العين أن يضاف إِليها فعل، فكانت «راضية» بما يظهر فيها و عنها من أفعال ربها، «مرضية» تلك الأفعال لأن كل فاعل و صانع راض عن فعله و صنعته، فإِن وفَّى فعله و صنعته حقَّ ما عليه‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏» أي بيَّنَ أنه أعطى كل شي‏ء خلقه، فلا يقبل النقص و لا «3» الزيادة. فكان إِسماعيل‏ «4» بعثوره على ما ذكرناه عند ربه مرضياً. و كذا كل موجود عند ربه مرضي «4» «5». و لا يلزم إِذا كان كل موجود عند ربه مرضياً على ما بيَّنَّاه أن يكون مرضياً عند رب عبد آخر لأنه ما أخذ الربوبية إِلا من كلٍ لا من واحد. فما تعين له من الكل إِلا ما يناسبه، فهو ربه. و لا يأخذه أحد من حيث أحديته. و لهذا منع أهل اللَّه التجلي في الأحدية «5»، فإِنك إِن نظرته به‏ «6» فهو الناظر نفسه فما زال ناظراً «7» نفسه بنفسه، و إِن نظرته بك فزالت الأحدية بك، و إِن نظرته به و بك‏ «8» فزالت الأحدية أيضاً. لأن ضمير التاء في «نظرتَه» ما هو عين المنظور، فلا بد من وجود نسبة ما اقتضت أمرين ناظراً و منظوراً، فزالت الأحدية و إِن كان لم ير إِلا نفسه بنفسه. و معلوم أنه في هذا الوصف ناظر و منظور. فالمرضي لا يصح أن يكون مرضياً مطلقاً إِلا إِذا كان جميع ما يظهر به من‏
______________________________
(1) أي تمنع وقوع المشروط من أجل عدم وقوع الشر فهي ضد إِن التي توجب وقوع المشروط من أجل وقوع الشرط
(2) ساقطة من ن‏
(3) ساقطة من ن‏
(4) ن:+ عليه السلام‏
(5) ا: مرضياً
(6) ساقطة من ن‏
(7) ن: ناظر
( ساقطة في ا، ن.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 92
فعل الراضي فيه. فَفَضَل إِسماعيل غيرَه من الأعيان بما نعته الحق به من كونه عند ربه مرضياً. و كذلك كل نفس مطمئنة قيل لها «ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ» فما أمرها أن ترجع إِلا إِلى ربها الذي دعاها فعرفته‏ «1» من الكل، «راضِيَةً مَرْضِيَّةً».
«فَادْخُلِي فِي عِبادِي» من حيث ما لهم هذا المقام. فالعباد المذكورون هنا كل عبد عرف ربه تعالى و اقتصر عليه و لم ينظر إِلى رب غيره مع أحدية العين: لا بد من ذلك‏ «وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» التي بها «2» سِتْري «6».
و ليست جنتي سواك فأنت تسترني‏ «3» بذاتك. فلا أُعْرَف إِلا بك كما أنك لا تكون إِلا بي. فمن عرفك عرفني و أنا لا أُعرف فأنت لا تعرف. فإِذا دخلت جنته دخلت نفسك فتعرف نفسك معرفة أُخرى غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربك بمعرفتك إِياها. فتكون صاحب معرفتين‏ «4»: معرفة به من حيث أنت، و معرفة به بك من حيث هو لا من حيث أنت «7».
فأنت عبد و أنت ربٌ‏ لمن له فيه أنت عبد
و أنت رب و أنت عبد لمن له في الخطاب عهد
فكل عقد عليه شخص‏ يحله من سواه عقد «8»


فرضي اللَّه عن عبيده، فهم مرضيون، و رضوا عنه فهو مرضي. فتقابلت الحضرتان‏ «5» تقابل الأمثال و الأمثال أضداد «9» لأن المثلين‏ «6» لا يجتمعان إِذ لا يتميزان و ما ثم إِلا متميز فما ثم مثل، فما في‏ «7» الوجود مثل، فما في‏ «8» الوجود ضد، فإِن الوجود حقيقة واحدة و الشي‏ء لا يضاد نفسه.
______________________________
(1) ن: فتعرفه‏
(2) ب: هي سِتري، و في بعض النسخ المطبوعة هي سِرّي‏
(3) ا: تستريني، و كان الواجب أن تكون تسترينني لو أرادها للمؤنث‏
(4) ب: المعرفتين‏
(5) ا: الصورتان‏
(6) ب: المثلين حقيقة
(7) ن: ثم في.
( ن: ثم في.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 93

فلم يبق إِلا الحق لم يبق كائن‏ فما ثم موصول و ما ثم بائن‏
بذا «1» جاء برهان العيان فما أرى‏ بعيني إِلا عينه إِذ أُعاين‏
«ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ‏ «2»» أن يكونه‏ «3» لعلمه بالتمييز. دلنا «4» على ذلك جهل أعيان في الوجود بما أتى به عالم. فقد وقع التمييز بين العبيد، فقد وقع التمييز بين الأرباب. و لو لم يقع التمييز «5» لفُسِّر الاسم الواحد الإلهي من جميع وجوهه بما يفسر الآخر. و المعز لا يفسر «6» بتفسير المذل إِلى مثل ذلك، لكنه هو من وجه الأحدية كما تقول‏ «7» في كل اسم إِنه دليل على الذات و على حقيقته من حيث هو. فالمسمى واحد: فالمعز هو المذل من حيث المسمى، و المعز ليس المذل من حيث نفسه و حقيقته، فإِن المفهوم يختلف‏ «8» في الفهم في كل واحد منهم:
فلا تنظر إِلى الحق‏ و تعريه عن الخلق‏
و لا تنظر إِلى الخلق‏ و تكسوه سوى الحق‏
و نزهّه و شبّهه‏ و قم في مقعد الصدق‏
و كن في الجمع إِن شئت‏ و إِن شئت ففي الفرق‏
تحزْ بالكل- إِن كل‏ تبدى- قصب السبق‏
فلا تفنى و لا تبقى‏ و لا تفني و لا تبقي‏
و لا يلقى عليك الوحي‏ في غير و لا تلقي «10».
الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، و الحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثني عليها «9» بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز. «فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ»
______________________________
(1) ن: بما
(2) تتمة الآية السابقة «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ»
(3) ا: يكون و لكنها صححت في الهامش يكونه. ن: يكون‏
(4) ب: بالمتميز لما دلنا.
ا، ن: بالتمييز لنا
(5) ب: التميز
(6) و المعز لا يفسر ساقطة من ن‏
(7) ا: نقول بالنون‏
( ا: مختلف‏
(9) ن: إِليها.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 94
لم يقل و وعيده، بل قال‏ «وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ» مع أنه توعد على ذلك. فأثنى على إِسماعيل بأنه كان صادق الوعد. و قد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح.
فلم يبق إِلا صادق الوعد وحده‏ و ما لوعيد الحق عين تعَايَن‏
و إِن دخلوا دار الشقاء فإِنهم‏ على لذة فيها نعيم مباين‏
نعيمَ جنان الخلد فالأمر واحد و بينهما عند التجلي تباين‏
يسمى عذاباً من عذوبة طعمه‏ و ذاك له كالقشر و القشر صاين «11»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 8 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية    السبت يوليو 28, 2018 9:04 am

8 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية 

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

8 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية   «1»

الدين دينان، دين عند اللَّه و عند «1» من عرَّفه الحق تعالى و من عرَّف من عرفه الحق. و دين عند الحق، و قد اعتبره اللَّه‏ «2». فالدين الذي عند اللَّه هو الذي اصطفاه اللَّه و أعطاه الرتبة العليا على دين الخلق فقال تعالى‏ «وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»:
أي منقادون إِليه. و جاء الدين بالألف و اللام للتعريف و العهد، فهو دين معلوم معروف و هو قوله تعالى‏ «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» و هو الانقياد. فالدين عبارة عن انقيادك. و الذي من عند اللَّه‏ «3» تعالى هو الشرع الذي انقدت أنت إِليه. فالدين الانقياد «4»، و الناموس هو الشرع الذي شرعه اللَّه تعالى. فمن اتصف بالانقياد لما شرعه اللَّه له فذلك الذي قام بالدين و أقامه، أي أنشأه كما يقيم الصلاة. فالعبد هو المنشئ للدين و الحق هو الواضع للأحكام. فالانقياد هو عين فعلك، فالدين‏
______________________________
(1) ا: و دين عند
(2) أ:+ تعالى‏
(3) ن: و الدين عند اللَّه‏
(4) ن: هو الانقياد.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 95
من فعلك. 
فما «1» سعدت إِلا بما كان منك. فكما أثبت للسعادة لك ما كان فِعْلَكَ‏ «2» كذلك ما أثبت الأسماء الإلهية إِلا أفعالهُ و هي أنت و هي المحدثات.
فبآثاره سُمِّي إِلهاً و بآثارك‏ «3» سميت سعيداً. فأنزلك اللَّه تعالى منزلته إِذا أقمت الدين و انقدت إِلى ما شرعه لك. و سأبسط في ذلك إِن شاء اللَّه ما تقع به الفائدة بعد أن نبين الدين الذي عند الخلق الذي اعتبره اللَّه. 
فالدين كله للَّه و كله منك لا منه إِلا بحكم الأصالة. 
قال اللَّه تعالى‏ «وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها» و هي النواميس الحكمية التي لم يجي‏ء الرسول المعلوم بها في العامة من عند اللَّه بالطريقة الخاصة المعلومة في العرف «2». 
فلما وافقت الحكمة و المصلحةُ الظاهرةُ فيها الحكمَ الإلهي في المقصود بالوضع المشروع الإلهي، اعتبرها اللَّه اعتبار ما شرعه من عنده تعالى، «و ما كتبها اللَّه عليهم». 
و لم فتح اللَّه بينه و بين قلوبهم باب العناية «4» و الرحمة من حيث لا يشعرون جعل في قلوبهم تعظيم ما شرعوه- يطلبون بذلك رضوان اللَّه- على غير الطريقة النبوية المعروفة بالتعريف الإلهي «3» 
فقال: «فَما رَعَوْها»: هؤلاء الذين شرعوها و شرعت لهم: «حَقَّ رِعايَتِها» «إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ» و كذلك اعتقدوا، «فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا» بها «مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ‏» «وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ»:
أي من هؤلاء الذين شرع فيهم هذه العبادة «فاسِقُونَ» أي خارجون عن الانقياد إِليها و القيام بحقها. و منْ لم ينْقَد إِليها لم ينقد مشرِّعه‏ «5» بما يرضيه. 
لكن الأمر يقتضي الانقياد: و بيانه أن المكلَّف إِما منقاد بالموافقة و إِما مخالف، فالموافق المطيع لا كلام فيه لبيانه، و أما المخالف‏ «6» فإِنه يطلب بخلافه الحاكِمِ عليه من اللَّه أحد أمرين إِما التجاوز و العفو، و إِما الأخذ
______________________________
(1) ساقط في ن‏
(2) ساقط في ن‏
(3) ن: و بآثاري سمي‏
(4) ا: الرحمة و العناية
(5) ا: مشروعه‏
(6) ب: المخالفة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 96
على ذلك، و لا بد من أحدهما لأن الأمر حق في نفسه. 
فعلى كل حال قد صح انقياد الحق إِلى عبده لأفعاله و ما هو عليه من الحال. فالحال هو المؤثر. فمن هنا كان الدين جزاء أي معاوضة بما يسرُّ و بما لا يسر: فبما يسر «1» «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ»* هذا جزاء «2» بما يسر، «وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً» هذا جزاء بما لا يسر.
«وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ» هذا جزاء «3». فصح أن‏ «4» الدين هو الجزاء، و كما أن الدين هو الإسلام و الإسلام عين الانقياد فقد انقاد إِلى ما يسر و إِلى ما لا يسر و هو الجزاء. 
هذا لسان‏ «5» الظاهر في هذا الباب. و أما سره و باطنه فإِنه تجلٍ‏ «6» في مرآة وجود الحق: فلا يعود على الممكنات من الحق إِلا ما تعطيه‏ «7» ذواتهم في أحوالها، فإِن لهم في كل حال صورة، فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم، فيختلف التجلي لاختلاف الحال، فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون.
فما أعطاه الخير سواه و لا أعطاه ضد الخير غيره، بل هو منعم ذاته و معذبها.
 فلا يذمَّنَّ إِلا نفسه و لا يحمدنَّ إِلا نفسه. «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» في علمه بهم إِذ العلم يتبع المعلوم.
 ثم السر الذي فوق هذا في مثل هذه المسألة أن الممكنات على أصلها من العدم، و ليس وجودٌ إِلا وجود الحق بصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أَنفسها و أعيانها.
 فقد «8» علمت من يلتذ و من‏ «9» يتألم و ما يعقب كل حال من الأحوال و به سمي عقوبة و عقاباً «10» و هو سائغ في الخير و الشر غير أن العرف سماه في الخير ثواباً و في الشر عقاباً، و بهذا سمى أو شرح الدين بالعادة، لأنه عاد عليه ما يقتضيه و يطلبه حاله: فالدين العادة: قال الشاعر:
كدِينِك من أم الحويرث قبلها

______________________________
(1) ساقطة في ن‏
(2) ا، ن: جزاء
(3) ن: جزاء بما يسر
(4) ن: ساقطة
(5) ا: بلسان‏
(6) ا: تجلى‏
(7) ن: تعطيهم‏
(8 :) ب: و قد
(9) ن: أو
(10) ا: و عقاب.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 97
أي عادتك. و معقول العادة أن يعود الأمر بعينه إِلى حاله: و هذا ليس ثَمَّ «4» فإِن العادة تكرار. لكن العادة «1» حقيقة معقولة، و التشابه في الصور موجود:
فنحن نعلم أن زيداً عين عمرو في الإنسانية و ما عادت الإنسانية، إِذ لو عادت تكثرت و هي حقيقة واحدة و الواحد لا يتكثر في نفسه. 
و نعلم أن زيداً ليس عين عمرو في الشخصية: فشخص‏ «2» زيد ليس شخص‏ «3» عمرو مع تحقيق وجود الشخصية بما هي شخصية في الاثنين. فنقول في الحس عادت لهذا الشبه، و نقول في الحكم الصحيح لم تعدْ. فما ثَمَّ عادة بوجه و ثَمَّ عادة بوجه، كما أن ثَمَّ جزَاءً بوجه و ما ثم جزاء بوجه فإِن الجزاء أيضاً حالٌ في الممكن من أحوال الممكن.
 و هذه‏ «4» مسألة أغفلها علماء هذا الشأن، أي أغفلوا إِيضاحها على ما ينبغي لا أنهم‏ «5» جهلوها فإِنها من سر القَدَر المتحكم في الخلائق «5».
و اعلم أنه كما يقال في الطبيب إِنه خادم الطبيعة كذلك يقال في الرسل و الورثة إِنهم خادمو الأمر الإلهي في العموم، و هم في نفس الأمر خادمو أحوال الممكنات.
 و خِدْمتهم من جملة أحوالهم التي هم عليها في حال ثبوت أعيانهم.
فانظر ما أعجب هذا! إِلا أن الخادم المطلوب هنا إِنما هو واقف عند مرسوم مخدومه إِما بالحال أو بالقول، فإِن الطبيب إِنما يصح أن يقال فيه خادم الطبيعة لو مشى بحكم المساعدة لها، فإِن الطبيعة قد أعطت في جسم المريض مزاجاً خاصاً به سمِّي‏ «6» مريضاً، فلو ساعدها الطبيب خدمة لزاد في كمية المرض‏
______________________________
(1) المراد بالعادة هنا الأمر الذي يعود فيظهر متكثراً متعدداً.
(2) ب: تشخص‏
(3) ب: تشخص‏
(4) ا: فهذه‏
(5) ا و ن: لأنهم‏
(6) ب: يسمى، ن: به ساقطة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 98
بها أيضاً، و إِنما يردعها طلباً الصحة- و الصحة من الطبيعة أيضاً- بإِنشاء مزاج آخر يخالف‏ «1» هذا المزاج. فإِذن ليس الطبيب بخادم للطبيعة، و إِنما هو خادم لها من حيث إِنه لا يصلِحُ جسم المريض و لا يغير ذلك‏ «2» المزاج إِلا بالطبيعة أيضاً. ففي حقها يسعى من وجه خاص غير عام لأن العموم لا يصح في مثل هذه المسألة.
 فالطبيب خادم لا خادم أعني للطبيعة، و كذلك الرسل و الورثة في خدمة الحق. و الحق‏ «3» على وجهين في الحكم في أحوال المكلَّفين «6»، فيَجرِي الأمر من العبد بحسب ما تقتضيه إِرادة الحق، و تتعلق إِرادة الحق به بحسب ما يقتضي‏ «4» به علم الحق، و يتعلق علم الحق به على حسب ما أعطاه المعلوم من ذاته: فما ظهر إِلا بصورته. فالرسول و الوارث خادم الأمر الإلهي بالإرادة، لا خادم الإرادة «7».
 فهو يردُّ عليه به طلباً لسعادة المكلَّف‏ «5» فلو خدم الإرادة الإلهية ما نصح و ما نصح إِلا بها أعني بالإرادة.
 فالرسول و الوارث طبيب أُخْروي للنفوس منقاد لأمر اللَّه حين أمره، فينظر في أمره تعالى و ينظر في إِرادته تعالى، فيراه قد أمره بما يخالف إِرادته و لا «6» يكون إِلا ما يريد، و لهذا كان الأمر.
 فأراد الأمر فوقع، و ما أراد وقوع ما أمر به بالمأمور «7» فلم يقع من المأمور، فسمي مخالفة و معصية. فالرسول مبلِّغ:
و لهذا قال شيبتني «هودٌ» و أخواتها لما تحوي عليه من قوله‏ «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ»
______________________________
(1) ن: يخالفه‏
(2) ساقطة في ا
(3) ب: و أمر الحق‏
(4) ب: يقضي‏
(5) معنى العبارة أن الرسول خادم للأمر الإلهي التكليفي الواقع بالإرادة، لأنه مأمور بتبليغ مثل هذا الأمر، و ليس خادماً للإرادة الإلهية لأن الإرادة قد تكون مخالفة للأمر التكليفي. فالرسول يرد على المكلف به أي بالأمر الإلهي طلباً لسعادته. أو كما يقول القاشاني فهو يرد على الأمر الإلهي بالأمر إذا تعلقت الإرادة بشقاوة العبد كما هو الحال في مسألة فرعون.
(6) ن: فلا
(7) ا: المأمور ن غير الباء. و المعنى وقوع الشي‏ء الذي أمر به من المأمور: أي أن اللَّه أراد وقوع الأمر التكليفي من الرسول فوقع و لكنه لم يرد وقوع الشي‏ء المأمور به من المأمور.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 99
فَشَيَّبَه «كَما أُمِرْتَ‏ «1»» فإِنه لا يدري هل أُمرت بما يوافق الإرادة فيقع، أو بما يخالف الإرادة فلا يقع. 
و لا يعرف أحد حكم الإرادة إِلا بعد وقوع المراد إِلا من كشف اللَّه عن بصيرته فأدرك أعيان الممكنات في حال ثبوتها على ما هي عليه، فيحكم عند ذلك بما يراه. 
و هذا قد يكون لآحاد الناس في أوقات لا يكون مستصحباً.
 قال: «ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ» فصرح بالحجاب، و ليس المقصود «2» إِلا أن يطلع في أمر خاص لا غير «3».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 9 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية    السبت يوليو 28, 2018 9:06 am

9 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية 

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

9 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية «1»

هذه الحكمة النورية انبساط نورها على حضرة الخيال و هو أول مبادئ الوحي الإلهي في أهل العناية. تقول عائشة رضي اللَّه عنها: «أول ما بدى‏ء به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم من‏ «4» الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا خرجت مثل فلق الصبح «تقول لا خفاء بها. و إلى هنا بلغ علمها لا غير. و كانت‏ «5» المدة له في ذلك ستة أشهر ثم جاءه‏ «6» المَلَك، و ما علمت أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قد قال: «إن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»، و كل ما يرى في حال النوم فهو من ذلك القبيل، و إِن اختلفت الأحوال. فمضى قولها «7» ستة أشهر، بل عمره كله في الدنيا بتلك المثابة:
إنما هو منام في منام. و كل ما ورد من هذا القبيل فهو المسمى عالم الخيال و لهذا يُعَبَّر، أي الأمر الذي هو في نفسه على صورة كذا ظهر في صورة غيرها،
______________________________
(1) «فشيبه كما أمرت» ساقطة في ن‏
(2) المعقود
(3) ن: ساقطة
(4) ا: في‏
(5) ب: فكانت‏
(6) ن: جاء الوحي على لسان الملك‏
(7) أي مقول قولها المفسر بقوله ستة أشهر.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 100
فيجوزُ العابرُ من هذه الصورة التي أبصرها النائم إلى صورة ما هو الأمر عليه إن أصاب كظهور العلم في صورة اللبن. فعبَّر في التأويل من صورة اللبن إلى صورة العلم فتأوَّلَ أي قال: مآل‏ «1» هذه الصورة اللبنية إلى صورة العلم.
ثم إنه صلى اللَّه عليه و سلم كان إذا أُوحي إليه أُخِذَ عن المحسوسات المعتادة فسجي‏ «2» و غاب عن الحاضرين عنده: فإذا سُرِّي عنه رُدَّ. فما أدركه إلا في حضرة الخيال، إلا أنه لا يسمى نائماً. و كذلك إذا تمثل له المَلَك رجلًا فذلك من حضرة الخيال، فإنه ليس برجل و إنما هو ملك، فدخل في صورة إنسان. فعبَّره‏ «3» الناظر العارف حتى وصل إلى صورته الحقيقية، فقال هذا جبريل أتاكم يعلمكم‏ «4» دينكم. و قد قال لهم ردوا عليَّ الرجل فسماه بالرجل من أجل الصورة التي ظهر لهم فيها. ثم قال هذا جبريل فاعتبر «5» الصورة التي مآل هذا الرجل المتخيل إليها. فهو صادق في المقالتين:
صدق للعين‏ «6» في العين الحسِّية، و صدق في أن هذا جبريل، فإنه جبريل بلا شك. و قال يوسف عليه السلام: «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ»: فرأى إخوته في صورة الكواكب و رأى أباه و خالته في صورة الشمس و القمر. هذا من جهة يوسف، و لو كان من جهة المرئي لكان ظهور إخوته في صورة الكواكب و ظهور أبيه و خالته في صورة الشمس و القمر مراداً لهم. فلما لم يكن لهم علم بما رآه يوسف كان الإدراك من يوسف في‏ «7» خزانة خياله «2»، و عَلِمَ ذلك يعقوب حين قصها عليه فقال: «يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى‏ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً» ثم برأ
______________________________
(1) ساقطة في ب‏
(2) كما يسجى الميت أي يمد عليه ثياب‏
(3) ا و ن: فعبر
(4) ب: ليعلمكم‏
(5) ن: و اعتبر
(6) أي لمشاهدة العين. ب: العين‏
(7) ن: من.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 101
أبناءه عن ذلك الكيد و ألحقَهُ بالشيطان، و ليس إلا عين الكيد، فقال:
«إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ» أي ظاهر العداوة. ثم قال يوسف بعد ذلك في آخر الأمر: «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» أي أظهرها في الحس بعد ما كانت في صورة الخيال، فقال‏ «1» النبي محمد صلى اللَّه عليه و سلم: «الناس نيام»، فكان قول يوسف: «قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» بمنزلة من رأى في نومه أنه قد استيقظ من رؤيا رآها ثم عبرها. و لم يعلم أنه في النوم عينه ما بَرح، فإذا استيقظ يقول رأيت كذا «2» و رأيت كأني استيقظت و أوَّلها بكذا. هذا مثل ذلك. فانظر «3» كم بين إدراك محمد صلى اللَّه عليه و سلم و بين إدراك يوسف عليه السلام في آخر أمره حين قال: «هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا». معناه حساً أي محسوساً، و ما كان إلا محسوساً، فإن الخيال لا يعطي أبداً «4» إلا المحسوسات، غير ذلك ليس له.
فانظر ما أشرف علم ورثة محمد صلى اللَّه عليه و سلم. و سأبسط من القول في هذه الحضرة بلسان يوسف المحمدي «3» ما تقف عليه إن شاء اللَّه فنقول: اعلم أن المقول عليه «سوى الحق» أو مسمى العالم هو بالنسبة إلى الحق كالظل للشخص، و هو ظل اللَّه «4»، و هو عين نسبة الوجود إلى العالم لأن الظل موجود بلا شك في الحس‏ «5»، و لكن إذا كان ثم من يظهر فيه ذلك الظل: حتى لو قدرت عدم من يظهر فيه ذلك الظل: كان الظل معقولًا غير موجود في الحس، بل يكون بالقوة في ذات الشخص المنسوب إليه الظل.
فمحل ظهور هذا الظل الإلهي المسمى بالعالم إنما هو أعيان‏
______________________________
(1) ب و ن: فقال له النبي‏
(2) ن: كذا و كذا
(3) ساقطة في ن‏
(4) ب: أحداً- و من قوله «و ما كان» إلى قوله «المحسوسات» ساقط في ن‏
(5) ن: الحق‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 102
الممكنات: عليها امتد هذا الظل، فتدرك من هذا الظل بحسب ما امتد عليه من وجود هذه الذات. و لكن باسمه النور وقع الإدراك و امتد «1» هذا الظل على أعيان الممكنات في صورة الغيب المجهول «5». ألا ترى الظلال تضرب إلى السواد تشير «2» إلى ما فيها من الخفاء لبعد «3» المناسبة بينها و بين أشخاص من هي ظل له؟. و إن كان الشخص أبيض فظله‏ «4» بهذه المثابة.
أ لا ترى الجبال إذا بعدت عن بصر الناظر تظهر سوداء و قد تكون في أعيانها على غير «5» ما يدركها الحس من اللونية، و ليس ثم علة إلا البعد؟. و كزرقة السماء.
فهذا ما أنتجه البعد في الحس في الأجسام غير النيرة. و كذلك أعيان الممكنات ليست نيرة لأنها معدومة و إن اتصفت بالثبوت لكن لم تتصف بالوجود إذ الوجود نور «6». غير أن الأجسام النيرة يعطي فيها البعد في الحس صغراً «6»، فهذا تأثير آخر للبعد. فلا يدركها الحس إلا صغيرة الحجم و هي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر و أكثر كميات، كما يعلم بالدليل أن الشمس مثل الأرض في الجرم مائة و ستين‏ «7» مرة، و هي في الحس على قدر جرم الترس مثلًا. فهذا أثر البعد أيضا. فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال، و يجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي عنه كان ذلك الظل. فمن حيث هو ظل له يُعْلَم، و من حيث ما يُجْهَل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص مَنْ امتد عنه بجهل من الحق. فلذلك نقول إن الحق معلوم لنا من وجه مجهول‏ «8» لنا من وجه: «أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً» أي يكون فيه بالقوة. يقول ما كان الحق ليتجلى للممكنات حتى‏
______________________________
(1) ا: امتد
(2) ب: و تشير
(3) ب: البعد
(4) ب: فظل‏
(5) ب: ساقطة
(6) ب: صغيراً
(7) ا: و ستون. ب: مائة و ستين و ربعها و ثمن مرة
(8:) ب: و مجهول‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 103
يظهر الظل فيكون كما بقي من الممكنات التي ما ظهر لها عين في الوجود. «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» و هو اسمه النور الذي قلناه، و يشهد له‏ «1» الحس: فإن الظلال لا يكون لها عين بعدم النور. «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً»:
و إنما قبضه إليه لأنه ظله، فمنه ظهر و إليه يرجع الأمر كله‏ «2». فهو لا غيره. فكل ما ندركه‏ «3» فهو وجود الحق في أعيان الممكنات. فمن حيث هوية الحق هو «4» وجوده، و من حيث اختلاف الصور «5» فيه هو أعيان الممكنات. فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول باختلاف الصور اسم العالم أو «6» اسم سوى الحق. فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق، لأنه الواحد الأحد. و من حيث كثرة الصور هو العالم، فتفطن و تحقق ما أوضحته لك. و إذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي، و هذا معنى الخيال «7». أي خيِّل لك أنه أمر زائد قائم بنفسه خارج عن الحق و ليس كذلك في نفس الأمر. أ لا تراه في الحس متصلًا بالشخص الذي امتد عنه، و يستحيل عليه الانفكاك عن ذلك الاتصال لأنه يستحيل على الشي‏ء الانفكاك عن ذاته؟ فاعرف عينك و من أنت و ما هويتك و ما نسبتك إلى الحق، و بما أنت حق و بما أنت عالمٌ و سوى و غيرٌ و ما شاكل هذه الألفاظ. و في هذا يتفاضل العلماء، فعالم و أعلم. فالحق بالنسبة إلى ظل خاص صغيرٍ و كبيرٍ، و صافٍ و أصفى، كالنور بالنسبة إلى حجابه عن الناظر في الزجاج‏ «7» يتلون بلونه، و في نفس الأمر لا لون له. و لكن هكذا تُراهُ. ضَرْب مثال‏
______________________________
(1) ب و ن: لها
(2) ب:+ و إليه يرجع، و إليه يرجع الأمور كله.
(3) ا: تدركه بالتاء
(4) ن: فهو
(5) ب: صور
(6) ب: و، و في الجملة تقديم و تأخير في ا
(7) ب: بالزجاج. ن فالزجاج‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 104
لحقيقتك بربك. فإن قلت: إن النور أخضر لخضرة الزجاج صدقت و شاهِدُكَ الحس، و إن قلت إنه ليس بأخضر و لا ذي لون لِمَا أعطاه لك الدليل، صدقت و شاهدك النظر العقلي الصحيح. فهذا نور ممتد عن ظل و هو عين الزجاج فهو ظل نوري لصفائه.
كذلك المتحقق منا بالحق تظهر صورة الحق فيه أكثر «1» مما تظهر في غيره. فمنا من يكون الحق سمعه و بصره و جميع قوة و جوارحه بعلامات قد أعطاها الشرع الذي يخبر عن الحق. مع هذا عين الظل موجود، فإن الضمير من سمعه يعود عليه «8»: و غيرُهُ من العبيد ليس كذلك. فنسبة هذا العبد أقرب إلى وجود الحق من نسبة غيره من العبيد. و إذا كان الأمر على ما قررناه‏ «2» فاعلم أنك خيال و جميع ما تدركه مما تقول فيه ليس أنا خيال. فالوجود كله خيال في خيال، و الوجود الحق إنما هو اللَّه‏ «3» خاصة من حيث ذاته و عينه لا من حيث أسماؤه، لأن أسماءه لها مدلولان: المدلول الواحد عينه و هو عين المسمى، و المدلول الآخر ما يدل عليه مما ينفصل الاسم‏ «4» به من هذا الاسم الآخر و يتميز. فأين الغفور من الظاهر و من الباطن، و أين الأول من الآخر.؟
فقد بان لك بما هو كلُّ اسم عينُ الاسم الآخر و بما هو غير الاسم الآخر. فبما هو عينه هو الحق، و بما هو غيره هو الحق المتخيَّل الذي كنا بصدده «9».
فسبحان من لم يكن عليه دليل سوى نفسه و لا ثبت كونه إلا بعينه. فما في الكون إلا ما دلت عليه الأحدية. و ما في الخيال إلا ما دلت عليه الكثرة. فمن وقف مع الكثرة كان مع العالم و مع الأسماء الإلهية و أسماء العالم. و من وقف مع الأحدية كان مع الحق من حيث ذاته الغنية عن العالمين «10». و إذا «5» كانت غنية عن العالمين‏ «6» فهو
______________________________
(1) ن: لكثرة
(2) قدرناه بالدال‏
(3) ا:+ تعالى‏
(4) ن: هذا الاسم‏
(5) ساقط في ن‏
(6) ساقط في ن‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 105
عين غنائها عن نسبة الأسماء لها، لأن الأسماء لها كما تدل عليها تدل على مسميات أخر يحقق‏ «1» ذلك‏ «2» أثرُها. «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» من حيث عينه: «اللَّهُ الصَّمَدُ» من حيث استنادنا إليه: «لَمْ يَلِدْ» من حيث هويته و نحن، «وَ لَمْ يُولَدْ» كذلك، «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» كذلك. فهذا نعته فأفرد ذاته بقوله: «اللَّهُ أَحَدٌ» و ظهرت الكثرة بنعوته المعلومة عندنا «11». فنحن نلد و نولد و نحن نستند إليه و نحن أكفاء بعضنا لبعض. و هذا الواحد منزه عن هذه النعوت فهو غني عنها كما هو غني عنا. و ما للحق نَسَبٌ إلا هذه السورة، سورة الإخلاص، و في ذلك نزلت. فأحدية اللَّه من حيث الأسماء الإلهية التي تطلبنا أحدية الكثرة، و أحدية اللَّه من حيث الغنى عنا و عن الأسماء أحدية العين، و كلاهما يطلق عليه الاسم الأحد «3»، فاعلم ذلك. فما أوجد الحق الظلال و جعلها ساجدة متفيئة عن اليمين و الشمال‏ «4» إلا دلائل لك‏ «5» عليك و عليه لتعرف من أنت و ما نسبتك إليه و ما نسبته إليك حتى تعلم من أين أو من أي حقيقة إلهية اتصف ما سوى اللَّه بالفقر الكلي إلى اللَّه، و بالفقر النسبي بافتقار بعضه إلى بعض، و حتى تعلم من أين أو من أي حقيقة اتصف الحق بالغناء عن الناس و الغناء عن العالمين، و اتصف العالم بالغناء أي بغناء بعضه عن بعض من وجهِ ما هو عين ما افتقر إلى بعضه به. فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شك افتقارا ذاتيا. و أعظم الأسباب له سببية الحق: و لا سببية للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهية «12». و الأسماء الإلهية كل اسم يفتقر العالم إليه‏
______________________________
(1) ن: محقق، صيغة اسم الفاعل‏
(2) ذلك أي دلالتها (دلالتها الذات) على مسميات أخرى يحقق أثر الأسماء في العالم الخارجي‏
(3) ا: الواحد، صححت الأحد في الهامش‏
(4) ب و ن عن الشمال و اليمين‏
(5) ب: ساقطة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 106
من عالم مثله أو عين الحق. فهو «1» اللَّه لا غيره «13»، و لذلك قال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ». و معلوم أن لنا افتقاراً من بعضنا لبعضنا.
فأسماؤنا أسماء اللَّه تعالى إذ إليه الافتقار بلا شك، و أعياننا في نفس الأمر ظله لا غيره‏ «2». فهو هويتنا لا هويتنا، و قد مهدنا لك السبيل فانظر «3».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 10- فص حكمة أحدية في كلمة هودية   السبت يوليو 28, 2018 9:09 am

10- فص حكمة أحدية في كلمة هودية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

10- فص حكمة أحدية في كلمة هودية

إن للَّه الصراط المستقيم «1» ظاهر غير خفي في العموم‏
في صغير و كبير عينه‏ و جهول بأمور و عليم‏
و لهذا وسعت رحمته‏ كل شي‏ء من حقير و عظيم‏
«ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». فكل ماش فعلى صراط الرب المستقيم. فهو «4» غير مغضوب عليهم من هذا الوجه و لا ضالون. فكما كان‏ «5» الضلال عارضاً كذلك الغضب الإلهي عارض، و المآل إلى الرحمة التي وسعت كل شي‏ء، و هي السابقة «2». و كل ما سوى الحق دابّةٌ فإنه ذو روح. و ما ثمَّ من يدب بنفسه و إنما يدب بغيره. فهو يدب بحكم التبعية للذي‏ «6» هو على الصراط المستقيم، فإنه لا يكون صراطاً إلا بالمشي عليه.
إذا دان لك الخلق‏ فقد دان لك الحق‏
و إن دان لك الحق‏ فقد لا يتبع الخلق‏
فحقق قولنا فيه‏ فقولي كله الحق «3»

______________________________
(1) المراد بالضمير «هو» كل اسم مفتقر إليه العالم‏
(2) ا: لا غير
(3) ا: ساقطة
(4) ب: فهم‏
(5) ا:+ أن‏
(6) ب و ن الذي‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 107

فما في الكون موجود تراه ما له نطق‏
و ما خلق تراه العين‏ إلا عينه حق‏
و لكنْ مودَعٌ فيه‏ لهذا صُورُهُ حُق‏ «1»


اعلم أن العلوم الإلهية الذوقية الحاصلة لأهل اللَّه‏ «2» مختلفة باختلاف القوى الحاصلة منها مع كونها ترجع إلى عين واحدة «4». فإن اللَّه تعالى يقول‏ «3»: «كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي‏ «4» يسعى بها. فذكر أن هويته هي عين الجوارح التي هي عين العبد. فالهوية واحدة و الجوارح مختلفة. و لكل جارحة علم من علوم الأذواق يخصها من عين واحدة تختلف باختلاف الجوارح، كالماء حقيقة واحدة مختلف في الطعم باختلاف البقاع، فمنه عذب فرات و منه ملح أُجاج، و هو ماء في جميع الأحوال لا يتغير عن حقيقته و إن اختلفت طعومه. و هذه الحكمة من علم الأرْجُل «5» و هو قوله تعالى في الأكل لمن أقام كتبه: «وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ». فإن الطريق الذي هو الصراط «5» هو للسلوك‏ «6» عليه و المشي فيه، و السعي لا يكون إلا بالأرجل. فلا ينتج هذا الشهود في أخذ النواصي بيد من هو على صراط مستقيم إلا هذا الفن الخاص من علوم‏ «7» الأذواق. «فيسوق المجرمين» و هم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور التي أهلكهم عن نفوسهم بها، فهو يأخذ بنواصيهم و الريح تسوقهم- و هو «8» عين الأهواء التي كانوا عليها- إلى جهنم، و هي البعد الذي كانوا يتوهمونه.
______________________________
(1) ا: صورة. و صوره جمع صورة، و حق جمع حقة و هي الوعاء من الخشب‏
(2) ا:+ تعالى‏
(3) ب: ساقطة
(4) ا: الذي‏
(5) ا: السراط
(6) ن: المسلوك عليه‏
(7) ن: علم‏
(8:) ب: و هي‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 108

فلما ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال مسمى جهنم في حقهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق لأنهم مجرمون. فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المِنَّة، و إنما أخذوه‏ «1» بما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها، و كانوا في السعي في أعمالهم على صراط الرب المستقيم لأن نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة. فما مشوا بنفوسهم و إنما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب «6». «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ‏»: و إنما هو يبصر فإنه مكشوف الغطاء «فبصره حديد». و ما خص ميتاً من ميت أي ما خص سعيداً في القرْب‏ «2» من شقي. «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» و ما خص إنساناً من إنسان. فالقرب الإلهي من العبد لا خفاء به في الإخبار الإلهي.
فلا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد و قواه، و ليس العبد سوى هذه الأعضاء و القوى فهو «3» حق مشهود في خلق متوهم «7». فالخلق معقول و الحق محسوس مشهود عند المؤمنين و أهل الكشف و الوجود. و ما عدا هذين الصنفين فالحق عندهم معقول و الخلق مشهود. فهم بمنزلة الماء الملح‏ «4» الأجاج، و الطائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ لشاربه. فالناس على قسمين: من الناس من يمشي على طريق يعرفها «5» و يعرف غايتها، فهي في حقه صراط مستقيم‏ «6». و من الناس من يمشي على طريق يجهلها و لا يعرف غايتها و هي عين‏ «7» الطريق التي عرفها الصنف الآخر. فالعارف يدعو إلى اللَّه على بصيرة، و غير العارف يدعو إلى اللَّه على التقليد
______________________________
(1) ن: أخذوا
(2) ا: الغرف ثم أصلحت في الهامش القرب ن و ب: العرف بالعين‏
(3) ب: و هو
(4) ا: المالح‏
(5) ساقط في ن. أما ب فلا يسقط فيه إلا كلمة فهي‏
(6) ساقط في ن. أما ب فلا يسقط فيه إلا كلمة فهي‏
(7) ب: غير

