منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي
منتدى المودة العالمى
أهلاً ومرحباً بك
يشرفنا دخولك منتدى المودة العالمي
منتدى المودة العالمى
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتدى المودة العالمى

ســـاحة إلكـترونية جــامعـة
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  أحدث الصورأحدث الصور  التسجيلالتسجيل  دخول  

 

 مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
قدرى جاد
Admin
قدرى جاد


عدد الرسائل : 7271
العمر : 66
تاريخ التسجيل : 14/09/2007

مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية Empty
مُساهمةموضوع: مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية   مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية Emptyالأربعاء مارس 27, 2024 1:27 pm

مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية GJriQxgXIAEHmhr?format=png&name=small
لكاتب ستيفن ليدرو
ترجمة خالد أبو هريرة
الملخص
حقّق الإلـحــاد زخمًا متجددًا في الغرب خلال السنوات الأخيرة، بسيل من الكتب الأكثر مبيعًا، وعضوية متنامية في المنظمات العلمانية والعقلانية. ولكن، ما هي بالضبط طبيعة هذا الشكل المُعَيّن من عدم الإيمان؟. تؤصل هذه المقالة السياق الخاص بظهور «الإلحاد الجديد» New Atheism، مع مراجعة النظرية السائدة حول الأصول الدَيَالِكتِيكِيّة واللاهوتية للإلحاد، وتتبع الحلقات التاريخية الرئيسة في الفكر الإلحادي. والمؤلف يجادل بأن تطورًا مهمًا قد حظي باهتمام ضئيل: هو انقسام اﻹلحاد في القرن التاسع عشر الميلادي، والذي أنتج تيارين نقديين متمايزين: الأول هو الإلحاد العلمي scientific atheism، المرتبط بشكل وثيق بـ الداروينية وعقلانية عصر التنوير. والثاني هو الإلحاد اﻹنسانوي humanistic atheism، المتماشى مع صعود العلوم الاجتماعية، والمتخذ من ماركس وفيورباخ روادًا له. تتجذر حركة اﻹلحاد المعاصرة بشكل أساسي في التقليد العلمي – حاشا المقاربة الإنسانوية على أسس إبستيمولوجية وسياسية – وهذا على الرغم من أن التوترات الناشئة داخل الحركة، تقترح أن التقليد الإنسانوي لا يزال يلعب دورًا. والعلاقة بين هاتين المقاربتين داخل الحركة، يجب أن تكون بؤرة للبحث المستقبلي.



كان صدور كتاب وهم اﻹله The God Delusion لريتشارد دوكنز Richard Dawkins في العام 2006 حدثًا ثقافيًا رئيسًا، بعد أن آذن ببدء الظاهرة المعروفة اﻵن باسم الإلحاد الجديد، والتي اتسمت بسلسلة من الكتب الأكثر مبيعًا التي تجادل ضد وجود الله ومخاطر الدين النظامي، فضلاً عن الزيادة الهائلة في العضوية والنشاط داخل المنظمات اﻹلحادية، والاهتمام العام بموضوع الدين وعلاقته بالعلم. أصبحت هذه الظاهرة، وعن جدارة، موضعًا لاهتمام علمي متزايد. والقدر القليل من اﻷعمال المنشورة حولها حتى اﻵن، إنما ينقسم عمومًا إلى فئتين: (1) تحليلات نقدية للنصوص التي أنتجها المؤلفون الرئيسيون من الملاحدة الجدد، وتتضمن أعمال دوكينز (2006)، وسام هاريس Sam Harris (2004)، وكريستوفر هيتشنز Christopher Hitchens (2007) ودانييل دينيت Daniel Dennett (2006) (على سبيل المثال Eagleton, 2009; Stahl, 2010)؛ و (2) مباحث عن النشاط وبناء الهوية داخل المنظمات اﻹلحادية (مثل Cimino and Smith, 2007, 2010; Smith, 2011). والكتاب الرئيسي الوحيد الذي تم تحريره عن الإلحاد الجديد حتى تاريخه، وهو كتاب “الدين والإلحاد الجديد: تقييم نقدي” Religion and the New Atheism: A Critical Appraisal، لـ أمارناث أمارسينغام Amarnath Amarasingam (2010)، إنما يحوي مساهمات تعالج الموضوع على المنوال نفسه. إذ على الرغم من وجود أعمال قيمة، فإنها جميعًا مدفوعة في اتجاه الحاضر، وتتصدى للإلحاد الجديد باعتباره ظاهرة معاصرة.