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 109
و الجهالة. فهذا علم خاص يأتي من أسفل سافلين، لأن الأرجل هي السفل من الشخص، و أسفل منها ما تحتها و ليس إلا الطريق. فمن عرف أن‏ «1» الحق عين الطريق عرف الأمر على ما هو عليه، فإن فيه جل و علا تسلك و تسافر إذ لا معلوم إلا هو، و هو عين الوجود «2» و السالك و المسافر. فلا عالم إلا هو فمن أنت؟ فاعرف حقيقتك و طريقتك، فقد بان لك الأمر على لسان الترجمان إن فهمت. و هو «3» لسان حق فلا يفهمه إلا مَنْ فهمُهُ حق: فإن للحق نسباً كثيرة و وجوهاً مختلفة: أ لا ترى عاداً قومَ هود كيف‏ «قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» فظنوا خيراً باللَّه تعالى و هو عند ظن عبده به، فأضْرَبَ‏ «4» لهم الحق عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتم و أعلى في القرب، فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ الأرض و سقى الحبّة فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بعد فقال لهم: «بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ»: فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة «5» فإن بهذه‏ «6» الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة و المسالك الوعرة و السدف المدلهمة، و في هذه الريح عذاب أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه، إلا أنه يوجعهم لفرقة المألوف. فباشرهم العذاب فكان الأمر إليهم أقرب مما تخيلوه فدمرت كل شي‏ء بأمر ربها، فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم» و هي جثتهم التي عمرتها أرواحهم الحقِّية. فزالت حقية «7» هذه النسبة الخاصة و بقيت على هياكلهم الحياة الخاصة بهم من الحق التي تنطق بها الجلود و الأيدي و الأرجل و عذبات الأسواط و الأفخاذ «8». و قد ورد النص الإلهي بهذا «8» كله، إلا أنه تعالى وصف نفسه بالغيرة، و من غيرته «حرَّم‏
______________________________
(1) ساقطة في ن‏
(2) ساقطة في ن‏
(3) ب: فهو
(4) ب: و اضرب‏
(5) ن: الراحة لهم‏
(6) ا: بهذا
(7) ا: حقيقة
(8:) ب: بهذه‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 110
الفواحش» و ليس الفحش إلا ما ظهر. و أما فحش ما بطن فهو لمن ظهر له «9». فلما حرم الفواحش أي منع أن تعرف حقيقة ما ذكرناه، و هي أنه عين الأشياء، فسترها «1» بالغيرة و هو أنت من الغير. فالغير يقول السمع سمع زيد، و العارف يقول السمع عين الحق، و هكذا ما بقي من القوى و الأعضاء. فما كل أحد عرف الحق:
فتفاضل الناس و تميزت المراتب فبان الفاضل و المفضول‏ «2». و اعلم أنه لما أطلعني الحق و أشهدني أعيان رسله عليهم السلام و أنبيائه كلهم البشريين من آدم إلى محمد صلى اللَّه عليهم و سلم أجمعين في مشهد أُقِمْتُ فيه بقرطبة سنة ست و ثمانين و خمسمائة، ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلا هود عليه السلام فإنه أخبرني بسبب جمعيتهم، و رأيته رجلًا ضخماً في الرجال حسن الصورة لطيف المحاورة عارفاً بالأمور كاشفاً لها.
و دليلي‏ «3» على كشفه لها قوله: «ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». و أي بشارة للخلق أعظم من هذه؟ ثم مِن امتنان اللَّه علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه في القرآن، ثم تمها الجامع للكل محمد صلى اللَّه عليه و سلم بما أخبر به عن الحق بأنه عين السمع و البصر و اليد و الرِّجل و اللسان: أي هو عين الحواس. و القوى الروحانية أقرب من الحواس. فاكتفى بالأبعد المحدود عن الأقرب المجهول الحد. فترجم الحق لنا عن نبيه هود مقاتله لقومه بشرى لنا، و ترجم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم عن اللَّه مقالته بشرى: فكمل العلم في صدور الذين أوتوا العلم‏ «وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ» فإنهم يسترونها و إن عرفوها حسداً منهم و نفاسة و ظلماً. و ما رأينا قط من‏ «4» عند اللَّه في حقه تعالى في آية أنزلها أو إخبار عنه أو صَله إلينا فيما يرجع إليه إلا بالتحديد تنزيهاً كان أو غير تنزيه «10».
______________________________
(1) ا: فيسترها
(2) ب: و الفضول‏
(3) ا و ب: و دليل‏
(4) ب: فيما من‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 111
أوله‏ «1» العماء الذي ما فوقه هواء و ما تحته هواء. فكان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق. ثم ذكر أنه استوى على العرش، فهذا أيضاً تحديد. ثم ذكر أنه ينزل إلى السماء «2» الدنيا فهذا تحديد. ثم ذكر أنه في السماء و أنه في الأرض و أنه مَعَنَا أينما كنا إلى أن أخبرنا أنه عينا. و نحن محدودون، فما وصف نفسه إلا بالحد. و قوله‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ حدٌ أيضاً إن أخذنا الكف زائدة لغير الصفة. و مَنْ تميز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس‏ «3» عين هذا المحدود. فالإطلاق عن التقيد تقييد «4»، و المطلق مقيد بالإطلاق لمن فهم. و إن جعلنا الكاف للصفة فقد حددناه، و إن أخذنا «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» على نفي المثل تحققنا بالمفهوم و بالإخبار الصحيح أنه عين الأشياء، و الأشياء محدودة و إن اختلفت حدودها. فهو محدود بحد كل محدود «5». فما يُحَدُّ شي‏ء إلا و هو الحق. فهو الساري في مسمى المخلوقات و المبدَعات، و لو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود. فهو عين الوجود، «و هو عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ»* بذاته، «وَ لا يَؤُدُهُ» حفظ شي‏ء. فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشي‏ء غير صورته‏ «6». و لا يصح إلا هذا، فهو الشاهد من الشاهد و المشهود من المشهود. فالعالم صورته، و هو روح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير.
فهو الكون كله‏ و هو الواحد الذي‏
قام كوني بكونه‏ و لذا قلت يغتذي‏
فوجودي غذاؤه‏ و به نحن نحتذي‏
فبِهِ منه إن نظرت‏ بوجهٍ تعوذي «11»


______________________________
(1) ب: أولها
(2) ب: سماء
(3) ب: ليس هو عين‏
(4) تقيد
(5) ن: بكل حد محدود
(6) أي حفظه لصورته عن أن يوجد الشي‏ء على خلاف صورته.
و قد ذكر جامي «عن» صراحة في النص الذي شرحه ج 1 ص 78 فقرأ «عن أن يوجد إلخ»

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 112
و لهذا الكرْب تنفس، فنسب النَّفَسَ إلى الرحمن لأنه رحم به ما طلبته النسب الإلهية من إيجاد صور العالم التي قلنا هي ظاهر الحق «12» إذ هو الظاهر، و هو باطنها إذ هو الباطن، و هو الأول إذ كان و لا هي، و هو الآخر إذ كان عينها عند ظهورها.
فالآخر عين الظاهر و الباطن عين الأول، و «هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» لأنه بنفسه عليم.
فلما أوجد الصور في النَّفَس و ظهر سلطان النسب المعبر عنها بالأسماء صحَّ النَّسب الإلهي للعالَم فانتسبوا إليه تعالى فقال: «اليوم أضع نسبكم و أرفع نسبي» أي آخذ «1» عنكم انتسابكم إلى أنفسكم و أردكم إلى انتسابكم إليّ. أين المتقون؟ أي الذين اتخذوا اللَّه وقاية فكان الحق ظاهرهم أي عين صورهم الظاهرة، و هو أعظم الناس و أحقه و أقواه عند الجميع. و قد «2» يكون المتقي من جعل نفسه وقاية للحق بصورته إذ هوية الحق قوى العبد. فجعل مسمى العبد وقاية لمسمى الحق على الشهود حتى يتميز العالمُ من غير العالم. «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» و هم الناظرون في لب الشي‏ء الذي هو المطلوب من الشي‏ء. فما سبق مقصر مجدّاً كذلك لا يماثل أجيرٌ عبداً. و إذا كان الحق وقاية للحق بوجه و العبد وقاية للحق بوجه فقل في الكون ما شئت: إن شئت قلت هو الخلق، و إن شئت قلت هو الحق، و إن شئت قلت هو الحق الخلق، و إن شئت قلت لا حق من كل وجه و لا خلق من كل وجه، و إن شئت قلت بالحيرة في ذلك فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب. و لو لا التحديد ما أخبرت الرسل بتحول الحق في الصور و لا وَصَفَتْهُ بخلع الصور عن نفسه «13».
______________________________
(1) ب: أنا آخذ
(2) قد ساقطة في ب‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 113

فلا تنظر العين إِلا إِليه‏ و لا يقع الحكم إِلا عليه‏
فنحن له و به في يديه‏ و في كل حال فإِنا لديه‏


لهذا ينكر و يعرَف و ينزه و يوصف. فمن رأى الحق منه فيه بعينه فذلك العارف، و من رأى الحق منه فيه بعين نفسه‏ «1» فذلك غير العارف. و من لم ير الحق منه و لا فيه و انتظر أن يراه بعين نفسه‏ «2» فذلك الجاهل. و بالجملة فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع بها إِليه و يطلبه فيها فإِذا تجلى له‏ «3» الحق فيها و أقرَّ به، و إِن تجلى له‏ «4» في غيرها أنكره‏ «5» و تعوذ منه و أساء الأدب عليه في نفس الأمر و هو عند نفسه أنه قد تأدب معه فلا يعتقد معتقد إِلهاً إِلا جَعَلَ في نفسه، فالإله في الاعتقادات بالجعل، فما رأوا إِلا نفوسهم و ما جعلوا فيها. فانظر: مراتب الناس في العلم باللَّه تعالى هو عين مراتبهم في الرؤية يوم القيامة. و قد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك. فإِياك أن تتقيد بعقد مخصوص و تكفر بما سواه فيفوتك خير كثير بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولى لصور «6» المعتقدات كلها فإِن اللَّه‏ «7» تعالى أوسع و أعظم من‏ «8» أن يحصره عقد دون عقد فإِنه يقول‏ «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» و ما ذكر أيناً من أين. و ذكر أن ثَمَ‏ «9» وجه اللَّه، و وجه الشي‏ء حقيقته. فنبه بذلك قلوب العارفين‏ «10» لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا فإِنه لا يدري العبد في أي نَفَسٍ يُقْبَض، فقد يقبض‏ «11» في وقت غفلة فلا يستوي مع من قبض على حضور. ثم إِن العبد
______________________________
(1) ساقط في ن‏
(2) ساقط في ن‏
(3) ساقط في ب‏
(4) ساقط في ب‏
(5) ا: نكره‏
(6) ا: الصور
(7) «ا» و «ن»: الإله‏
( ساقطة في المخطوطات الثلاث‏
(9) ب: ثمة
(10) «ا» و «ب»: العالمين‏
(11) ن: «فقد يقبض» ساقطة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 114
الكامل مع علمه بهذا يلزم في الصورة الظاهرة و الحال المقيّدة التوجُهَ بالصلاة إِلى شطر المسجد الحرام و يعتقد أن اللَّه في قبلته‏ «1» حال صلاته، و هو بعض مراتب وجه لحق من‏ «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ». فشَطْر المسجد الحرام منها، ففيه وجه اللَّه.
و لكن‏ «2» لا تقل هو هنا «3» فقط، بل قف عند ما أدركت و الزم الأدب في الاستقبال شطر المسجد الحرام‏ «4» و الزم الأدب في عدم حصر الوجه في تلك الأبنية الخاصة، بل هي من جملة أينيات ما تولى متولٍ إِليها. فقد بان لك عن اللَّه تعالى أنه في أينية كل وجهة، و ما ثَمَّ إِلا الاعتقادات. فالكل مصيب، و كل مصيب مأجور و كل مأجور سعيد و كل سعيد مرضي عنه و إِن شقي زماناً ما في الدار الآخرة. فقد مرض و تألم أهل العناية- مع علمنا بأنهم سعداء أهل حق- في الحياة الدنيا. فمن عباد اللَّه من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم، و مع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم، إِما بفقد ألم كانوا يجدونه‏ «5» فارتفع عنهم فيكون نعيمهم راحتهم عن‏ «6» وجدان ذلك الألم، أو يكون نعيم مستقل‏ «7» زائد كنعيم أهل الجنان في الجنان و اللَّه أعلم «14» «8».
______________________________
(1) ب: قلبه‏
(2) ساقطة في ن‏
(3) ا: هذا
(4) ساقطة في ب‏
(5) ب: ليجدونه‏
(6) ن: في‏
(7) ا: مستقبل‏
(8:) «و اللَّه أعلم» ساقط في «ب» و «ن»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية    السبت يوليو 28, 2018 9:13 am

11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية  

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية   «1»

من الآيات آيات الركائب‏ و ذلك لاختلاف في المذاهب‏
فمنهم قائمون‏ «1» بها بحق‏ و منهم قاطعون بها السباسب‏
فأما القائمون فأهل عين‏ و أما القاطعون هم الجنائب‏ «2»
و كل مِنْهُمْ يأتيه منه‏ فتوح غيوبه من كل جانب «2»
اعلم وفقك اللَّه أن الأمر مبني في نفسه على الفردية و لها التثليث، فهي من الثلاثة فصاعداً. فالثلاثة أول‏ «3» الأفراد. و عن هذه الحضرة الإلهية وجد العالم «3» فقال تعالى‏ «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» و هذه‏ «4» ذاتٌ‏ «5» ذاتُ إِرادة و قول. فلو لا هذه الذات و إِرادتها و هي نسبة التوجه بالتخصيص لتكوين أمر ما، ثم لو لا قوله عند هذا التوجه كن لذلك الشي‏ء ما كان ذلك الشي‏ء. ثم ظهرت الفردية الثلاثية أيضاً في ذلك الشي‏ء، و بها من جهته صح تكوينه و اتصافه بالوجود، و هي شيئيته و سماعه و امتثاله أمر مكونه بالإيجاد. فقابل‏ «6» ثلاثة بثلاثة: ذاته الثابتة في حال عدمها في موازنة ذات موجدها، و سماعه في موازنة إِرادة موجده، و قبوله بالامتثال لما أُمِرَ به من التكوين في موازنة قوله كن، فكان هو فنسب التكوين إِليه فلو لا أنه من- قوته التكوين من نفسه عند هذا القول ما تكوَّن. فما أوجد هذا الشي‏ء بعد أن لم يكن عند الأمر بالتكوين إِلا نفسه. فأثبت الحق تعالى أن‏
______________________________
(1) ن: نائمون‏
(2) ن: الحبايب. ا: و أن القاطعين هم الحباحب. و الحبحبة جري الماء قليلًا كالحبحب و الضعف و سوق الإبل. و من معاني الحبحب أيضاً الجمل الضئيل. و الحباحب السريعة الخفيفة جمع حبحاب (الفيروز بادي)
(3) ن: أقل‏
(4) ن: فهذه‏
(5) ساقطة في ب‏
(6) ب: فتقابلت.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 116
التكوين للشي‏ء نفسه لا للحق، و الذي للحق فيه أمره خاصة. و كذلك‏ «1» أخبر عن نفسه في قوله‏ «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» فنسب التكوين لنفس الشي‏ء عن أمر اللَّه و هو الصادق في قوله. و هذا هو المعقول في نفس الأمر.
كما يقول الآمر الذي يُخَافُ فلا يعصى لعبده قمْ فيقوم العبد امتثالًا لأمر سيده. فليس للسيد في قيام هذا العبد سوى أمره له بالقيام، و القيام من فعل العبد لا من فعل السيد «4». فقام أصل التكوين على التثليث أي من الثلاثة «2» من الجانبين، من جانب الحق و من جانب الخلق. ثم سرى ذلك في إِيجاد المعاني بالأدلة:
فلا بد من الدليل أن يكون مركباً من ثلاثة على نظام مخصوص و شرط مخصوص، و حينئذ ينتج لا بد من ذلك، و هو أن يركب الناظر دليله من مقدمتين كل مقدمة تحوي‏ «3» على مفردين فتكون أربعة واحد من هذه الأربعة يتكرر في المقدمتين لتُرْبَط إِحداهما بالأخرى كالنكاح فتكون ثلاثة لا غير لتكرار الواحد فيهما «4».
فيكون المطلوب إِذا وقع هذا الترتيب على الوجه المخصوص و هو ربط إِحدى المقدمتين بالأخرى بتكرار ذلك الواحِد المفرِد الذي به يصح‏ «5» التثليث.
و الشرط المخصوص أن يكون الحكم أعمَّ من العلة أو مساوياً لها، و حينئذ يصدق، و إِن لم يكن كذلك فإِنه ينتج نتيجة غير صادقة «5». و هذا موجود في العالم مثل إِضافة الأفعال إِلى العبد معراة عن نسبتها إِلى اللَّه‏ «6» أو إِضافة التكوين الذي نحن بصدده إِلى اللَّه مطلقاً «6». و الحق ما أضافه الا إِلى الشي‏ء الذي قيل له كن. و مثاله إِذا أردنا «7» أن ندل أن وجود العالم عن سبب فنقول كل حادث فله سبب فَمَعَنَا «8» الحادث و السبب. ثم نقول‏
______________________________
(1) ب: و كذا
(2) ب: أي ثلاثة
(3) ن: تحتوي‏
(4) ا: فيها
(5) ب: صح‏
(6) ا:+ تعالى‏
(7) ب: أردناه‏
( ب: فمعناه‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 117
في المقدمة الأخرى و العالم حادث فتكرر الحادث في المقدمتين. و الثالث قولنا العالم، فأنتج أن العالم له سبب، و ظهر «1» في النتيجة ما ذكر «2» في المقدمة الواحدة و هو السبب. فالوجه الخاص‏ «3» هو تكرار الحادث، و الشرط الخاص‏ «4» عموم العلة «7» لأن العلة في وجود الحادث السبب، و هو عام في حدوث العالم عن اللَّه أعني الحكم. فنحكم‏ «5» على كل حادث أن له سبباً سواء كان ذلك السبب مساوياً للحكم أو يكون الحكم أعم منه فيدخل تحت حكمه، فتصدق النتيجة. فهذا أيضاً قد ظهر حكم التثليث‏ «6» في إِيجاد المعاني التي تقتنص بالأدلة. فأصل الكون التثليث، و لهذا كانت حكمة صالح عليه السلام التي أظهر الله في تأخير أخذ قومه ثلاثة أيام وعْداً غير مكذوب، فأنتج صدقاً و هو الصحيحة التي أهلكهم اللَّه‏ «7» بها فأصبحوا في ديارهم جاثمين. فأول يوم من الثلاثة اصفرت وجوه القوم، و في الثاني احمرت و في الثالث اسودت. فلما كملت الثلاثة صح الاستعداد فظهر كون الفساد فيهم فسمى ذلك الظهور هلاكاً، فكان اصفرار وجوه الأشقياء في موازنة إِسفار «8» وجوه السعداء في قوله تعالى‏ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» من السفور و هو الظهور، كما كان‏ «9» الاصفرار في أول يومٍ ظهورَ علامة الشقاء في قوم صالح. ثم جاء في موازنة الاحمرار القائم بهم قوله تعالى في السعداء «ضاحِكَةٌ»، فإِن الضحك من الأسباب المولدة لاحمرار الوجوه، فهي في‏ «10» السعداء احمرار الوجنات. ثم جعل في موازنة تغير بشرة الأشقياء بالسواد قوله تعالى‏ «مُسْتَبْشِرَةٌ» و هو ما أثره‏
______________________________
(1) ن: فنظر
(2) ب: ما ذكره‏
(3) ب: الخالص‏
(4) ب: الخالص‏
(5) ا: فنحكم به.
«ب» و «ن» فيحكم‏
(6) أي هذا أيضاً حكم التثليث قد ظهر إلخ.
(7) ساقطة في «ب» و «ن»
( ساقطة في «ا» و «ن»
(9) ب: أن‏
(10) ن: من‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 118
السرور في بشرتهم كما أثر السواد في بشرة الأشقياء. و لهذا قال في الفريقين بالبشرى، أي يقول لهم قولًا يؤثر في بشرتهم فيعدل بها إِلى لون لم تكن البشرة تتصف به قبل هذا. فقال في حق السعداء «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ» و قال في حق الأشقياء «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ»* فأثر في بشرة كل طائفة ما حصل في نفوسهم من أثر هذا الكلام. فما ظهر عليهم في ظاهرهم إِلا حكم ما استقر في بواطنهم من المفهوم. فما أثر فيهم سواهم كما لم يكن التكوين إِلا منهم. فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ «8». فمن فهم هذه الحكمة و قررها في نفسه و جعلها مشهودة له‏ «1» أراح نفسه من التعلق بغيره و علم أنه لا يؤتى عليه بخير و لا بشر إِلا منه. و أعني بالخير ما يوافق‏ «2» غرضه و يلائم طبعه و مزاجه، و أعني بالشر ما «3» لا يوافق غرضه و لا يلائم طبعه و لا «4» مزاجه. و يقيم صاحب هذا الشهود معاذير الموجودات كلها عنهم و إِن لم يعتذروا، و يعلم أنه منه كان كل ما هو فيه كما ذكرناه أولًا في أن العلم تابع للمعلوم، فيقول لنفسه إِذا جاءه ما لا يوافق غرضه: يداك أوْكَتَا و فوك نفخ. و اللَّه يقول الحق و هو يهدي السبيل.
______________________________
(1) ساقطة في ن‏
(2) ساقطة في ا
(3) ساقطة في ا
(4) ن:+ و لا يلائم‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 12- فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية   السبت يوليو 28, 2018 9:14 am

12- فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

12- فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية   «1»

اعلم أن القلب- أعني قلب العارف باللَّه- هو من رحمة اللَّه، و هو أوسع منها، فإِنه وَسِعَ الحق جل جلاله «2» و رحمته لا تسعه: هذا لسان العموم‏ «1» من باب الإشارة، فإِن‏ «2» الحق راحم ليس بمرحوم فلا حكم للرحمة فيه «3». و أما الإشارة من لسان الخصوص فإِن اللَّه‏ «3» وصف نفسه بالنَّفَس و هو من التنفيس:
و أن الأسماء الإلهية عين المسمى و ليس‏ «4» إِلا هو، و أنها طالبة ما تعطيه من‏ «5» الحقائق و ليس الحقائق التي تطلبها الأسماء إِلا العالم. فالألوهية «6» تطلب المألوه، و الربوبية تطلب المربوب «4»، و إِلا فلا عين لها إِلا به وجوداً أو «7» تقديراً. و الحق من حيث ذاته غني عن العالمين. و الربوبية ما لها هذا الحكم.
فبقي الأمر بين ما تطلبه الربوبية و بين ما تستحقه الذات من الغنى عن العالم.
و ليست الربوبية على الحقيقة و الاتصاف‏ «8» إِلا عين هذه الذات.
فلما تعارض الأمر بحكم النسب ورد في الخبر ما وصف الحق به‏ «9» نفسه من الشفقة على عباده «5». فأول ما نفَّس عن الربوبية بِنَفَسه المنسوب إِلى الرحمن بإِيجاده العالم الذي تطلبه الربوبية «10» بحقيقتها و جميع الأسماء «11» الإلهية.
فيثبت‏ «12» من هذا الوجه أن رحمته وسعت كل شي‏ء فوسعت الحق، فهي أوسع من القلب أو مساوية له في السعة. هذا مَضَى‏ «13»، ثم لتعلم أن الحق تعالى كما
______________________________
(1) ن: عموم‏
(2) ب: في أن‏
(3) ا:+ تعالى‏
(4) «ليس»: أي ليس ذلك المسمى. ب: «ليست»، أي الأسماء
(5) «من» كانت موجودة في ب ثم كشطت‏
(6) ا: الألوهة
(7) «أو» ساقطة في ن‏
(8:) «ب» و «ن»: الاتصاف بالتاء، و لكن جامي يقرؤها و يشرحها الانصاف بالنون (جامي ج 2 ص 103)
(9) ا: به الحق‏
(10) ن: ساقطة
(11) ب: ساقطة
(12) «ب» و «ن»: فثبت‏
(13) ا: معنى‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 120
ثبت في الصحيح يتحول في الصور عند التجلي، و أن الحق تعالى إِذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من المخلوقات فكأنه يملؤه. و معنى هذا أنه إِذا نَظَرَ إِلى الحق عند تجليه له لا يمكن أن ينظر معه إِلى غيره. و قلب العارف من السَّعة كما قال أبو يزيد البسطامي «لو أن العرش و ما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به». و قال الجنيد في هذا المعنى: إِن المحدَث إِذا قرن بالقديم لم يبق له أثر، و قلب يسع القديم كيف يحس بالمحدث موجوداً «1». و إِذا كان الحق يتنوع تجليه في الصور «2» فبالضرورة «3» يتسع القلب و يضيق بحسب الصورة التي يقع فيها التجلي الإلهي، فإِنه لا يفضل شي‏ء عن صورة ما يقع فيها التجلي. فإِن القلب من العارف أو الإنسان الكامل بمنزلة محل فص الخاتم من الخاتم لا يفضل بل يكون على قدره و شكله من الاستدارة إِن كان الفص‏ «4» مستديراً أو من التربيع و التسديس و التثمين و غير ذلك من الأشكال إِن كان الفص مربعاً أو مسدساً أو مثمناً أو ما كان من الأشكال، فإِن محله من الخاتم يكون مثله لا غير «5». و هذا عكس ما يشير إِليه الطائفة من أن الحق يتجلى على قدر استعداد العبد. و هذا ليس كذلك، فإِن العبد يظهر للحق على قدر الصورة التي يتجلى له‏ «6» فيها الحق. و تحرير هذه المسألة أن للَّه تجليين. تجلي غيب و تجلي شهادة، فمن تجلي الغيب يعطي الاستعداد الذي يكون عليه القلب، و هو التجلي الذاتي الذي الغيب حقيقته، و هو الهوية التي يستحقها بقوله عن نفسه «هو». فلا يزال «هو» له دائماً أبداً «6». فإِذا حصل له- أعني للقلب‏ «7»- هذا الاستعداد، تجلى‏ «8» له التجلِّي الشهودي‏
______________________________
(1) ب: وجوداً
(2) ب: الصورة
(3) ب: ساقطة
(4) ب: ساقطة
(5) ب: لا غيره‏
(6) ساقطة في ب‏
(7) ا: القلب‏
(8:) ب: و تجلى‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 121
في الشهادة فرآه فظهر بصورة ما تجلى له كما ذكرناه‏ «1». فهو تعالى أعطاه الاستعداد بقوله‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ»، ثم رفع الحجاب بينه و بين عبده فرآه في صورة معتقده‏ «2»، فهو عين اعتقاده. فلا يَشْهَد القلبُ و لا العينُ أبداً إِلا صورة معتقده في الحق «7». فالحق الذي في المعْتَقَد هو الذي وسع القلب صورته، و هو الذي يتجلى له فيعرفه. فلا ترى العين إِلا الحق الاعتقادي. و لا خفاء بتنوع الاعتقادات: فمن قيده أنكره في غير ما قيده به، و أقر به فيما قيده به إِذا تجلَّى. و من أطلقه عن التقييد لم ينكره و أقر به‏ «3» في كل صورة يتحول 34 فيها و يعطيه من نفسه قدر صورة ما تجلى له إِلى ما لا يتناهى، فإِن صور «4» التجلي ما لها نهاية تقف عندها. و كذلك العلم باللَّه‏ «5» ما له غاية في العارف‏ «6» يقف عندها، بل هو العارف في كل زمان يطلب الزيادة من العلم به.
«رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» «7»، «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»، «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً». فالأمر لا يتناهى من الطرفين «8». هذا إِذا قلت حق و خلق، فإِذا نظرت في قوله‏ «8» «كنت رِجْلَه التي‏ «9» يسعى بها و يده التي‏ «10» يبطش بها و لسانه الذي يتكلم به» إِلى غير ذلك من القوى، و محلها «11» الذي هو الأعضاء، لم تفرق فقلت الأمر حق كله أو خلق كله. فهو خلق بنسبة و هو حق بنسبة و العين واحدة. فعين صورة ما تجلى عين صورة من‏ «12» قَبِل ذلك التجلي، فهو المتجلِّي و المتجلي له. فانظر ما أعجبَ أمرَ اللَّه من حيث هويته، و من حيث نسبته إِلى العالم في حقائق أسمائه الحسنى.
______________________________
(1) ب: ذكرنا
(2) ن: معتقد
(3) «ب» و «ن»: له‏
(4) «ا» و «ب»: صورة
(5) ا:+ تعالى‏
(6) «ا» و «ب»: العارفين‏
(7) مذكور مرة واحدة في ب و مرتين في ن و ثلاث مرات في ا
(8:) ا:+ تعالى‏
(9) ا: الذي في الحالتين‏
(10) ا: الذي في الحالتين‏
(11) ب: و محالها التي. ن: و مجلى لها
(12) ب: ما

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 122


فَمَن ثَمَّ و ما ثمه‏ و عين ثم هو ثمه‏
فمن قد عمه خصه‏ و من قد خصه عمَّه‏
فما عين سوى عين‏ فنور عينه ظلمه‏
فمن يغفل عن هذا يجد في نفسه غمه‏
و ما يعرف ما قلنا «1» سوى عبد له همه «9»


«إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» لتقلبه في أنواع الصور و الصفات و لم يقل لمن كان له عقل، فإِن العقل قيد فيحصر الأمر في نعت واحد و الحقيقة تأبى الحصر في نفس الأمر. فما هو ذكرى لمن كان له عقل و هم أصحاب الاعتقادات الذين يكفر بعضُهم بِبعض وَ يَلعَنُ بعضهُم بعضَاً و ما لَهُمْ مِنْ نَاصرين. فإِن إِله‏ «2» المعتقِد ما له حكم في إِله‏ «3» المعتقد الآخر: فصاحب الاعتقاد يذُبُّ عنه أي عن الأمر الذي اعتقده في إِلهه و ينصره، و ذلك في اعتقاده لا ينصره، فلهذا لا يكون له أثر في اعتقاد المنازع له. و كذا «4» المنازع ما له نصرة من إِلهه الذي في اعتقاده، فَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين، فنفى الحق النُّصْرَة عن آلهة الاعتقادات على انفراد كل معتقد على حدته، و المنصور المجموع، و الناصر المجموع. فالحق عند العارف هو المعروف الذي لا ينكر.
فأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. فلهذا قال‏ «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» فَعَلِمَ تقلب الحق في الصور بتقليبه في الأشكال. فمن نفسه عرف نَفْسَه‏ «5»، و ليست نفسه بغير لهوية الحق، و لا شي‏ء من الكون مما هو كائن‏ «6» و يكون بغيرٍ لهوية الحق، بل هو عين الهوية. فهو العارف‏
______________________________
(1) «ا» و «ن»: قلناه‏
(2) ب: الإله‏
(3) ب: الإله‏
(4) «ا» و «ن»: و لا
(5) ن: فمن عرف نفسه عرف ربه‏
(6) «ا» و «ن»: ساقطة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 123
و العالم و المُقَرُّ في هذه الصورة، و هو الذي لا عارف و لا عالم، و هو المنْكَرُ في هذه الصورة الأخرى. هذا حظ من عرف الحق من التجلي و الشهود في عين الجمع، فهو قوله‏ «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» يتنوع في تقليبه. و أما أهل الإيمان و هم المقلدة الذين قلدوا الأنبياء و الرسل فيما أخبروا به عن الحق، لا من قلد أصحاب الأفكار و المتأولين الأخبار الواردة بحملها على أدلتهم العقلية، فهؤلاء الذين قلدوا الرسل صلوات اللَّه عليهم و سلامه هم المرادون بقوله تعالى‏ «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» لما وردت به الأخبار «1» الإلهية على ألسنة الأنبياء صلوات اللَّه و سلامه عليهم، و هو يعني هذا الذي ألقى السمع شهيد «2» ينبه على حضرة الخيال و استعمالها، و هو قوله عليه السلام في الإحسان «أن تَعبد اللَّه كأنكَ تراه»، و اللَّه في قبلة المصلي، فلذلك‏ «3» هو شهيد. و من قلد صاحب نظر فكري و تقيد به فليس هو الذي ألقى السمع، فإِن هذا الذي ألقى السمع لا بد أن يكون شهيداً لما ذكرناه. و متى لم يكن شهيداً لما ذكرناه فما هو المراد بهذه الآية. فهؤلاء «4» هم الذين قال اللَّه فيهم‏ «إِذْ «5» تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا» و الرسل لا يتبرءون من أتباعهم الذين اتبعوهم «10». فحقِّقْ يا ولي‏ «6» ما ذكرته لك في هذه الحكمة القلبية. و أما اختصاصها بشُعَيْب، لما فيها من التشعب، أي شعبها لا تنحصر، لأن كل اعتقاد شعبة فهي شعب كلها، أعني الاعتقادات فإِذا انكشف الغطاء انكشف لكل أحد بحسب معتقده، و قد ينكشف بخلاف معتقده في الحكم، و هو قوله‏ «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ». فأكثرها في الحكم كالمعتزلي يعتقد في اللَّه نفوذ الوعيد في العاصي‏ «7» إِذا مات على غير توبة. فإِذا مات‏
______________________________
(1) ا: الإخبارات‏
(2) ن: و هو شهيد
(3) ن: فذلك‏
(4) في المخطوطات الثلاثة فهؤلائك‏
(5) ن: إِن‏
(6) ا: صححت إِلى كلمة تشبه تأويل‏
(7) ن: المعاصي.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 124
و كان مرحوماً عند اللَّه قد سبقت له عناية بأنه لا يعاقب، وجد اللَّه غفوراً رحيماً، فبدا له من اللَّه ما لم يكن يحتسبه. و أمَّا في الهوية فإِن بعض العباد يجزم في اعتقاده أن اللَّه كذا و كذا، فإِذا انكشف الغطاء رأى صورة معتقده و هي حق فاعتقدها. و انحلت العقدة فزال الاعتقاد و عاد علماً بالمشاهدة.
و بعد احتداد البصر لا يرجع كليل النظر، فيبدو لبعض العبيد باختلاف التجلي في الصور عند الرؤية خلاف معتقده‏ «1» لأنه‏ «2» لا يتكرر، فيصدق عليه في الهوية «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ» في هويته‏ «ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» «11» فيها قبل كشف الغطاء. و قد ذكرنا صورة الترقي بعد الموت في المعارف الإلهية في كتاب التجليات لنا عند ذكرنا من اجتمعنا به من الطائفة في الكشف و ما أفدناهم في هذه المسألة بما لم يكن عندهم. و من أعجب الأمور «3» أنه في الترقي دائماً و لا يشعر بذلك للطافة الحجاب و دقته و تشابه الصور «12» مثل قوله تعالى‏ «وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً». و ليس هو «4» الواحد عين الآخر فإِن الشبيهين عند العارفِ أنَّهما شبيهان، غيران‏ «5»، و صاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد كما يعلم أن مدلول الأسماء الإلهية، و إِن اختلفت حقائقها و كثرت، أنها عين واحدة. فهذه كثرة معقولة في واحد العين. فتكون في التجلي كثرة مشهودة في عين واحدة، كما أن الهيولى تؤخذ «6» في حد كل صورة، و هي‏ «7» مع كثرة الصور و اختلافِهَا ترجع في‏
______________________________
(1) «خلاف معتقده» ساقطة في «ا» و «ن»، مذكورة في ب و قد أثبتها بالي و القيصري في شرحيهما.
(2) الضمير عائد على التجلي‏
(3) «ب» و «ن»: الأمر- و الضمير في أنه عائد على الإنسان.
(4) ن: هذا بدلًا من هو- و المراد بهو الحجاب، أي ليس هذا الحجاب عين ذلك.
(5) غيران: خبر إِن، و أن في قوله أنهما شبيهان و اسمها و خبرها مفعول للعارف أي الذي يعرف أنهما شبيهان. و قد تؤول الجملة بمعنى أن الشبيهين غيران من حيث انهما شبيهان لأن المشابهة تقتضي التغاير
(6) ا: يوجد و «ب»: توجد
(7) «هي» ساقطة من المخطوطات و لكنها مثبتة في جميع الشروح التي بين يدي.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 125
الحقيقة إِلى جوهر واحد هو «1» هيولاها. فمن عرف نفسه بهذه المعرفة فقد عرف ربه فإِنه على صورته خلقه، بل هو عين هويته و حقيقته. و لهذا ما عثر أحد من العلماء على معرفة النفس و حقيقتها إِلا الإلهيون من الرسل و الصوفية.
و أما أصحاب النظر و أرباب الفكر من القدماء و المتكلمين‏ «2» في كلامهم في النفس و ماهيتها، فما منهم من عثر على حقيقتها، و لا يعطيها النظر الفكري أبداً. فمن طلب العلم بها من طريق النظر الفكري فقد استسمن ذا ورم و نفخ في غير ضرم. لا جرم أنهم من‏ «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً». فمن طلب الأمر من غير طريقه فما ظفر بتحقيقه، و ما أحسن ما قال اللَّه تعالى في حق العالَم و تبدله مع الأنفاس.
«في خلق جديد» في عين واحدة، فقال في حق طائفة، بل أكثرِ العالم، «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ». فلا يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس.
لكن قد «3» عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات و هي الأعراض، و عثرت عليه الحِسْبَانية «4» في العالم كله «13». و جهَّلهُمْ أهل النظر بأجمعهم.
و لكن أخطأ الفريقان: أما خطأ الحسبانية فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدل في العالم بأسره على أحدية عين الجوهر الذي قَبِلَ هذه الصورة «5» و لا يوجد إِلا بها كما لا تعقل إِلا به. فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التحقيق في الأمر. و أما الأشاعرة فما علموا أن العالم كله مجموع أعراض فهو في الأمر. و أما الأشاعرة فما علموا أن العالم كله مجموع أعراض فهو يتبدل‏ «6» في كل زمان إِذِ الْعَرَضُ لا يبقى زمانين. و يظهر ذلك في الحدود للأشياء، فإِنهم إِذا حدوا الشي‏ء تبين في حدهم كونه‏ «7» الأعراض،
______________________________
(1) «ب» و «ن»: و هو
(2) ب: و المتكلفين و هو تحريف‏
(3) ا: ساقطة
(4) الحسبانية بضم الحاء (كما في شرح القاشاني) أو بكسرها هم السوفسطائية حسبما تذكره شروح الفصوص عدا القيصري الذي يقرأ «الجسمانية» (من الجسم) بدلًا من الحسبانية
(5) ا: الصورة
(6) ب: تبدل‏
(7) «ا» و «ن»: كون.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 126
و أن هذه الأعراض المذكورة في حده عين هذا الجوهر و حقيقته القائِمِ‏ «1» بنفسه. و من‏ «2» حيث هو عرض لا يقوم بنفسه. فقد جاء من مجموع ما لا يقوم بنفسه من يقوم بنفسه‏ «3» كالتحيز في حد الجوهر القائم بنفسه الذاتي‏ «4» و قبوله للأعراض حدٌّ له ذاتي «14». و لا شك أن القبول عرض إِذ لا يكون إِلا في قابل لأنه لا يقوم بنفسه: و هو ذاتي للجوهر. و التحيز عرض لا يكون إِلا في متحيز، فلا يقوم بنفسه. و ليس التحيز عرض لا يكون إِلا في متحيز، فلا يقوم بنفسه. و ليس التحيز و القبول بأمر زائد على عين الجوهر المحدود لأن الحدود الذاتية هي عين المحدود و هويته، فقد صار ما لا يبقى زمانين يبقى زمانين‏ «5» و أزمنة و عاد ما لا يقوم بنفسه يقوم بنفسه.
و لا يشعرون لما هم عليه، و هؤلاء هم في لَبْسٍ من خلق جديد. و أما أهل الكشف فإِنهم يرون أن اللَّه‏ «6» يتجلى في كل نَفَسٍ و لا يكرر التجلي، و يرون أيضاً شهوداً أن كل تجلٍ يعطي خلقاً جديداً و يذهب بخلق. فذهابه هو عين الفناء عند التجلي و البقاء لما يعطيه التجلي الآخر فافهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 13 - فص حكمة مَلْكية في كلمة لوطية    السبت يوليو 28, 2018 9:16 am

13 - فص حكمة مَلْكية في كلمة لوطية 

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

13 - فص حكمة مَلْكية في كلمة لوطية  «1»

المَلْكُ الشدة و المليك الشديد: يقال ملكت العجين إذا شددت عجينه.
قال قيس بن الحطيم‏ «7» يصف طعنة:
ملكت بها كفي فانهرتُ فتقها يَرى قائمٌ من دونها ما وراءها

______________________________
(1) ا: القائمة- و لكن في المخطوطين الآخرين و جميع الشروح: «القائم» بكسر الميم على أنها صفة للجوهر
(2) الواو ساقطة في ا
(3) «من يقوم بنفسه» ساقطة في ب‏
(4) الذاتي صفة للتحيز- و قبوله أي الجوهر القائم بنفسه الذي هو الجسم.
(5) «يبقى زمانين» ساقطة في ن‏
(6) ا:+ تعالى‏
(7) ب: حطيم‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 127
أي شددت بها كفي يعني الطعنة. فهو قول اللَّه تعالى عن لوط عليه السلام‏ «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ». فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم يرحم اللَّه أخى لوطاً: لقد كان يأوي إلى ركن شديد.
فنبه صلى اللَّه عليه و سلم أنه كان مع اللَّه من كونه شديداً. و الذي قصد لوط عليه السلام القبيلةُ بالركن الشديد: و المقاومة بقوله‏ «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» و هي الهمة هنا من البشر خاصة. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم فمن ذلك الوقت- يعني من الزمن الذي قال فيه عليه السلام‏ «أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ» ما بعث نبيٌ‏ «1» بعد ذلك إلا في منعة من قومه، فكان يحميه قبيله‏ «2» كأبي طالب مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم. فقوله‏ «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» لكونه عليه السلام سمع اللَّه تعالى يقول‏ «اللَّهُ‏ «3» الَّذِي‏ «4» خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ» بالأصالة، ثم جعل من بعد ضعف قوة» فعرضت القوة بالجعل فهي قوة عرضية، «ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً» فالجعل تعلق بالشيبة، و أما الضعف فهو رجوع إلى أصل خلقه و هو قوله‏ «5» خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ‏، فرده‏ «6» لما خلقه منه كما قال‏ «يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً». فذكر أنه رُدَّ إلى الضعف الأول فحكم الشيخ حكم الطفل في الضعف. و ما بُعِثَ نبي إلا بعد تمام الأربعين و هو زمان أخذه في النقص و الضعف. فلهذا «7» قال‏ «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً» مع كون ذلك يطلب همة مؤثرة. فإن قلت و ما يمنعه من الهمة المؤثرة و هي موجودة في السالكين من الاتباع، و الرسل أولَى بها؟ قلنا صدقت: و لكن نَقَصَكَ علم آخر، و ذلك أن المعرفة لا تترك للهمة
______________________________
(1) ا: ما بعث اللَّه نبياً
(2) ب: تحميه قبيلته‏
(3) ساقطة في ا
(4) ساقطة في ب‏
(5) ا:+ تعالى‏
(6) ن: فرد
(7) ا: فلذا- ب: فلذلك.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 128
تصرفاً. فكلما علت معرفته نقص تصرفه بالهمة «2»، و ذلك لوجهين: الوجه الواحد لتحققه‏ «1» بمقام العبودية و نظرِهِ إلى أصل خلقه الطبيعي، و الوجه الآخر أحدية المتصرِّف و المتصرَّف فيه: فلا يرى على مَنْ يرسِل همته فيمنعه ذلك. و في هذا المشهد يرى أن المنازع له ما عدل عن حقيقته التي هو عليها في حال ثبوت عينه و حال عدمه. فما ظهر في الوجود إلا ما كان له في حال العدم في الثبوت، فما تعدى‏ «2» حقيقته و لا أخلَّ بطريقته. فتسميةُ ذلك نزاعاً إنما هو أمر عرضي أظهره‏ «3» الحجاب الذي على أعين الناس كما قال اللَّه‏ «4» فيهم «وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏»: و هو من المقلوب فإنه من قولهم‏ «قُلُوبُنا غُلْفٌ»* أي في غلاف و هو الكنُّ الذي ستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه. فهذا و أمثاله يمنع العارف من التصرف في العالم قال الشيخ أبو عبد اللَّه بن قايد «5» للشيخ أبي السعود بن الشبل‏ «6» لِمَ لا تتصرف؟ فقال‏ «7» أبو السعود تركت الحق يتصرف لي كما يشاء: يريد قوله تعالى آمِراً «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» فالوكيل هو المتصرف و لا سيما و قد سمع اللَّه تعالى يقول‏ «وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ». فعلم أبو السعود و العارفون أن الأمر الذي‏ «8» بيده ليس له و أنه مستخلف فيه. ثم قال له الحق هذا الأمر الذي استخلفتك فيه و ملَّكتك إياه: اجعلني و اتخذني وكيلًا فيه، فامتثل أبو السعود أمر اللَّه فاتخذه‏ «9» وكيلًا. فكيف‏
______________________________
(1) ن: بتحققه بالباء
(2) ب: أصلحت في الهامش: فما تعدى المنازع‏
(3) ب: أظهر
(4) ا:+ تعالى‏
(5) ا: فايد بدون نقط الحرف الأول ب: أبو عبد اللَّه محمد بن فايد بالفاء- ن: أبو عبد اللَّه ابن فايد. جميع الشروح: ابن قائد بالقاف أو ابن الفائد
(6) ب: ابن الشبلي‏
(7) ا: قال‏
(8:) ا: ساقطة.
(9) ب: و اتخذه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 129
يبقى لمن يشهد هذا الأمر همة يتصرف بها، و الهمة لا تفعل إلا بالجمعية التي لا متسع‏ «1» لصاحبها إلى غير ما اجتمع عليه؟ «3» و هذه المعرفة تفرَّقهُ عن هذه الجمعية. فيظهر العارف‏ «2» التام المعرفة بغاية العجز و الضعف. قال بعض الأبدال للشيخ عبد الرزَّاق‏ «3» رضي اللَّه عنه قل للشيخ أبي مدين بعد السلام عليه يا أبا مدين لم لا يعتاص علينا شي‏ء و أنت تعتاص عليك الأشياء: و نحن نرغب في مقامك و أنت لا ترغب في مقامنا؟ و كذلك كان مع كون أبي مدين رضي اللَّه عنه كان عنده ذلك المقام و غيره: و نحن أتم في مقام الضعف و العجز منه. و مع هذا قال له هذا البدل ما قال. و هذا من ذلك القبيل أيضاً. و قال صلى اللَّه عليه و سلم في هذا المقام عن أمر اللَّه له بذلك‏ «ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ». فالرسول بحكم ما يوحى إليه به‏ «4» ما عنده غير ذلك. فإن أُوحِيَ إليه بالتصرف بجزم‏ «5» تصرَّفَ: و إن منِعَ امتنع، و إن خُيِّر اختار ترْك‏ «6» التصرف إلا أن يكون ناقص المعرفة. قال أبو السعود لأصحابه المؤمنين به إن اللَّه أعطاني التصرف منذ خمس عشرة سنة و تركناه تظرفاً. هذا لسان إدْلال‏ «7». و أما نحن فما تركناه تظرفاً- و هو تركه إيثاراً- و إنما تركناه لكمال المعرفة، فإن المعرفة لا تقتضيه بحكم الاختيار. فمتى تصرف العارفُ بالهمة في العالم فعن أمر إلهي و جبر لا باختيار «4». و لا نشك‏ «8» أن مقام الرسالة يطلب التصرف لقبول الرسالة التي جاء بها، فيظهر عليه ما يصدقه عند أمته و قومه ليظهر دين اللَّه. و الولي ليس كذلك. و مع هذا فلا يطلبه الرسول في الظاهر لأن للرسول‏
______________________________
(1) ن: لا تتسع‏
(2) ب: فتظهر للعارف‏
(3) ن: عبد الرازق‏
(4) ساقطة في ن‏
(5) ب: فإن أوحى اللَّه إليه بالتصرف فيه بجزم‏
(6) ن: و ترك.
(7) إدلال بالدال من الدلال. ب: إذلال بالذال أي عبودية
(8:) ا: شك‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 130
الشفقة على قومه، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجة عليهم، فإن في ذلك هلاكهم:
فيبقي عليهم. و قد علم الرسول أيضاً أن الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة منهم من يؤمن عند ذلك و منهم من يعرفه و يجحده و لا يظهر التصديق به ظلماً و علُوّا و حسداً، و منهم من يُلْحِق ذلك بالسِّحر و الإبهام. فلما رأت الرسل ذلك و أنه لا يؤمن إلا من‏ «1» أنار اللَّه قلبه بنور الإيمان: و متى لم ينظر الشخص بذلك النور المسمى إيماناً فلا «2» ينفع في حقه الأمر المعجز. فقصرت الهمم عن طلب الأمور المعجزة لما لم يعم أثرها في الناظرين و لا في قلوبهم كما قال في حق أكمل الرسل و أعلم الخلق و أصدقهم في الحال‏ «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ». و لو كان للهمة أثر و لا بد، لم يكن أحد أكمل من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و لا أعلى و لا «3» أقوى همة منه، و ما أثَّرتْ في إسلام أبي طالب عمِّه، و فيه نزلت الآية التي ذكرناها:
و لذلك قال في الرسول إنه ما عليه إلا البلاغ، و قال‏ «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ». و زاد في سورة القصص‏ «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» أي بالذين أعطوه العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة. فأثبت‏ «4» أن العلم تابع للمعلوم. فمن كان مؤمناً في ثبوت عينه و حال عدمه ظهر بتلك الصورة في حال وجوده. و قد علم اللَّه ذلك منه أنه هكذا يكون، فلذلك قال‏ «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
فلما قال مثل هذا قال أيضاً «ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» لأن قولي على حد علمي في خلقي، «وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» أي ما قدَّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثم طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به. بل ما عاملناهم إلا بحسب ما علمناهم، و ما علمناهم إلا بما أعطونا من نفوسهم مما هم عليه، فإن كان ظلم فهم الظالمون. و لذلك‏ «5» قال‏
______________________________
(1) ب: من قد
(2) «ا» و «ن»: و إلا فلا
(3) «لا» ساقطة في «ب» و «ن»
(4) ب: و أثبت‏
(5) ا: و كذلك.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 131
«وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»*. فما ظلمهم اللَّه. كذلك ما قلنا لهم إلا ما أعطته ذاتنا أن نقول لهم، و ذاتنا معلومة لنا بما هي عليه من أن نقول كذا و لا «1» نقول كذا. فما قلنا إلا ما علمنا أنَّا نقول. فَلَنا «2» القول منا، و لهم الامتثال و عدم الامتثال مع السماع منهم‏
فالكل منا و منهم‏ و الأخذ عنا و عنهم‏
إن لا يكونون منا فنحن لا شك منهم «5»
فتحقق يا ولي هذه الحكمة الملكية في‏ «3» الكلمة اللوطية فإنها لباب المعرفة
فقد بان لك السر و قد اتضح الأمر
و قد أُدرج في الشفع‏ الذي‏ «4» قيل هو الوتر «6»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 14 - فص حكمة قَدَرِيَّة في كلمة عُزَيْرية   السبت يوليو 28, 2018 9:18 am

14 - فص حكمة قَدَرِيَّة في كلمة عُزَيْرية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

14 - فص حكمة قَدَرِيَّة في كلمة عُزَيْرية  «1»

اعلم أن القضاء حكم اللَّه‏ «5» في الأشياء، و حكم اللَّه‏ «6» في الأشياء على حد علمه بها و فيها. و علم اللَّه في الأشياء على ما أعطته المعلومات مما هي عليه في نفسها. و القدر توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها من غير مزيد. فما حَكَمَ القضاء على الأشياء إلا بها. و هذا هو عين سر «7» القدر «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ‏ «8» أَوْ أَلْقَى‏ «9» السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ». «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» «2». فالحاكم في التحقيق تابع لعين المسألة التي يحكُمُ فيها بما تقتضيه ذاتها. فالمحكوم عليه بما هو فيه حاكم على الحاكم أن يحكم عليه بذلك. فكل حاكم محكوم عليه بما حَكَمَ به و فيه: كان الحاكم‏
______________________________
(1) ساقطة في ب‏
(2) في المخطوطات الثلاثة: قلنا، بالقاف، و لكن لا بد أن تكون فلنا بدليل قوله: و لهم‏
(3) «ا» و «ن»: من‏
(4) نائب فاعل لأدرج‏
(5) ا:+ تعالى‏
(6) ا:+ تعالى‏
(7) ن: مسمى‏
( ا: قلبا
(9) ا: و ألقى‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 132
من كان. فتحقق هذه المسألة فإن القدر ما جُهِلَ إلا «1» لشدة ظهوره، فلم يُعرَف و كثر فيه الطلب و الإلحاح. و اعلم أن الرسل صلوات اللَّه عليهم- من حيث هم رسل لا من حيث هم أولياء و عارفون- على مراتب ما هي عليه أممهم. فما عندهم من العلم الذي أُرسِلُوا به إلا قدر ما تحتاج إليه أُمة ذلك الرسول: لا زائد و لا ناقص.
و الأمم متفاضلة يزيد بعضها على بعض. فتتفاضل الرسل في علم الإرسال بتفاضل أممها، و هو قوله تعالى‏ «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ» «3» كما هم أيضاً فيما يرجع إلى ذواتهم عليهم السلام من العلوم و الأحكام متفاضلون بحسب استعداداتهم، و هو قوله‏ «2» «وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ». و قال تعالى في حق الخلق‏ «وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ». و الرزق منه ما هو روحاني كالعلوم، و حسيٌّ كالأغذية، و ما ينزله الحق إلا بقَدَر معلوم، و هو الاستحقاق الذي يطلبه الخلق: فإن اللَّه‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ» فينزِّل بقدر ما يشاء، و ما يشاء «3» إلا ما عَلِمَ فحكم به. و ما علم- كما قلناه‏ «4»- إلا بما أعطاه المعلوم‏ «5». فالتوقيت في الأصل للمعلوم، و القضاء و العلم و الإرادة و المشيئة تبع للقدر «4» «6». فسرُّ القدر من أجلِّ العلوم، و ما «7» يفهِّمه اللَّه تعالى إلا لمن اختصه بالمعرفة التامة. فالعلم به يعطي الراحة الكلية للعالم‏ «8» به، و يعطي العذاب الأليم للعالم به أيضاً «5». فهو يعطي النقيضين.
و به وصف الحق نفسه بالغضب و الرضا «9»، و به تقابلت الأسماء الإلهية «6». فحقيقته تحكم في الوجود «10» المطلق و الوجود «11» المقيد، لا يمكن أن يكون شي‏ء أتمَّ منها
______________________________
(1) ساقطة في ن‏
(2) ا:+ تعالى‏
(3) «و ما يشاء» ساقطة في ن‏
(4) ب: قلنا
(5) ب:+ من نفسه‏
(6) ا: تتبع القدر
(7) ب: و ما لا
(8:) ب: للعلم‏
(9) ب: و بالرضا
(10) «ب» و «ن»: الموجود.
(11) «ب» و «ن»: الموجود.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 133
و لا أقوى و لا أعظم لعموم حكمها المتعدي و غير المتعدي. و لما كانت الأنبياء صلوات اللَّه عليهم لا تأخذ علومها إلا من الوحي الخاص الإلهي، فقلوبهم ساذجة من النظر العقلي لعلمهم بقصور العقل من حيث نظره الفكري، عن إدراك الأمور عَلَى ما هي عليه.
و الإخبار أيضاً يقصر عن إدراك ما لا ينال إلا بالذوق. فلم يبق العلم الكامل إلا «1» في التجلي الإلهي و ما يكشف الحق عن أعين البصائر و الأبصار من الأغطية فتدرك الأمور قديمها و حديثها، و عدمها و وجودها، و مُحَالها و واجبها و جائزها على ما هي عليه في حقائقها و أعيانها. فلما كان مطلب العُزَيْر «7» على الطريقة الخاصة، لذلك وقع العَتْب عليه كما ورد في الخبر. فلو طلب الكشف الذي ذكرناه ربما كان‏ «2» لا يقع عليه عتب‏ «3» في ذلك. و الدليل عَلَى سذاجة قلبه قوله في بعض الوجوه‏ «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها». و أما عندنا فصورته عليه السلام في قوله هذا كصورة إبراهيم عليه السلام في‏ «4» قوله‏ «رَبِ‏ «5» أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏». و يقتضي ذلك الجوابَ بالفعل الذي أظهره الحق فيه في قوله تعالى‏ «فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» فقال له‏ «وَ انْظُرْ «6» إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً» فعاين كيف تنبت الأجسام معاينة تحقيق، فأراه الكيفية. فسأل عن القَدَر الذي لا يدرك إلا بالكشف للأشياء في حال ثبوتها في عدمها، فما أُعْطِيَ ذَلك فإن ذلك من خصائص الاطلاع الإلهي، فمن المحال أن يعلمه إلا هو فإنها المفاتح‏ «7» الأوَل، أعني مفاتح‏ «8» الغيب التي لا يعلمها إلا هو. و قد يطلع اللَّه من شاء «9» من عباده علَى بعض الأمور من ذلك.
______________________________
(1) ساقطة في ب‏
(2) ا: ما كان- ن: كان ما
(3) ب: العتب‏
(4) ساقطة في «ا» و «ن»
(5) ساقطة في «ا» و «ن»
(6) ا: انظر
(7) ن: المفاتيح‏
(8:) ن: مفاتيح‏
(9) ن: يطالع اللَّه من يشاء

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 134
و اعلم أنها «1» لا تسمى مفاتح‏ «2» إلا في حال الفتح، و حال الفتح هو حال تعلق التكوين بالأشياء، أو قل إن شئت حال تعلق القدرة بالمقدور و لا ذوق لغير اللَّه‏ «3» في ذلك. فلا يقع فيها تجلّ و لا كشف، إذ لا قدرة و لا فعل إلا للَّه‏ «4» خاصة، إذ له الوجود المطلق الذي لا يتقيد. فلما رأينا عتب الحق له عليه السلام في سؤاله في القدر علمنا أنه طلب هذا الاطلاع، فطلب أن يكون له قدرة تتعلق بالمقدور، و ما يقتضي ذلك إلا مَنْ له الوجود المطلق. فطلب ما لا يمكن وجوده في الخلق ذوقاً، فإن الكيفيات لا تدرك إلا بالأذواق.
و أما ما رويناه مما أوحى اللَّه‏ «5» به إليه لئن لم تنته لأمحون‏ «6» اسمك من ديوان النبوة، أي أرفع عنك طريق الخَبرِ و أعطيك الأمور على التجلي، و التجلي لا يكون إلا بما أنت عليه من الاستعداد الذي به يقع الإدراك الذوقي، فتعْلَم أنك ما أدركت إلا بحسب استعدادك فتنظر في هذا الأمر الذي طلبْتَ، فإذا «7» لم تره تعلم أنه ليس عندك الاستعداد الذي تطلبه و أن ذلك من خصائص الذات الإلهية، و قد علمت أن اللَّه أعطى كل شي‏ء خلقه: و لم يعطك هذا الاستعداد الخاص، فما هو خلْقَك، و لو كان خلَقَك لأعطاكه الحق الذي أخبر أنه‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ». فتكون أنت الذي تنتهي عن مثل هذا السؤال من نفسك، لا تحتاج فيه إلى نهي إلهي. و هذه عناية من اللَّه بالعزيْر عليه السلام عَلِمَ ذلك من علمه و جهله من جهله.
و اعلم أن الولاية هي الفلك‏ «8» المحيط العام «8»، و لهذا لم تنقطع، و لها الإنباء العام.
و أما نبوة التشريع و الرسالة فمنقطعة «9». و في محمد صلى اللَّه عليه و سلم قد انقطعت،
______________________________
(1) «ا» و «ن»: أنه‏
(2) ب: بالمفاتيح- ن: مفاتيح‏
(3) ا:+ تعالى‏
(4) ا:+ تعالى‏
(5) ا:+ تعالى‏
(6) ا: لأمحن‏
(7) ا: فما لم‏
(8:) ب: الملك‏
(9) ب: المنقطعة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 135
فلا نبي بعده: يعني مشرِّعاً أو مشرَّعاً له، و لا رسول و هو المشرع. و هذا الحديث قَصَمَ ظهور أولياء اللَّه لأنه يتضمن انقطاع ذوق العبودية الكاملة التامة. فلا ينطلق عليه اسمها الخاص بها فإن العبد يريد ألَّا يشارك سيده- و هو اللَّه‏ «1»- في اسم، و اللَّه‏ «2» لم يتسمَ‏ «3» بنبي و لا رسول، و تسمى بالولي و اتصف بهذا الاسم فقال‏ «اللَّهُ‏ «4» وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا»: و قال‏ «هُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ».
و هذا الاسم باقٍ جار على عباد اللَّه دنيا و آخرة. فلم يبق اسم يختص به العبد دون الحق بانقطاع النبوة و الرسالة: إلا أن اللَّه لَطَفَ‏ «5» بعباده، فأبقى لهم النبوة العامة التي لا تشريع فيها، و أبقى لهم التشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام، و أبقى لهم الوراثة في التشريع فقال «العلماء ورثة الأنبياء». و ما ثَمَّ ميراث في ذلك إلا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرَّعوه. فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع ف من حيث هو ولي‏ «6» و عارف «9»، و لهذا، مقامه من حيث هو عالم أتم و أكمل من حيث هو رسول أو ذو تشريع و شرع. فإذا سمعت أحداً من أهل اللَّه يقول أو ينْقَل إليك عنه أنه قال الولاية أعلى من النبوة، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه. أو يقول إن الولي فوق النبي و الرسول، فإنه يعني بذلك في شخص واحد: و هو أن الرسول عليه السلام- من حيث هو ولي- أتم من حيث هو نبي رسول‏ «7»، لا أن الولي التابع له أعلى منه، فإن التابع لا يدرك المتبوع أبداً فيما هو تابع له فيه‏ «8»، إذ لو أدركه لم يكن تابعاً «9» له فافهم. فمرجع الرسول و النبي المشرع إلى الولاية و العلم. أ لا ترى اللَّه تعالى قد أمره بطلب الزيادة من العلم لا من غيره فقال له آمِراً
______________________________
(1) ا:+ تعالى‏
(2) ا:+ تعالى‏
(3) ب: لم يسم- ا: لا يتسمى‏
(4) ن: ساقطة
(5) ب: لطيف لطف- ن: لطيف بعباده‏
(6) الواو ساقطة في ب‏
(7) ن: و رسول‏
(8:) ب: ساقطة
(9) ا: تابع‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 136
«وَ قُلْ‏ «1» رَبِّ زِدْنِي عِلْماً». و ذلك أنك تعلم أن الشرع تكليف بأعمال مخصوصة أو نهي عن أفعال مخصوصة و محلها هذه الدار فهي منقطعة، و الولاية ليست كذلك إذ لو انقطعت لانقطعت من حيث هي كما انقطعت الرسالة من حيث هي. و إذا انقطعت من حيث هي لم يبق لها اسم. و الولي اسم باق للَّه تعالى، فهو لعبيده تخلقاً و تحققاً و تعلقاً «10». فقوله للعزير لئن لم تنته عن السؤال عن ماهية القَدَر لأمحون‏ «2» اسمك من ديوان النبوة فيأتيك الأمر على الكشف بالتجلي و يزول عنك اسم النبي و الرسول، و تبقى له ولايته. إلا أنه لما دلت قرينة الحال أن هذا الخطاب جرى مجرى الوعيد علم من اقترنت عنده هذه الحالة مع الخطاب أنه وعيد بانقطاع خصوص بعض مراتب الولاية في هذه الدار، إذ النبوة و الرسالة خصوص رتبة في‏ «3» الولاية «11» على بعض ما تحوي عليه الولاية من المراتب. فيعلم أنه أعلى من الولي الذي لا نبوة تشريع عنده و لا رسالة. و من اقترنت عنده حالة أخرى تقتضيها أيضاً مرتبة النبوة، يثبت عنده أن هذا وعد لا وعيد.
فإن سؤاله عليه السلام مقبول إذ النبي هو الولي الخاص. و يَعْرِف بقرينة الحال أن النبي من حيث له في الولاية هذا الاختصاص محال أن يُقْدِمَ على ما يَعْلَم أن اللَّه يكرهه منه، أو يقدم على ما يعلم أن‏ «4» حصوله محال. فإذا اقترنت هذه الأحوال عند من اقترنت عنده‏ «5» و تقررت عنده، أخرج هذا الخطاب الإلهي عنده في قوله «لأمحون‏ «6» اسمك من ديوان النبوة» مخرج الوعْد، و صار خبراً يدل على‏ «7» علو رتبةٍ باقية، و هي المرتبة الباقية على الأنبياء و الرسل في الدار
______________________________
(1) «ب» و «ن»: قل من غير الواو
(2) ا: لأمحن‏
(3) ا: ساقطة
(4) ب: ساقطة
(5) ا: ساقطة
(6) ا: لأمحن‏
(7) ب: ساقطة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 137
الآخرة التي ليست بمحلٍ لِشَرْع‏ «1» يكون عليه أحد من خلق اللَّه في جنة و لا نار بعد دخول الناس فيهما. و إنما قيدناه بالدخول في الدارين- الجنة و النار- لما شرع يوم القيامة لأصحاب الفترات و الأطفال الصغار و المجانين «12»، فيحشر هؤلاء في صعيد واحد لإقامة العدل و المؤاخذة بالجريمة و الثواب العملي في أصحاب الجنة. فإذا حُشِروُا في صعيد واحد بمعزل عن الناس بعث فيهم نبي من أفضلهم و تمثل لهم نار يأتي بها هذا النبي المبعوث في ذلك اليوم فيقول لهم أنا رسول الحق إليكم، فيقع عندهم التصديق به و يقع التكذيب عند بعضهم.
و يقول لهم اقتحموا هذه النار بأنفسكم، فمن أطاعني نجا و دخل الجنة، و من عصاني و خالف أمري هلك و كان‏ «2» من أهل النار. فمن امتثل أمره منهم و رمى بنفسه فيها سعد و نال الثواب العملي و وجد تلك النار برداً و سلاماً. و من عصاه استحق العقوبة فدخل النار و نزل فيها بعمله المخالف ليقوم العدل من اللَّه في عباده. و كذلك قوله تعالى‏ «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ» أي أمر عظيم من أمور الآخرة، «وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ» و هذا «3» تكليف و تشريع. فمنهم من يستطيع و منهم من لا يستطيع، و هم الذين قال اللَّه‏ «4» فيهم‏ «وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ» كما لم يستطع في الدنيا امتثالَ أمر اللَّه‏ «5» بعضُ العباد كأبي جهل و غيره. فهذا قدر ما يبقى‏ «6» من الشرع في الآخرة يوم القيامة قبل دخول الجنة و النار، فلهذا قيدناه. و الحمد للَّه‏ «7».
______________________________
(1) ا: الشرع‏
(2) ب: فكان‏
(3) ب: فهذا
(4) ا:+ تعالى‏
(5) ا:+ تعالى‏
(6) ا: بقي‏
(7) ا: «الحمد للَّه» ساقطة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 15- فص حكمة نَبَوِيَّة في كلمة عيسوية   السبت يوليو 28, 2018 9:20 am

15- فص حكمة نَبَوِيَّة في كلمة عيسوية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

15- فص حكمة نَبَوِيَّة في كلمة عيسوية «1»

عن ماء مريم أو عن نفخ جبرين‏ في صورة البشر الموجود من طين‏
تكوَّن الروح في ذات مطهرة من الطبيعة تدعوها بسجين‏
لأجل ذلك قد طالت إقامته‏ فيها فزاد على ألْفٍ بتعيين «2»
روح من اللَّه لا من غيره فلذا أحيا الموات و أنشا الطير من طين «3»
حتى يصح له من ربه نَسَبٌ‏ به يؤثر في العالي و في الدون‏
اللَّه طهره جسماً و نزهه‏ روحاً و صيَّره مثلًا بتكوين‏


اعلم أن من خصائص الأرواح أنها لا تطأ شيئاً إلا حَيِيَ ذلك الشي‏ء و سَرَت الحياة فيه. و لهذا قبض السامري قبضة من أثر الرسول الذي هو جبريل عليه السلام و هو الروح «4». و كان السامري عالماً بهذا الأمر. فلما عرف أنه جبريل، عرف أن الحياة قد سَرَتْ فيما «1» وطئ عليه، فقبض قبضة من أثر الرسول بالصاد أو بالضاد أي بمل‏ء أو بأطراف أصابعه، فنبذها في العِجْلِ فخار العجل، إذ صوْتُ البقر إنما هو خُوَار، و لو أقامه صورة «2» أخرى لنُسِبَ إليه اسم الصوت الذي لتلك الصورة كالرغاء للإبل و الثؤاج للكباش‏ «3» و اليُعَار «4» للشياه و الصوت للإنسان أو النطق أو الكلام. فذلك القدر من الحياة السارية في الأشياء يُسمى‏ «5» لاهوتاً و الناسوت هو المحل القائم به ذلك الروح. فسمي‏ «6» الناسوت روحاً بما قام به. فلما تمثل الروح الأمين الذي هو جبريل لمريم عليهما السلام بشراً
______________________________
(1) ن: فيها
(2) ن: في صورة
(3) ا: للكبش‏
(4) اليعار بالياء كغراب صوت الغنم (القاموس)- ا: النعار بالنون‏
(5) «أ» و «»: تسمى بالتاء
(6) ن: يسمى.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 139
سويّا تخيلت أنه بشر يريد مواقعتها، فاستعاذت باللَّه منه استعاذة بجمعية منها ليخلصها اللَّه منه لما تعلم أن ذلك مما لا يجوز. فحصل لها حضور «1» تام مع اللَّه و هو الروح المعنوي «5». فلو نفخ فيها في ذلك الوقت على هذه الحالة لخرج عيسى لا يطيقه أحد لشكاسة خُلقِهِ لحال أُمِّه. فلما قال لها «إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ» جئت‏ «لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا» انبسطت عن ذلك القبض و انشرح صدرها.
فنفخ فيها في ذلك الحين‏ «2» عيسى: فكان جبريل ناقلًا كلمة اللَّه‏ «3» لمريم كما ينقل الرسول كلام اللَّه‏ «4» لأمته، و هو قوله‏ «5» «وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ». فسرت الشهوة في مريم:
فخُلِقَ جسم عيسى من ماء محقق من مريم و من ماء متوهم من جبريل «6»، سرى‏ «6» في رطوبة ذلك النفخ لأن النفخ من الجسم الحيواني رطبٌ لما فيه من ركن الماء.
فتكوَّن جسم عيسى من ماء متوهم و ماء محقق، و خرج على صورة البشر من أجل أُمه، و من أجل تمثل جبريل في صورة البشر حتى لا يقع التكوين في هذا النوع الإنساني إلا على الحكم المعتاد «7». فخرج عيسى‏ «8» يُحْيِي الموتى لأنه روح إلهي، و كان الإحياء للَّه‏ «9» و النفخ لعيسى، كما كان النفخ لجبريل و الكلمة للَّه. فكان إحياء عيسى للأموات إحياء محققاً «10» من حيث ما ظهر عن نفخه كما ظهر هو عن صورة أُمه. و كان إحياؤه أيضاً متوهماً «11» أنه منه و إنما كان للَّه. فجمع بحقيقته التي‏ «12» خلق عليها كما قلناه أنه مخلوق من ماء متوهم و ماء محقق:
ينسب إليه الإحياء بطريق التحقيق‏ «13» من وجه و بطريق التوهم‏
______________________________
(1) في المخطوطات الثلاثة: حضوراً تاماً و في جميع الشروح حضور تام.
(2) ا: الوقت‏
(3) ا:+ تعالى‏
(4) ا:+ تعالى‏
(5) ا:+ تعالى‏
(6) ن: بل سرى‏
(7) ب:+ «فإن تكوين عيسى كان في هذا النوع»
(8:) ا:+ عليه السلام‏
(9) ا:+ تعالى‏
(10) ن: ساقطة- ا: محقق‏
(11) ا: متوهم‏
(12) «ب» و «ن»: لحقيقته باللام‏
(13) ب: التحقق.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 140
من وجه، فقيل فيه من طريق التحقيق‏ «هُوَ يُحْيِ الْمَوْتى‏»، و قيل فيه من طريق التوهم‏ «فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً «1» بِإِذْنِي» فالعامل في المجرور «يكون» لا قوله‏ «2» «تنفخ». و يحتمل أن يكون العامل فيه تنفخ، فيكون طائراً من حيث صورته الجسمية الحسية «7». و كذلك‏ «تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ» و جميع ما ينسب‏ «3» إليه و إلى إذْنِ اللَّه و إذْنِ الكناية في مثل قوله‏ بِإِذْنِي‏ و بِإِذْنِ‏ «4» اللَّهِ‏.
فإذا تعلق المجرور «بتنفخ» فيكون النافخ مأذوناً له في النفخ و يكون الطائر عن‏ «5» النافخ بإذن اللَّه. و إذا كان النافخ نافخاً لا عن الإذن، فيكون التكوين للطائر طائراً بإذن اللَّه، فيكون العامل عند ذلك «يكون». فلو لا أن في الأمر توهماً و تحققاً ما قَبِلَتْ هذه الصورة هذين الوجهين. بل لها هذان الوجهان لأن النشأة العيسوية تعطي ذلك. و خرج عيسى من التواضع إلى أن شُرِّعَ لأمته أن‏ «يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ» و أن أحدهم إذا لطم في خده وضع الخدَّ الآخر لمن لطمه، و لا يرتفع عليه و لا يطلب القصاص منه. هذا له من جهة أمه، إذ المرأة لها السِّفَل، فلها التواضع لأنها تحت الرجل حكماً و حساً. و ما كان فيه من قوة الإحياء و الإبراء فمن جهة نفخ جبريل في صورة البشر. فكان عيسى يحيي الموتى بصورة البشر. و لم يأت جبريل في صورة البشر و أتى في صورة غيرها من صور الأكوان العنصرية من حيوان أو نبات أو جماد لكان عيسى لا يحيى إلا حتى يتلبس بتلك الصورة و يظهر فيها. و لو أتى جبريل أيضاً بصورته النورية الخارجة عن العناصر و الأركان- إذ لا يخرج عن طبيعته «8» لكان‏
______________________________
(1) «ا» و «ب»: طائراً
(2) «ن» و «ب»: ساقطة
(3) «ب» و «ن»: نسب‏
(4) ن: و إذن‏
(5) ن: من.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 141
عيسى لا يحيي الموتى إلا حتى يطهر في تلك الصورة الطبيعية النورية لا العنصُرية مع الصورة البشرية من جهة أمه. فكان يقال فيه عند إحيائه الموتى هو لا هو، و تقع الحيرة في النظر إليه كما وقعت في العاقل عند النظر الفكريِّ إذا رأى شخصاً بشرياً من البشر يحيي الموتى، و هو من الخصائص الإلهية، إحياء النطق لا إحياء الحيوان، بقي الناظر حائراً، إذ يرى الصورة بشراً بالأثر «1» الإلهي.
فأدى بعضهم فيه إلى القول بالحلول، و أنه هو اللَّه بما أحيا به من الموتى، و لذلك نُسبوا إلى الكفر و هو الستر لأنهم ستروا اللَّه الذي أحيا الموتى بصورة بشرية «2» عيسى «9». فقال تعالى‏ «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ»* فجمعوا بين الخطأ و الكفر «3» في تمام الكلام كله لأنه‏ «4» لا بقولهم هو اللَّه، و لا بقولهم ابن مريم، فعدلوا بالتضمين من اللَّه من حيث إحياء «5» الموتى إلى الصورة الناسوتية البشرية بقولهم ابن مريم و هو ابن مريم بلا شك. فتخيل السامع أنهم نسبوا الألوهية «6» لصورة و جعلوها عين الصورة و ما فعلوا، بل جعلوا الهوية «7» الإلهية ابتداء في صورة بشرية هي ابن مريم، ففصلوا بين الصورة و الحكم‏ «8»، لا «9» أنهم جعلوا الصورة عين الحكم كما كان جبريل في صورة البشر و لا نفخ، ثم نفخ، ففصل بين الصورة و النفخ و كان‏ «10» النفخ من الصورة، فقد كانت و لا نفخ، فما هو النفخ من حدها الذاتي «10». فوقع الخلاف بين أهل الملل في‏
______________________________
(1) ن: و الأثر إلهياً
(2) «ا» و «ن»: بشرة
(3) ا: ساقطة.
(4) الضمير في «لأنه» عائد على الجمع بين الخطأ و الكفر. فالمعنى أن الجمع بين الخطأ و الكفر لم يكن بقولهم إن المسيح هو اللَّه أو إنه ابن مريم. و جميع الشراح عدا جامي و القيصري يسقط «لأنه» فالمعنى على إسقاطها أنهم جمعوا بين الخطأ و الكفر لا بقولهم إن المسيح هو اللَّه أو إنه ابن مريم- بل بشي‏ء آخر سنذكره بعد (راجع جامي ج 2 ص 164 و القيصري ص 256)
(5) ن: حيث أحيا
(6) ب: الألوهة
(7) ا: ألوهية
(8:) المراد بالحكم هنا المحكوم عليه‏
(9) «ب» و «ن»: إلا أنهم‏
(10) ا: و إن كان.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 142
عيسى ما هو؟ فمَنْ نَاظَرَ فيه من حيث صورته الإنسانية البشرية فيقول هو ابن مريم، و من ناظر فيه من حيث الصورة الممثلة البشرية فينسبه‏ «1» لجبريل، و من ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى اللَّه بالروحية، فيقول روح اللَّه، أي به ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه. فتارة يكون الحق فيه متوهَّماً- اسم مفعول- و تارة يكون المَلَكُ فيه متوهماً، و تارة تكون البشرية «2» الإنسانية «3» فيه متوهمة: فيكون عند كل ناظر بحسب ما يغلب عليه.
فهو كلمة اللَّه و هو روح اللَّه و هو عبد اللَّه، و ليس ذلك في الصورة الحسية لغيره، بل كل شخص منسوب إلى أبيه الصوري لا إلى النافخ روحه في الصورة البشرية.
فإن اللَّه إذا سوَّى الجسم الإنساني كما قال تعالى‏ «فَإِذا سَوَّيْتُهُ»* نفخ فيه هو تعالى من روحه فنسب الروح في كونه و عينه إليه تعالى «11». و عيسى ليس كذلك، فإنه اندرجت تسوية جسمه و صورته البشرية بالنفخ الروحي، و غيره كما ذكرناه لم يكن مثله. فالموجودات كلها كلمات اللَّه التي لا تنفد «4»، فإنها عن «كن» «12» و كن كلمة اللَّه. فهل تنسب الكلمة إليه بحسب ما هو عليه فلا تعلم ماهيتها، أو يَنْزِل هو تعالى إلى صورة من يقول «كن» فيكون قول كن حقيقة لتلك الصورة التي نَزَل إليها و ظهر فيها؟ فبعض العارفين يذهب إلى الطرف الواحد، و بعضهم‏ «5» إلى الطرف الآخر، و بعضهم يحار في الأمر و لا يدري. و هذه مسألة لا يمكن أن تُعْرَف إلا ذوقاً كأبي يزيد «6» حين نفخ في النملة التي قتلها فحييت فعلم عند ذلك بمَنْ ينفخ فنفخ فكان عيسوي المشهد.
و أما الإحياء المعنوي بالعلم فتلك الحياة الإلهية الدائمة «7» العليَّة النورية التي‏
______________________________
(1) ا: فنسبه‏
(2) ن: البشرة
(3) ت: الأنسية
(4) ا: تنفذ بالذال‏
(5) ن: و بعضهم يذهب‏
(6) ا: أبي يزيد رحمه اللَّه تعالى و «ب»: أبي يزيد البسطامي.
(7) ن: الدايمة العلية- ب: الإلهية الذاتية العلية.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 143
قال اللَّه فيها «أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» فكلُّ من أحيا «1» نفساً ميتة بحياة علمية «2» في مسألة خاصة متعلقة بالعلم باللَّه، فقد أحياه بها و كانت له نوراً يمشي به في الناس أي بين أشكاله في الصورة.
فلولاه و لولانا لما كان الذي كانا
فإنا أعْبُدُ حقاً و إن اللَّه مولانا
و إنا عينه فاعلم‏ إذا ما قلت إنسانا «13»
فلا تُحْجَبْ بإنسان‏ فقد أعطاك برهانا
فكن حقاً و كن خلقاً تكن باللَّه رحمانا
و غذ خلقه منه‏ تكن رَوْحاً وَ ريحانا «14»
فأعطيناه ما يبدو به فينا و أعطانا
فصار الأمر مقسوما بإياه و إيانا
فأحياه الذي يدري‏ بقلبي حين أحيانا
فكنا فيه أكواناً و أعياناً و أزمانا
و ليس بدائم فينا و لكن ذاك أحيانا