إن أكثر ما تفتقده الأدبيات الخاصة بالموضوع في هذه المرحلة، وبشكل واضح، هو سعي لتأطير الإلحاد الجديد داخل التطور التاريخي للفكر اﻹلحادي. وهذا هو ما أريد معالجته في هذا المقال، معتقدًا بأننا نستطيع من خلال هذا السعي، التوصل إلى فهم مُثْرٍ للعمليات التي تجري داخل الحركة اﻹلحادية اليوم، والأهم فهم التوتر الناشئ بين الملاحدة والإنسانويين العلمانيين (Cimino and Smith, 2010). ثمة أدبيات غنية عن تاريخ الإلحاد الغربي الحديث، مع اتفاق عام بين الباحثين فيما يتعلق بأصوله اللاهوتية والديالكتيكية (على سبيل المثال Buckley, 1987, 2004; Henry, 2010; Hyman, 2007; Kors, 1990; Turner, 1985). وأنا أرغب في المساهمة في هذه اﻷدبيات (إضافة إلى تلك المتعلقة بالإلحاد الجديد بصورة أكثر تحديدًا) من خلال الجدال بأن تطورًا مهمًا في تاريخ الإلحاد لم يحظ بالاهتمام الكافي. وهو «انقسام» القرن التاسع عشر الميلادي الذي أنتج تيارين من الأفكار، أطلق عليهما: الإلحاد العلمي scientific atheism والإلحاد الإنسانوي humanistic atheism. يمكن فهم هذا الانقسام إلى حد كبير، باعتباره انقسامًا إبستمولوجيًا افتتح بظهور العلوم الاجتماعية، ونشوء نظرة للدين محورها إنساني واجتماعي. وكما سوف نرى، فإن هذه ليست مسارات متعارضة، بما أن المنهج الإنسانوي قد سَلَّم في الحقيقة بالعديد من افتراضات المنهج العلمي، حتى أنه يمكن اعتباره ثمرة لﻷخير. وفي استعارة لتشبيه داروين الخاص، ففي الشجيرة المضيئة لتطور الإلحاد، كان الإلحاد الإنسانوي فرع تحول عن الفرع الممثل للإلحاد العلمي.

في الإلحاد العلمي، ركز غير المؤمنين في اشتباكهم مع الدين على العلم، والتفسير، والمعرفة في مقابل الجهل. ومن وجهة النظر هذه، يمكن اجتثاث الدين بالنقد العلمي والتعليم. أما في الإلحاد الإنسانوي، فقد تحول التركيز إلى الدين باعتباره ظاهرة اجتماعية، ودلالة على الاغتراب والاضطهاد. ومن وجهة النظر تلك، فإن حل المشكلة الاجتماعية للدين، يكمن في المشكلة الأوسع للمعاناة الإنسانية: إذا اقتلعت، سيختفي الدين. وبالتالي، فإن التمييز بين الإلحاد العلمي والإلحاد الإنسانوي يعد ضرورة، لأن مصطلح «الإلحاد» لا يُعَرِف بدقة طبيعة التوجهات الإبستمولوجية والسياسية التي تسم التشكيلات المختلفة من عدم الإيمان، بما أن «الإلحاد» يُعَرَّف عادةً من ناحية الموقف من الطبيعة – على سبيل المثال، يزعم روس Ruse (2010) أن اﻹلحاد مساوي للطبيعانية الوجودية[1] metaphysical naturalism – بدلًا من تعريفه من حيث الفلسفة الإنسانوية أو الموقف السوسيولوجي.