و مما يدل على ما ذكرناه في أمر النفخ الروحاني مع صورة البشر العنصري هو «3» أن الحق وصف نفسه بالنَّفَس الرحماني و لا بد لكل موصوف بصفة أن يتبع الصفةَ جميعُ ما تستلزمه تلك الصفة. و قد عرفت أن النَّفَسَ في المتنفس ما
______________________________
(1) ب: يحيي‏
(2) ب: علمه‏
(3) ا: فلأن‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 144
يستلزمه. فلذلك قبِل النَّفَس الإلهي صور العالم «15». فهو «1» لها كالجوهر الهيولاني، و ليس إلا عين الطبيعة. فالعناصر «2» صورة من صور الطبيعة «3». و ما فوق العناصر و ما تولد عنها فهو أيضاً من صور الطبيعة و هي الأرواح العلوية التي فوق السموات السبع. و أما أرواح السموات السبع و أعيانها فهي عنصرية «16»، فإنها من دخان‏ «4» العناصر المتولد عنها، و ما تكوَّن‏ «5» عن كل سماء من الملائكة فهو منها، فهم عنصريون وَ مَنْ فوقهم طبيعيون: و لهذا وصفهم اللَّه بالاختصام- أعني الملأ الأعلى- لأن الطبيعة متقابلة، و التقابل الذي في الأسماء الإلهية التي هي النِّسَب، إنما أعطاه النَّفَس. أ لا ترى الذات الخارجة عن هذا الحكم كيف جاء فيها الغِنَى عن العالمين؟. فلهذا أُخْرِجَ العالم على صورة من أوجدهم، و ليس إلا النَّفَس الإلهي «17». فبما فيه من الحرارة علا، و بما فيه من البرودة و الرطوبة سَفُلَ، و بما فيه من اليبوسة ثبت و لم يتزلزل. فالرسوب للبرودة و الرطوبة. ألا ترى الطبيب إذا أراد سَقْيَ دواء لأحد ينظر في قارورة مائه، فإذا رآه راساً علم أن النضج قد كمل فيسقيه الدواء ليسرع في النجح‏ «6».
و إنما يرسب لرطوبته‏ «7» و برودته الطبيعية. ثم إن هذا الشخص الإنساني عَجَنَ‏ «8» طينته بيديه و هما متقابلتان و إن كانت كلتا يديه يميناً «18» «9»، فلا خفاء بما بينهما من الفرقان، و لو لم يكن‏ «10» إلا كونهما اثنين أعني يدين، لأنه لا يؤثر في الطبيعة إلا ما «11» يناسبها و هي متقابلة. فجاء باليدين: و لما أوجده باليدين سماه بَشَراً للمباشرة اللائقة بذلك الجناب «19» باليدين المضافتين إليه. و جعل ذلك من‏
______________________________
(1) ا: فهي‏
(2) ب: ساقط
(3) ب: ساقط
(4) إشارة إلى قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ»
(5) ا: يكون بالياء
(6) ن: النضج‏
(7) ب: من قوله «لرطوبته» إلى قوله «بيديه» ساقطة في ب‏
(8:) أي اللَّه‏
(9) ا: يمين‏
(10) أي الفرقان‏
(11) ن: ما كان‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 145
عنايته بهذا النوع الإنساني فقال لمن أبى عن السجود له‏ «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ» على من هو مثلك- يعني عنصرياً- أم كنت من العالين- عن‏ «1» العنصر و لست كذلك. و يعني بالعالين من علا بذاته عن أن يكون في نشأته النورية عنصرياً و إن كان طبيعياً. فما فَضَل الإنسانُ غيرَه من الأنواع العنصرية إلا بكونه بشراً من طين، فهو أفضل نوع من كل ما خلق‏ «2» من العناصر من غير مباشرة. و الإنسان في الرتبة فوق الملائكة الأرضية و السماوية، و الملائكة العالون خير من هذا النوع الإنساني بالنص الإلهي. فمن أراد أن يعرف النَّفَسَ الإلهي فليعرف العالم فإنه من عرف نفسه عرف ربه الذي ظهر فيه: أي العالم ظهر في نَفَسِ الرحمن الذي نفَّس اللَّه به عن الأسماء الإلهية ما تجده من‏ «3» عدم ظهور آثارها. فامتنَّ على نفْسه بما أوجده في نَفَسِه، فأول أثر كان للنَّفَس إنما كان في ذلك الجناب، ثم لم يزل الأمر ينزل بتنفيس العموم إلى آخر ما وجد «20».
فالكل في عين النَّفس‏ كالضوء في ذات الغلس‏
و العلم بالبرهان في‏ سلخ النهار لمن نعس‏
فيرى الذي قد قلته‏ رؤيا تدل على النَّفَس‏
فيريحه من كل غم‏ في تلاوته «عبس»
و لقد تجلى للذي‏ قد جاء في طلب القبس‏
فرآه ناراً و هو نور في الملوك و في العسس «21»


______________________________
(1) ب: عنه‏
(2) ا: تضيف «اللَّه» في الهامش.
(3) ن: عن‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 146

فإذا فهمت مقالتي‏ تعلم بأنك مبتئس‏ «1»
لو كان‏ «2» يطلب غير ذا لرآه فيه و ما نكس‏


و أما هذه الكلمة العيسوية لما قام لها الحق في مقام‏ «حَتَّى نَعْلَمَ» «22» و يعلم، استفهما عما نسب إليها هل هو حق أم لا مع علمه الأول بهل وقع ذلك الأمر أم لا فقال له‏ «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ». فلا بد في الأدب من الجواب للمستفهم لأنه لما تجلى له في هذا المقام و هذه الصورة اقتضت الحكمة الجواب في التفرقة بعين الجمع، فقال: و قدَّم التنزيه‏ «سُبْحانَكَ» فحدد بالكاف التي تقتضي المواجهة و الخطاب‏ «ما يَكُونُ لِي» من حيث أنا لنفسي دونك‏ «أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» أي ما تقتضيه هويتي و لا ذاتي. «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ» لأنك أنت القائل، و من قال أمراً فقد علم ما قال، و أنت اللسان الذي أتكلم به كما أخبرنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم عن ربه في الخبر الإلهي فقال «كنت لسانه الذي يتكلم به». فجعل هويته عين لسان المتكلم، و نسب الكلام إلى عبده.
ثم تمم العبد الصالح الجواب بقوله‏ «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي» و المتكلم الحق، و لا أعلم ما فيها. فنفى العلم عن هوية عيسى من حيث هويته لا من حيث إنه قائل و ذو أثر.
«إِنَّكَ أَنْتَ» فجاء بالفصل‏ «3» و العماد تأكيداً للبيان و اعتماداً عليه، إذ لا يعلم الغيب إلا اللَّه. ففرق‏ «4» و جمع، و وحَّد و كثر، و وسَّع و ضيَّق ثم قال متمماً للجواب‏ «ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» فنفى أولًا «5» مشيراً إلى أنه ما هو «6». ثم أوجب القول‏
______________________________
(1) ن مقتبس بالقاف‏
(2) أي موسى- يطلب غير ذا، أي غير النار
(3) أي ضمير الفصل و العماد و هو «أنت»
(4) ب: و فرق‏
(5) ن: ساقطة
(6) جميع الشروح: ما هو ثمة، ساقطة من المخطوطات الثلاثة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 147
أدباً مع المستفهم، و لو لم يفعل ذلك‏ «1» لاتصف بعدم علم الحقائق و حاشاه من ذلك، فقال‏ «إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» و أنت المتكلم على لساني و أنت لساني.
فانظر إلى هذه التنبئة «2» الروحية الإلهية ما ألطفها و أدقها «23»، «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ» فجاء بالاسم «اللَّه» لاختلاف العبَّاد في العبادات و اختلاف الشرائع، لم يخص اسماً خاصاً دون اسم، بل جاء بالاسم الجامع للكل. ثم قال‏ «رَبِّي وَ رَبَّكُمْ»، و معلوم أن نسبته إلى موجود ما بالربوبية ليست عين نسبته إلى موجود آخر، فلذلك فصّل بقوله‏ «رَبِّي وَ رَبَّكُمْ» بالكنايتين كناية المتكلم و كناية المخاطب.
«إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ» فأثبت نفسه مأموراً و ليست سوى عبوديته‏ «3»، إذ لا يؤمر إلا مَنْ يتصوَّر منه الامتثال و إن لم يفعل «24». و لما كان الأمر ينزل بحكم المراتب، لذلك ينصبغ كل من ظهر في مرتبةٍ ما بما تعطيه حقيقة تلك المرتبة:
فمرتبة المأمور لها حكم يظهر في كل مأمور، و مرتبة الآمر لها حكم يبدو في كل آمر. فيقول الحق‏ «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* فهو الآمر و المكلّف و المأمور. و يقول العبد «رَبِّ اغْفِرْ لِي»* فهو الآمر و الحق المأمور. فما يطلب الحق من العبد بأمره هو بعينه يطلبه‏ «4» العبد من الحق بأمره‏ «5». و لهذا كان كل دعاء مجاباً «6» و لا بد، و إن تأخر كما يتأخر بعض المكلفين ممن أقيم مخاطباً بإقامة الصلاة فلا يصلي في وقت فيؤخر الامتثال و يصلي في وقت آخر إن كان متمكناً من ذلك. فلا بد من الاجابة و لو بالقصد. ثم قال‏ «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ» و لم يقل على نفسي معهم كما قال ربي و ربكم. «شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ» لأن الأنبياء
______________________________
(1) «ا» و «ب»: كذلك‏
(2) هذه هي قراءة القيصري و قد أخذت بها (شرح القيصري ص 268). أما المخطوطات الثلاثة فتقرؤها: التثنية و هي قراءة يخطئها هذا الشارح‏
(3) ا: عبودية
(4) يطلب: في المخطوطات الثلاثة
(5) أي أمر العبد
(6) «ن» و «ا»: يجاب.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 148
شهداء على أممهم ما داموا «1» فيهم. «فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي»: أي رفعتني إليك و حجبتهم عني‏ «2» و حجبتني عنهم‏ «كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» في غير مادتي، بل‏ «3» في موادهم إذ كنت بصرهم الذي يقتضي المراقبة. فشهود الإنسان نفسه شهود الحق إياه. و جعله بالاسم الرقيب لأنه جعل الشهود له فأراد أن يفصل بينه و بين ربه حتى يعلم أنه هو لكونه عبداً «4» و أن الحق هو الحق لكونه ربّاً له، فجاء لنفسه بأنه شهيد و في الحق بأنه رقيب، و قدمهم في حق نفسه فقال‏ «عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ» إيثاراً لهم في التقدم و أدباً، و أخّرَهم في جانب الحق عن الحق في قوله‏ «الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» لما يستحقه الرب من التقديم بالرتبة. ثم أَعلم‏ «5» أن للحق الرقيب الاسمَ الذي جعله عيسى لنفسه و هو الشهيد في قوله‏ عَلَيْهِمْ شَهِيداً. فقال‏ «وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ». فجاء «بكل» للعموم و «بشي‏ء» لكونه أنكر النكرات. و جاء بالاسم الشهيد، فهو الشهيد على كل‏ «6» مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود. فنبه على أنه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى حين قال‏ «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ».
فهي شهادة الحق في مادة عيسوية كما ثبت أنه لسانه و سمعه و بصره. ثم قال كلمة عيسوية و محمدية: أما كونها عيسوية فإنها قول عيسى بإخبار اللَّه عنه في كتابه، و أما كونها محمدية فلموقعها «7» من محمد صلى اللَّه عليه و سلم بالمكان الذي وقعت منه، فقام بها ليلة كاملة يرددها لم يعدل‏ «8» إلى غيرها حتى مطلع الفجر. «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ». و «هم» ضمير الغائب كما أن «هو» ضمير الغائب‏ «9».
______________________________
(1) ن: ما كانوا
(2) «و حجبتهم عني» ساقطة في ن‏
(3) ن: ساقطة
(4) ب: عبداً في الواقع‏
(5) ا: ساقطة
(6) ا: كل شي‏ء
(7) ب: فلوقوعها
(8:)  ب: لم يعد
(9) ن: للغائب‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 149
كما قال‏ «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا»* بضمير الغائب، فكان‏ «1» الغيب ستراً لهم عما يراد بالمشهود الحاضر «25». فقال‏ «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ» بضمير الغائب و هو عين الحجاب الذي هم فيه عن الحق.
فذكرهم اللَّهَ قبل حضورهم حتى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكمت في العجين فصيرته مثلها «26». «فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» فأفرد الخطاب للتوحيد الذي كانوا عليه. و لا ذلة أعظم من ذلة العبيد «2» لأنهم لا تصرف لهم في أنفسهم. فهم‏ «3» بحكم ما يريده‏ «4» بهم سيدهم و لا شريك له فيهم فإنه قال «عبادك» فأفرد. و المراد بالعذاب‏ «5» إذلالهم و لا أذل منهم لكونهم عباداً. فذواتهم تقتضي أنهم أذلاء، فلا تذلهم فإنك لا تذلهم بأدون مما هم فيه من كونهم عبيداً. «وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ» أي تسترهم عن إيقاع العذاب الذي يستحقونه بمخالفتهم‏ «6» أي تجعل لهم غفراً «7» يسترهم عن ذلك و يمنعهم منه.
«فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ «8»» أي المنيع الحمى. و هذا الاسم إذا أعطاه الحق لمن أعطاه من عباده تسمى الحق بالمعز، و المعطَى له هذا الاسم بالعزيز. فيكون منيع الحمى عما يريد به المنتقم و المعذب من الانتقام و العذاب. و جاء بالفصل و العماد أيضاً تأكيداً للبيان و لتكون الآية على مساق واحد في قوله‏ «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» و قوله‏ «كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ». فجاء أيضاً «فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
فكان سؤالًا من النبي عليه السلام و إلحاحاً منه على ربه في المسألة ليلته الكاملة إلى طلوع الفجر يرددها «9» طلباً للإجابة. فلو سمع الإجابة في أول سؤال ما كرَّر.
فكان الحق يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب عرضاً مفصلًا فيقول له في‏
______________________________
(1) ب: و كان‏
(2) ا: العبد
(3) ا: ساقطة
(4) ا: ما يريد
(5) ا: بالعباد
(6) ب: بمخالفهم‏
(7) ب: غفوراً
(8:) ا: العزيز الحكيم‏
(9) ب: يردها.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 150
عرْض عرْض‏ «1» و عين عين‏ «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ». فلو رأى في ذلك العرض ما يوجب تقديم الحق و إيثار جنابه لدعا عليهم لَا لَهُمْ. فما عرض عليه إلا ما استحقوا «2» به ما تعطيه هذه الآية من التسليم للَّه و التعريض لعفوه‏ «3». و قد ورد أن الحق إذا أحب صوت عبده في دعائه إياه أخر الاجابة عنه حتى يتكرر ذلك منه حباً فيه لا إعراضاً عنه، و لذلك‏ «4» جاء بالاسم الحكيم، و الحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها «5» و لا يَعْدِل بها عما تقتضيه و تطلبه حقائقها بصفاتها. فالحكيم العليم‏ «6» بالترتيب. فكان صلى اللَّه عليه و سلم بترداد هذه الآية على علم عظيم من اللَّه تعالى. فمن تلا فهكذا «7» يتلو، و إلا فالسكوت أولى به. و إذا وفق اللَّه عبداً «8» إلى النطق‏ «9» بأمر ما فما و فقه اللَّه إليه إلا و قد أراد إجابته فيه و قضاء حاجته، فلا يستبطئ أحد ما يتضمنه ما وُفق له، و ليثابر مثابرة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم على هذه الآية في جميع أحواله حتى يسمع بأذنه أو بِسَمْعِهِ كيف شئت أو كيف أسمعك اللَّه الاجابة.
فإن جازاك بسؤال اللسان أسمعك بأذنك، و إن جازاك بالمعنى أسمعك بسمعك.
______________________________
(1) ا: عرض عليه- ن: عرض فقط
(2) ا: يستحقوا
(3) ن: لغيره‏
(4) «ا» و «ن»: و كذلك‏
(5) ب: في مواضعها
(6) أي الذي يعلم الترتيب‏
(7) ن: بها بدلًا من هكذا
(8:) «ب» و «ن» العبد
(9) «ب» و «ن»: نطق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية   السبت يوليو 28, 2018 9:22 am

16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية «1»

«إِنَّهُ» يعني الكتاب‏ «مِنْ سُلَيْمانَ، وَ إِنَّهُ» أي مضمون الكتاب‏ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ». فأخذ بعض الناس في تقديم اسم سليمان على اسم اللَّه تعالى و لم يكن كذلك «2». و تكلموا في ذلك بما لا ينبغي مما لا يليق بمعرفة سليمان عليه السلام بربه. و كيف يليق‏ «1» ما قالوه‏ «2» و بلقيس تقول فيه‏ «أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ» أي يكْرم عليها «3». و إنما حملهم على ذلك ربما تمزيق كسرى كتاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، و ما مزقه حتى قرأه كله و عرف مضمونه. فكذلك كانت تفعل بلقيس لو لم توفق لما وقفت له. فلم يكن يحمي الكتابَ عن الإحراق لحرمة «4» صاحبه تقديم اسمه عليه السلام على اسم اللَّه عز و جل و لا تأخيره.
فأتى سليمان بالرحمتين: رحمة الامتنان و رحمة الوجوب اللتان هما الرحمن الرحيم «3».
فامتن بالرحمن و أوجب بالرحيم. و هذا الوجوب من الامتنان. فدخل الرحيم في الرحمن دخول تضمن. فإنه‏ «5» كتب على نفسه الرحمة سبحانه ليكون ذلك للعبد بما ذكره الحق من الأعمال التي يأتي بها هذا العبد، حقاً على اللَّه تعالى أوجبه له على نفسه يستحق بها هذه الرحمة- أعني رحمة الوجوب. و من كان من العبيد بهذه المثابة فإنه يعلم مَنْ هو العامل منه «4». و العمل مقسَّم على ثمانية أعضاء من الإنسان.
و قد أخبر الحق أنه تعالى هُوِيّة كل عضو منها، فلم يكن العامل غير الحق، و الصورة
______________________________
(1) ب: ما يليق‏
(2) ن: ما قالوا
(3) ن: علينا
(4) «ا» و «ب»: بحرمة بالباء- و في العبارة تقديم و تأخير تقديره فلم يكن يحمي الكتاب عن الإحراق تقديم اسمه (أي اسم سليمان) لحرمة صاحبه و لا تأخيره‏
(5) فإنه تعالى.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 152
للعبد، و الهوية مدرجة فيه أي في اسمه لا غير لأنه تعالى عين ما ظهر. و سمي خلقاً و به كان الاسم الظاهر و الآخِر للعبد، و بكونه لم يكن ثم كان. و بتوقف ظهوره عليه و صدور العمل منه كان الاسم الباطن و الأول. فإذا رأيت الخلق رأيت الأول و الآخر و الظاهر و الباطن. و هذه معرفة لا يغيب عنها سليمان، بل هي من المُلْك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، يعني الظهور به في عالم الشهادة «5».
فقد أُوتي محمد صلى اللَّه عليه و سلم ما أوتيه سليمان، و ما ظهر به: فمكَّنه اللَّه تعالى تمكين قهر من العفريت الذي جاءه بالليل ليفتك‏ «1» به فهمَّ بأخذه و ربطه بسارية من سواري المسجد حتى يصبح فتلعب به ولدان المدينة، فذكر دعوة سليمان عليه السلام فرده اللَّه‏ «2» خاسئاً. فلم يظهر عليه السلام بما أُقْدِرَ عليه و ظهر بذلك سليمان‏ «3». ثم قوله «مُلْكاً» فلم يعم، فعلمنا أنه يريد ملكاً ما. و رأيناه قد شورك في كل جزء من الملك الذي أعطاه اللَّه، فعلمنا أنه ما اختص إلا بالمجموع من ذلك، و بحديث‏ «4» العفريت، أنه ما اختص إلا بالظهور. و قد يختص بالمجموع و الظهور. و لو لم يقل صلى اللَّه عليه و سلم في حديث العفريت «فأمكنني اللَّه منه» لقلنا إنه لما همَّ بأخذه ذكره‏ «5» اللَّه دعوة سليمان ليعلم أنه لا يُقْدِره اللَّه على أخذه. فرده اللَّه خاسئاً. فلما قال فأمكنني اللَّه منه علمنا أن اللَّه تعالى قد وهبه التصرف فيه. ثم إن اللَّه ذكره فتذكر دعوة سليمان فتأدب معه، فعلمنا من هذا أن الذي لا ينبغي لأحد من الخلق بعد سليمان الظهورُ بذلك في العموم. و ليس غرضنا من هذه المسألة إلا الكلام و التنبيه على الرحمتين اللتين ذكرهما سليمان في الاسمين اللذين تفسيرهما بلسان العرب الرحمن الرحيم. فقيد
______________________________
(1) ب: ليضل به‏
(2) ا:+ تعالى‏
(3) ا:+ عليه السلام‏
(4) بحديث من غير الواو
(5) ب: ذكر.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 153
رحمة الوجوب و أطلق رحمة الامتنان في قوله تعالى‏ «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» حتى الأسماء الإلهية، أعني حقائق النسب. فامتن عليها «6» بنا. فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء الإلهية و النسب‏ «1» الربانية. ثم أوجبها على نفسه بظهورنا لنا و أعلمنا أنه‏ «2» هويتنا لنعلم أنه ما أوجبها على نفسه إلا لنفسه. فما خرجت‏ «3» الرحمة عنه. فعلى من امتن و ما ثَمَّ إلا هو؟ إلا أنه لا بد من حكم لسان التفصيل «7» لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم، حتى يقال إن هذا أعلم من هذا مع أحدية العين.
و معناه معنى نقص تعلق الإرادة عن تعلق العلم، فهذه مفاضلة في الصفات الإلهية، كمال تعلق الإرادة و فضلها و زيادتها على تعلق‏ «4» القدرة. و كذلك السمع‏ «5» و البصر الإلهي. و جميع الأسماء الإلهية على درجات في تفاضل بعضها على بعض. كذلك تَفَاضُلُ ما ظهر في الخلق من أن يقال هذا أعلم من هذا مع أحدية العين. و كما أن كل اسم إلهي إذا قدمته سميته بجميع الأسماء و نعتَّه بها، كذلك فيما يظهر من الخلق فيه أهلية كل ما فوضل به. فكل جزء من العالم مجموع العالم، أي هو قابل للحقائق متفرقات‏ «6» العالم كله‏ «7»، فلا يقدح قولنا إن زيداً دون عمرو في العلم أن تكون هوية الحق عين زيد و عمرو، و تكون في عمرو «8» أكمل و أعلم منه في زيد، كما تفاضلت الأسماء الإلهية و ليست غير «9» الحق. فهو تعالى من حيث هو عالم أعم في التعلق من حيث ما هو مريد و قادر، و هو هو ليس غيره. فلا تعلمه هنا يا ولي و تجهله هنا، و تثبته هنا و تنفيه هنا إلا إن أثبتَّه بالوجه الذي أثبت نفسه، و نفيتَه عن كذا بالوجه الذي نفى نفسه كالآية الجامعة للنفي و الإثبات في حقه حين‏
______________________________
(1) ن: النسب من غير الواو
(2) ب: أنه هو
(3) ب: أخرجت‏
(4) ن: بعض تعلق‏
(5) ن: السمع الإلهي‏
(6) ب: مفترقات‏
(7) ب: ساقطة
(8:) ب: و يكون عمرو
(9): ب عين الحق.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 154
قال‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنفى، «8» «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فأثبت بصفة تعم كل سامع بصير من حيوان «8» و ما ثَمَّ إلا حيوان إلا أنه بطن في الدنيا عن إدراك بعض الناس، و ظهر في الآخرة لكل الناس، فإنها الدار «1» الحيوان «9»، و كذلك الدنيا إلا أن حياتها مستورة عن بعض العباد ليظهر الاختصاص و المفاضلة بين عباد اللَّه‏ «2» بما يدركونه من حقائق العالم. فمن عم إدراكه كان الحق فيه أظهر في الحكم ممن ليس له ذلك العموم «10». فلا تُحْجَب بالتفاضل و تقول لا يصح كلام من يقول إن الخلق‏ «3» هوية الحق بعد ما أريتك التفاضل في الأسماء الإلهية التي لا تشك أنت أنها هي الحق و مدلولُهَا المسمى بها و ليس إلا اللَّه تعالى. ثم إنه كيف يقدِّم سليمانُ اسمه على اسم اللَّه كما زعموا و هو من جملة من‏ «4» أوجدته الرحمة: فلا بد أن يتقدم الرحمنُ الرحيم ليصح استناد المرحوم. هذا «5» عكس الحقائق: تقديم من يستحق التأخير و تأخير من يستحق التقديم في الموضع الذي يستحقه. و من حكمة بلقيس و علو علمها كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب، و ما عملت‏ «6» ذلك إلا لتعلِّم أصحابها أن لها اتصالًا إلى أمور لا يعلمون طريقها، و هذا من التدبير الإلهي في الملك، لأنه إذا جُهِلَ طريق الإخبار الواصل للمَلِك خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرفاتهم، فلا يتصرفون إلا في أمر إذا وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التصرف.
فلو تعين لهم على يدي مَنْ تصل الأخبار إلى ملكهم لصانعوه‏ «7» و أعظموا له الرِّشا حتى يفعلوا ما يريدون و لا يصل ذلك إلى ملكهم. فكان قولها «أُلْقِيَ إِلَيَّ» و لم تسم من ألقاه سياسة «8» منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها و خواص‏
______________________________
(1) ن: الذات‏
(2) ب: ساقطة
(3) ب: الحق‏
(4) ا: ما
(5) ن: هكذا
(6) ن: علمت- ب: علت‏
(7) ن: لضايقوه‏
(8:) ا: بسياسة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 155
مدبّريها «1»، و بهذا استحقت التقدم‏ «2» عليهم. و أما «3» فضل العالِم من الصنف الإنساني على العالِم من الجن بأسرار التصريف و خواص الأشياء، فمعلوم بالقدر الزماني «11»: فإن رجوع الطرف إلى الناظر به‏ «4» أسرعُ من قيام القائم من مجلسه، لأن حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه أسرع من حركة الجسم فيما يتحرك منه، فإن الزمان الذي يتحرك فيه البصر عين الزمان الذي يتعلق بمبْصَره مع بعد المسافة بين الناظر و المنظور «5»: فإن زمان فتح البصر زمان تعلقه بفلك الكواكب الثابتة، و زمان رجوع طرفه إليه هو «6» عين زمان عدم إدراكه. و القيام من مقام الإنسان ليس كذلك: أي ليس له هذه السرعة.
فكان آصف ابن برخيا أتم في العمل من الجن، فكان‏ «7» عين قول آصف بن برخيا عين الفعل في الزمن الواحد. فرأى‏ «8» في ذلك الزمان بعينه سليمانُ عليه السلام عرشَ بلقيس مستقراً عنده لئلا يتخيل أنه أدركه و هو في مكانه من غير انتقال، و لم يكن عندنا باتحاد «9» الزمان انتقال، و إنما كان إعدام و إيجاد من حيث لا يشعر أحد بذلك إلا من عرَّفه و هو قوله تعالى‏ «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ «12».
و لا يمضي عليهم وقت لا يرون فيه ما هم راءون له. و إذا كان هذا كما ذكرناه، فكان‏ «10» زمان عدمه (أعني عدم العرش) من مكانه عين وجوده عند سليمان، من تجديد الخلق مع الأنفاس. و لا علم لأحد بهذا القدر، بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنه في كل نَفَس لا يكون ثم يكون «13».
و لا تقل «ثُم» تقتضي المهلة، فليس ذلك بصحيح‏ «11»، و إنما «ثم» تقتضي‏
______________________________
(1) ب: مديرها
(2) ا: التقديم‏
(3) ا: و ما
(4) ن: فيه‏
(5) ن: و المنظور إليه‏
(6) «ب» و «ن»: هو ساقطة
(7) ب: و كان‏
(8:) ا: فرآه‏
(9) ا: بإيجاد
(10) ن: فكل‏
(11) ب: تصحيح‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 156
تقدم الرتبة العِليَّة عند العرب في مواضع مخصوصة كقول الشاعر:
كهز الرديني ثم اضطَرَبْ‏
و زمان الهز عين زمان اضطراب المهزوز بلا شك. و قد جاء بثم و لا مهلة.
كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس: زمان العدم زمان وجود المثل كتجديد الأعراض في دليل الأشاعرة. فإن مسألة حصول عرش بلقيس من أشكال المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه آنفاً في قصته. فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك إلا حصول التجديد في مجلس سليمان عليه السلام. فما قطع العرشُ مسافة، و لا زويت له أرض و لا خرقها لمن فهم ما ذكرناه. و كان ذلك على يدي بعض أصحاب‏ «1» سليمان ليكون أعظم لسليمان عليه السلام في نفوس الحاضرين من بلقيس و أصحابها.
و سبب ذلك كون سليمان هبة اللَّه تعالى لداود من قوله تعالى‏ «وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ». و الهبة عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الوفاق أو الاستحقاق. فهو النعمة السابغة و الحجة البالغة و الضربة الدامغة. و أما علمه فقوله تعالى‏ «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» مع نقيض الحكم «14»، و كلا آتاه اللَّه حكماً و علماً.
فكان علم داود علماً مؤتى آتاه اللَّه، و علم سليمان علم اللَّه في المسألة إذ «2» كان الحاكم بلا واسطة. فكان سليمان ترجمان حق في مقعد صدق. كما أن المجتهد المصيب لحكم اللَّه الذي يحكم به اللَّه في المسألة لو تولاها بنفسه أو بما يوحِي به لرسوله له أجران، و المخطئ لهذا الحكم المعين له أجر مع كونه علماً و حكماً.
فأعطيت هذه الأمة المحمدية رتبة سليمان عليه السلام في الحكم، و رتبة داود عليه السلام. فما أفضلها من أمة. و لما رأت بلقيس عرشها
______________________________
(1) ا: أصحابه‏
(2) ن: إذا

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 157
مع علمها ببعد المسافة و استحالة انتقاله في تلك المدة عندها، «قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ»، و صدقت بما ذكرناه من تجديد الخلق بالأمْثال‏ «1»، و هو هو، و صدق الأمر، كما أنك في زمان التجديد عين ما أنت في الزمن الماضي. ثم إنه من كمال علم‏ «2» سليمان التنبيه الذي ذكره في الصرح. فقيل لها «ادْخُلِي الصَّرْحَ» و كان صرحاً أملس لا أمت‏ «3» فيه من زجاج. فلما رأته حسبته لجة أي ماء «4»، «وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها». حتى لا يصيب الماء ثوبها. فنبهها بذلك على أن عرشها الذي رأته من هذا القبيل. و هذا غاية الانصاف. فإنه أعلمها بذلك إصابتها في قولها «كَأَنَّهُ هُوَ». فقالت عند ذلك‏ «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ»:
أي إسلام سليمان: «لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ». فما انقادت لسليمان و إنما انقادت للَّه رب العالمين، و سليمان من العالمين. فما تقيدت في انقيادها كما لا تتقيد الرسل في اعتقادها في اللَّه، بخلاف فرعون فإنه قال‏ «رَبِّ مُوسى‏ وَ هارُونَ»* و إن كان يلحق بهذا الانقياد البلقيسي من وجه، و لكن لا يقوى قوته فكانت أفْقَهَ من فرعون في الانقياد للَّه و كان فرعون تحت حكم الوقت حيث قال «آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل». فخصص، و إنما خصص لما رأى السحرة قالوا في إيمانهم باللَّه‏ «رَبِّ مُوسى‏ وَ هارُونَ»*. فكان إسلام بلقيس إسلام سليمان إذ قالت‏ «مَعَ سُلَيْمانَ‏» فتَبِعَتْه. فما يمر بشي‏ء من العقائد إلا مرت به معتقدة ذلك. كما نحن على الصراط المستقيم الذي الرب عليه لكون نواصينا في يده‏ «5».
و يستحيل مفارقتنا إياه. فنحن معه بالتضمين، و هو معنا بالتصريح «15»، فإنه قال‏ «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ». و نحن معه بكونه آخذاً «6» بنواصينا.
______________________________
(1) «ا» و «ب»: بالامتثال‏
(2) ا: الصرح‏
(3) ا: نبت‏
(4) ا: حسبته ماء
(5) ن: بيده‏
(6) ا: آخذ.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 158
فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى‏ «1» بنا من صراطه. فما أحد من العالم الا على صراط مستقيم، و هو صراط الرب تعالى. و كذا عَلِمَتْ بلقيس من سليمان فقالت‏ «لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» و ما خصصت عالماً من عالم. و أما التسخير الذي اختص به سليمان و فَضَل به غيره «16» و جعله‏ «2» اللَّه له من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده فهو كونه عن أمره. فقال‏ «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ». فما هو من كونه تسخيراً، فإن اللَّه يقول في حقنا كلنا من غير تخصيص‏ «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ». و قد ذكر تسخير الرياح و النجوم و غير ذلك و لكن لا عن أمرنا بل عن‏ «3» أمر اللَّه. فما اختص سليمان- إن عقلت- إلا بالأمر من غير جمعية و لا همة، بل بمجرد الأمر. و إنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لهمم‏ «4» النفوس إذا أُقيمت في مقام الجمعية. و قد عاينا ذلك في هذا الطريق. فكان من سليمان مجرد التلفظ بالأمر لمن أراد تسخيره من غير همة و لا جمعية. و اعلم أيدنا اللَّه و إياك بروح منه، أن مثل هذا العطاء إذا حصل للعبد أي عبد كان فإنه لا ينقصه‏ «5» ذلك من ملك آخرته، و لا يحسب عليه، مع كون سليمان عليه السلام طلبه من ربه تعالى. فيقتضي ذوق الطريق أن يكون قد عُجِّل له ما ادُّخر «6» لغيره و يحاسبُ به إذا أراده في الآخرة. فقال اللَّه له‏ «هذا عَطاؤُنا» و لم يقل لك و لا لغيرك، «فَامْنُنْ» أي أعط «أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ». فعلمنا من ذوق الطريق أن سؤاله ذلك كان عن أمر ربه. و الطلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان الطالب‏ «7» له الأجر التام على طلبه. و الباري تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب‏ «8» منه و إن شاء
______________________________
(1) ن: ما شاء مشى‏
(2) ا: و جعل‏
(3) ن: ساقطة
(4) ا: لهم‏
(5) ب: ساقطة
(6) ا: ما ادخره‏
(7) ن: للطالب و له‏
(8:) ا: طلبه‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 159
أمسك، فإن العبد قد وفّى ما أوجب اللَّه عليه من امتثال أمره فيما سأل ربه فيه، فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربه له بذلك لحاسبه به. و هذا سار في جميع ما يسأل فيه اللَّه تعالى، كما «1» قال لنبيه محمد صلى اللَّه عليه و سلم‏ «قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً». فامتثل أمر ربه فكان يطلب الزيادة من العلم حتى كان إذا سيق له لبن‏ «2» يتأوله‏ «3» علماً كما تأول رؤياه لما رأى في النوم أنه أوتي بقدح لبن فشربه و أعطى فضله عمر بن الخطاب. قالوا فما أوَّلتَه قال العلم. و كذلك لما أُسْرِيَ‏ «4» به أتاه الملك بإناء فيه لبن و إناء فيه خمر فشرب اللبن فقال له المَلَك أصبت الفطرة أصاب اللَّه بك أمتك. فاللبن متى ظهر فهو صورة العلم، فهو العلم تمثل في صورة اللبن كجبريل تمثل‏ «5» في صورة بشر سويٍ لمريم. و لما قال عليه السلام «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا «6»» نبَّه على أنه كل ما يراه الإنسان في حياته الدنيا إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم: خيال «17» فلا بد من تأويله.
إنما الكون خيال‏ و هو حق في الحقيقة
و الذي يفهم هذا حاز أسرار الطريقة


فكان صلى اللَّه عليه و سلم إذا قدَّم له لبن قال «اللهم بارك لنا فيه و زدنا «7» منه» لأنه كان يراه صورة العلم، و قد أُمِرَ بطلب الزيادة من العلم، و إذا قدم له غير اللبن قال اللهم بارك لنا فيه و أطعمنا «8» خيراً منه. فمن أعطاه اللَّه ما أعطاه بسؤال عن أمر إلهي فإن اللَّه لا يحاسبه به في الدار الآخرة، و من أعطاه اللَّه ما أعطاه بسؤال عن غير أمر إلهي فالأمر فيه إلى اللَّه، إن شاء حاسبه و إن شاء
______________________________
(1) «ن» و «ب»: و كما
(2) ا: لبناً
(3) «ب» و «ن»: يتناوله‏
(4) ا: سرى‏
(5) ب: ساقطة
(6) ب: تنبهوا
(7) ساقطة في ب.
(8:) ساقطة في ب.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 160
لم يحاسبه. و أرجو من اللَّه في العلم خاصة أنه لا يحاسبه به. فإنَّ أمره لنبيه عليه السلام يطلب الزيادة من العلم عين أمره لأمته: فإن اللَّه يقول‏ «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ». و أي أسوة أعظم من هذا التأسِّي لمن عقل عن اللَّه تعالى. و لو نبَّهنا على‏ «1» المقام السليماني على تمامه لرأيت أمراً يهولك الاطلاع عليه فإن أكثر علماء هذه الطريقة جهلوا حالة «2» سليمان و مكانته و ليس الأمر كما زعموا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية   السبت يوليو 28, 2018 9:24 am

17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية «1»

اعلم أنه لما كانت النبوة و الرسالة اختصاصاً إلهياً ليس فيها شي‏ء من الاكتساب:
أعني نبوة التشريع، كما كانت عطاياه تعالى لهم عليهم السلام من هذا القبيل مواهب ليست جزاء «2»: و لا يُطْلَبُ عليها منهم جزاء. فإعطاؤه إياهم على طريق الإنعام و الإفضال. فقال تعالى‏ وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ*- يعني لإبراهيم الخليل عليه السلام، و قال في أيوب‏ «وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ»، و قال في حق موسى‏ «وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» إلى مثل ذلك. فالذي تولاهم أوَّلًا هو الذي تولاهم في عموم أحوالهم أو أكثرها، و ليس إلا اسمه الوهاب. و قال في حق داود «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» فلم يقرن به جزاء يطلبه منه، و لا أخبر أنه أعطاه هذا الذي ذكره‏ «3» جزاء.
و لما طلب الشكر على ذلك العمل طلبه من آل داود و لم يتعرض لذكر داود ليشكره‏ «4» الآل على ما أنعم به على داود. فهو في حق داود عطاء نعمة و إفضال، و في حق آلِهِ على غير ذلك لطلب المعاوضة فقال تعالى‏ «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ». و إن كانت الأنبياء عليهم السلام‏
______________________________
(1) ن: عن‏
(2) ا: بحالة- ن: حال‏
(3) ن: أعطاه‏
(4) ا: لشكره‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 161
قد شكروا اللَّه على ما أنعم به عليهم و وهبهم، فلم يكن ذلك على طلب من اللَّه، بل تبرعوا بذلك من نفوسهم كما قام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم حتى تورمت قدماه شكراً لمَّا غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر. فلما قيل له في ذلك قال «أ فلا أكون عبداً شكوراً»؟ و قال في نوح‏ «إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً».
فالشكور من عباد اللَّه تعالى قليل. فأول نعمة أنعم اللَّه بها على داود عليه السلام أن أعطاه اسماً ليس فيه حرف من حروف الاتصال، فقطعه عن العالم بذلك إخباراً لنا عنه بمجرد هذا الاسم، و هي الدال و الألف و الواو.
و سَمَّى محمداً «1» صلى اللَّه عليه و سلم بحروف الاتصال و الانفصال، فوصله به و فصله عن العالم‏ «2» فجمع له بين الحالين‏ «3» في اسمه كما جمع لداود بين الحالين‏ «4» من طريق المعنى، و لم يجعل ذلك في اسمه، فكان ذلك اختصاصاً لمحمد «5» عَلَى داود عليهما السلام، أعني التنبيه عليه باسمه. فتم له الأمر عليه السلام من جميع جهاته، و كذلك في اسمه أحمد، فهذا من حكمة اللَّه تعالى. ثم قال في حق داود- فيما أعطاه على طريق الإنعام عليه- ترجيع الجبال معه التسبيحَ، فتسبح لتسبيحه ليكون له عملها. و كذلك الطير. و أعطاه القوة و نعته بها، و أعطاه‏ «6» الحكمة و فصْل الخطاب. ثم المنة الكبرى و المكانة الزلفى التي خصه اللَّه بها التنصيص على خلافته. و لم يفعل ذلك مع أحد من أبناء جنسه و إن كان فيهم خلفاء فقال‏ «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏» أي ما يخطر لك في حكمك من غير وحي مني‏ «فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ»
______________________________
(1) ا: و سمى محمد
(2) ب: فوصله عن العالم‏
(3) ب: الحالتين‏
(4) ب: الحالتين‏
(5) ب: بمحمد بالباء
(6) ن: أعطاه‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 162
أي عن الطريق الذي أُوحِي بها إلى رسلي. ثم تأدب سبحانه معه فقال‏ «إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ» و لم يقل له فإن ضللت عن سبيلي فلك عذاب شديد. فإن قلت و آدم عليه السلام قد نُصَّ على خلافته. قلنا ما نص مثل التنصيص على داود، و إنما قال للملائكة «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، و لم يقل إني جاعل آدم خليفة في الأرض. و لو قال، لم يكن مثل قوله‏ «جَعَلْناكَ خَلِيفَةً» في حق داود، فإن هذا محقق و ذلك‏ «1» ليس كذلك. و ما يدل ذكر آدم في القصة بعد ذلك على أنه عين ذلك الخليفة الذي نص اللَّه عليه. فاجعل بالك لإخبارات الحق عن عباده إذا أخبر. و كذلك في حق إبراهيم الخليل‏ «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» و لم يقل خليفة، و إن كنا نعلم أن الإمامة هنا «2» خلافة، و لكن ما هي مثلها، لأنه ما ذكرها «3» بأخص أسمائها و هي الخلافة. ثم في داود من الاختصاص بالخلافة أن جعله خليفةَ حكم، و ليس ذلك إلا عن اللَّه فقال له فاحكم بين الناس بالحق، و خلافة آدم قد لا تكون من هذه المرتبة: فتكون خلافته أن‏ «4» يخلُفَ من كان فيها قبل ذلك، لا أنه نائب عن اللَّه في خلقه بالحكم الإلهي فيهم، و إن كان الأمر كذلك وقع، و لكن ليس كلامنا إلا في التنصيص عليه و التصريح به.
و للَّه في الأرض خلائف عن اللَّه، و هم الرسل. و أما الخلافة اليوم فعن الرسول‏ «5» لا عن اللَّه، فإنهم ما يحكمون إلا بما شَرَعَ لهم الرسول لا يخرجون عن ذلك.
غير أن هنا دقيقةً لا يعلمها «6» إلا أمثالنا، و ذلك في أخذ ما يحكمون به مما هو شرع للرسول عليه السلام. فالخليفة عن الرسول من يأخذ الحكم بالنقل عنه‏
______________________________
(1) ن: و ذاك‏
(2) ن: هاهنا
(3) «ا» و «ن»: لو ذكرها
(4) ا: أي‏
(5) ب: الرسول‏
(6) ن: لا يعلمه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 163
صلى اللَّه عليه و سلم أو «1» بالاجتهاد «3» الذي أصله أيضاً منقول عنه صلى اللَّه عليه و سلم. و فينا من يأخذه عن اللَّه فيكون خليفة عن اللَّه بعين ذلك الحكم، فتكون المادة له من حيث كانت المادة لرسوله صلى اللَّه عليه و سلم. فهو في الظاهر متبع لعدم مخالفته في الحكم، كعيسى إذا نزل فحكم، و كالنبي محمد صلى اللَّه عليه و سلم في قوله‏ «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ»، و هو «2» في حق ما يعرفه من صورة الأخذ مختصّ موافق، هو فيه بمنزلة ما قرره النبي صلى اللَّه عليه و سلم من شرع من تقدم من الرسل بكونه قرره فاتبعناه من حيث تقريره لا من حيث إنه شرع لغيره قبله. و كذلك أخذُ الخليفة عن اللَّه عينُ ما أخذه منه الرسول. فنقول فيه بلسان الكشف خليفة اللَّه و بلسان الظاهر خليفة رسول اللَّه. و لهذا مات رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و ما نص بخلافة عنه إلى أحد.
و لا عَيَّنَه لعلمه أن في أُمته من يأخذ الخلافة عن ربه فيكون خليفة عن اللَّه مع الموافقة في الحكم المشروع. فلما علم ذلك صلى اللَّه عليه و سلم لم يحجر الأمر.
فلله خلفاء في خلقه يأخذون من معدن الرسولِ و الرسلِ ما أخذته الرسلُ عليهم السلام، و يعرفون‏ «3» فضل المتقدم هناك لأن الرسول قابل للزيادة: و هذا الخليفة ليس بقابل للزيادة التي لو كان الرسولَ‏ «4» قبلها. فلا يعطِي من العلم و الحكم فيما شَرَّع إلا ما شُرِّع‏ «5» للرسول خاصة، فهو في الظاهر متَّبع غير مخالف، بخلاف الرسل. أ لا ترى عيسى عليه السلام لما تخيلت اليهود أنه لا يزيد على موسى، مثل ما قلناه في الخلافة اليوم مع الرسول، آمنوا به و أقروه:
______________________________
(1) «ا» و «ن»: و بالاجتهاد
(2) ب: ساقطة- «و هو» في النص تشير إلى الآخذ عن اللَّه و هي مبتدأ خبره مختص‏
(3) ب: و تعرفون‏
(4) أي لو كان ذلك الخليفة رسولًا لقبلها، أو «كان» تامة و الرسول فاعل، أي التي لو وجد الرسول قبلها
(5) «إلا ما شرع» ساقط في ب.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 164
فلما زاد حكماً أو نسخ حكماً قد قرره موسى- لكون عيسى رسولًا- لم يحتملوا ذلك لأنه خالف‏ «1» اعتقادهم فيه؟ و جهلت اليهود الأمر على ما هو عليه فطلبت قتله، فكان من‏ «2» قصته ما أخبرنا اللَّه في كتابه العزيز عنه و عنهم. فلما كان رسولًا قَبِلَ الزيادة، إما بنقص حكم قد «3» تقرر، أو زيادة حكم. على أن النقص زيادة حكم بلا شك. و الخلافة اليوم ليس لها هذا المنصب و إنما تنقص أو تزيد على الشرع الذي تقرر بالاجتهاد لا على الشرع الذي شُوفِهَ‏ «4» به محمد صلى اللَّه عليه و سلم، فقد يظهر من الخليفة ما يخالف حديثاً «5» ما في الحكمَ فيُتخَيَّل أنه من الاجتهاد و ليس كذلك: و إنما هذا الامام لم يثبت عنده من جهة الكشف ذلك الخبر عن النبي صلى اللَّه عليه و سلم، و لو ثبت لحكم به. و إن كان الطريق فيه العدل عن العدل فما هو «6» معصوم من الوهم و لا من النقل على المعنى.
فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم، و كذلك يقع من عيسى عليه السلام، فإنه إذا نزل يرفع كثيراً من شرع الاجتهاد المقرر فيبين برفعه صورة الحق المشروع الذي كان عليه عليه‏ «7» السلام، و لا سيما إذا تعارضت أحكام الأئمة في النازلة الواحدة. فنعلم‏ «8» قطعاً أنه لو نزل وحي لنزل بأحد الوجوه، فذلك هو الحكم الإلهي. و ما عداه و إن قرره الحق فهو شرع تقرير لرفع الحرج‏ «9» عن هذه الأمة و اتساع الحكم فيها. و أما قوله عليه السلام إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما «4» هذا في الخلافة الظاهرة التي لها السيْف.
______________________________
(1) ب: مخالف‏
(2) ا: في‏
(3) ا: ساقطة
(4) ا: شرعه بي.
(5) ا: حديثنا أما
(6) الضمير عائد على العدل‏
(7) ساقطة في المخطوطات الثلاثة و الضمير عائد على النبي‏
(8:) ب: فيعلم‏
(9) ا: الحجرة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 165
و إن اتفقا فلا «1» بد من قتل أحدهما. بخلاف الخلافة المعنوية فإنه لا قتْل فيها. و إنما جاء القتل في الخلافة الظاهرة و إن‏ «2» لم يكن لذلك الخليفة «3» هذا المقام، و هو خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم إن عدل- فمِنْ حكم الأصل الذي به تُخُيِّل وجود إلهين، «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا»، و ان اتفقا: فنحن نعلم أنهما لو اختلفا تقديراً لنفذ حكم أحدهما، فالنافذ الحكم هو الإله على الحقيقة، و الذي لم ينفذ حكمه ليس بإله‏ «4». و من هنا نعلم أن كل حكم ينفذ اليوم في العالم أنه حكم اللَّه عز و جل، و إن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى شرعاً إذ لا ينفذ حكم إلا «5» للَّه في نفس الأمر، لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو «6» على حكم المشيئة الإلهية لا علم حكم الشرع المقرر، و إن كان تقريره من المشيئة. و لذلك نفذ تقريره خاصة فإن‏ «7» المشيئة ليست لها فيه إلا التقرير لا العمل بما جاء به. فالمشيئة سلطانها عظيم، و لهذا جعلها أبو طالب‏ «8» عرش الذات «5»، لأنها لذاتها تقتضي الحكم. فلا يقع في الوجود شي‏ء «9» و لا يرتفع خارجاً عن المشيئة، فإن الأمر الإلهي إذا خولف هنا بالمسمى معصية، فليس إلا الأمر بالواسطة لا الأمر التكويني‏ «10». فما خالف اللَّه أحدٌ قط في جميع ما يفعَله من حيث أمر المشيئة، فوقعت المخالفة من حيث أمر الواسطة فافهم. و على الحقيقة فأمر المشيئة إنما يتوجه على إيجاد عين الفعل لا على من ظهر على يديه «6»، فيستحيل ألَّا «11» يكون. و لكن في هذا المحل الخاص، فوقتاً يسمى به‏ «12» مخالفة لأمر اللَّه، و وقتاً يسمى موافقة و طاعة لأمر اللَّه. و يتبعه لسان‏
______________________________
(1) ب: ساقطة
(2) ن: فإن‏
(3) الخليفة هنا هو الخليفة الظاهر لا الباطن.
(4) ن: بالإله‏
(5) ا: ساقطة
(6) من قوله «إلا اللَّه» إلى قوله «إنما هو» ساقط في ن‏
(7) ب: و إن‏
(8:) أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب: محمد بن علي المتوفى سنة 383 ببغداد
(9) ب: ساقطة
(10) ب: التكوين‏
(11) «ا» و «ن»: إلا أن‏
(12) ن: ساقطة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 166
الحمد أو الذم على حسب ما يكون «7». و لما كان الأمر في نفسه على ما قررناه، لذلك كان مآل الخلق إلى السعادة على اختلاف أنواعها. فعبر عن هذا المقام بأن الرحمة وسعت كل شي‏ء، و أنها سبقت الغضب الإلهي. و السابق متقدم، فإذا لحقه هذا الذي حكم عليه المتأخر حكم عليه المتقدم فنالته الرحمة إذ لم يكن غيرها «1» سبق. فهذا معنى سبقت رحمته غضبه، لتحكم على ما وصل إليها فإنها في الغاية وقفت و الكل سالك إلى الغاية. فلا بد من الوصول إليها، فلا بد من الوصول إلى الرحمة و مفارقة الغضب، فيكون الحكم لها في كل واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها «8».
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلناه «9» و إن لم يكن فهم فيأخذه عنا
فما ثم إلا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن بالحال فيه كما كنا
فمنه إلينا ما تلونا عليكم‏ و منا إليكم ما وهبناكم منا


و أما تليين الحديد فقلوب قاسية يلينها الزجر و الوعيد تليينَ النار الحديد. و إنما الصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة، فإن الحجارة تكسرها و تكلسها النار و لا تلينها. و ما ألَانَ‏ «2» له الحديد إلا لعمل الدروع الواقية تنبيهاً من اللَّه: أي لا يُتّقى الشي‏ء إلا بنفسه، لأن الدرع يُتّقى بها السنان و السيف و السكين و النصل، فاتّقَيْت الحديد بالحديد. فجاء الشرع المحمدي بأعوذ بك منك، فافهم، فهذا روح تليين الحديد «10» فهو المنتقم الرحيم و اللَّه الموفق.
______________________________
(1) ا: غير ما
(2) ن: لان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 18 - فص حكمة نَفْسيَّة في كلمة يونُسية    السبت يوليو 28, 2018 9:25 am

18 - فص حكمة نَفْسيَّة في كلمة يونُسية 

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

18 - فص حكمة نَفْسيَّة في كلمة يونُسية  «1»

اعلم أن هذه النشأة الانسانية بكمالها روحاً و جسماً و نفساً خلقها اللَّه على صورته، فلا يتولى حل نظامها إلا مَنْ خلقها، إما بيده- و ليس إلا ذلك‏ «1»- أو بأمره. و من تولاها بغير أمر اللَّه فقد ظلم نفسه و تعدى حد اللَّه فيها و سعى في خراب من أمَرَهُ اللَّه بعمارته. و أعلم أن الشفقة على عباد اللَّه أحق بالرعاية من الغَيْرة في اللَّه. أراد داود بنيان البيت المقدس فبناه مراراً، فكلما فرغ منه تهدَّم، فشكا ذلك إلى اللَّه فأوحى اللَّه إليه أن بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء، فقال داود يا رب أ لم يكن ذلك في سبيلك؟ قال بلى! و لكنهم أ ليسوا عبادي؟ قال يا رب فاجعل بنيانه على يدي من هو مني، فأوحى اللَّه إليه أن ابنك سليمان يبنيه. فالغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النشأة الانسانية، و أن إقامتها أولى من هدمها. أ لا ترى عدو الدين قد فرض اللَّه في حقهم الجزية و الصلح إبقاءً عليهم، و قال‏ «وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى‏ «2» اللَّهِ»؟ أ لا ترى من‏ «3» وجب عليه القصاص كيف شُرِّع لولي الدم أخذُ الفدية أو العفو، فإن أَبى حينئذ يقتل؟ أ لا تراه سبحانه‏ «4» إذا كان أولياء الدم جماعة فرضي واحد بالدية أو عفا، و باقي الأولياء لا يريدون إلا القتل، كيف يراعَى من عفا و يرجَّح على من لم يعف فلا يقتل‏
______________________________
(1) ا: ذاك- و الجملة «و ليس إلا ذلك» معترضة بين قوله: «إما بيديه أو بأمره». فكأنه قال إما بيديه أو بأمره و ليس إلا ذلك‏
(2) «على اللَّه» ساقطة في ا
(3) ب: أن من‏
(4) الكلام على تقدير قد قضى أو حكم أنه .. إلخ.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 168
قصاصاً؟ أ لا تراه عليه السلام يقول في صاحب النِّسعة «1» «إنْ قَتَلَه كان مثله»؟ أ لا تراه يقول‏ «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؟» فجعل القصاص سيئة، أي يسوء ذلك‏ «2» الفعل مع كونه مشروعاً. «فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» لأنه على صورته. فمن عفا عنه و لم يقتله فأجره على من هو على صورته لأنه أحق به إذ أنشأه له، و ما ظهر بالاسم الظاهر إلا بوجوده فمن راعاه إنما يراعي الحق. و ما يُذَمُّ الإنسان لعينه و إنما يذم الفعل منه، و فعله ليس عينه، و كلامُنَا في عينه.
و لا فعل إلا اللَّه، و مع هذا ذُمَّ منها ما ذم و حُمِدَ منها ما حمد. و لسان الذم على جهة الغرض مذموم عند اللَّه. فلا مذموم إلا ما ذمه الشرع، فإنَ‏ «3» ذم الشرع‏ «4» لحكمة يعلمها اللَّه أو مَنْ أَعْلَمه اللَّه، كما شرع القصاص للمصلحة إبقاء لهذا النوع و إرداعاً للمعتدي حدود اللَّه فيه. «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ» و هم أهل لب الشي‏ء الذين عثروا على سر «5» النواميس الإلهية و الحِكمية.
و إذا علمت أن اللَّه راعى هذه النشأة و إقامتها فأنت أولى بمراعاتها إذْ لَكَ بذلك السعادة، فإنه ما دام الإنسان حياً، يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له. و من سعى في هدمه فقد سعى في منع وصوله لما خلق له. و ما أحسن ما قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم «أ لَا أنبئكم بما هو خير لكم و أفضل من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم و يضربون رقابكم؟ ذكر اللَّه» «2». و ذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ذكر اللَّه الذكر المطلوب منه، فإنه تعالى جليس من ذكره، و الجليس مشهود للذاكر. و متى لم يشاهد الذاكر «6» الحقَّ الذي هو جليسه‏
______________________________
(1) «ا» و «ن»: التسعة بالتاء- و هي بالنون. و التسعة بالكسر سير ينسج عريضاً على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال (القاموس المحيط). و القصة أن النسعة كانت لرجل وجد مقتولًا فرأى وليه نسعته في يد رجل فأخذه بدم صاحبه فلما قصد قتله قال رسول اللَّه: إن قتله كان مثله أي في الظلم‏
(2) ا: ليسوء
(3) ساقط في ن‏
(4) ساقط في ن‏
(5) ب: أسرار
(6) ن: هذا الذاكر.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 169
فليس بذاكر. فإنَّ ذكر اللَّه سارٍ في جميع العبد لا مَنْ ذَكَرَه بلسانه خاصة.
فان الحق لا يكون في ذلك الوقت إلا جليس اللسان خاصة، فيراه اللسان‏ «1» من حيث لا يراه الإنسان: بما «2» هو راءٍ و هو البصر «3». فافهم هذا السِّر في ذكر الغافلين‏ «4». فالذاكر من الغافل حاضر بلا شك، و المذكور جليسه، فهو يشاهده. و الغافل من حيث غفلته ليس بذاكر: فما هو جليس الغافل.
فالإنسان‏ «5» كثير ما هو أحدى العين، و الحق أحدى العين كثير بالأسماء الإلهية:
كما أن‏ «6» الإنسان كثير بالأجزاء: و ما يلزم من ذكر جزءٍ ما ذكر جزء آخر.
فالحق جليس الجزء الذاكر منه و الآخر متصف بالغفلة عن الذكر. و لا بد أن يكون في الإنسان جزء يَذكُرُ به يكون‏ «7» الحق جليس ذلك الجزء «8» فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية. و ما يتولى الحقُّ هدمَ هذه النشاة بالمسمى موتاً، و ليس بإعدام و إنما هو تفريق، فيأخذه إليه، و ليس المراد إلا أن يأخذه الحق إليه، «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» فإذا أخذه إليه سوّى له مركباً غير هذا المركب من جنس الدار التي ينتقل‏ «9» إليها، و هي دار البقاء «3» لوجود الاعتدال:
فلا يموت أبداً، أي لا تُفَرَّق أجزاؤه. و أما أهل النار فمآلهم إلى النعيم، و لكن في النار إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون برداً و سلاماً على من فيها. و هذا نعيمهم. فنعيم أَهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل اللَّه حين أُلقِيَ في النار فإنه عليه السلام تعذب برؤيتها و بما تَعَوّد «10» في علمه و تقرر من‏
______________________________
(1) ن:+ بما هو راء
(2) ا: فيما
(3) «و هو البصر» ساقط من «ا» و «ن»
(4) ن: فافهم ذكر الغافلين و افهم هذا السر في ذكرهم‏
(5) ب: فإن الإنسان. ن:
و الإنسان‏
(6) ن: أما
(7) ب: و يكون‏
( ن: الجليس‏
(9) ب: ينتقل‏
(10) ا: تعوذ بالذال.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 170
أنها صورة تؤلم من جاورها «1» من الحيوان. و ما علم مراد اللَّه فيها و منها في حقه.
فبعد وجود هذه الآلام وجد برداً و سلاماً مع شهود الصورة اللونية في حقه، و هي نار في عيون الناس. فالشي‏ء الواحد يتنوع في عيون الناظرين: هكذا هو التجلي الإلهي. فإن شئت قلت إن اللَّه تجلى مثل هذا الأمر، و إن شئت قلت إن العالَم في النظر إليه و فيه مثلُ الحق في التجلي، فيتنوع في عين الناظر بحسب مزاج الناظر أو يتنوع مزاج الناظر لتنوع التجلي: و كل هذا سائغ في الحقائق.
و لو أن الميت و المقتول- أيَّ ميت كان أو أيَّ مقتول كان- إذا مات أو قُتِلَ لا يرجع إلى اللَّه، لم يقض اللَّه بموت أحد «2» و لا شرع قتله. فالكل في قبضته:
فلا فقدان في حقه. فشرع القتل و حكم بالموت لعلمه بأن عبده لا يفوته: فهو راجع إليه على أن قوله‏ «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» أي فيه يقع التصرف، و هو المتصرف، فما خرج عنه شي‏ء لم يكن عينه، بل هويَّتُهُ هو عين‏ «3» ذلك الشي‏ء و هو الذي يعطيه الكشف في قوله‏ «4» «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية   السبت يوليو 28, 2018 9:27 am

20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية   «1»

هذه حكمة الأولية في الأسماء، فإن اللَّه سماه يحيى أي يحيا به ذكر زكريا.
و «لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» فجمع بين حصول الصفة التي فيمن غَبَرَ ممن ترك ولداً يحيا به ذكرُه و بين اسمه بذلك. فسماه يحيى فكان اسمه يحيى كالعلم الذوقي، فإن آدم حيي ذكره بشيث و نوحاً حيي ذكره بسام، و كذلك الأنبياء.
و لكن ما جمع اللَّه لأحد قبل يحيى بين الاسم العَلم منه و بين الصفة إلا لزكريا «4» عناية منه إذ قال‏ «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا» فقدم الحقَّ على ذكر ولده كما قدمت آسية ذكر الجار على الدار في قولها «عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ» فأكرمه اللَّه بأن قضى حاجته و سماه بصفته حتى يكون اسمه تذكاراً لما طلب منه نبيه زكريا، لأنه عليه السلام آثر بقاء ذكر اللَّه في عَقِبِه إذ الولد سر أبيه، فقال‏ «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» و ليس ثَمَّ موروث في حق هؤلاء إلا مقام ذكر اللَّه و الدعوة إليه. ثم إنه بشره بما قدمه من سلامه عليه يوم‏
______________________________
(1) ب: تفضيل بالضاد
(2) ن: أمثالًا
(3) ن: نصحتك.
(4) ن: زكريا.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 176
ولد و يوم يموت و يوم يبعث حياً. فجاء بصفة الحياة و هي اسمه و أعلم بسلامه عليه، و كلامُهُ صدق فهو مقطوع به، و إن كان قول الروح‏ «وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» أكمل في الاتحاد، فهذا أكمل في الاتحاد «1» و الاعتقاد و أرفع للتأويلات «2» «2». فإن الذي انخرقت‏ «3» فيه‏ «4» العادة في حق عيسى إنما هو النطق، فقد تمكن عقله و تكمل في ذلك الزمان الذي أنطقه اللَّه فيه. و لا يلزم للمتمكن من النطق- على أي حالة كان- الصدقُ فيما به ينطق، بخلاف‏ «5» المشهود له كيحيى. فسلام الحق على يحيى من هذا الوجه أرفع للالتباس الواقع في العناية الإلهية به من سلام عيسى على نفسه، و إن كانت قرائن الأحوال تدل على قربه‏ «6» من اللَّه في ذلك و صدقه، إذ «7» نطق في معرض الدلالة على براءة أمه في المهد. فهذا أحد الشاهدين، و الشاهد الآخر هو الجذع اليابس فسقط رطباً جنيًّا من غير فحل و لا تذكير، كما ولدت مريم عيسى من غير فحل و لا ذكر و لا جماع عرفي معتاد، لو قال نبي آيتي و معجزتي أن ينطق هذا الحائط، فنطق الحائط و قال في نطقه تكذب ما أنت رسول اللَّه، لصحت الآية و ثبت بها أنه رسول اللَّه، و لم يلتفت إلى ما نطق به الحائط. فلما دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى بإشارة أمه إليه و هو في المهد، كان‏ «8» سلام اللَّه على يحيى أرفع من هذا الوجه‏ «9». فموضع الدلالة أنه عبد اللَّه من أجل ما قيل فيه إنه ابن اللَّه- و فرغت الدلالة بمجرد النطق- و أنه عبد اللَّه عند الطائفة الاخرى القائلة بالنبوة. و بقي ما زاد في حكم الاحتمال في النظر العقلي حتى ظهر في المستقبل صدقه في جميع ما أخبر به في المهد فتحقق ما أشرنا إليه.
______________________________
(1) ا: الإيجاد- «فهذا أكمل» ساقطة في ن‏
(2) ب: في التأويلات‏
(3) ب: انحرفت‏
(4) ن: به‏
(5) ب: ساقطة
(6) ن: قرينة.
(7) «ب» و «ن»: إذا
(8:) ساقط في «ا» و «ن».
(9) ساقط في «ا» و «ن».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية    السبت يوليو 28, 2018 9:28 am

19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية 

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية   «1»

اعلم أن سر الحياة سرى في الماء فهو أصل العناصر و الأركان، و لذلك جعل اللَّه‏ «مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ»: و ما ثم شي‏ء إلا و هو حي، فإنه ما من شي‏ء إلا و هو يسبح بحمد اللَّه و لكن لا نفقة «5» تسبيحه إلا بكشف إلهي. و لا يسبِّح إلا حي.
فكل شي‏ء حي. فكل شي‏ء الماء أصله. أ لا ترى العرش كيف كان على الماء لأنه‏
______________________________
(1) ب: جاوزها بالزاي‏
(2) ب: واحد
(3) ب: غير
(4) ن: ساقطة. ب: قوله هو
(5) ن: يُفقه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 171
منه تكوَّن فطفا عليه فهو يحفظه من تحته، كما أن الإنسان خلقه اللَّه عبداً فتكبر على ربه و علا عليه، فهو «1» سبحانه مع هذا يحفظه من تحته بالنظر إلى علو هذا العبد الجاهل بنفسه، و هو قوله عليه السلام «لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه». فأشار إلى نسبة التحت إليه كما أن‏ «2» نسبة الفوق‏ «3» إليه «2» في قوله‏ «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ»، «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ»*. فله الفوق و التحت. و لهذا ما ظهرت الجهات الست إلا بالإنسان، و هو على صورة الرحمن. و لا مطعم إلا اللَّه، و قد قال في حق طائفة «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ»، ثم نكر و عمَ‏ «4» فقال‏ «وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ»، فدخل في قوله‏ «وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ» كل حكم‏ «5» منزل على لسان رسول أو ملهم، «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ» و هو المطعم من الفوقية التي نسبت‏ «6» إليه، «وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ»، و هو المطعم من التحتية التي نسبها إلى نفسه على لسان رسوله المترجم عنه صلى اللَّه عليه و سلم. و لو لم يكن العرش على الماء ما انحفظ وجوده، فإنه بالحياة ينحفظ وجود الحي. أ لا ترى الحي إذا مات الموت العرفي تنحل أجزاء نظامه و تنعدم قواه عن ذلك النظم الخاص؟ قال تعالى‏ «7» لأيوب‏ «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ»، يعني ماء، «بارِدٌ» لما كان عليه من إفراط حرارة الألم، فسكَّنه اللَّه ببرد الماء. و لهذا كان الطب النقص من الزائد و الزيادة في الناقص. و المقصود «8» طلب الاعتدال، و لا سبيل إليه إلا أنه يقاربه. و إنما قلنا و لا سبيل إليه- أعني الاعتدال- من أجل أن الحقائق و الشهود تعطي التكوين مع الأنفاس على الدوام، و لا يكون التكوين إلا عن ميل في الطبيعة يسمى انحرافاً أو تعفيناً «9»، و في حق الحق إرادة
______________________________
(1) ب: و هو
(2) «ا» و «ن»: ساقطة
(3) «ا» و «ن»: الفوقية.
(4) ب: و عم: و عمم‏
(5) ن: ذكر
(6) ا: تنسب‏
(7) ب: اللَّه تعالى‏
(8:) ب: فالمقصود
(9) ا: تعنيفاً.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 172
و هي ميل إلى المراد الخاص دون غيره. و الاعتدال يؤذن بالسواء في الجميع، و هذا ليس بواقع، فلهذا مَنَعْنَا «1» من حكم الاعتدال. و قد ورد في العلم الإلهي النبوي اتصاف الحق بالرضا و الغضب، و بالصفات. و الرضا مزيل للغضب، و الغضب مزيل للرضا عن المرضي عنه و الاعتدال أن يتساوى الرضا و الغضب، فما غضب الغاضب على من غضب عليه و هو «2» عنه راض. فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه و هو ميل. و ما رضي الراضي عمن رضي عنه و هو غاضب عليه، فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه و هو ميل. و إنما قلنا هذا من أجل من يرى أن أهل النار لا يَزَال غضب اللَّه عليهم دائماً أبداً في زعمه «3». فما لهم حكم الرضا من اللَّه، فَصَحَّ المقصود.
فإن كان كما قلنا مآل أهل النار إلى إزالة الآلام و إن سكنوا النار، فذلك رضا:
فزال الغضب لزوال الآلام‏ «3»، إذا عين الألم عين الغضب إن فهمت. فمن غضب فقد تأذَّى، فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك، فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه. و الحق إذا أفردته عن العالم يتعالى علواً كبيراً عن هذه الصفة على هذا الحد. و إذا كان الحق هُوِيَّة العالم، فما ظهرت الأحكام كلها إلا منه و فيه، و هو قوله‏ «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» حقيقة و كشفاً «فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ» حجاباً و ستراً «4». فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه على صورة الرحمن، أوجده اللَّه أي ظهر «4» وجوده تعالى بظهور العالم كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية. فنحن صورته الظاهرة، و هويته روح هذه الصورة المدبرة لها.
فما كان التدبير إلا فيه كما لم يكن إلا منه. ف هُوَ «الْأَوَّلُ» بالمعنى‏ «وَ الْآخِرُ» بالصورة
______________________________
(1) ا: منعناه‏
(2) ا: فهو
(3) ن: الألم‏
(4) ا: أي ظهر وجوده، أي ظهر وجوده تعالى.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 173
و هو «الظَّاهِرُ» بتغير الأحكام و الأحوال، «وَ الْباطِنُ» بالتدبير، «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» فهو على كل شي‏ء شهيد، ليعْلَم عن شهود لا عن فكر.
فكذلك علم الأذواق لا عن فكر «1» و هو العلم الصحيح و ما عداه فحدس و تخمين ليس بعلم أصلًا. ثم كان لأيوب عليه السلام ذلك الماء شراباً لإزالة ألم العطش الذي هو من النُّصْبِ و العذاب الذي مسه به الشيطان «5»، أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي عليه فيكون بإدراكها في محل القرب. فكل مشهود قريب من العين و لو كان بعيداً بالمسافة. فإن البصر يتصل به من حيث شهوده و لو لا ذلك لم يشهده، أو يتصل المشهود بالبصر «6» كيف كان. فهو قرب بين البصر و المبصَر. و لهذا كنَّى أيوب في المس، فأضافه إلى الشيطان مع قرب المس «7» فقال البعيد مني قريب لحكمه‏ «2» فيّ.
و قد علمت أن البعد و القرب أمران إضافيان، فهما نسبتان لا وجود لهما في العين مع ثبوت أحكامها في البعيد و القريب. و اعلم أن سر اللَّه في أيوب الذي جعله‏ «3» عبرة لنا و كتاباً مسطوراً حالياً «8» «4» تقرؤه هذه الأمة المحمدية لتعلم ما فيه فتلحق بصاحبه تشريفاً لها. فأثنى اللَّه عليه- أعني على أيوب- بالصبر مع دعائه في رفع الضر عنه.
فعلمنا أن العبد إذا دعا اللَّه في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره و أنه صابر و أنه نعم العبد كما قال تعالى‏ «إِنَّهُ أَوَّابٌ» أي رجاع إلى اللَّه لا إلى الأسباب، و الحق يفعل عند ذلك بالسبب لأن العبد يستند «5» إليه، إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة و المسبِّب واحد العين. فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى من الرجوع إلى سبب خاص ربما لا يوافق‏ «6» علم اللَّه فيه، فيقول إن اللَّه لم.
______________________________
(1) «لا عن فكر» ساقطة في ن‏
(2) ن: بحكمة
(3) ا: جعله اللَّه‏
(4) ا: ساقطة. ب: خالياً- و هي بالحاء نسبة إلى الحال أي أيوب‏
(5) ب: يسند
(6) ب: لا يوافق ذلك.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 174
يستجب لي و هو ما دعاه، و إنما جنح إلى سبب خاص لم يقتضه الزمان و لا الوقت «9».
فَعَمِلَ أيوب بحكمة اللَّه إذ كان نبياً، لِمَا عَلِمَ أن الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى عند الطائفة «1»، و ليس ذلك بحد للصبر عندنا. و إنما حده حبس النفس عن الشكوى لغير اللَّه لا إلى اللَّه. فحجب الطائفةَ نظرُهم في أن الشاكي يقدح بالشكوى في الرضا بالقضاء، و ليس كذلك، فإن الرضا بالقضاء لا تقدح فيه الشكوى‏ «2» إلى اللَّه و لا إلى غيره، و إنما تقدح في الرضا بالمقضي. و نحن ما «3» خوطبنا بالرضا بالمقضي. و الضر هو المقضي ما هو عين القضاء. و علم أيوب أن في‏ «4» حبس النفس عن الشكوى إلى اللَّه في رفع الضر مقاومَةَ القهر الإلهي، و هو جهل بالشخص إذ ابتلاه اللَّه بما تتألم منه نفسه، فلا يدعو «5» اللَّه في إزالة ذلك الأمر المؤلم، بل ينبغي له عند المحقق أن يتضرع و يسأل اللَّه في إزالة ذلك عنه، فإن ذلك إزالة عن جناب اللَّه عند العارف صاحب الكشف: فإن اللَّه قد وصف نفسه بأنه يؤذي فقال‏ «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ». و أي أذىً أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه أو عن مقام إلهي لا تعلمه لترجع إليه بالشكوى فيرفعه عنك، فيصح الافتقار الذي هو حقيقتك، فيرتفع عن الحق الأذى بسؤالك إياه في رفعه عنك، إذ أنت صورته الظاهرة.
كما جاع بعض العارفين فبكى فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفن معاتباً له، فقال العارف «إنما جوعني لأبكي». يقول إنما ابتلاني بالضر لأسأله في رفعه عني، و ذلك لا يقدح في كوني صابراً. فعلمنا أن الصبر إنما هو حبس النفس عن الشكوى لغير اللَّه، و أعني بالغير وجهاً خاصاً من وجوه اللَّه. و قد عين اللَّه الحق‏
______________________________
(1) يقول القاشاني الطائفة أي المتقدمين من الشرقيين من أهل اللَّه‏
(2) ن: بالشكوى لا إلى‏
(3) ن: فما
(4) «ا» و «ن»: في ذلك‏
(5) ا: يدعو إلى اللَّه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 175
وجهاً خاصاً من وجوه اللَّه و هو المسمى وجه الهوية فتدعوه من ذلك الوجه في رفع الضر لا من الوجوه الأخر المسماة أسباباً، و ليست إلا هو من حيث تفصيل‏ «1» الأمر في نفسه. فالعارف لا يحجبه سؤاله هويَّةَ الحق في رفع الضر عنه عن أن تكون جميع الأسباب عينه من حيثية خاصة. و هذا لا يلزم طريقته إلا الأدباء من عباد اللَّه الأمناء على أسرار اللَّه، فإن للَّه أمناء «2» لا يعرفهم إلا اللَّه و يعرف بعضهم بعضاً. و قد نصحناك‏ «3» فاعمل و إياه سبحانه فاسأل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية    السبت يوليو 28, 2018 9:30 am

21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية   

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية   «1»