يدعم البحث الحالي كلا الموقفين. فالإلحاد، أو عدم الإيمان، يرتبط بالتعليم في سياقات مختلفة، رغم أن بعض الأبحاث الحديثة تقترح أن المساواة السوسيو-اقتصادية والأمن هما مُتَغَيّرَات أكثر صلة به (Norris and Inglehart, 2004; Schieman, 2010; Zuckerman, 2008). وتوافر هذه الروايات المعقدة نظريًا، والغنية إمبريقيًا عن الدين والإلحاد، يؤكد الميل الصارخ للملاحدة الجدد إلى تجاهل المنظورات الاجتماعية للدين، وتفضيلهم بدلاً من ذلك نهجًا اختزاليًا يعتبر الدين نتاجًا ثانويًا، أو أثرًا عرضيًا لآليات تطورية تكيُّفيّة سيكولوجية[2] (انظر، على سبيل المثال،Dawkins, 2006: 172–9; Dennett, 2006: 97–115; Harris, 2010: 151) مقرونة بجهل مُبَسّط (من الجدير بالذكر أن كريستوفر هيتشنز يميل أكثر إلى معالجة العناصر الاجتماعية-السياسية للدين، أكثر من اختزاله إلى غريزة بيولوجية). ويعد التمادي في هذا الاتجاه معبرًا عن التطور التاريخي لمدارس الإلحاد المتجذرة في العلوم الطبيعية مقابل العلوم الاجتماعية، ولكن مع وجوب ملاحظة أن الانقسام الإبستيمولوجي كان مصحوبًا بمكون سياسي قوي. فالإلحاد الذائع اليوم أصبح أكثر فأكثر متعذِّرٌ تمييزه عن العلمويّة scientism، وباعث على تأمين السلطة المعرفية، والأخلاقية، وأخيرًا السياسية للعلوم الطبيعية. وبالتالي، فإنه يخون تقليدًا طويلًا من الإلحاد الإنسانوي، المستمد من أخلاقية عصر التنوير، والنقد الاجتماعي السياسي، والمشاريع الاشتراكية اللاحقة.

أريد الجدال بأن الإلحاد الجديد هو أساسًا، وإن لم يكن حصرًا، امتداد لأحد هذين المسارين الرئيسيين. وهذا يتطلب دراسة التطور التاريخي للفكر اﻹلحادي في الغرب، ما سيتم إجرائه في خطوات ثلاث: أولاً، أوجز النظرية الخاصة بكيفية ظهور الإلحاد من جدلية الدين/العلم في عصر الحداثة المبكرة، ما أفسح المجال تدريجيًا للافتراق بينهما في عصر التنوير، وخصوصًا في القرن التاسع عشر، عندما استعان الداروينيون بنظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي، كإطار لتحرير العلم من أغلال الدين المؤسسي. ثانيًا، أوضح تأثير أولئك الداروينيين في صقل نوع معين من الإلحاد، اعتبر الدين في المقام الأول نقيضًا للعلم، وعقبة أمام التقدم الاجتماعي والعلمي (في الواقع، فإن التقدم في النوع السابق يعد مرتهنًا بالمسألة الأخيرة في هذه الرؤية). وأخيرًا، أُعَرَّف بتقليد مميز آخر للفكر اﻹلحادي نشأ في القرن التاسع عشر، وهو المقاربة الإنسانوية والسوسيولوجية – وليس العلمية – للإلحاد. يؤصل «الانقسام» في الفكر اﻹلحادي بالقرن التاسع عشر، السياق التاريخي الخاص بالظهور الأخير للإلحاد الجديد، والحركة الاجتماعية الوليدة المشابهة التي تحمل التقليد الدارويني/العلمي، بينما تهمل المقاربات المتجذرة في العلوم الاجتماعية والإنسانيات. ويعد أصل هذا الإهمال سياسي بقدر ما هو إبستمولوجي.

لقد انتقيت العديد من الأحداث والمفكرين المفتاحيين الذين يميزون مفهومًا معينًا للإلحاد الغربي الحديث، رغم أن هذا ليس بأي حال، محاولة لتقديم رواية نهائية وشاملة عن تاريخ شيء مراوغ للغاية، ومتنازع عليه في معناه. وتجدر الإشارة بداية إلى أنني عندما أستخدم كلمة «علم» هنا، فإنما أشير على وجه التحديد إلى العلوم الطبيعية، بينما عند اﻹشارة إلى العلوم الاجتماعية فإنني سوف أحددها على هذا النحو. إضافة إلى ذلك، فعندما أستخدم مصطلحات «الدين» أو «الله»، فإنني أشير عمومًا إلى المسيحية – الإيمان السائد في الزمان والمكان الذي أتصدى له (أي أوروبا الغربية الحديثة) – رغم أن الانتقادات التي ظهرت من هذا السياق، كان المقصود منها التطبيق على أي نظام اعتقادي يحوي إلهًا خالقًا متعاليًا.