اعلم أن رحمة اللَّه وسعت كل شي‏ء وجوداً و حكماً «2»، و أن وجود الغضب من رحمة اللَّه بالغضب. فسبقت رحمته غضبه أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه. و لما كان لكل عين وجود يطلبه من اللَّه، لذلك عمت رحمته كل عين، فإنه برحمته التي رحمه بها قَبِلَ‏ «1» رغْبته في وجود عينه، فأوجدها.
فلذلك قلنا إن رحمة اللَّه وسعت كل شي‏ء وجوداً و حكماً. و الأسماء الإلهية من الأشياء، و هي ترجع إلى عين واحدة. فأول ما وسعت رحمة اللَّه شيئية تلك العين الموجدة «2» للرحمة بالرحمة، فأول شي‏ء وسعته الرحمة نَفْسُها ثم الشيئية المشار إليها، ثم شيئية كل موجود يوجد إلى ما لا يتناهى دنيا و آخرة، و عرضاً و جوهراً، و مركَّباً و بسيطاً «3». و لا يعتبر فيها حصول غرض و لا ملاءمة طبع، بل الملائم و غير الملائم كله وسعته الرحمة الإلهية وجوداً «4». و قد ذكرنا في الفتوحات‏ «3» أن الأثر لا يكون إلا للمعدوم لا للموجود، و إن كان للموجود فبحكم المعدوم «5»: و هو علم غريب و مسألة نادرة، و لا يعلم تحقيقها «4» إلا أصحاب الأوهام، فذلك بالذوق عندهم. و أما من لا يؤثر الوهم فيه فهو بعيد عن هذه المسألة.
فرحمة اللَّه في الأكوان سارية و في الذوات و في الأعيان جارية
مكانة الرحمة المثلى إذا علمت‏ من الشهود مع الأفكار عالية


______________________________
(1) «إذ قبل» في المخطوطات الثلاثة- و إذ لا وجود لها في جميع نسخ الشروح التي بين يدي. فالمعنى على وجود إذ: فإنه برحمته التي رحمه بها: أي موجود برحمته إلخ، و إذ قيل تعليل لوجوده و على حذفها يكون المعنى: فإنه برحمته التي رحمه بها قبل رغبته‏
(2) ن: الموجودة.
(3) الفتوحات المكية للمؤلف‏
(4) ب: بحقيقتها.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 178
فكل من ذكرته‏ «1» الرحمة فقد سعد، و ما ثم إلا من ذكرته الرحمة. و ذكر الرحمة الأشياء «2» عين إيجادها إياها. فكل‏ «3» موجود مرحوم. و لا تحجب يا ولي عن إدراك ما قلناه بما ترى من أصحاب البلاء و ما تؤمن به من آلام الآخرة التي لا تفتر عمن قامت به. و اعلم أولًا أن الرحمة إنما هي في الإيجاد عامة. فبالرحمة بالآلام‏ «4» أوجد الآلام‏ «5». ثم إن الرحمة لها أثر «6» بوجهين: أثر بالذات، و هو إيجادها كل عين موجودة. و لا تنظر إلى غرض و لا إلى عدم غرض، و لا إلى ملائم و لا إلى غير ملائم: فإنها ناظرة في عين كل موجود قبل وجوده. بل تنظره‏ «7» في عين ثبوته، و لهذا رأت الحق المخلوق في الاعتقادات عيناً ثابتة في العيون الثابتة فرحمته بنفسها «8» بالإيجاد «6». و لذلك قلنا إن الحق المخلوق‏ «9» في الاعتقادات أول شي‏ء مرحوم بعد رحمتها نفسها «10» في تعلقها بإيجاد الموجودين. و لها أثر آخر بالسؤال «7»، فيسْأل المحجوبون الحق أن يرحمهم في اعتقادهم، و أهل الكشف يسألون رحمة اللَّه أن تقوم بهم «8»، فيسألونها باسم اللَّه فيقولون يا اللَّه ارحمنا. و لا يرحمهم إلا قيام الرحمة بهم‏ «11»، فلها الحكم، لأن الحكم إنما هو في الحقيقة للمعنى القائم بالمحل. فهو «12» الراحم على الحقيقة. فلا يرحم اللَّه عباده المعتنى بهم إلا بالرحمة، فإذا قامت بهم وجدوا حكمها ذوقاً. فمن ذكرته الرحمة فقد رَحِمَ. و اسم الفاعل هو الرحيم و الراحم. و الحكم‏ «13» لا يتصف بالخلق لأنه أمر توجبه المعاني لذواتها «9».
فالأحوال لا موجودة و لا معدومة، أي لا عين لها في الوجود لأنها نسب‏ «14»، و لا
______________________________
(1) ب: ما
(2) ن: للأشياء
(3) ب: و كل‏
(4) ب: بالأم‏
(5) ب: بالأم‏
(6) «ب» و «ن»: الأثر
(7) ب: بنظرة
(8:) ا: بنفسه‏
(9) ا: المخلوق به.
(10) «ب» و «ن»: بنفسها
(11) ب: لهم‏
(12) ا: و هو.
(13) ا: هو الحكم‏
(14) «ا» و «ن»: نسبه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 179
معدومة في الحكم لأن الذي قام به العلم يسمى عالماً و هو الحال. فعالم ذات موصوفة بالعلم، ما هو عين الذات و لا عين العلم، و ما ثم إلا علم و ذات قام بها هذا العلم. و كونه عالماً حال لهذه الذات باتصافها بهذا المعنى. فحدثت‏ «1» نسبة العلم إليه، فهو المسمى عالماً. و الرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم، و هي الموجبة للحكم، و هي الراحمة «2». و الذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها و إنما أوجدها ليرحم بها من قامت «10» به‏ «3». و هو سبحانه ليس بمحل للحوادث، فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه. و هو الراحم، و لا يكون الراحم راحماً إلا بقيام الرحمة به. فثبت أنه عين الرحمة. و من لم يذق هذا الأمر و لا كان له فيه قدم ما «4» اجترأ أن يقول إنه عين الرحمة أو عين الصفة، فقال ما هو عين الصفة و لا غيرها. فصفات الحق عنده لا هي هو و لا هي غيره، لأنه لا يقدر على نفيها و لا يقدر أن يجعلها عينه، فعدل إلى هذه العبارة و هي‏ «5» حسنة، و غيرها أحق بالأمر منها و أرفع للإشكال، و هو القول بنفي أعيان الصفات وجوداً قائماً بذات الموصوف. و إنما هي نسب و إضافات بين الموصوف بها و بين أعيانها المعقولة. و إن كانت الرحمة «6» جامعة فإنها بالنسبة إلى كل اسم إلهي مختلفة «11»، فلهذا يُسْألُ سبحانه أن يَرْحَم بكل اسم إلهي. فرحمة اللَّه و الكناية «7» هي التي وسعت كل شي‏ء. ثم لها شعب كثيرة تتعدد بتعدد الأسماء الإلهية «12». فما تعم بالنسبة إلى ذلك الاسم الخاص الإلهي في قول السائل رب ارحم، و غير ذلك من الأسماء. حتى المنتقم له أن يقول يا منتقم ارحمني، و ذلك لأن هذه الأسماء تدل على الذات المسماة، و تدل‏
______________________________
(1) «ا» و «ن»: فحديث‏
(2) ب: فهي الراحمة
(3) أي أن اللَّه لم يوجد الرحمة في المرحوم ليكون بها مرحوماً بل راحماً. و كذلك الحال في الصفات الإلهية التي يعطيها اللَّه لأهل الكشف‏
(4) ب: ساقطة
(5) ب: ساقطة
(6) ب: رحمته‏
(7) الكناية أي الضمير في قوله: و رحمتي.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 180
بحقائقها على معان مختلفة. فيدعو بها في الرحمة من حيث دلالتها على الذات المسماة بذلك الاسم لا غير، لا بما يعطيه مدلول ذلك الاسم الذي ينفصل به عن غيره و يتميز. فإنه لا يتميز عن غيره و هو عنده دليل الذات، و إنما يتميز بنفسه عن غيره لذاته، إذ المصطلح عليه بأي لفظ كان حقيقةٌ متميزة بذاتها عن غيرها:
و إن كان الكل قد سيق‏ «1» ليدل على عين واحدة مسماة «13». فلا خلاف في أنه لكل اسم حكم ليس للآخر، فذلك أيضاً ينبغي أن‏ «2» يعتبر كما تعتبر دلالتها على الذات المسماة. و لهذا قال أبو القاسم بن قسي «14» في الأسماء الإلهية إن كل اسم إلهي على انفراده مسمى بجميع الأسماء الإلهية كلها:
إذا قدمته في الذكر «3» نعتَّه بجميع الأسماء، و ذلك لدلالتها على عين واحدة، و إن تكثرت الأسماء عليها و اختلفت حقائقها، أي حقائق تلك الأسماء. ثم إن الرحمة تُنَال على طريقين، طريق الوجوب، و هو قوله‏ «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ» و ما قيَّدهم به من الصفات العلمية و العملية «4». و الطريق الآخر الذي تنال به هذه‏ «5» الرحمة طريق الامتنان الإلهي الذي لا يقترن به عمل و هو قوله‏ «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ» و منه قيل‏ «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ»، و منها قوله «اعمل ما شئت فقد غفرت لك» فاعلم ذلك.
______________________________
(1) «ا» و «ب»: سبق بالباء
(2) قوله: «فذلك أيضاً ينبغي» ساقط في ب‏
(3) ب: ذكر
(4) ن: العقلية و العلمية
(5) ن: ساقطة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 22- فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية   السبت يوليو 28, 2018 9:31 am

22- فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

22- فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية

إلياس هو إدريس «1» كان نبياً قبل نوح، و رفعه اللَّه مكاناً علياً، فهو في قلب الأفلاك ساكن و هو فلك الشمس. ثم بعث إلى قرية بعلبك، و بعل اسم صنم، و بك هو سلطان تلك القرية. و كان هذا الصنم المسمى بعلًا مخصوصاً بالملك. و كان إلياس الذي هو إدريس قد مُثِّل له‏ «1» انفلاق الجبل المسمى لبنان- من اللبنانة، و هي الحاجة- عن فرس من نار، و جميع‏ «2» آلاته من نار «3». فلما رآه ركب عليه فسقطت عنه الشهوة، فكان عقلًا بلا شهوة، فلم يبق له تعلق بما تتعلق به الأعراض النفسية. فكان الحق فيه منزهاً، فكان على النصف من المعرفة باللَّه، فإن العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره، كانت‏ «4» معرفته باللَّه على التنزيه لا على التشبيه. و إذا أعطاه اللَّه المعرفة بالتجلي كملت معرفته باللَّه، فنزه في موضع و شبه في موضع، و رأى سريان الحق في الصور الطبيعية و العنصرية. و ما بقيت له صورة إلا و يرى‏ «5» عين الحق عينها. و هذه المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند اللَّه، و حكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها.
و لذلك كانت الأوهام أقوى سلطاناً في هذه النشأة من العقول، لأن العاقل و لو «6» بلغ في عقله ما بلغ لم يخل من حكم الوهم عليه و التصوُّر فيما عقل. فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية، و به جاءت الشرائع المنزلة فشبهت و نزهت، شبهت في التنزيه بالوهم، و نزهت في التشبيه بالعقل. فارتبط الكل بالكل، فلم‏
______________________________
(1) ن: ساقطة
(2) ساقط في ب‏
(3) ساقط في ب‏
(4) ن: فكانت‏
(5) ا: و ترى‏
(6) ن: لو.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 182
يتمكن أن يخلو تنزيه عن تشبيه و لا تشبيه عن تنزيه: قال تعالى‏ «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ» فنزَّه و شبَّه، «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فشبه. و هي أعظم آية تنزيه نزلت‏ «1»، و مع ذلك لم تخل عن التشبيه بالكاف. فهو أعلم العلماء بنفسه، و ما عبَّر عن نفسه إلا بما ذكرناه. ثم قال‏ «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» و ما يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم. فنزه نفسه عن تنزيههم إذ حدوده بذلك التنزيه، و ذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا. ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به الأوهام. فلم تُخْلِ عن صفة يظهر فيها. كذا قالت، و بذا جاءت. فعملت الأمم على ذلك فأعطاها الحق التجلي فلحقت بالرسل وراثةً «2»، فنطقت بما نطقت به رسل اللَّه‏ «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏ «3». «فاللَّه أعلم» موجَّه: له وجه بالخبرية إلى رسل‏ «4» اللَّه، و له وجه بالابتداء إلى أعلمُ حيث يجعل رسالاته «2». و كلا الوجهين حقيقة فيه، و لذلك قلنا بالتشبيه في التنزيه و بالتنزيه في التشبيه. و بعد أن تقرر هذا فنرخي الستور و نسدل الحجب على عين المنتقد و المعتقد «3»، و إن كانا من بعض صور ما تجلى فيها «5» الحق. و لكن قد أُمِرْنا بالستر ليظهر تفاضل استعداد الصور، و أن المتجلي في صورة بحكم استعداد تلك الصورة، فينسب إليه ما تعطيه حقيقتها و لوازمها لا بد من ذلك: مثل من يرى الحق في النوم و لا ينكر هذا و أنه لا شك الحق عينه فتتبعه لوازم تلك الصورة و حقائقها التي تجلى فيها في النوم، ثم بعد ذلك يعبَّر- أي يجاز- عنها إلى أمر آخر يقتضي التنزيه عقلًا. فإن كان الذي يعبرها ذا كشف و إيمان‏ «6»، فلا يجوز عنها إلى تنزيه فقط، بل يعطيها حقها في التنزيه و مما ظهرت فيه «4».
______________________________
(1) ب: ساقطة
(2) ا: وارثة
(3) «ب» و «ن»: رسالاته‏
(4) ن: رسول‏
(5) ا: فيهما
(6) «ب» و «ن»: أو إيمان.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 183
فاللَّه على التحقيق عبارة لمن فهم الإشارة. و روح هذه الحكمة و فصها أن الأمر ينقسم إلى مؤثر و مؤثَّر فيه و هما «1» عبارتان: فالمؤثِّر بكل وجه و على كل حال و في‏ «2» كل حضرة و هو اللَّه‏ «3». و المؤثِّر فيه بكل وجه و على كل حال و في كل حضرة هو العالم‏ «4» فإذا ورد «5». فألحِقْ كل شي‏ء بأصله الذي يناسبه «5»، فإن الوارد أبداً لا بد أن يكون فرعاً عن أصل‏ «6» كما كانت المحبة الإلهية عن النوافل من العبد «6». فهذا أثر بين مؤثِّر و مؤثَّر فيه: و كما كان الحق سمع العبد و بصره و قواه عن هذه المحبة. فهذا أثر مقرر لا يُقْدَرُ على إنكاره لثبوته شرعاً إن كنت مؤمناً. و أما العقل السليم، فهو إما «7» صاحب تجل إلهي في مجلى طبيعي فيعرف ما قلناه، و إما مؤمن مسلم يؤمن به كما ورد في الصحيح. و لا بد من سلطان الوهم أن‏ «8» يحكم على العاقل‏ «9» الباحث فيما جاء به الحق في هذه الصورة لأنه مؤمن بها. و أما غير المؤمن فيحكم على الوهم بالوهم فيتخيل بنظره الفكري أنه قد أحال على اللَّه ما أعطاه ذلك التجلي في الرؤيا، و الوهْمُ في ذلك لا يفارقه من حيث لا يشعر لغفلته عن نفسه «7»، و من ذلك قوله تعالى‏ «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ». قال تعالى‏ «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ» إذ لا يكون مجيباً إلا إذا كان‏ «10» من يدعوه، و إن كان عينُ الداعي عينَ المجيب. فلا خلاف في اختلاف الصور، فهما صورتان بلا شك. و تلك الصور كلها كالأعضاء لزيد: فمعلوم أن زيداً حقيقة واحدة شخصية، و أن يده ليست صورة رجله و لا رأسه و لا عينه و لا حاجبه. فهو الكثير الواحد:
______________________________
(1) «ا» و «ن»: و لهما
(2) ب: ساقطة
(3) ن: ساقطة.
(4) ن: ساقطة.
(5) أي الأمر الذي ينقسم إلى مؤثر و مؤثر فيه. أو ورد، أي الوارد الإلهي. ب: أورد.
(6) ب: أصل مقرر محقق‏
(7) ن: ساقطة
(8:) ن: ساقطة
(9) ن: العقل‏
(10) كان تامة: أي إذا وجد من يدعوه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 184
الكثير بالصور «1»، الواحد بالعين. و كالإنسان: واحد بالعين بلا شك. و لا نشك‏ «2» أن عَمْراً ما هو زيد و لا خالد و لا جعفر، و أن أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجوداً. فهو و إن كان واحداً بالعين، فهو «3» كثير بالصور و الأشخاص «8». و قد علمت قطعاً إن كنت مؤمناً أن الحق عينه يتجلى يوم‏ «4» القيامة في صورةٍ فيعْرَف، ثم يتحول في صورة فينكر، ثم يتحوَّل عنها في صورة فيعْرَف، و هو المتجلِّي- ليس غيره- في كل صورة. و معلوم أن هذه الصورة ما هي تلك الصورة الأخرى: فكأنَّ العين الواحدة قامت مقام المرآة، فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقده في اللَّه عَرَفَه فأقرَّ به. و إذا «5» اتفق أن يرى فيها معتقد غيره أنكره، كما يرى في المرآة صورته و صورة غيره. فالمرآة عين واحدة «6» و الصور كثيرة في عين الرائي، و ليس في المرآة صورة منها جملة واحدة، مع كون المرآة لها أثر في الصور بوجه و ما لها أثر بوجه: فالأثر الذي لها كونها تُرَدُّ الصورة متغيرة الشكل من الصغر و الكبر و الطول و العرض، فلها أثر في المقادير، و ذلك راجع إليها. و إنما كانت هذه التغيرات‏ «7» منها لاختلاف مقادير المرائي: فانظر في المثال مرآة واحدة من هذه المرايا، لا تنظر الجماعة، و هو نظرك من حيث كونه ذاتاً: فهو غني عن العالمين، و من حيث الأسماء الإلهية فذلك الوقت يكون كالمرايا: فأي اسم إلهي نظرت فيه نفسك أو من نظر، فإنما يظهر في الناظر حقيقة ذلك الاسم: فهكذا هو الأمر إن فهمت «9». فلا تجزع و لا تخف فإنَّ اللَّه يحب الشجاعة و لو على قتل حية، و ليست الحية سوى نفسك. و الحية حية لنفسها بالصورة و الحقيقة. و الشي‏ء لا يقتل‏ «8» عن نفسه. و إن أفسدت الصورة في الحس‏
______________________________
(1) ا: الصور من غير الباء
(2) ن: و لا شك‏
(3) الضمير عائد على الإنسان‏
(4) ا: في يوم‏
(5) ب: فإذا
(6) ب: واحد
(7) ب: التعبيرات.
( ب: يعقل.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 185
فإن الحد يضبطها و الخيال لا يزيلها. و إذا كان الأمر على هذا فهذا هو الأمان على الذوات و العزةُ و المنعةُ، فإنك لا تقدر على فساد الحدود. و أي عزة أعظم من هذه العزة؟ فتتخيل بالوهم أنك قتلت، و بالعقل و الوهم لم تزل الصورة موجودة في الحد «10». و الدليل على ذلك‏ «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏» «11»: و العين ما أدركت إلا الصورة المحمدية التي ثبت لها الرمي في الحس، و هي التي نفى اللَّه الرمي عنها أولًا ثم أثبته لها وسطاً، ثم عاد بالاستدراك أن اللَّه هو الرامي في صورة محمدية. و لا بد «1» من الإيمان بهذا. فانظر إلى هذا المؤثر حتى أنزل الحق في صورة محمدية «2». و أخبر الحق نفسُهُ عباده بذلك، فما قال أحد منا عنه ذلك بل هو قال عن نفسه. وَ خَبَرُهُ صدق و الإيمان به واجب، سواء أدركت علم ما قال أو لم تدركه: فإما عالم و إما مسلم مؤمن «12». و مما يدلك على ضعف النظر العقلي من حيث فكره، كون العقل يحكم على العلة أنها لا تكون معلولة لمن هي علة له «13»: هذا حكم العقل لا خفاء به، و ما في علم التجلي إلا هذا، و هو أن العلة تكون معلولة لمن هي علة له. و الذي حكم به العقل صحيح مع التحرير في النظر، و غايته في ذلك أن يقول إذا رأى الأمر على خلاف ما أعطاه الدليل النظري، إن العين بعد ثبت أنها واحدة في هذا الكثير، فمن حيث هي علة «3» في صورة من هذه الصور لمعلول ما، فلا تكون معلولة لمعلولها، في حال كونها علة، بل ينتقل الحكم بانتقالها في الصور، فتكون معلولة لمعلولها، فيصير معلولها علة لها «4». هذا غايته إذا كان قد رأى الأمر على ما هو عليه، و لم يقف‏ «5» مع نظره الفكرى. و إذا كان الأمر في العلية بهذه المثابة، فما ظنك باتساع النظر العقلي في غير هذا المضيق؟ فلا أعقل من الرسل صلوات اللَّه عليهم و قد جاءوا بما
______________________________
(1) ساقط في ن‏
(2) ساقط في ن‏
(3) ب: عليه‏
(4) ب: له‏
(5) ن: يقدح‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 186
جاءوا به في الخبر عن الجناب الإلهي، فأثبتوا ما أثبته العقل و زادوا «1» ما لا يستقل العقل بإدراكه، و ما يُحِيلُه‏ «2» العقل رأساً و يُقِرُّ به في التجلي‏ «3». فإذا خلا بعد التجلي بنفسه حَارَ فيما رآه: فإن كان عبد رب رد العقل إليه، و إن كان عبد نظر رد الحق إلى حكمه‏ «4». و هذا لا يكون إلا ما دام في هذه النشأة الدنيوية «5» محجوباً عن نشأته الأخروية في الدنيا. فإن العارفين يظهرون هنا «6» كأنهم في الصورة الدنيا لما يجري عليهم من أحكامها، و اللَّه تعالى قد حوَّلهم في بواطنهم في النشأة الأخروية، لا بد من ذلك. فهم بالصورة مجهولون إلا لمن كشف اللَّه عن بصيرته فأدرك. فما من عارف باللَّه من حيث التجلي الإلهي إلا و هو على النشأة الآخرة: قد حشر في دنياه و نشر في قبره «14»، فهو يرى ما لا ترون، و يشهد ما لا تشهدون، عناية من اللَّه ببعض عباده في ذلك. فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسية الإدريسية الذي أنشأه اللَّه نشأتين، فكان نبياً قبل نوح ثم رفع و نزل رسولًا بعد ذلك، فجمع اللَّه له بين المنزلتين فلينزل عن حكم عقله إلى شهوته، و يكون حيواناً مطلقاً حتى يَكْشِفَ ما تكشفه كل دابة ما عدا الثقلين، فحينئذ يعلم أنه قد تحقق بحيوانيته. و علامته علامتان الواحدة هذا الكشف، فيرى من يعذب في قبره و من ينعم، و يرى الميت حياً و الصامت متكلماً و القاعد ماشياً. و العلامة الثانية الخرس بحيث إنه لو أراد أن ينطق بما رآه لم يقدر فحينئذ يتحقق بحيوانيته. و كان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف غير أنه لم يحفظ عليه الخرس فلم يتحقق بحيوانيته. و لما أقامني اللَّه في هذا المقام تحققت بحيوانيتي تحققاً كلياً، فكنت أرى و أريد النطق‏
______________________________
(1) ب: فيما
(2) «ا» و «ن»: تخيله‏
(3) ب: التجلي الإلهي‏
(4) الهاء في إليه عائدة على الرب، و في حكمه عائدة على العقل‏
(5) ب: الدنيا
(6) ب: حسياً.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 187
بما أشاهده فلا أستطيع، فكنت لا أفرق بيني و بين الخرس الذين لا يتكلمون.
فإذا تحقق بما ذكرناه انتقل إلى أن يكون عقلًا مجرداً في غير مادة طبيعية، فيشهد «1» أموراً هي أصول لما يظهر في صور الطبيعة «2» فيعلم من أين ظهر هذا الحكم في صور الطبيعة «3» علماً ذوقياً. فإن كوشف على أن الطبيعة عين نَفَسِ الرحمن فقد أوتي خيراً كثيراً، و إن اقتُصِرَ معه على ما ذكرناه فهذا القدر يكفيه من المعرفة الحاكمة على عقله: فيلحق‏ «4» بالعارفين و يعرف عند «5» ذلك ذوقاً «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ»: و ما قتلهم إلا الحديد و الضارب، و الذي خلف هذه الصور. فبالمجموع وقع القتل و الرمي، فيشاهد الأمور بأصولها و صورها، فيكون تاماً. فإن شهد النَّفَسَ كان مع التمام كاملًا: فلا يرى إلا اللَّهَ عينَ ما يرى. فيرى الرائي عين المرئي «15». و هذا القدر كاف، و اللَّه الموفق الهادي.

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 23- فص- حكمة إحسانية في كلمة لقمانية   السبت يوليو 28, 2018 9:33 am

23- فص- حكمة إحسانية  في كلمة لقمانية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

23- فص- حكمة إحسانية  في كلمة لقمانية «1»

إذ شاء الإله يريد رزقاً له فالكون أجمعه غذاء
و إن شاء الإله يريد رزقاً لنا فهو الغذاء كما يشاء
مشيئته إرادته فقولوا بها قد شاءها فهي المشاء
يريد زيادة و يريد نقصاً و ليس مشاءَه إلا المشاءُ
فهذا الفرق بينهما فحقق‏ و من وجه فعينهما سواء «2»

______________________________
(1) «ا» و «ن»: فشهد
(2) ب: الصور الطبيعية
(3) ب: «فيعلم من أين يظهر في الصورة الطبيعية علماً إلخ»
(4) ا: فليلحق‏
(5) ا: بعد.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 188
قال تعالى‏ «وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ: وَ مَنْ يُؤْتَ‏ «1» الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً». فلقمان بالنص ذو «2» الخير الكثير بشهادة اللَّه تعالى له بذلك.
و الحكمة قد تكون متلفظاً بها و مسكوتاً عنها «3» مثل قول‏ «3» لقمان لابنه‏ «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ». فهذه حكمة منطوق بها، و هي أن جعل اللَّه هو الآتي بها، و قرر ذلك اللَّه في كتابه، و لم يردّ هذا القول على قائله. و أما الحكمة المسكوت عنها و عُلِمَتْ بقرينة الحال، فكونه سكت عن المؤتَى إليه بتلك الحبة، فما ذكره، و ما قال لابنه يأت بها اللَّه إليك و لا إلى غيرك. فأرسل الإتيان عاماً و جعل المؤتَى به في السموات إن كان أو في الأرض تنبيهاً لينظر الناظر «4» في قوله‏ «وَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ». فنبه لقمان بما تكلم و بما سكت عنه أن الحق عين كل معلوم، لأن المعلوم أعم من الشي‏ء فهو أنكر النكرات «4». ثم تمم الحكمة و استوفاها لتكون النشأة كاملة فيها فقال‏ «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ‏ «5»» فمن لطفه و لطافته أنه في الشي‏ء المسمى كذا المحدود بكذا عينُ ذلك الشي‏ء، حتى لا يقال فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ و الاصطلاح. فيقال هذا سماء و أرض و صخرة و شجر «6» و حيوان و ملك و رزق و طعام. و العين واحدة من كل شي‏ء و فيه. كما تقول الأشاعرة إن العالم كله متماثل بالجوهر: فهو جوهر واحد، فهو عين قولنا العين واحدة. ثم قالت و يختلف بالأعراض، و هو قولنا و يختلف و يتكثر بالصور و النسب حتى يتميز فيقال هذا ليس هذا من حيث صورته أو عرضه أو مزاجه كيف شئت فقل. و هذا عين هذا من حيث جوهره، و لهذا
______________________________
(1) «ا» و «ن»: أوتي- ب: أسقط الجزء المتوسط من الآية
(2) ب: هو ذو
(3) من قوله: «ذو الخير» إلى قوله «قول» ساقط في ن‏
(4) ب: المناظر
(5) ن: لطيف خبير. ب: اللَّه لطيف من غير إن‏
(6) ا: و شجرة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 189
يؤخذ «1» عين الجوهر في كل حد صورة و مزاج: فنقول نحن‏ «2» إنه ليس سوى الحق، و يظن المتكلم‏ «3» أن مسمى الجوهر و إن كان حقاً، ما هو عين الحق الذي يطلقه أهل الكشف و التجلي. فهذا «4» حكمة كونه لطيفاً. ثم نعت فقال «خبيراً» «5» أي عالماً عن اختبار و هو قوله‏ «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ» و هذا هو علم الأذواق. فجعل الحق نفسه مع علمه بما هو الأمر عليه مستفيداً علماً. و لا نقدر على إنكار ما نص الحق عليه في حق نفسه: ففرَّق تعالى ما بين علم الذوق و العلم المطلق، فعلم الذوق مقيد «5» بالقوى. و قد قال عن نفسه إنه عين قوى عبده في قوله «كنت سمعه»، و هو قوة من قوى العبد، «و بصره» و هو قوة من قوى العبد، «و لسانه» و هو عضو من أعضاء العبد، «و رجله و يده».
فما اقتصر في التعريف‏ «6» على القوى فحسب حتى ذكر الأعضاء: و ليس العبد بغير لهذه‏ «7» الأعضاء و القوى. فعين مسمى العبد هو الحق، لا عين العبد هو السيد، فإن النسب متميزة لذاتها، و ليس المنسوب إليه متميزاً، فإنه ليس‏ «8» ثَمَّ سوى عينه في جميع النسب. فهو «9» عين واحدة ذات نسب و إضافات و صفات. فمن تمام حكمة لقمان في تعليمه ابنه ما جاء به في هذه الآية من هذين الاسمين الإلهيين «لطيفاً خبيراً»، سَمَّى بهما اللَّه تعالى.
فلو «10» جَعَلَ ذلك في الكون- و هو الوجود- فقال «كان» لكان أَتَمَّ في الحكمة و أبلغ. فحكى اللَّه قول لقمان على المعنى كما قال: لم يزد عليه شيئاً- و إن‏
______________________________
(1) ا: يوجد
(2) يعني الصوفيين‏
(3) المقصود به المتكلم الأشعري‏
(4) ن: فهذه‏
(5) ب: مقيدة
(6) ب: بالتعريف‏
(7) ن: هذه‏
(8:) ن: ساقطة
(9) ا: فهي‏
(10) ا: و لو.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 190
كان قوله‏ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ من قول اللَّه- لما «1» علم اللَّه من لقمان أنه‏ «2» لو نطق متمماً لتمم بهذا. و أما قوله‏ «إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» لمن هي له غذاء، و ليس إلَّا الذَّرَّة المذكورة في قوله‏ «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ». فهي أصغر متغذٍ و الحبة من الخردل أصغر غذاء. و لو كان ثم أصغر لجاء به كما جاء بقوله تعالى‏ «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها «3»». ثم لما علم أنه ثَمَّ ما هو أصغر من البعوضة قال‏ «فَما فَوْقَها» يعني في الصغر. و هذا قول اللَّه- و التي في «الزلزلة» قول اللَّه أيضاً. فاعلم ذلك فنحن نعلم أن اللَّه تعالى ما اقتصر على وزن الذرة و ثَمَّ ما هو أصغر منها، فإنه جاء بذلك على المبالغة و اللَّه أعلم. و أما تصغيره اسم ابنه فتصغير رحمة: و لهذا أوصاه‏ «4» بما فيه سعادته إذا عمل بذلك. و أما حكمة وصيته في نهيه إياه أن‏ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏ «5»، و المظلوم المقام حيث نعته بالانقسام «6» و هو عين واحدة، فإنه لا يشرك معه إلا عينه و هذا غاية الجهل. و سبب ذلك أن الشخص الذي لا معرفة له بالأمر على ما هو عليه، و لا بحقيقة الشي‏ء إذا اختلفت‏ «6» عليه الصور في العين الواحدة، و هو لا يعرف أن ذلك الاختلاف‏ «7» في عين واحدة، جعل الصورة مشاركة للأخرى في ذلك المقام فجعل لكل صورة جزءاً من ذلك المقام. و معلوم في الشريك أن الأمر الذي يخصه مما وقعت فيه المشاركة «8» ليس عَين‏ «9» الآخر الذي شاركه، إذ هو للآخر «10».
______________________________
(1) «فلما» في جميع المخطوطات على تقدير حذف خبر فلما- أي فلما علم إلخ، حكى اللَّه قول لقمان على ما هو عليه. و لكن جامي و النابلسي يقرءان: لما، و أنا أفضلهما.
(2) «ا» و «ن»: ساقطة
(3) «فما فوقها» ساقط في ب‏
(4) ا: أوصى‏
(5) «ا» و «ن»: ظلم. و لكن الآية «لظلم»
(6) ب: اختلف‏
(7) ب: اختلاف‏
(8:) ا: الشركة
(9) «عين» في جميع المخطوطات الثلاثة و في شروح القاشاني و بالي و القيصري، و لكن النابلسي و جامي يقرءان «غير»
(10) ا: أو هو للآخر. ن: أو هو الآخر.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 191
فإذن ما ثم شريك على الحقيقة، فإن كل واحد على حظِّه مما قيل فيه إن بينهما مشاركة فيه. و سبب ذلك الشركةُ المشاعة، و إن كانت مشاعة فإن التصريف من أحدهما يزيل الإشاعة. «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ‏» هذا روح المسألة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 24- فص حكمة إمامية في كلمة هارونية    السبت يوليو 28, 2018 9:34 am

24- فص حكمة إمامية في كلمة هارونية   

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

24- فص حكمة إمامية في كلمة هارونية  «1»

اعلم أن وجود هارون عليه السلام كان من حضرة الرحموت بقوله تعالى‏ «وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا» يعني لموسى‏ «أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا». فكانت نبوته من حضرة الرحموت فإنه أكبر من موسى سِنّا، و كان موسى أكبر منه نبوَّة. و لما كانت نبوَّة هارون من حضرة الرحمة، لذلك قال لأخيه موسى عليهما السلام‏ «يَا بْنَ أُمَّ» فناداه بأمه لا بأبيه إذ كانت الرحمة للأم دون الأب أوفر في الحكم. و لو لا تلك الرحمة ما صبرت على مباشرة التربية. ثم قال‏ «لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي‏ و فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ». فهذا كله نَفَسٌ من أنفاس الرحمة. و سبب ذلك عدم التثبت في النظر فيما كان في يديه من الألواح التي ألقاها من يديه. فلو نظر فيها نظر تثبت لوجد فيها الهدى و الرحمة. فالهدى بيان ما وقع من الأمر الذي أغضبه مما هو هارون بري‏ء منه. و الرحمة بأخيه، فكان لا يأخذ بلحيته بمرأى من قومه مع كبره و أنه أسن منه. فكان‏ «1» ذلك من هارون شفقة على موسى لأن نبوة هارون من رحمة اللَّه، فلا يصدر منه إلا مثل هذا. ثم قال هارون لموسى عليهما السلام‏ «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ» فتجعلني سبباً في تفريقهم‏
______________________________
(1) ب: و كان.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 192
فإن عبادة العجل فرقت بينهم، فكان منهم من عبده اتباعاً للسامري و تقليداً له، و منهم من توقف عن عبادته حتى يرجع موسى إليهم فيسألونه في ذلك.
فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم‏ «1» إليه، فكان‏ «2» موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن اللَّه قد قضى ألَّا يُعْبَد «3» إلا إياه: و ما حكم اللَّه بشي‏ء إلا وقع. فكان عتب موسى أخاه هارون لِمَا وقع الأمر في إنكاره و عدم اتساعه. فإن العارف من يرى الحق في كل شي‏ء، بل يراه كل شي‏ء. فكان موسى يربي هارون تربية علم و إن كان أصغر منه في السن. و لذا لما قال له هارون ما قال، رجع إلى السامري فقال له‏ «فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ» يعني فيما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على الاختصاص، و صنعك هذا الشبح من حلي القوم حتى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم. فإن عيسى يقول لبني إسرائيل «يا بني إسرائيل قلب كل إنسان حيث ماله، فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء».
و ما سمي المال مالًا «4» إلا لكونه بالذات تميل القلوب إليه بالعبادة. فهو «5» المقصود الأعظم المعظم في القلوب لما فيها من الافتقار إليه. و ليس للصور «6» بقاء، ف لا بد من ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه. فغلبت عليه الغيرة فحرقه ثم نسف رماد تلك الصورة في اليمِّ نسفاً. و قال له‏ «انْظُرْ «7» إِلى‏ إِلهِكَ» فسماه إلهاً بطريق التنبيه للتعليم، لما علم أنه بعض المجالي الإلهية «2»: «لَنُحَرِّقَنَّهُ» فإن حيوانية الإنسان لها التصرف في حيوانية الحيوان لكون اللَّه سخرها للإنسان،
______________________________
(1) ساقطة في ب‏
(2) ب: و كان‏
(3) ب: تعبدوا. ن: نعبد
(4) ب: مال‏
(5) ا: و هو
(6) ب: المصور
(7) ن: «و قال انظر».
ب: «و قال له موسى انظر».

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 193
و لا سيما و أصله ليس من حيوان، فكان أعظم في التسخير لأن غير الحيوان ما له إرادة بل هو «1» بحكم من يتصرف فيه من غير إبائه. و أما الحيوان فهو ذو إرادة و غرض فقد يقع منه‏ «2» الإباءة في بعض التصريف: فإن كان فيه قوة إظهار ذلك ظهر منه الجموح لما يريده منه الإنسان و إن لم يكن له هذه القوة أو يصادف‏ «3» غرضَ الحيوان انقاد مذلَّلًا لما يريده منه، كما ينقاد «4» مثلُهُ لأمر فيما رفعه اللَّه به- من أجل المال الذي يرجوه منه- المعبَّر عنه في بعض الأحوال بالأجْرة في قوله‏ «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ‏ «5» فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ‏ «6» بَعْضاً سُخْرِيًّا». فما «7» يسخر له من هو مثله إلا من حيوانيته لا من إنسانيته: فإن المثلين ضدان، فيسخره الأرفع في المنزلة بالمال أو بالجاه بإنسانيته «3» و يتسخر «8» له ذلك الآخر- إما خوفاً أو طمعاً- من حيوانيته لا من إنسانيته: فما تسخر «9» له مَنْ هو مثله أ لا ترى ما بين البهائم من التحريش‏ «10» لأنها أمثال؟ فالمثلان ضدان، و لذلك قال و رفع بعضكم فوق بعض درجات:
فما «11» هو معه في درجته. فوقع‏ «12» التسخير من أجل الدرجات. و التسخير على قسمين: تسخيرٌ مراد «13» للمسخِّر، اسم فاعل قاهر في تسخيره لهذا الشخص المسخَّر كتسخير السيد لعبده و إن كان مثله في الإنسانية، و كتسخير السلطان لرعاياه، و إن كانوا أمثالًا «14» له فيسخرهم بالدرجة. و القسم الآخر تسخير «15» بالحال كتسخير الرعايا للملك‏ «16» القائم بأمرهم في الذب عنهم و حمايتهم و قتال من‏
______________________________
(1) ب: هم‏
(2) ب: ساقطة
(3) أي يصادف الإنسان‏
(4) أي كما ينقاد الإنسان مثل الحيوان لأمر منا من أجل ما رفع اللَّه به إنساناً على انسان، و يكون الانقياد من أجل المال المعبر عنه بالأجرة
(5) ا: بعضهم‏
(6) ا: بعضهم‏
(7) ب: مما
(8:) ا: و يسخر
(9) «ا» و «ن»: يسخر
(10) ب: التجريس‏
(11) فما هو أي المسخر ليس مع المسخر في درجته‏
(12) ا: فوق‏
(13) ن: مداره، و هو تحريف‏
(14) «أمثالًا له» ساقطة في ب‏
(15) ا: يسخر
(16) «ا» و «ب»: الملك.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 194
عاداهم و حفظه أموالهم و أنفسهم عليهم. و هذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون في ذلك مليكهم، و يسمى على الحقيقة تسخير المرتبة. فالمرتبة «1» حكمت عليه بذلك. فمن الملوك من سعى‏ «2» لنفسه، و منهم من عرف الأمر فعلم أنه بالمرتبة في تسخير رعاياه، فعلم قدرهم و حقهم، فآجره اللَّه على ذلك أجر العلماء بالأمر على ما هو عليه و أجر مثل هذا يكون على اللَّه في كون اللَّه في شئون عباده. فالعالَم كله مسخِّر «3» بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه أنه مسخَّر «4». قال تعالى‏ «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ». فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سُلِّط موسى عليه، حكمةً من اللَّه تعالى ظاهرة في الوجود ليُعْبَد «4» في كل صورة. و إن‏ «5» ذهبت تلك الصورة بعد ذلك فما ذهبت إلا بعد «6» ما تلبست عند عابدها بالألوهية.
و لهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا و عبد إما عبادة تأله و إما عبادة تسخير «5».
فلا بد من ذلك لمن عقل‏ «7». و ما عبد شي‏ء من العالم إلا بعد التلبس‏ «8» بالرفعة عند العابد و الظهور بالدرجة في قلبه: و لذلك تسمى‏ «9» الحق لنا برفيع الدرجات، و لم يقل رفيع الدرجة. فكثَّر الدرجات في عين واحدة. فإنه قضى ألَّا يعبد «10» إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلى إلهياً عُبِدَ فيها. و أعظم مجلى عُبِدَ فيه و أعلاه «الهوى» كما قال‏ «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» و هو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شي‏ء إلا به، و لا يعبد هو «11» إلا بذاته، و فيه أقول:
وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى‏ ولولا الهوى في القلب ما عُبِدَ الهوى‏
______________________________
(1) ب: ساقطة. ا: و المرتبة
(2) ب: يسعى‏
(3) ن: يسخر
(4) ب: لبعد
(5) ن: فإن‏
(6) ن: بعدم‏
(7) ا: غفل‏
(8:) ب: تلبس‏
(9) ب: يسمى‏
(10) ب: تعبدوا
(11) ن: ساقطة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 195
أ لا ترى علم اللَّه بالأشياء ما أكمله، كيف تمم في حق‏ «1» من عبد هواه و اتخذه إلهاً فقال‏ «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى‏ عِلْمٍ» و الضلالة «2» الحيرة: و ذلك أنه لما [1] رأى هذا العابِدَ ما عَبَدَ إلا هواه بانقياده لطاعته فيما يأمره به من عبادة من عبده من الأشخاص، حتى إن عبادته للَّه‏ «3» كانت عن هوى أيضاً، لأنه لو لم يقع له في ذلك الجناب المقدس هوى- و هو الإرادة بمحبةٍ «4»- ما عبد اللَّه و لا آثره على غيره. و كذلك كل من عبد صورة ما من صور العالم و اتخذها إلهاً ما اتخذها إلا بالهوى. فالعابد لا يزال تحت سلطان هواه. ثم رأى المعبودات تتنوع في العابدين، فكل عابدٍ أمراً ما يكفِّر من يعبد سواه، و الذي عنده أدنى تنبه‏ «5» يحار لاتحاد الهوى، بل لأحدية الهوى، فإنه عين واحدة في كل عابد. «وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ» أي حيّره‏ «عَلى‏ عِلْمٍ» بأن كل عابد ما عبد إلا هواه و لا استعبده إلا هواه سواء صادف الأمر المشروع أو لم يصادف. و العارف المكمَّل من رأى كل معبود مجلى‏ «6» للحق يعبد فيه «6» «و لذلك سمَّوه كلهم إلهاً مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك. هذا اسم الشخصية فيه. و الألوهية «7» مرتبة تخيل‏ «8» العابد له أنها مرتبة معبوده، و هي‏ «9» على الحقيقة مجلى الحق لبصر هذا العابد المعتكف على هذا المعبود في هذا المجلى المختص. و لهذا قال بعض من عرف مقالة جهالة «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏» مع تسميتهم إياهم آلهة حتى قالوا «أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ». فما أنكروه بل تعجبوا من ذلك،
______________________________
[1] جواب لما قوله «فأضله» الواردة في السطر الثامن.
______________________________
(1) «في حق» ساقطة في ب‏
(2) ا: و الضلال‏
(3) ا: حتى عبادته اللَّه.
ن: حتى عبادته للَّه‏
(4) ب: بمحبته‏
(5) «ا» و «ب»: تنبيه‏
(6) ن: محملًا
(7) ا: و الألوهة
(8:) ب: يتخيل: ا. يخيل للعابد له‏
(9) ن: و هو، و الأصح و هي أي مرتبة معبوده‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 196
فإنهم وقفوا مع كثرة الصور و نسبة الألوهة «1» لها. فجاء الرسول و دعاهم إلى إله واحد يعرَفُ و لا يُشْهَد، بشهادتهم أنهم أثبتوه عندهم و اعتقدوه في قولهم‏ «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏» لعلمهم بأن تلك الصور «2» حجارة. و لذلك قامت الحجة عليهم بقوله‏ «قُلْ سَمُّوهُمْ»: فما يسمونهم إلا بما يعلمون أن تلك الأسماء لهم حقيقة. و أما العارفون بالأمر على ما هو عليه فيظهرون بصورة الإنكار لما عبد من الصور لأن مرتبتهم في العلم تعطيهم أن يكونوا «3» بحكم الوقت لحكم الرسول الذي آمنوا به عليهم الذي به سموا مؤمنين. فهم عبَّاد الوقت «7» مع علمهم بأنهم ما عبدوا من تلك الصور أعيانها، و إنما عبدوا اللَّه فيها لحكم سلطان التجلي الذي عرفوه منهم‏ «4»، و جَهِلَه المنكِرُ الذي لا علم له بما تجلى، و يستره‏ «5» العارف المكمل من نبي و رسول و وارث عنهم. فأمرهم بالانتزاح عن تلك الصور لما انتزح عنها رسول الوقت اتباعاً للرسول طمعاً في محبة اللَّه إياهم بقوله‏ «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ». فدعا إلى إله يُصْمَد إليه و يُعْلَم من حيث الجملة، و لا يشهد «و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ»، بل‏ «هُوَ «6» يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» لِلُطفه و سريانه في أعيان الأشياء. فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك‏ «7» أرواحَهَا المدبرةَ أشباحَهَا و صورَها الظاهرة. «وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» و الخبرة ذوق، و الذوق تجل، و التجلي في الصور. فلا بد منها و لا بد منه، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت، و على اللَّه قصد السبيل.
______________________________
(1) ن: الألوهية
(2) ن: الصورة
(3) ب: يكون‏
(4) أي من الأصنام.
(5) ن: أو ستره‏
(6) ب: ساقطة
(7) «ا» و «ن»: تدركه‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية   السبت يوليو 28, 2018 9:36 am

25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية

حكمة قتل الأبناء «1» «1» من أجل موسى ليعود إليه بالإمداد حياة كل من قُتِل من أجله لأنه قتل على أنه موسى. و ما ثَمَّ جهلٌ‏ «2»، فلا بد أن تعود حياته على موسى أعني حياة «3» المقتول من أجله- و هي حياة طاهرة على الفطرة لم تدنسها الأغراض‏ «4» النفسية، بل هي على فطرة «بلى». فكان موسى مجموع حياة من قتل على أنه هو، فكل ما كان مهيئاً لذلك المقتول مما كان استعدادُ روحه له، كان في موسى عليه السلام. و هذا اختصاص إلهي بموسى لم يكن لأحد من قبله: فإن حِكَمَ موسى كثيرة و أنا إن شاء اللَّه أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري. فكان هذا أول ما شوفهتُ به من هذا الباب، فما ولد موسى إلا و هو مجموع أرواح كثيرة جمع قوى فعَّالة لأن الصغير يفعل في الكبير. أ لا ترى الطفل يفعل في الكبير بالخاصية فينزل الكبير من رياسته إليه فيلاعبه و يزقزق‏ «5» له و يظْهَر له بعقله.
فهو تحت تسخيره و هو «6» لا يشعر، ثم شغله بتربيته و حمايته و تفقد مصالحه و تأنيسه‏ «7» حتى لا يضيق صدره. هذا كله من فعل الصغير بالكبير و ذلك لقوة المقام، فإن الصغير حديث عهد بربه لأنه حديث التكوين‏
______________________________
(1) ب: الأنبياء
(2) ا: بجهل. و ما ثم جهل أي ما في قتل الأبناء على هذا الوجه جهل، بل هو مقصود لحكمة إلهية. أو ما ثم جهل بمعنى أنه علم أن كل من قتل قُتل على أنه موسى. أو معناه: و ما جهل فرعون أن قتله الأبناء على أنهم موسى كان ظلماً و عمداً فوجب القصاص‏
(3) ن: جناءه، و هو تحريف‏
(4) ا: الأغراض، بالعين‏
(5) «ا» و «ن»: و يرقرق‏
(6) ا: ساقطة
(7) ب: و تأنيه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 198
و الكبير أبعد. فمن كان من اللَّه أقرب سخَّر «1» من كان من اللَّه أبعد، كخواص المَلِك للقرب منه يسخِّرون الأبعدين. كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم يبرز بنفسه‏ «2» للمطر إذا نزل و يكشف رأسه له حتى يصيب منه و يقول إنه حديث عهد بربه. فانظر إلى هذه المعرفة باللَّه من هذا النبي ما أجلَّهَا و ما أعلاها و أَوضَحَها. فقد سخَّر المطرُ أفضل البشر لقربه من ربه فكان مِثْلَ الرسول الذي ينزل بالوحي عليه، فدعاه‏ «3» بالحال بذاته فبرز «4» إليه ليصيب منه ما أتاه به من ربه فلو لا ما حصلت له منه الفائدة الإلهية بما أصاب منه، ما برز بنفسه إليه. فهذه رسالة ماء جعل اللَّه منه كل شي‏ء حي فافهم.
و أما حكمة إلقائه في التابوت و رميه في اليمِّ: فالتابوت ناسوته، و اليم ما حصل له من العلم بواسطة هذا الجسم مما أعطته القوة النظرية الفكرية و القوى‏ «5» الحسية و الخيالية التي لا يكون شي‏ء منها و لا من أمثالها لهذه النفس الإنسانية إلا بوجود هذا الجسم العنصري. فلما حصلت النفس في هذا الجسم و أُمِرَت بالتصرف فيه و تدبيره، جعل اللَّه لها هذه القوى آلات يُتَوَصَّل‏ «6» بها إلى ما أراده اللَّه منها في تدبير هذا التابوت الذي فيه سكينة الرب «2».
فرُمِي به في اليم ليحصُلَ بهذه‏ «7» القوى على فنون العلم‏ «8» فأعلمه بذلك أنه و إن كان الروح المدبر له هو المَلِك، فإنه لا يدبره إلا به. فأصحبه هذه القوى الكائنة في هذا الناسوت الذي عبر عنه بالتابوت‏ «9» في باب الإشارات و الحِكَم.
كذلك تدبير الحق العالَم ما دبَّره إلا به أو بصورته، فما دبَّره إلا به كتوقف الولد على إيجاد الوالد «3»، و المسببات على‏أسبابها، و المشروطات على شروطها، و المعلولات‏ «10» على عللها «4»، و المدلولات على أدلتها، و المحقَّقات‏
______________________________
(1) ن: فسخر
(2) ب: نفسه‏
(3) «ب» و «ن»: يدعوه. و دعاه أي المطر دعا الرسول بلسان الحال‏
(4) «ب» و «ن»: فيبرز
(5) ب: و القوة
(6) ب: تتوصل‏
(7) ب: ساقطة
(8:) ا: العلوم‏
(9) ب: في التابوت‏
(10) ن: المعلومات‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 199
على حقائقها. و كل ذلك من العالم و هو تدبير الحق فيه. فما دبره إلا به. و أما قولنا أو بصورته- أعني صورة العالم- فأعني به الأسماء الحسنى و الصفات العلى التي تَسمّى الحق بها و اتصف بها. فما وصل إلينا من اسم تَسَمّى به إلا وجدنا معنى ذلك الاسم و روحه في العالم. فما دبر العالم أيضاً إلا بصورة العالم.
و لذلك قال في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات و الصفات و الأفعال «إن اللَّه خلق آدم على صورته». و ليست صورته سوى الحضرة الإلهية. فأوجد في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية و حقائق‏ «1» ما خرج عنه في العالم الكبير المنفصل، و جعله روحاً للعالم فسخر له العلو و السفل لكمال الصورة «2». فكما أنه ليس شي‏ء من‏ «3» العالم إلا و هو يسبح بحمده، كذلك ليس شي‏ء من‏ «4» العالم إلا و هو مسخر لهذا الإنسان «5» لما تعطيه حقيقة صورته. فقال تعالى‏ «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ». فكل ما في العالم تحت تسخير «5» الإنسان، عَلِمَ ذلك من علمه- و هو الإنسان الكامل- و جهل ذلك من جهله، و هو الإنسان الحيوان. فكانت صورة إلقاء موسى في التابوت، و إلقاء التابوت في اليم صورة هلاك، و في الباطن كانت نجاة له من القتل. فحيي كما تحيا النفوس بالعلم من موت الجهل، كما قال تعالى‏ «أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً» يعني بالجهل‏ «فَأَحْيَيْناهُ» يعني‏ «6» بالعلم، «وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» و هو الهدى، «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ» و هي الضلال‏ «لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها» أي لا يهتدي أبداً: فإن الأمر «7» في نفسه لا غاية له يوقف‏ «8» عندها «6». فالهدى هو أن يهتدي الإنسان‏
______________________________
(1) ن: ساقط
(2) ن: ساقط
(3) ب: «في»
(4) ب: «في»
(5) ب: تسخيراً
(6) ب: ساقطة
(7) ب: العلم‏
(8:) ن: فيوقف‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 200
إلى الحيرة، فيعلم‏ «1» أن الأمر حيرة و الحيرة قلق و حركة، و الحركة حياة. فلا سكون، فلا موت، و وجود، فلا عدم. و كذلك في الماء الذي به حياة الأرض و حركَتُها، قوله تعالى‏ «اهْتَزَّتْ» و حَمْلُهَا، قوله‏ «وَ رَبَتْ»، و ولادَتُهَا قوله‏ «2» «وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ». أي أنها ما ولدت إلا من يشبهها أي طبيعياً مثلها. فكانت الزوجية التي هي الشفعية لها بما تولد منها و ظهر عنها. كذلك وجود الحق كانت الكثرة له و تعداد الأسماء أنه كذا و كذا بما ظهر عنه من العالم الذي يطلب بنشأته حقائق الأسماء الإلهية. فثبت‏ «3» به و بخالقه‏ «4» أحدية الكثرة، و قد كان أحدي العين من حيث ذاته كالجوهر الهيولاني أحدي العين من حيث ذاته، كثير بالصور «5» الظاهرة فيه التي هو حامل لها بذاته. كذلك الحق بما ظهر منه من صور «6» التجلي، فكان مجلى صور «7» العالم مع الأحدية المعقولة «7». فانظر ما أحسن هذا التعليم الإلهي الذي خص اللَّه بالاطلاع عليه من شاء من عباده. و لما وجده آل فرعون في اليمِّ عند الشجرة سماه فرعون مُوسى: و المو هو الماء بالقبطية و السَّا هو الشجرة «8»، فسماه بما وجده عنده، فإن التابوت وقف عند الشجرة «9» في اليم. فأراد قتله فقالت‏ «10» امرأته- و كانت مُنْطَقَةً بالنطق الإلهي- فيما قالت‏
______________________________
(1) ا: ليعلم‏
(2) ن: ساقطة
(3) ا: فثبتت‏
(4) ا: و تخالفت. يقرأ القاشاني (ص 903) «فثنيت به» و يشرحها بمعنى الشفعية. و يقرأ «و يخالفه» أي و يخالف ما ظهر عنه من العالم أحدية الكثرة التي للحق لذاته. و يقرأ بالي (ص 390- 1) «و ثنيت به و بخالقه أحدية الكثرة». و يقرأ القيصري (ص 274) «فثبت به و بخالقه»- أي فثبت بالعالم و الحق الذي هو خالقه، أي بهذا المجموع، أحدية الكثرة كما مر في الفص الاسماعيلي أن مسمى اللَّه أحدي بالذات، كل بالأسماء و الصفات. و يقول: و صحف بعض الشارحين قوله «بخالقه» و قرأ يخالفه من الخلاف و هو خطأ.
(5) ا: بالصورة
(6) ا: صورة
(7) ا: صورة
(8:) ا: «الشجر»
(9) ا: «الشجر»
(10) ب: فقالت له.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 201
لفرعون، إذ كان اللَّه تعالى خلقها للكمال كما قال عليه السلام عنها حيث شهد «1» لها و لمريم بنت عمران بالكمال الذي هو للذُّكران‏ «2»- فقالت لفرعون في حق موسى إنه‏ «قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ». فبه قرَّت عينها بالكمال‏ «3» الذي حصل لها كما قلنا، و كان قرة عين لفرعون‏ «4» بالإيمان الذي أعطاه اللَّه عند الغرق.
فقبضه طاهراً مطهراً ليس فيه شي‏ء من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه «8» قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام. و الإسلام يَجُبُ‏ «5» ما قبله. و جعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء «6» حتى لا ييأس أحد من رحمة اللَّه، «فإنه‏ «7» لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ‏ «8» إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ». فلو كان فرعون ممن‏ «9» يئس ما بادر إلى الايمان.
فكان موسى عليه السلام كما قالت امرأة فرعون فيه «إنه‏ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا». و كذلك وقع فإن اللَّه نفعهما به عليه السلام و إن كانا ما شعرا بأنه هو النبي الذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون و هلاك آله. و لما عصمه اللَّه من فرعون‏ «أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً» من الهم الذي كان قد أصابها. ثم إن اللَّه حرم عليه المراضع حتى أقبل على ثدي أمه فأرضعته ليكمِّل اللَّه لها سرورها به. كذلك‏ «10» علم الشرائع، كما قال تعالى‏ «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» أي طريقاً. و منهاجاً أي من تلك الطريقة جاء «9». فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي منه جاء. فهو غذاؤه كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله.
فما «11» كان حراماً في شرع يكون حلالًا في شرع آخر يعني في الصورة: أعني‏
______________________________
(1) ب: ساقطة
(2) ن: الذكران‏
(3) ا: في الكمال‏
(4) ن: ساقطة
(5) ب: يحب‏
(6) ن: يشاء
(7) ن: ساقط. و يقرأ ا: رحمه اللَّه بدلا من روح اللَّه‏
(8:) ن: ساقط. و يقرأ ا: رحمه اللَّه بدلا من روح اللَّه‏
(9) ن: ساقط
(10) ب: فكذلك‏
(11) ن: فكان‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 202
قولي يكون حلالًا، و في نفس الأمر ما هو عين ما مضى، لأن الأمر خلق جديد و لا تكرار. فلهذا نبهناك. فكنَّى عن هذا في حق موسى بتحريم المراضع:
فأمه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته، فإن أم الولادة حملته على جهة الأمانة فتكوَّن فيها و تغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتى لا يكون لها عليه امتنان، فإنه ما تغذى إلا بما «1» لو لم يَتَغَذَّ به و لم‏ «2» يَخْرُج عنها ذلك الدم لأهلكها و أمرضها. فللجنين المنة على أمه بكونه تغذى بذلك الدم فوقاها بنفسه من الضرر الذي كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عندها و لا يخرج و لا يتغذى به جنينها. و المرضعة ليست كذلك، فإنها قصدت برضاعته حياته و إبقائه. فجعل اللَّه ذلك لموسى في أم ولادته، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلا لأم ولادته لتقر «3» عينها أيضاً بتربيته و تشاهد انتشاءه‏ «4» في حجرها، «وَ لا تَحْزَنَ». و نجاه اللَّه من غم التابوت، فخرق ظلمة الطبيعة بما أعطاه اللَّه من العلم الإلهي و إن لم يخرج عنها، و فتنه فتوناً أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقق في نفسه صبره على ما ابتلاه اللَّه‏ «5» به. فأول ما أبلاه اللَّه به‏ «6» قتله القبطي بما ألهمه اللَّه و و فقه له في سِرِّه‏ «7» و إن لم يعلم بذلك، و لكن لم يجد في نفسه اكتراثاً بقتله مع كونه ما توقف حتى يأتيه أمر ربه بذلك، لأن النبي معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتى يُنَبَّأ أي يخبر بذلك. و لهذا أراه الخضر قتل الغلام فأنكر «8» عليه قتله و لم يتذكر قتله القبطي فقال له الخضر «ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي» ينبهه‏ «9» على مرتبته قبل أن ينبأ أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر و إن لم يشعر بذلك. و أراه أيضاً خرق السفينة التي ظاهرها هلاك و باطنها نجاة «10» من يد الغاصب. جعل له ذلك‏
______________________________
(1) ب: بما أنه‏
(2) ا: و لو لم‏
(3) ب: ليقر
(4) ا: انتشاه‏
(5) ن: ساقطة
(6) ا: ساقطة
(7) ن: أمره‏
(8:) ب: فأنكر موسى‏
(9) ب: نبهه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 203
في مقابلة التابوت له الذي كان في اليمِّ مُطبقاً عليه. فظاهره هلاك و باطنه نجاة.
و إنما فعلت به أمه ذلك خوفاً من يد الغاصب فرعون أن يذبحه صبراً «11» «1» و هي تنظر إليه، مع الوحي الذي ألهمها اللَّه به من حيث لا تشعر. فوجدت في نفسها أنها ترضعه فإذا خافت عليه ألقته في اليم لأن في المَثَل «عين لا ترى قلب لا يفجع» «2». فلم تخفْ عليه خوف مشاهدة عين، و لا حزنت عليه حزن رؤية بصر، و غلب على ظنها أن اللَّه ربما ردَّه إليها لحسن‏ «3» ظنها به. فعاشت بهذا الظن في نفسها، و الرجاء يقابل الخوف و اليأس، و قالت حين أُلْهِمَتْ لذلك‏ «4» لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون و القبط على يديه. فعاشت و سُرَّتْ بهذا التوهم و الظن بالنظر إليها، و هو علم في نفس الأمر. ثم‏ «5» إنه لما وقع عليه الطلب خرج فارّاً- خوفاً في الظاهر، و كان في المعنى حبًّا للنجاة. فإن الحركة أبداً إنما هي حبِّية، و يُحْجب‏ «6» الناظر فيها بأسباب أخر «12»، و ليست تلك 34. و ذلك لأن الأصل حركة العلم من العدم الذي كان ساكناً فيه إلى الوجود، و لذلك يقال إن الأمر حركة عن سكون: فكانت‏ «7» الحركة التي هي وجود العالم حركة حب. و قد نبَّه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم على ذلك بقوله «كنت كنزاً «8» لم أُعْرَف فأحببت أن أُعْرف‏ «9»». فلو لا هذه المحبة ما ظهر العالم في عينه. فحركته من العدم إلى الوجود حركة حب الموجِد لذلك: و لأن العالم أيضاً يحب شهود نفسه وجوداً كما شهدها ثبوتاً، فكانت بكل وجه حركته من العدم الثبوتي إلى الوجود حركة «10» حبٍ من جانب الحق و جانبه: فإن‏
______________________________
(1) ب: ضيراً. قرأها هكذا القاشاني و بالي و القيصري. و نص جامي على أنها صبراً بالصاد و الباء و أن ضيراً تحريف. و قتله صبراً قول مشهور
(2) ن: تيجع‏
(3) ن: بحسن‏
(4) الجار و المجرور متعلق بقالت: أي قالت من أجل ذلك لعل إلخ‏
(5) ا: ساقطة
(6) ب: و حجب‏
(7) ب: و كانت‏
(8:) ب: كنزاً مخفياً.
(9) «أن أعرف» ساقط في ب‏
(10) ن: و حركه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 204
الكمال محبوب لذاته، و علمه تعالى بنفسه من حيث هو غني عن العالمين، هُوَ لَهُ‏ «1». و ما بقي إلا تمام مرتبة العلم بالعلم‏ «2» الحادث الذي يكون من هذه الأعيان، أعيان العالم، إذا وجدت. فتظهر صورة الكمال بالعلم المحدَث و القديم فتكمل مرتبة العلم بالوجهين، و كذلك تكمل مراتب الوجود: فإن الوجود منه أزلي و غير أزلي و هو «3» الحادث. فالأزلي وجود الحق لنفسه، و غير الأزلي وجود الحق بصورة «4» العالم الثابت. فيسمى‏ «5» حدوثاً لأنه ظهر بعضه لبعضه و ظهر لنفسه بصور «6» العالم. فكمل الوجود فكانت حركة العالم حبيَّة للكمال فافهم «13». أ لا تراه كيف نفَّس عن الأسماء الإلهية ما كانت تجده من عدم ظهور آثارها في عين‏ «7» مسمى العالم، فكانت الراحة محبوبة له‏ «8»، و لم يوصل إليها إلا بالوجود «9» الصوري الأعلى و الأسفل. فثبت أن الحركة كانت للحب، فما ثَمَّ حركة في الكون إلا و هي حبيَّة. فمن العلماء من يعلم ذلك و منهم من يحجبه السبب الأقرب لحكمه‏ «10» في الحال و استيلائه على النفس. فكان الخوف لموسى مشهوداً له بما وقع من قتله القبطي، و تضمَّن الخوفُ حبَّ النجاة من القتل «14». ففر لمَّا خاف، و في المعنى ففر لمَّا أحبَّ النجاة من فرعون و عمله به.
فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت الذي هو كصورة الجسم للبشر.
و حب النجاة مُضَمن‏ «11» فيه تضمين الجسد للروح المدبر له. و الأنبياء لهم لسان الظاهر به يتكلمون لعموم الخطاب، و اعتمادهم على فهم العالِمِ السامع.
فلا يَعْتَبر الرسل إلا العامة لعلمهم بمرْتبة «12» أهل الفهم، كما نبه عليه السلام على‏
______________________________
(1) ب: هو له بذاته‏
(2) «ا» و «ن»: و ما بقي إلا تمام معرفة العلم به. فالعلم إلخ‏
(3) ب: فهو
(4) ب: بصور
(5): فسمى- ن: يسمى‏
(6) ن: بصورة
(7) ا: عن‏
(8:) ا: ساقطة
(9) ا: الوجود له‏
(10) ا: بحكمة
(11) ا: تضمن‏
(12) ن: مرتبه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 205
هذه المرتبة «1» في العطايا فقال «إني لأعطي الرجل و غيرُهُ أَحب إليّ منه مخافة أن يكبه اللَّه في النار». فاعتبر الضعيف العقل و النظر الذي غلب عليه الطمع و الطبْع. فكذا ما جاءوا به من العلوم جاءوا به و عليه خِلْعَة أدنى الفهوم ليقف من لا غوْصَ‏ «2» له عند الخلعة، فيقول ما أحسن هذه الخلعة و يراها غاية الدرجة. و يقول صاحب الفهم الدقيق الغائص على درر الحِكَم- بما استوجب هذا- «هذه الخلعة من الملك». فينظر في قدر الخلعة و صنفها من الثياب، فيعلم منها قدر من خلعت عليه، فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممن لا علم له بمثل هذا.
و لما علمت الأنبياء و الرسل و الورثة أن في العالم و أممهم‏ «3» من هو بهذه المثابة، عمدوا «4» في العبارة إلى اللسان الظاهر الذي يقع فيه اشتراك‏ «5» الخاص و العام، فيفهَم منه الخاص ما فهم العامة منه و زيادة مما صح له به اسم أنه‏ «6» خاص، فيتميز به عن العامي. فاكتفى‏ «7» المبلغون‏ «8» العلوم بهذا. فهذا حكمة قوله عليه السلام‏ «فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ»، و لم يقل ففررت منكم حباً في السلامة و العافية. فجاء إلى مدين فوجد الجاريتين‏ «فَسَقى‏ لَهُما» من غير أجر، «ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ» الإلهي فقال‏ «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» فجعل عين عمله‏ «9» السقي عين الخير الذي أنزله اللَّه إليه، و وصف نفسه بالفقر إلى اللَّه في الخير الذي عنده. فأراد الخضر إقامة الجدار من غير أجر فعتبه‏ «10» على ذلك، فذكره سقايته من غير أجر، إلى غير ذلك مما لم‏ «11» يذكر حتى تمنى صلى اللَّه عليه و سلم أن يسكت موسى عليه السلام و لا يعترض حتى يقص‏ «12» اللَّه عليه من أمرهما
______________________________
(1) ا: الرتبة
(2) ا: غرض. ن: عرض‏
(3) ب: و في أمتهم. ن: و أمتهم‏
(4) ب: عهدوا
(5) ن: الاشتراك‏
(6) ن: ساقطة
(7) ن: و اكتفى.
(8:) ا: المتلقون‏
(9) ا: علمه‏
(10) ن: فعيبه‏
(11) ن: ساقطة
(12) ب: يقضي.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 206
فيعلم بذلك ما وفق إليه موسى من غير «1» علم منه. إذ لو كان على‏ «2» علم ما أنكر مثل ذلك على الخضر الذي قد شهد اللَّه له عند موسى و زكاه و عدَّله‏ «3». و مع هذا غفل موسى عن تزكية اللَّه‏ «4» و عما شرطه‏ «5» عليه في اتباعه، رحمة بنا إذا نسينا أمر اللَّه. و لو كان موسى عالماً بذلك لما قال له الخضر «ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» أي إني على علم لم يحصل لك عن ذوق كما أنت على علم لا أعلمه أنا «15». فأنْصَفَ. و أما حكمة فراقه فلأن الرسول يقول اللَّه فيه‏ «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا». فوقف العلماء باللَّه الذين يعرفون قدر الرسالة و الرسول عند هذا القول. و قد علم الخضر أن موسى رسول اللَّه فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفي الأدب حقه مع الرسول‏ «6»: فقال له‏ «إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي» فنهاه عن صحبته. فلما وقعت منه الثالثة قال: «هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ». و لم يقل له موسى لا تفعل و لا طلب صحبته لعلمه بقدر الرتبة التي هو فيها التي نطقته بالنهي عن أن يصحبه. فسكت موسى و وقع الفراق. فانظر إلى كمال هذين الرجلين في العلم و توفيقة الأدب الإلهي حقه و إنصاف الخضر فيما اعترف به عند موسى عليه السلام حيث قال له «أنا على علم علمنيه اللَّه لا تعلمه أنت، و أنت على علم علمكه اللَّه لا أعلمه أنا». فكان هذا الإعلام في الخضر لموسى دواء لما جرحه به في قوله‏ «وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» مع علمه بعلو رتبته بالرسالة، و ليست تلك الرتبة للخضر. و ظهر ذلك في الأمة المحمدية في حديث إبَار النخل، فقال عليه السلام لأصحابه «أنتم أعلم بمصالح دنياكم».
و لا شك أن العلم بالشي‏ء خير من الجهل به: و لهذا «7» مدح اللَّه نفسه بأنه بكل‏
______________________________
(1) ب: ساقطة
(2) ب: عن‏
(3) عدله أي زكاه‏
(4) ب: اللَّه له‏
(5) ا: شرطه‏
(6) ن: الرسل‏
(7) ا: و بهذا.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 207
شي‏ء عليم‏ «1» فقد اعترف صلى اللَّه عليه و سلم لأصحابه بأنهم أعلم بمصالح الدنيا «2» منه لكونه لا خبرة «3» له بذلك فإنه علم ذوق و تجربة و لم يتفرغ عليه السلام لعلم ذلك، بل كان‏ «4» شغله بالأهم فالأهم. فقد نبهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه. و قوله‏ «فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً» يريد الخلافة، «وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» يريد الرسالة «16»: فما كل رسول خليفة.
فالخليفة صاحب السيف و العزل و الولاية. و الرسول ليس كذلك: إنما عليه بلاغ‏ «5» ما أُرسل به: فإن قاتل عليه و حماه بالسيف فذلك الخليفة الرسول. فكما أنه ما كل نبي رسول، كذلك ما كل رسول خليفة- أي ما أُعْطِيَ الملك و لا التحكم فيه. و أما حكمة سؤال فرعون عن الماهية الإلهية فلم يَكن‏ «6» عن جهل، و إنما كان عن اختبار «17» حتى يرى جوابه مع دعواه الرسالة عن ربه- و قد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم- فيستدل بجوابه على صدق دعواه. و سأل سؤال إيهام‏ «7» من أجل الحاضرين حتى يعرِّفهم من حيث لا يشعرون بما شعر هو في نفسه في سؤاله: ف إذا أجابه جواب العلماء بالأمر أظهر فرعون- إبقاء لمنصبه- أن موسى ما أجابه على سؤاله، فيتبين عند الحاضرين- لقصور فهمهم- أن فرعون أعلم من موسى. و لهذا لما قال له في الجواب ما ينبغي- و هو في الظاهر غير جواب ما سئل عنه، و قد علم فرعون أنه لا يجيبه إلا بذلك- فقال لأصحابه‏ «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» أي مستور عنه علم ما سألته عنه، إذ لا يتصور أن يعلم أصلًا. فالسؤال صحيح، فإن السؤال‏
______________________________
(1) ا: محيطه‏
(2) ا: دنياهم‏
(3) ا: لا خبر
(4) ا: كل‏
(5) ب: البلاغ لما
(6) ا: تكن‏
(7) إبهام بالباء في المخطوطات الثلاثة و لكن جامي يقرؤها إيهام و يقول هكذا كانت في نسخة المؤلف. و المراد سؤال يوهم خلاف المقصود.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 208
عن الماهية سؤال عن حقيقة المطلوب، و لا بد أن يكون على حقيقة في نفسه‏ «1».
و أما الذين جعلوا الحدود مركبة من جنس و فصل، فذلك في كل ما يقع فيه الاشتراك، و مَنْ لا جنس له لا يلزم ألّا «2» يكون على حقيقة في نفسه لا تكون لغيره. فالسؤال صحيح على مذهب أهل الحق و العلم الصحيح و العقل السليم، و الجواب عنه لا يكون إلا بما أجاب به موسى. و هنا سر كبير، فإنه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحد الذاتي، فجعل الحد الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم، أو ما ظهر فيه من صور العالم. فكأنه قال في جواب قوله‏ «وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ»- قال- الذي يظهر فيه صور العالمين من علو- و هو السماء- و سفل و هو الأرض: «إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ»، أو يظهر «3» هو بها. فلما قال فرعون لأصحابه «إنه لمجنون» كما قلنا في معنى كونه مجنوناً، زاد موسى في البيان‏ «4» ليَعْلم فرعون رتبته‏ «5» في العلم الإلهي لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك: فقال: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ» فجاء بما يَظْهَر و يُسْتَر، و هو الظاهر و الباطن، و ما بينهما و هو قوله‏ «بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ»*. «إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ»* «18»: أي إن كنتم أصحاب تقييد، فإن العقل يقيد «6». فالجواب الأول جواب الموقنين و هم أهل الكشف و الوجود.
فقال له‏ «إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ» أي أهل كشف و وجود، فقد أعلمتكم بما تيقنتموه في شهودكم و وجودكم، فإن‏ «7» لم تكونوا من هذا الصنف، فقد أجبتكم في الجواب الثاني إن كنتم أهل عقل و تقييد و حصر. ثم الحقُّ فيما تعطيه أدلة عقولكم. فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون فضله و صدقه. و علِمَ موسى أن فرعون علم ذلك‏
______________________________
(1) ب: «في نفسه لا تكون لغيره، فالسؤال صحيح»
(2) ن: أن‏
(3) ب: يظهر فيها هو بها
(4) ا: زاد في البيان موسى‏
(5) ب: مرتبته‏
(6) ب: فإن للعقل التقييد
(7) ا: و إن.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 209
- أو يعلم ذلك- لكونه سأل عن الماهية، فعلم أنه ليس سؤاله على اصطلاح القدماء في السؤال بما «1»، فلذلك‏ «2» أجاب. و لو «3» علم منه غير ذلك لخطَّأه في السؤال. فلما جعل موسى المسئول عنه عين العالم، خاطبه فرعون بهذا اللسان‏ «4» و القوم لا يشعرون. فقال له‏ «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ».
و السين في «السجن» من حروف الزوائد: أي لأسترنك: فإنك أجبت بما أيدتني به أن أقول لك مثل هذا القول. فإن قلت لي: فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي، و العين واحدة، فكيف فرقت، فيقول فرعون إنما فرَّقَتْ المراتب‏ «5» العينَ، ما تفرقت العين و لا انقسمت في ذاتها. و مرتبتي الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل، و أنا أنت بالعين و غيرك بالرتبة. فلما فهم‏ «6» ذلك موسى منه أعطاه حقه في كونه‏ «7» يقول له لا تقدر على ذلك، و الرتبة «8» تشهد له بالقدرة عليه و إظهار الأثر فيه: لأن الحق في رتبة فرعون من الصورة «9» الظاهرة، لها التحكم على الرتبة التي كان فيها ظهور موسى في ذلك المجلس. فقال له، يظهر «10» له المانع من تعديه عليه، «أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ». فلم يسَعْ فرعونَ إلا أن يقول له‏ «فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» حتى لا يظهر فرعون عند الضعفاء الرأي من قومه‏ «11» بعدم الإنصاف فكانوا يرتابون فيه، و هي الطائفة التي استخفها «12» فرعون فأطاعوه‏ «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ»: أي خارجين عما تعطيه العقول الصحيحة من إنكار ما ادعاه فرعون باللسان الظاهر «13» في العقل،
______________________________
(1) ا: بها. ب: بما هو
(2) ا: و لذلك. ب:+ بما هو لكونهم لا يجيزون السؤال عن ماهية ما لا حد له بجنس و فصل، فلما علم موسى ذلك، فلذلك إلخ‏
(3) «ب» و «ن»: فلو
(4) ب: اللسان الكشفي‏
(5) ب: مراتب‏
(6) ن: أفهم‏
(7) أي حالة كونه‏
(8:) ب: و الرتبة الفرعونية
(9) ا: الصور
(10) ن: ساقطة
(11) ب: قوله‏
(12) ب: استحقها
(13) ب: الظاهري.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 210
فإن له حداً يقف عنده إذا جاوزه‏ «1» صاحب الكشف و اليقين. و لهذا جاء موسى في الجواب‏ «2» بما يقبله الموقن و العاقل خاصة «19». «فَأَلْقى‏ عَصاهُ»*، و هي صورة ما عَصَى به فرعونُ موسى في إبائه عن إجابة دعوته، «فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ»* أي حيَّة ظاهرة. فانقلبت المعصية التي هي السيئة طاعة أي حسنة كما قال‏ «يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» يعني في الحكم. فظهر الحكم هنا عيناً متميزة في جوهر واحد «20». فهي العصا و هي الحية و الثعبان الظاهر، فالتقم أمثاله من الحيَّات من كونها حية و العصيَّ من كونها عصاً. فظهرت‏ «3» حجة موسى على حجج فرعون في صورة عِصيّ و حيات و حبال، فكانت للسحرة الحبال‏ «4» و لم يكن لموسى حبل. و الحبل التل الصغير: أي مقاديرهم بالنسبة إلى قدر موسى بمنزلة الحبال من الجبال الشامخة. فلما رأت السحرة ذلك علموا رتبة موسى في العلم، و أن الذي رأوه ليس من مقدور البشر: و إن كان من مقدورا لبشر فلا يكون إلا ممن له تميز «5» في العلم المحقَّق عن التخيل و الإيهام. فآمنوا برب العالمين رب موسى و هارون: أي الرب الذي يدعو إليه موسى و هارون، لعلمهم بأن القوم يعلمون أنه ما دعا لفرعون. و لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، و أنه الخليفة بالسيف- و إن جار في العرف الناموسي- لذلك قال‏ «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏»: أي و إن كان الكل أرباباً بنسبة ما «6» فأنا الأعلى منهم بما أُعْطِيته في الظاهر من التحكم فيكم. و لما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه و أقروا له بذلك فقالوا له: إنما تقضي هذه الحياة الدنيا
______________________________
(1) ب: حاوره‏
(2) ب: بالجواب‏
(3) ا: فظهر
(4) ب: الجبال‏
(5) ب: تمييز
(6) ب: بنسبة ما و إضافة لمن ير به: و لعل هذه الإضافة مقتبسة من شرح القاشاني لأنها واردة فيه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 211
فاقض ما أنت قاض‏ «1»، فالدولة لك‏ «2». فصح قوله‏ «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏». و إن كان عين‏ «3» الحق فالصورة لفرعون. فقطع الأيدي و الأرجل و صلب بعين حق في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل. فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة اقتضتها، فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا تبديل لكلمات اللَّه. و ليست كلمات اللَّه سوى أعيان الموجودات «21»، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها، و ينسب إليها الحدوث من حيث وجودها و ظهورها. كما تقول حدث عندنا اليوم إنسان أو ضيف، و لا يلزم من حدوثه أنه ما «4» كان له وجود قبل هذا الحدوث. لذلك‏ «5» قال تعالى في كلامه العزيز أي في إتيانه مع قدم كلامه‏ «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ»: «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ». و الرحمن‏ «6» لا يأتي إلا يأتي إلا بالرحمة. و من أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة. و أما قوله‏ «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ» إلا قوم يونس، فلم يدل ذلك على أنه لا ينفعهم في الآخرة لقوله‏ «7» في الاستثناء إلا قوم يونس، فأراد أن ذلك لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه. هذا إن كان أمره أمر «8» من تيقن بالانتقال في تلك الساعة. و قرينة الحال تعطي أنه ما كان على يقين من الانتقال، لأنه عاين المؤمنين يمشون في الطريق اليَبَس الذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر. فلم يتيقن فرعون بالهلاك إذ آمن، بخلاف‏
______________________________
(1) الآية معكوسة و أصلها «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا» (قرآن سورة طه آية 75)
(2) ب: له‏
(3) ب: غير
(4) ا: ساقطة
(5) ب: و لذلك‏
(6) «ا» و «ن»: و الرحمة
(7) «ا» و «ب»: بقوله‏
(8:) ن: ساقطة