العلم والدين: جدلية الإلحاد

قدم مايكل باكلي Michael J. Buckley ( (1987، 2004) رواية مقنعة حول “الأصول الديالكتيكية للإلحاد”، تذهب إلى أن الإلحاد لم يظهر من العداوة بين الدين والعلم، وإنما بالأحرى، من الانسجام النسبي بين الدين والعلم في الحداثة المبكرة. فـ «في القرن السابع عشر الميلادي، لم يكن العلم فحسب . . . غير متعارض مع المسيحية الطائفية؛ بل اعتقد غالبًا بأنه يمكنه، وينبغي له، القيام بالتفكير التأسيسي للمسيحية» (Buckley, 2004: 32). كما جادل باكلي بأن الإلحاد لم يأتي من تضاد بين الدين والعلم، وإنما من تضاد داخلي ضمن اﻹيمان نفسه، دفع اللاهوت إلى التحول للعلم من أجل أساساته. ويؤيد جافين هايمان Gavin Hyman نظرية باكلي، مُذَكّرًا بأنه في الحداثة المبكرة نشأ تصور حديث عن الله، أطاح بمفهوم التعالي كملكية أساسية له (وكان هذا عنصرًا مفتاحيًا في لاهوت ما قبل العصر الحديث). وبدلاً من ذلك، فإنه «قدم تصورًا عن الله باعتباره “شيئًا” في العالم، له “ماهية” معرّفة، و”موقع” قابل للتحديد، يمكن اﻹشارة إليه بنفس الطريقة التي يشار بها إلى الأشياء الأخرى» (Hyman, 2007: 39). وعندما قرر اللاهوتيون أن الله شيئًا مُحَدّد الموقع والماهية، فإنه أصبح بحكم التعريف موضوعًا للبحث العلمي.

في أثناء ذلك، اعتقد العلماء بأنه من الطبيعي تعليل الحجج الدفاعية[3] apologetic arguments من خلال الأدلة اﻹمبريقية، وشٌجِعوا على القيام بذلك من قبل اللاهوتيين ورجال الدين على حد سواء. وكان أبرز المفكرين في الثورة العلمية من المؤمنين المتحمسين، بل وطور العديد منهم مواقف لاهوتية لمواكبة نظرياتهم الطبيعية (Henry, 2010: 41). وربما كان إسحق نيوتن، هو الشخصية اﻷكثر أهمية في التطور الخاص بهذه الجدلية الحديثة المبكرة. وهو مسيحي وَرِع اِتّكِلَ على فكرة التدخل الإلهي لسد بعض الثغرات في نظرياته (Thrower, 2000). حققت اكتشافات نيوتن تحولًا عميقًا، وخطوة أمامية في فهمنا للكون، أشارت إلى احتمالية أن يكون العلم قادرًا على إيجاد إجابات على أسئلة لطالما كانت مضمارًا للاهوت، تعمل على تحويل الكون المسحور إلى «نظام من القوى المعقولة» (Hampson, 1968: 37). ومع توسع المعرفة العلمية، كان يُنظر إلى الله بشكل متزايد باعتباره إضافة غير ضرورية إلى نظريات الاكتفاء الذاتي. وبحلول القرن الثامن عشر، رفض العلم نظرية الكون الإستاتِيكِيّ (السكوني) الذي وضع له الله القوانين، لصالح رؤية اعتمدت الطبيعة كنتاج لتحولات ثورية عظيمة وقعت على مدار فترة زمنية هائلة (انظر Hampson, 1968). لم يجادل العلماء بأن الله غير موجود، وإنما لم يعد مفهوم المصمم فحسب مطلوبًا لتفسير الكون. ومع هذا، فإن العلم بدأ في الادعاء بأهليته فيما اعتبره البعض الوظيفة الأساسية للدين: أي تفسير أصل وطبيعة الواقع المادي.

يقترح باكلي أن هذا التطور قد مهد الطريق للإلحاد: «إن اﻹيمان المبني على اكتشافات العلم يُنتج في النهاية نفيه» (2004:42). ولكي تطبق الانتقادات العقلانية الحديثة على الله، كان يجب أولاً أن يكون هناك بعض التغيير في اللاهوت لجعل الله موضوعًا يمكن درسه علميًا، ولهذا السبب «لم يوفر الإلحاد الكثير من التحدي الخارجي لﻹيمان، وإنما باﻷحرى ثورة داخل اللاهوت نفسه هي التي نشأ منها الإلحاد. وهذه دعوى بأن أصول الإلحاد الحديث هي في النهاية لاهوتية» (Hyman, 2007: 40). في هذه النظرية، فإن الإلحاد ليس نتيجة صراع بين العلم والدين – هذه النظرية الخاطئة حول الصراع المتواصل والمُستَعصِي بين إبيستيمولوجيات الدين ومؤسساته وبين العلم يشار إليها ببساطة من قبل بعض المؤرخين باسم «أسطورة الصراع» (Lindberg, 2010) – ولكن، على العكس من ذلك، فإن الإلحاد «نشأ من التناقض الجوهري داخل التقليد الأرثوذكسي نفسه واستراتيجياته الدفاعية» (Buckley, 2004: 46).

كان العلم واللاهوت الطبيعي [4] natural theology أساسيين بين تلك الاستراتيجيات الدفاعية. وبالتالي، ففي الأيام الأولى من الثورات المتزامنة في العلم واللاهوت، لم يكن ثمة صراع حقيقي بينهما، ولكن بالأحرى، كان العلم والدين مرتبطين معًا. وقد أدى تغيير الفهم اللاهوتي لله (بالانتقال من التعالي إلى المادية) إلى تحول في التركيز من الوحي إلى اللاهوت الطبيعي، كان قد استند إلى الفكرة القائلة بأن «وجود الكائن الإلهي وخصائصه، يمكن الاستدلال عليها باستخدام العقل الطبيعي» (Topham, 2010: 61)، فضلًا عن انعطافة صريحة نحو العلم لتقديم دليل قاطع على وجود الله في الطبيعة. هذه العلاقة سوف تتطور لتلد شكلاً حديثًا من الإلحاد، رفض شكلًا حديثًا من اﻹيمان كان في اﻷخير لا يمكن استدامته (Hyman, 2007: 40). وهذا يعني أن اﻹيمان القائم على تصور الله كـ كينونة طبيعية قابلة للبحث العلمي كان سيفشل حتمًا، عندما تفشل الأدلة في إثبات دوره في الطبيعة، ولكن يبدو أنها باﻷحرى أظهرت أكثر فأكثر أن مفهوم الله لم يكن مطلوبًا لتفسير الطبيعة.

ومع ذلك، فلا بد من الإشارة إلى أن هذه التطورات بشكل عام لم تؤدي إلى الإلحاد مباشرة، وإنما إلى التشكيك في الوحي، والإيمان بـ «الدين الطبيعي» أو الربوبية deism (أو بعبارة أخرى، الانتقال من الوحي إلى اللاهوت الطبيعي). رفض الربوبيون خصوصيات الدين المُنَزَّل (الذي كان يستند إلى السماع، وبالتالي لا يمكن التحقق منه عقلانيًا أو إمبريقيًا)، بينما تبنوا الرؤية القائلة بأن الدين يجب أن يؤسس على براهين عقلانية، وأن الدليل على تصميم الله (للكون) يمكن العثور عليه في الطبيعة (Byrne, 1989). كان الشعور الطاغي في عصر التنوير هو أن «الدين الذي لا يمكن تأسيسه بواسطة العقل لم يكن دينًا على الإطلاق – وإنما هو خرافة» (Thrower, 2000:100). لقد نشأت هذه المرحلة الانتقالية إلى الإلحاد الحقيقي من العلاقة الجدلية بين الدين والعلم، كنتاج للثورة العلمية والثورة داخل اللاهوت.

كان الاستثناء الرئيس لقاعدة الربوبية تلك في أثناء عصر التنوير، حدثًا فاصلًا في تاريخ الإلحاد: وأعني نشر بارون دي هولباخ Baron d’Holbach كتابه Systeme de la Nature [نظام الطبيعة] في العام 1770. كان دي هولباخ مفكرًا واجتماعيًا[5] socialite فرنسيًا-ألمانيًا يعيش في باريس، و «ربما كان أول ملحد مُعلَن بشكل صريح في التقليد الغربي» (Thrower، 2000:106). يعتبر ديفيد بيرمان (1988) كتاب (نظام الطبيعة) أول عمل منشور عن الإلحاد «المجاهر به» (أي الصريح والمعلن جَهرَةً) في أوروبا. ويمكن استخلاص انتقاد دي هولباخ للدين في نقاط أساسية ثلاثة: أن الدين غير علمي وتعاليمه نقيض الحقيقة العلمية؛ وأنه يدعم النظام الاجتماعي الفاسد بصرفه الانتباه بعيدا عن عالم الواقع وتوجيهه بدلًا من ذلك نحو الحياة الآخرة؛ وأنه ليس أساسًا نافعًا للأخلاق (Thrower, 2000:107). تشير هذه النقاط إلى أبعاد ثلاثة للنقد هي: إبستمولوجية، وسياسية، وأخلاقية. وهذه بدورها تماثل الأبعاد الخاصة بنقد عصر التنوير للدين على النحو الذي بينه كازانوفا Casanova (1994)، والذي يتضمن التصنيفات «المعرفية»، و«السياسية-العملية»، و«الذاتية التعبيرية-الجمالية-الأخلاقية» المعقدة تمامًا، والتي يمكن تحديدها ببساطة أكثر كنقد أخلاقي-ذاتي.

في الغالب، نادرًا ما كان الاشتباك النقدي مع الدين بين مفكري التنوير في القرن الثامن عشر، إلحاديًا بجرأة وبفخر مثلما كان عليه عمل دي هولباخ، كما أنه لم يتمكن أبدًا من اﻹفلات من تأثير الربوبية ومشكلة التصميم. ومع ذلك، فإن الإلحاد سيعثر في القرن التاسع عشر على حياة جديدة، وتعبير جديد، كما سيتشعب إلى مسارات جديدة. كانت هذه هي الفترة التي تطور فيها الإلحاد من أصوله التنويرية، وتبلور وفقًا لنقطتين جديدتين من اﻷصول، يمكننا من خلالهما استخلاص معظم الأشكال المعاصرة. نمت هذه الجدائل الجديدة من الإلحاد، من منهج عصر التنوير في الشُكوكيّة العامة، وزودت بأرضية جديدة في العلوم الناشئة من البيولوجيا، واﻷنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا، والسيكولوجيا. و كان الإلحاد العلمي أولى هذه المسارات، والتي ظهرت من المناقشات التي أشعلتها نظرية داروين في التطور، وارتكزت على النقد المعرفي.

تطور الإلحاد العلمي
لا يعد نشر كتاب أصل الأنواع The Origin of Species (2003 [1859]) في العام 1859 فحسب أحد أكثر الأحداث أهمية في تاريخ العلم، ولكن ربما أيضًا الحدث اﻷكثر أهمية في تاريخ الإلحاد. فقد كانت نظرية تشارلز داروين للتطور عن طريق الانتقاء الطبيعي، واحدة من أكثر الأفكار استفزازًا وجَدَلِيّة في تاريخ البشر، ما يعزى أساسًا إلى تحديها الضمني للتفسيرات الدينية للأصول البشرية. قدمت هذه النظرية البسيطة، ولكن الناجحة جدًا، إجابة على لغز وجود الحياة، والذي كان يُقَابَل ﻵلاف السنين باﻹجابة: «الله»، وبالتالي زودت الإلحاد برد على الثُغرَة الذي ابتلي بها طوال قرون. لم تتحدى نظرية داروين حجة التصميم فحسب، بل ونسختها من خلال تقديم تفسير بديل، عقلاني وقائم على الأدلة، لظاهرة التصميم في الحياة (Dawkins, 1986). وقد لاحظ داروين نفسه آثار نظريته على أقدم حجة للدين في سيرته الذاتية: «يبدو أنه ما عاد ثمة تصميم في تنوع الكائنات العضوية، وفي عملية الانتخاب الطبيعي، أكثر من المسار الذي تهب فيه الرياح»[6] (2007 [1876]: 94). ورغم أن داروين لم يسمي أبدًا نفسه ملحدًا، فإنه كشف عن لاأدرية نمت من آثار نظريته للتطور، والتي قدمت أساسًا علميًا جديدًا للإلحاد ونقد الدين (Irvine, 1955: 133).

داروين، الخجول والمصاب بعزلة مزمنة، نادرًا ما تحدث علانية، تاركًا بدلًا من ذلك الدفاع عن نظريته المثيرة للجدل في المجال العام، وبشكل أساسي، إلى توماس هكسلي Thomas Huxley، الذي سوف يشتهر، من بين أمور أخرى، بسك مصطلح «اللاأدرية» agnosticism، والعمل كـ «بلدغ داروين Darwin’s bulldog – الذي انحاز إلى التطور بنشاط في النقاش العام ضد جميع المُتَحَدّين» (Larson, 2006: 80). قام هكسلي وحفنة من آخرين بالدفاع عن نظرية التطور، والترويج لها داخل الأكاديميا إلى جانب المجال العام الأكثر شمولاً، كما «تعاونوا بفاعلية لانتزاع المؤسسة العلمية، مع هدف تنصيب الطَبَعانيّة[7] naturalism كأيديولوجية للعلم، والعلم كدعامة أساسية للمجتمع الحديث» (المرجع نفسه: 108). قوبلت نظرية داروين، بالطبع، بمقاومة من السلطات الدينية (وكذلك من المعارضين من المجتمع العلمي). وهذا، مقرونًا بحقيقة أن السرد التوراتي عن الخلق ومكانة النوع البشري كان يتعارض مع التطور، قاد بعض الداروينيين الأوائل إلى الاشتباك مع اﻷفكار الدينية في صراع علني. ولا يزال هذا الصراع يشكل خطاب الإلحاد الجديد حتى اليوم.

بالنسبة لهؤلاء الداروينيين الأوائل، لم تكن نظرية التطور مُجَرّد حقيقة علمية في حاجة للدفاع عنها ضد القوى غير العقلانية التي تسعى إلى تشويه سمعتها. وإنما كانت النظرية، ومنذ البداية، مرتبطة بتوجه سياسي معين. فقد كان داروين «مولودًا، إذا جاز التعبير، في اﻹنتلجنسيا الآمنة مالياً في بريطانيا» (Browne, 2006: 10). وهذه التنشئة أثبتت أنها حاسمة في شخصيته وآرائه السياسية، والتي بدورها كانت مفيدة في تطوير نظريته العلمية: إذ «كان ضروريًا لمفهوم داروين، نظرة عالمية حديثة متأثرة بأفكار النفعانية، والفَردانِيَّة، والإمبريالية، ورأسمالية عدم التدخل». (Larson, 2006: 70). لم يشعر داروين بأي وخز للضمير نتيجة إعلانه الدعم للمد المتصاعد لليبرالية: «كان الفرد المتحرر من اﻷغلال، الذي يسعى وراء مصلحته الذاتية في مجتمع تنافسي دون قيد، هو المثل الأعلى السياسي طيلة نصف قرن … لقد كان هو مانِيفِستُو داروين في كتاب أصل اﻹنسان the Descent of Man، كما ظل هو نفسه “ليبراليًا كاملاً”» (Desmond and Moore, 1991: 625). وبعد وقت قصير من نشره، وصف هكسلي كتاب أصل الأنواع بأنه «”بندقية ويتوورث Whitworth [رشاش سريع الطلقات] حقيقية في مستودع أسلحة الليبرالية” – والسلاح الجديد الأكثر فعالية لقتل المعتقدات الخرافية وتطهير الميدان للمادية العقلانية» (Larson, 2006: 83).

بوضوح، كان التطور في أذهان المدافعين عنه بعيدًا عن المحايدة سياسيًا. وبدلاً من ذلك، كانت الفكرة قد رُبِطت بالليبرالية والعقلانية، واستخدمت للترويج للأهداف والقيم الحديثة. وبالتالي، فإنها تجاوزت العلم لتصبح حجر الزاوية في الأيديولوجية السياسية لﻹنتلجنسيا الليبرالية الفيكتورية (Jones, 1980). في الواقع، لم يتفق العديد من العلماء فحسب على