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 212
المحتضر حتى لا يلحق به. فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقن‏ «1» بالنجاة، فكان كما تيقن لكن على‏ «2» غير الصورة التي أراد. فنجاه اللَّه من عذاب الآخرة في نفسه، و نجَّى بدَنه كما قال تعالى‏ «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً»، لأنه لو غاب بصورته ربما قال قومه احتجب. فظهر بالصورة المعهودة ميتاً ليُعْلَم أنه هو. فقد عمته النجاة حساً و معنى. و من حَقَّت عليه كلمة العذاب الأخروي لا يؤمن و لو جاءته كل آية حتى يروا «3» العذاب الأليم، أي يذوقوا العذاب الأخروي. فخرج فرعون من هذا الصنف. هذا هو الظاهر الذي ورد به القرآن. ثم إنّا نقول بعد ذلك: و الأمر فيه إلى اللَّه، لما استقر في نفوس عامة الخلق من شقائه، و ما لهم نص‏ «4» في ذلك يستندون إليه. و أما آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضعه. ثم لتعلم أنه ما يقبض اللَّه أحداً إلا و هو مؤمن أي مصدِّق بما جاءت به الأخبار الإلهية: و أعني من المحتضرين «22»: و لهذا يُكرَه موت الفجاءة و قتل الغفلة. فأما موت الفجاءة فحدُّه أن يخرج النفس الداخل و لا يدخل النفس الخارج. فهذا موت الفجاءة. و هذا غير المحتضر. و كذلك قتل الغفلة بضرب عنقه من ورائه و هو لا يشعر: فيقبض على ما كان عليه من إيمان أو كفر. و لذلك قال عليه السلام «و يحشر على ما عليه مات‏ «5»» كما أنه يُقْبَض على ما كان عليه. و المحتضر ما يكون إلا صاحب شهود، فهو صاحب إيمان بما ثَمَّة «6». فلا يقبض إلا على ما كان عليه، لأن «كان» حرف وجودي‏ «7» لا ينجر معه الزمان إلا بقرائن الأحوال: فيفرق بين الكافر المحتَضَر في الموت و بين الكافر المقتول غفلة أو الميت فجاءة كما قلنا في حد الفجاءة. و أما حكمة التجلي و الكلام‏
______________________________
(1) ا: اليقين‏
(2) ب: ساقطة
(3) ا: رأوا
(4) ن: من ناصر
(5) ا: ما مات عليه. ن: و يحشر ما مات عليه‏
(6) ا: تقدم ثم‏
(7) «ا» و «ن»: حرفاً وجودياً.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 213
في صورة النار، فلأنها «1» كانت بغية موسى «23». فتجلى له في مطلوبه ليُقْبِلَ عليه و لا يعرض عنه. فإنه لو تجلى له في غير صورة مطلوبه أعرض عنه لاجتماع همه‏ «2» على مطلوب خاص. و لو أعرض لعاد عمله عليه و أعرض‏ «3» عنه الحق، و هو مصطفىً مقرب. فمن قربه أنه تجلى له في مطلوبه و هو لا يعلم.
كنار موسى رآها «4» عين حاجته‏ و هو الإله و لكن ليس يدريه‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 26- فص حكمة صمدية في كلمة خالدية   السبت يوليو 28, 2018 9:39 am

26- فص حكمة صمدية في كلمة خالدية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

26- فص حكمة صمدية في كلمة خالدية

و أما حكمة خالد بن سنان «1» فإِنه أظهر بدعواه النبوةَ البرزخيةَ، فإِنه ما ادَّعى الإخبار بما هنالك إلا بعد الموت: فأمر أن ينبش عليه و يسأل فيخبر أن الحكم في البرزخ على صورة الحياة الدنيا، فيعلم بذلك صدق الرسل كلهم فيما أخبروا به في حياتهم الدنيا. فكان غرض خالد صلى اللَّه عليه و سلم إيمان العالم كله بما جاءت به الرسل ليكون رحمة للجميع: فإنه تشرف‏ «5» بقرب نبوته من نبوة محمد صلى اللَّه عليه و سلم، و علم أن‏ «6» اللَّه أرسله رحمة للعالمين. و لم يكن خالد برسول، فأراد أن يحصل من هذه الرحمة في الرسالة المحمدية على حظ وافر. و لم يؤمر بالتبليغ، فأراد أن يحظى بذلك في البرزخ ليكون أقوى في العلم في حق الخلق. فأضاعه قومه. و لم‏ «7» يصف النبي صلى اللَّه عليه و سلم قومه‏ «8» بأنهم ضاعوا و إنما وصفهم بأنهم أضاعوا نبيهم حيث لم يبلغوه مراده، فهل بلَّغه اللَّه أجر أمنيته؟ فلا شك و لا خلاف أن له أجر الأمنية «9»، و إنما الشك و الخلاف في أجر المطلوب: هل يساوي تمني وقوعه عدمَ‏ «10»
______________________________
(1) «ن» و «ا»: لأنها
(2) ب: همته‏
(3) «ب» و «ن»: فأعرض‏
(4) «ب» و «ن» يراها
(5) ن: أشرف‏
(6) ب: ساقطة
(7) ن: ساقط
(8:) ن: ساقط
(9) ن: أمنيته‏
(10) ب: مع عدم.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 214
وقوعه بالوجود أم لا. فإن في الشرع ما يؤيد التساوي في مواضع كثيرة: كالآتي للصلاة «1» في الجماعة فتفوته الجماعة فله أجر من حضر الجماعة، و كالمتني مع فقره ما هم عليه أصحاب الثروة و المال من فعل الخيرات‏ «2» فله مثل أجورهم. و لكن مثل أجورهم في نياتهم أو في عملهم‏ «3» فإنهم جمعوا بين العمل و النية؟ و لم ينص النبي عليهما «4» و لا على واحد منهما. فالظاهر أنه لا تساوي بينهما. و لذلك طلب خالد بن سنان الإبلاغ حتى يصح له مقام الجمع بين الأمرين فيحصل على الأجرين و اللَّه أعلم‏ «5».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عبدالله المسافر

avatar

ذكر
عدد الرسائل : 389
تاريخ التسجيل : 21/11/2017

مُساهمةموضوع: 27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية   السبت يوليو 28, 2018 9:40 am

27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية

كتاب فصوص الحكم الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي

27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية «1»

إنما كانت حكمته فردية لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، و لهذا بُدِئَ به الأمر و ختم «2» «6»: فكان نبياً و آدم بين الماء و الطين، ثم كان بنشأته العنصرية خاتم النبيين. و أولُ الأفراد الثلاثةُ، و ما زاد على هذه الأولية من الأفراد فإنها عنها.
فكان عليه السلام أدلَّ دليل على ربه، فإنه أوتي جوامع الكلم التي هي مسمّيات أسماء «7» آدم، فأشبه الدليل في تثليثه، و الدليل دليل‏ «8» لنفسه «3». و لما كانت حقيقته تعطي الفردية الأولى بما هو مثلث النشأة «9»، لذلك قال في باب المحبة التي هي أصل الموجودات «حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثلاث» بما فيه من التثليث، ثم ذكر النساء و الطيب و جعلت قرة عينه في الصلاة. فابتدأ بذكر النساء و أخَّر الصلاة، و ذلك لأن‏
______________________________
(1) ا: إلى الصلاة. ب: الصلاة
(2) ا: الخير فيه. ن: الخير
(3) ب: أعمالهم‏
(4) «ا» و «ن»: ساقطة
(5) ا:+ بالصواب‏
(6) ب: و ختم به‏
(7) ن: أبينا
(8:) ن: ساقطة
(9) «ا» و «ب»: النش‏ء

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 215
المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها. و معرفة الإنسان بنفسه مقدَّمة على معرفته بربه، فإن معرفته بربه نتيجة عن معرفته بنفسه. لذلك قال عليه السلام «من عرف نفسه عرف‏ «1» ربه». فإن شئت قلت بمنْع المعرفة في هذا الخبر و العجز عن الوصول فإنه سائغ فيه، و إن شئت قلت بثبوت المعرفة.
فالأول أن تعرفَ أنَّ نفسك لا تعرفها فلا تعرف ربك: و الثاني أن تعرفها فتعرف ربك. فكان محمد صلى اللَّه عليه و سلم أوضح دليل على ربه، فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربه فافهم «4». فإنما حُبِّب إليه النساء فحنَّ إليهن لأنه من باب حنين‏ «2» الكل إلى جزئه، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق «5» «3» في قوله في هذه النشأة الإنسانية العنصرية «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»*. ثم وصف‏ «4» نفسه بشدة الشوق إلى لقائه فقال للمشتاقين‏ «5» «يا داود إني أشد شوقاً إليهم» يعني المشتاقين إليه. و هو لقاء خاص: فإنه قال في حديث الدَّجَّال إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت، فلا بد من الشوق لمن هذه صفته. فشوق الحق لهؤلاء المقربين مع كونه يراهم فيحبُ‏ «6» أن يروه و يأبى المقام ذلك. فأشبه قوله‏ «حَتَّى نَعْلَمَ» مع‏ «7» كونه عالماً. فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة التي لا وجود لها إلا عند الموت، فيبل بها شوقهم إليه كما قال تعالى في حديث التردد و هو من هذا «8» الباب «ما ترددت في شي‏ء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي‏ «9» المؤمن يكره الموت و أكره‏ «10» مساءته و لا بد له من لقائي». فَبشَّرَه‏ «11» و ما قال له لا بد له من الموت لئلا يغمه بذكر الموت.
______________________________
(1) ب: فقد عرف‏
(2) ب: ساقط
(3) ب: ساقط
(4) ب: وصف الحق‏
(5) ا: «فقال قل للمشتاقين إلى إلخ. ب: فقال للمشتاقين إليه‏
(6) «ب» و «ن»: فيجب بالجيم‏
(7) ن: ساقطة
(8:) ن: ساقطة
(9) ب: نسمة عبدي‏
(10) ب: و أنا أكره‏
(11) ب: فبشره بلقائه.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 216
و لما كان لا يلقى الحقَّ إلا بعد الموت كما قال عليه السلام «إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت» لذلك قال تعالى «و لا بد له من لقائي». فاشتياق الحق لوجود هذه النسبة:
يحن الحبيب إلى رؤيتي‏ و إني إليه أشد حنينا
و تهفو النفوس و يأبى‏ «1» القضا فأشكو الأنين و يشكو الأنينا
فلما أبان أنه نفخ فيه من روحه، فما اشتاق إلا لنفسه. أ لا تراه خلقه على صورته لأنه من روحه؟ و لما كانت نشأته من هذه الأركان الأربعة المسماة في جسده أخلاطاً، حدث‏ «2» عن نفخه اشتعال‏ «3» بما في جسده من الرطوبة، فكان روح الإنسان ناراً لأجل نشأته. و لهذا ما كلم اللَّه موسى إلا في صورة النار و جعل حاجته فيها. فلو «4» كانت نشأته طبيعية لكان روحه نوراً. و كَّنى عنه بالنفخ يشير إلى أنه من نَفَس الرحمن، فإنه بهذا النفس الذي هو النفخة ظهر عينه، و باستعداد المنفوخ فيه كان الاشتعال ناراً لا نوراً. فبطن‏ «5» نَفَس الرحمن‏ «6» فيما كان به الإنسان إنساناً «6». ثم اشتق له منه‏ «7» شخصاً على صورته سماه امرأة، فظهرت بصورته فحنَّ إليها حنين الشي‏ء إلى نفسه، و حنت إليه حنين الشي‏ء إلى وطنه. فحببت‏ «8» إليه النساء، فإن اللَّه أحب مَنْ خلقه على صورته و أسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم و منزلتهم و علو نشأتهم الطبيعية. فمن هناك وقعت المناسبة. و الصورة أعظم مناسبة و أجلها و أكملها: فإنها زوْجٌ أي شفعت وجود الحق «7»، كما كانت المرأة شفعت بوجودها الرجل فصيرته زوجاً. فظهرت الثلاثة حق و رجل و امرأة، فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه. فحبب إليه‏
______________________________
(1) ب: و يأتي‏
(2) ن: ساقطة
(3) ا: اشتعالا
(4) ن: فلو لا
(5) ن: فبطل‏
(6) ب: الحق‏
(7) ب: ساقطة
(8:) «ب» و «ن»: فحبب‏

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 217
ربه النساء كما أحب اللَّه من هو على صورته. فما وقع الحب إلا لمن تكوَّن عنه، و قد كان حبه لمن تكوَّن‏ «1» منه و هو الحق. فلهذا قال «حُبِّبَ» و لم يقل أحببت من نفسه لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحب اللَّه إياه تخلقاً إلهياً. و لما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة «2» العنصرية أعظم وصلة من النكاح، و لهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، و لذلك أُمِرَ بالاغتسال منه، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة. فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره، فطهره‏ «3» بالغسل ليرجع بالنظر إليه فيمن فني فيه، إذ لا يكون إلا ذلك «8» «4». فإذا شاهد «5» الرجل الحق في المرأة كان شهوداً في منفعل، و إذا شاهده في نفسه- من حيث ظهور المرأة عنه- شاهده في فاعل، و إذا شاهده‏ «6» في‏ «7» نفسه من غير استحضار صورة ما تكوَّن عنه كان شهوده‏ «8» في منفعلٍ عن الحق بلا واسطة. فشهوده للحق في المرأة أتم و أكمل، لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل، و من نفسه من حيث هو منفعل خاصة «9». فلهذا أحب صلى اللَّه عليه و سلم النساء لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا يشاهد الحق مجرداً عن المواد أبداً، فإن اللَّه بالذات غني عن العالمين.
و إذا «9» كان الأمر من هذا الوجه ممتنعاً، و لم‏ «10» تكن الشهادة إلا في مادة، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود و أكمله. و أعظم الوصلة النكاح و هو نظير التوجه الإلهي على من خلقه على صورته ليخلفه «10» فيرى فيه‏
______________________________
(1) ب: تكون الرجل‏
(2) ا: نشأة
(3) ن: فظهر
(4) ن: ذاك‏
(5) ا: شهد
(6) ا: شهده‏
(7) ب: من‏
(8:) ا: شهوداً- و كان شهوده أي شهود الحق‏
(9) «ب» و «ن»: فإذا
(10) ا: و إن لم.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 218
نفسَه‏ «1» فسوَّاه و عَدَله و نفخ فيه من روحه الذي هو نَفَسُهُ، فظاهره خلق و باطنه حق. و لهذا وصفه بالتدبير لهذا الهيكل، فإنه تعالى به‏ «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ» و هو العلو، «إِلَى الْأَرْضِ»، و هو أسفل سافلين، لأنها أسفل الأركان كلها. و سماهن بالنساء و هو جمع لا واحد له من لفظه، و لذلك قال عليه السلام «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث: النساء» و لم يقل المرأة، فراعى تأخرهن في في الوجود عنه‏ «2»، فإن النُّسْأة «3» هي التأخير قال تعالى‏ «إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ». و البيع بنسيئة يقول بتأخير، و لذلك‏ «4» ذكر النساء. فما أحبهن إلا بالمرتبة و أنهن محل الانفعال‏ «5» فهن له كالطبيعة للحق التي فتح فيها صور العالم بالتوجه الإرادي و الأمر الإلهي الذي هو نكاح في عالم الصور العنصرية، و همة في عالم الأرواح النورية، و ترتيب مقدمات في المعاني للإنتاج. و كل ذلك نكاح الفردية الأولى في كل وجه من هذه الوجوه. فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهي، و من أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية خاصة نقصه علم هذه الشهوة، فكان صورة بلا روح عنده، و إن كانت تلك الصورة في نفس الأمر ذاتَ روح و لكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته- أو لأنثى حيث كانت- لمجرد «6» الالتذاذ، و لكن لا يدري‏ «7» لمن. فجهل من نفسه ما يجهل الغير منه ما لم يسمِّه هو «8» بلسانه حتى يُعْلم كما قال بعضهم:
صح عند الناس أني عاشق‏ غير أن لم يعرفوا عشقي لمن‏


______________________________
(1) ب: فيرى فيه صورته بل نفسه و قد أخذ بهذه القراءة معظم الشراح‏
(2) ن: ساقطة
(3) ب: المنشأة. ن: النسيئة
(4) «ب» و «ن»: فلذلك‏
(5) ن: للانفعال‏
(6) ن: بمجرد
(7) ب: تدري‏
(8:) أي ما دام لم يسم ذلك الجاهل الأمر المتلذذ به.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 219
كذلك هذا أحبَّ الالتذاذ فأحب المحل الذي يكون‏ «1» فيه و هو المرأة، و لكن غاب عنه روح المسألة. فلو علمها لعلم بمن التَذَّ وَ من التَذّ و كان كاملًا.
و كما نزلت المرأة عن درجة الرجل بقوله‏ «2» «وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» نزل المخلوق على الصورة «3» عن درجة من أنشأه على صورته «11» مع كونه على صورته. فبتلك‏ «4» الدرجة التي تميز بها عنه، بها كان‏ «5» غنياً عن العالمين و فاعلًا أوَّلًا، فإن الصورة فاعل ثان. فما له الأولية التي للْحق. فتميزت الأعيان بالمراتب‏ «6»: فأعطى كل ذي حق حقه كلُّ عارف «12». فلهذا كان حب النساء لمحمد صلى اللَّه عليه و سلم عن تحبب إلهي و أن اللَّهَ‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ» و هو عين حقه‏ «7». فما أعطاه إلا باستحقاق استحقه بمسماه: أي بذات ذلك‏ «8» المستحق. و إنما قدم النساء لأنهن محل الانفعال، كما تقدمت الطبيعة على من وجد منها بالصورة. و ليست الطبيعة «9» على الحقيقة إلا النفَس‏ «10» الرحماني، فإنه فيه انفتحت صور العالم أعلاه و أسفله لسريان النفخة في الجوهر الهيولاني في عالم الأجرام خاصة.
و أما سريانها لوجود الأرواح النورية و الأعراض‏ «11» فذلك سريان آخر «13». ثم إنه عليه السلام غلَّب في هذا الخبر التأنيث على التذكير لأنه قصد التهمُّمَ‏ «12» بالنساء فقال «ثلاث» و لم يقل «ثلاثة» بالهاء الذي هو لعدد الذكران، إذ و فيها ذكر الطيب و هو مذكر، و عادة العرب أن تغلب التذكير على التأنيث فتقول «الفواطم و زيد خرجوا» و لا تقول خرجن. فغلبوا التذكير «13»- و إن كان واحداً- على التأنيث و إن كن جماعة. و هو عربي، فراعى‏
______________________________
(1) ا: تكون‏
(2) ب: لقوله‏
(3) ن: بالصورة.
(4) «ب» و «ن»: فتلك‏
(5) ب: كان الحق عيناً
(6) ب: تضيف بعد كلمة مراتب «فأعطى كل شي‏ء خلقه كما أعطى كل ذي حق إلخ»
(7) ن: خلقه‏
(8:) ن: ساقطة
(9) ب: الصورة
(10) ن: بالنفس‏
(11) ب: و الأغراض بالغين‏
(12) ب: الهمم‏
(13) ب: ساقطة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 220
صلى اللَّه عليه و سلم المعنى الذي قُصِدَ به‏ «1» في التحبب إليه ما لم يكن يؤثر حبَّه. فعلمه اللَّه ما لم يكن يعلم و كان فضل اللَّه عليه عظيماً. فغلّب التأنيث على التذكير بقوله ثلاث بغير هَاءٍ. فما أعلَمَه صلى اللَّه عليه و سلم بالحقائق، و ما أشد رعايته للحقوق! ثم إنه جعل الخاتمة نظيرة الأولى في التأنيث و أدرج بينهما المذكر «2». فبدأ بالنساء و ختم بالصلاة و كلتاهما تأنيث، و الطيب بينهما كهو في وجوده، فإن الرجل مدرج بين ذات ظهر عنها و بين امرأة ظهرت عنه، فهو بين مؤنثين: تأنيث ذات و تأنيث حقيقي. كذلك النساء تأنيث حقيقي و الصلاة تأنيث غير حقيقي، و الطيب مذكر بينهما كآدم بين الذات الموجود عنها «3» و بين حواء الموجودة عنه و إن شئت قلت الصفة فمؤنثة أيضاً، و إن شئت قلت القدرة فمؤنثة أيضاً. فكن على أي مذهب شئت، فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين‏ «4» جعلوا الحق علة في وجود العالم. و العلة مؤنثة «14». و أما حكمة الطيب و جعله بعد النساء، فلما في النساء من روائح التكوين، فإنه أطيب الطيب عناق الحبيب. كذا قالوا في المثل السائر. و لما خُلِقَ عبداً بالاصالة لم يرفع رأسه قط إلى السيادة، بل لم يزل ساجداً «5» واقفاً مع كونه منفعلًا حتى كوَّن اللَّه عنه ما كوَّن. فأعطاه رتبة الفاعلية في عالم الأنفاس «15» التي هي الأعراف‏ «6» الطيبة. فحبب إليه الطيب: فلذلك جعله بعد النساء. فراعى الدرجات التي للحق في قوله‏ «7» «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ» لاستوائه عليه باسمه الرحمن. فلا يبقى فيمن حوى عليه العرش من لا تصيبه الرحمة الإلهية: و هو قوله تعالى‏ «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ»:
______________________________
(1) يصح أن يقرأ قصد بالبناء للفاعل أو قصد بالبناء للمفعول. و المراد بقوله «به» أي بالتغليب و به متعلقة براعي. و ضمير إليه عائد على النبي. «ما لم يكن» أي ما دام. و الهاء في حبه عائدة إما على المعنى أو على النبي‏
(2) ب: التذكير
(3) ب: هو عنها
(4) «ا» و «ن»:
الذي‏
(5) ب: ساجداً خاضعاً. و قوله «مع كونه» أي في حالة كونه‏
(6) ب: الأعراب‏
(7) ب: المشار إليها في قوله.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 221
و العرش وسع كل شي‏ء، و المستوِي‏ «1» الرحمن. فبحقيقته يكون سريان الرحمة في العالم كما «2» بيناه في غير موضع من هذا الكتاب، و في‏ «3» الفتوح المكي. و قد جَعَلَ الطيبَ- تعالى‏ «4»- في هذا الالتحام النكاحي في براءة عائشة فقال‏ «الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ، وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ «16» وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ، أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ». فجعل روائحهم طيبة: لأن القول نَفَس، و هو عين الرائحة فيخرج بالطيب و الخبيث‏ «5» على حسب ما يظهر به في صورة النطق. فمن حيث هو إلهي بالأصالة «6» كله طِيبٌ:
فهو طَيِّبٌ، و من حيث ما يحمد و يذم فهو طيّب و خبيث. فقال في خبث الثوم هي شجرة «7» أكره ريحها و لم يقل أكرهها. فالعين لا تُكرَه، و إنما يُكْرَه ما يظهر منها. و الكراهة لذلك إما عرفاً بملاءمة «8» طبع أو غرض، أو شرع، أو نقص عن كمال مطلوب و ما ثَمَّ غير ما ذكرناه. و لما انقسم الأمر إلى خبيث و طيّب كما قررناه، حُبِّب إليه الطيب دون الخبيث و وصف الملائكة بأنها تتأذى بالروائح الخبيثة لما في هذه النشأة العنصرية من التعفن‏ «9»، فإنه مخلوق من صلصال من حمإ مسنون أي متغير الريح. فتكرهه الملائكة بالذات، كما أن مزاج الجُعَل يتضرر برائحة الورد و هي من الروائح الطيبة. فليس الورد «10» عند الجعل بريح طيبة. و من كان على مثل هذا المزاج معنى و صورة أضرَّ به الحقُّ إذا سمعه و سُرَّ بالباطل: و هو قوله‏ «وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ»، و وصفهم بالخسران فقال‏ «أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ‏ ... الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ»*. فإن من لم يدرك الطيب‏
______________________________
(1) ن: المستوي عليه‏
(2) ب: كما قد
(3) «ب» و «ن»: و من‏
(4) ن: و قد جعل اللَّه تعالى الطيب‏
(5) ا: و الخبيث‏
(6) ن: بالإضافة
(7) ب: شجرة خبيثة
(8:) ب: ملاءمة. يقرؤها القيصري «إما عرفاً أو بعدم ملاءمة طبع» و هو أقرب القراءات إلى المعقول‏
(9) «ا» و «ب»: التعفين‏
(10) ب: ريح الورد.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 222
من‏ «1» الخبيث فلا إدراك له. فما حُبّب إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم إلا الطيب من كل شي‏ء و ما ثَمّ إلا هو «17». و هل يتصور أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلا الطيب من كل شي‏ء، لا «2» يعرف الخبيث، أم لا؟ قلنا هذا لا يكون:
فإنا ما وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم منه و هو الحق «18»، فوجدناه يكره و يحب، و ليس الخبيث إلا ما يُكْرَه و لا «3» الطيب إلا ما يُحَبُّ. و العالم على صورة الحق، و الإنسان على الصورتين فلا يكون ثمَّ مزاج لا يدرك إلا الأمر الواحد من كل شي‏ء، بل ثم مزاج يدرك الطيب من الخبيث، مع علمه بأنه خبيث بالذوق طيب بغير «4» الذوق، فيشغله إدراك الطيب منه عن الإحساس بخبثه‏ «5». هذا قد يكون. و أما رفع الخبث‏ «6» من العالم- أي من الكون- فإنه لا يصح. و رحمة اللَّه في الخبيث و الطيب. و الخبيث عند نفسه طيب و الطيب عنده خبيث. فما ثم شي‏ء طيب إلا و هو من وجه في حق مزاج ما خبيث:
و كذلك بالعكس. و أما الثالث الذي به كملت الفردية فالصلاة. فقال «و جعلت قرة عيني في الصلاة» لأنها مشاهدة: و ذلك لأنها مناجاة بين اللَّه و بين عبده كما قال: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ». و هي عبادة مقسومة بين اللَّه و بين عبده بنصفين:
فنصفها للَّه و نصفها للعبد كما ورد في الخبر الصحيح عن اللَّه تعالى أنه قال «قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين‏ «7»: فنصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل.
يقول العبد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏: يقول اللَّه ذكرني عبدي. يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏: يقول اللَّه حمدني عبدي. يقول العبد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏: يقول اللَّه أثنى علي عبدي. يقول العبد مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏: يقول اللَّه مجدني عبدي: فوَّض إليَّ عبدي. فهذا النصف كله له تعالى خالص. ثم يقول العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏
______________________________
(1) ا: و الخبيث‏
(2) ب: و لا
(3) ن: و ليس‏
(4) ب: بعين‏
(5) ب: بخبيثه‏
(6) ب: الخبيث‏
(7) ن: بنصفين.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 223
: يقول اللَّه هذه بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل. فأوقع الاشتراك في هذه الآية. يقول العبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ‏: يقول اللَّه فهؤلاء لعبدي و لعبدي‏ «1» ما سأل. فخلُصَ هؤلاء لعبده كما خَلُصَ الأول له تعالى. فعلم من هذا وجوب قراءة الحمد للَّه رب العالمين. فمن لم يقرأها فما صلى الصلاة المقسومة بين اللَّه و بين عبده.
و لما كانت مناجاة فهي ذكر، و من ذكر الحقَّ فقد جالَسَ الحق و جَالَسَهُ الحقُّ، فإنه صح في الخبر الإلهي أنه تعالى قال أنا جليس من ذكرني. و مَنْ جالس من ذكره و هو ذو بصر رأى جليسه. فهذه مشاهدة و رؤية. فإن لم يكن ذا «2» بصر لم يره. فمن هنا يعلم المصلي رتبته هل يرى الحق هذه الرؤية في هذه الصلاة أم لا. فإن لم يره فليعبده بالإيمان كأنه‏ «3» يراه فيخيله في قبلته عند مناجاته، و يلقي السمع لما يردُّ به عليه الحق‏ «4». فإن كان إماماً لعالَمِهِ الخاص به و للملائكة «5» المصلين معه- فإن كل مصلٍ فهو إمام بلا شك، فإن الملائكة تصلي خلف العبد إذا صلى وحده كما ورد في الخبر- فقد حصل له رتبة الرسل في الصلاة و هي النيابة عن اللَّه. إذا قال سمع اللَّه لمن حَمِدَه، فيخبر نفسه وَ منْ خلْفَه بأن اللَّه قد سمعه فتقول الملائكة و الحاضرون‏ «6» ربنا و لك الحمد.
فإن اللَّه قال على لسان عبده سمع اللَّه لمن حمده. فانظر علو رتبة الصلاة و إلى أين تنتهي بصاحبها. فمن لم يحصِّل درجة الرؤية في الصلاة فما بلغ غايتها و لا كان له فيها قرة عين، لأنه لم ير من يناجيه. فإن لم يسمع ما يرد من الحق عليه‏ «7» فيها فما هو ممن ألقى سمعه‏ «8». و من لم يحضر فيها مع ربه مع‏
______________________________
(1) ب: ساقطة
(2) ا: ذو
(3) ب: كأن‏
(4) ب: من الحق‏
(5) ن: و الملائكة
(6) ب: الحاضرون‏
(7) ا: ما يرده الحق عليه. ب:
ما يرد به من الحق عليه‏
(8:) ن: السمع.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 224
كونه لم يسمع و لم ير، فليس بمصلّ أصلًا، و لا هو ممن أَلقى السمع و هو شهيد.
و ما ثَمَّ عبادة تمنع من التصرف في غيرها- ما دامت- سوى الصلاة.
و ذِكْرُ اللَّه فيها أكبر ما فيها لما تشتمل عليه من أقوال و أفعال- و قد ذكرنا صفة الرجل الكامل في الصلاة في الفتوحات المكية «19» كيف يكون‏ «1»- لأن اللَّه تعالى يقول‏ «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ»، لأنه شُرِعَ للمصلي ألا يتصرف في غير هذه العبادة «2» ما دام فيها و يقال له مصلٍ. «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» يعني فيها: أي الذكر الذي يكون من اللَّه لعبده حين يجيبه في سؤاله.
و الثناء عليه أكبر من ذكر العبد ربه فيها، لأن الكبرياء للَّه تعالى. و لذلك قال:
«وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ» و قال‏ «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ». فإلقاؤه السمع هو لما يكون من ذكر اللَّه إياه فيها. و من ذلك أن الوجود لما كان عن حركة معقولة نقلت العالم من العدم إلى الوجود عمت الصلاة جميع الحركات و هي ثلاث: حركة مستقيمة و هي حال قيام المصلي، و حركة أفقية و هي حال ركوع المصلي، و حركة منكوسة و هي حال‏ «3» سجوده. فحركة الإنسان مستقيمة، و حركة الحيوان أفقية، و حركة النبات منكوسة، و ليس للجماد حركة من ذاته: فإذا تحرك حجر فإنما يتحرك بغيره. و أما قوله «و جعلت قرة عيني في الصلاة- و لم‏ «4» ينسب الجعل إلى نفسه- فإنَّ تجلي الحق للمصلي إنما هو راجع إليه تعالى لا إلى المصلي: فإنه لو لم يذكر هذه الصفة عن نفسه لأمره بالصلاة على غير تجل منه له. فلما كان منه ذلك بطريق الامتنان، كانت المشاهدة بطريق الامتنان. فقال و جعلت قرة عيني في الصلاة. و ليس إلا مشاهدة المحبوب‏
______________________________
(1) ن: تكون‏
(2) أي يشغل نفسه بأي شي‏ء آخر سوى هذه العبادة
(3) ا: حالة. ب: ساقطة
(4) ب: ساقطة.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 225
التي تقرُّ بها عين المحب، من الاستقرار «20»: فتستقر العين عند رؤيته فلا تنظر معه إلى شي‏ء غيره في شي‏ء و في غير شي‏ء «1». و لذلك نُهِيَ عن الالتفات في الصلاة، و أن الالتفات شي‏ء يختلسه الشيطان من صلاة العبد فيحرمه مشاهدة محبوبه. بل لو كان محبوبَ هذا الملتفت، ما التفت في صلاته إلى غير قبلته بوجهه. و الإنسان يعلم حاله في نفسه هل هو بهذه المثابة في هذه العبادة الخاصة أم لا، فإن «الإنسان‏ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ». فهو يعرف كذبه من صدقه في نفسه، لأن الشي‏ء لا يجهل حاله فإن حاله له ذوقي. ثم إن مسمى الصلاة له قسمة أخرى، فإنه تعالى أمرنا أن نصلي له و أخبرنا أنه يصلي علينا. فالصلاة «2» منا و منه. فإذا كان هو المصلي فإنما «3» يصلي باسمه الآخِر، فيتأخر عن وجود العبد: و هو عين الحق الذي يخلقه‏ «4» العبد في قلبه بنظره الفكري أو بتقليده و هو الإله‏ «5» المعتَقَد. و يتنوع بحسب ما قام بذلك المحل من الاستعداد كما قال الجنيد حين سئل عن المعرفة باللَّه و العارف فقال لون الماء لون إنائه. و هو جواب سادّ «6» أخبر عن الأمر بما هو عليه. فهذا هو اللَّه الذي يصلي علينا. و إذا صلينا نحن كان لنا الاسم الآخر فكنا فيه‏ «7» كما ذكرنا في حال من له هذا الاسم، فنكون عنده‏ «8» بحسب حالنا، فلا ينظُرُ إلينا إلا بصورة ما جئناه‏ «9» بها فإن المصلي هو المتأخر عن السابق في الحلبة «21». و قوله‏ «كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ» أي رتبته في التأخر «22» في عبادته ربه، و تسبيحه الذي يعطيه من التنزيه استعداده، فما من شي‏ء إلا و هو يسبح بحمد ربه الحليم‏
______________________________
(1) يصح أن تكون الجملة «فلا تنظر معه إلى شي‏ء غيره» معترضة بين قوله «فتستقر العين عند رؤيته» و قوله «في شي‏ء و في غير شي‏ء»: أي في شي‏ء محسوس أو غير محسوس. و يصح أن يكون المعنى فلا تنظر معه العين شيئاً غيره سواه أ كانت الرؤية في شي‏ء محسوس يتجلى فيه الحق أو شي‏ء غير محسوس. (راجع القيصري ص 312)
(2) ا: و الصلاة
(3) ا: و إنما
(4) ب: يخيله‏
(5) ا: إله المعتقد
(6) ن: ساد سهل‏
(7) فيه أي في هذا المقام‏
(8:) ن: فيكون عبده‏
(9) «ا» و «ن»: جئنا.

فصوص الحكم ( ابن عربي )، المتن، ص: 226
الغفور. و لذلك لا يُفْقَه‏ «1» تسبيح العالم على التفصيل واحداً واحداً. وَ ثمَّ مرتبة «2» يعود الضمير على العبد المسبح فيها في قوله‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» أي بحمد ذلك الشي‏ء. فالضمير الذي في قوله «بحمده» يعود على الشي‏ء أي بالثناء الذي يكون عليه كما قلنا «3» في المعتقد إنه إنما يثني على الإله الذي في معتقده و ربط به نفسه. و ما كان من عمله فهو راجع إليه، فما أثنى إلا على نفسه، فإنه مَنْ مَدَحَ الصنعة فإنما مدح الصانع بلا شك، فإن حسنها و عدم حسنها راجع إلى صانعها. و إله المعتقد مصنوع للناظر فيه، فهو صنعه: فثناؤه على ما اعتقده ثناؤه على نفسه. و لهذا يَذُمُّ معتَقَد غيره، و لو أنصف لم يكن له ذلك.
إلا أن صاحب هذا المعبود الخاص جاهل بلا شك في ذلك لاعتراضه على غيره فيما اعتقده‏ «4» في اللَّه، إذ لو عرف ما قال الجنيد لون الماء لون إنائه لسلّم لكل ذي اعتقاد ما اعتقده، و عرف اللَّه في كل صورة و كل مُعتَقَد. فهو ظان‏ «5» ليس بعالِم، و لذلك‏ «6» قال‏ «7» «انا عند ظن عبدي بي» لا «8» أظهر له إلا في صورة معتقده: فإن شاء أطلق و إن شاء قيَّد. فإله‏ «9» المعتقدات تأخذه الحدود و هو الإله الذي وسعه قلب عبده، فإن الإله المطلق لا يسعه شي‏ء لأنه عين الأشياء و عين نفسه: و الشي‏ء لا يقال فيه يسع نفسه و لا لا يسعها فافهم‏ «10» و اللَّه يقول الحق و هو يهدي السبيل.
تم بحمد اللَّه و عونه و حسن توفيقه، و الحمد للَّه وحده و صلى اللَّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً. و كان الفراغ منه في عاشر شهر جمادي الآخرة سنة تسع و ثلاثين و ثمانمائة أحسن اللَّه عاقبتها بمحمد و آله آمين.
______________________________
(1) ن: و كذلك يفقه. ب: و لذلك لا نفقة
(2) ب: قرينة مرتبة
(3) ب: قلناه‏
(4) ن: في اعتقاده‏
(5) ب: فهو ظن‏
(6) ب: فلذلك.
(7) ب:+ تعالى‏
(8:) ب: أي لا
(9) ا: و إله‏
(10) ن: فافهم ذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي الطائي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المودة العالمى ::  حضرة الملفات الخاصة ::  الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي-
انتقل الى: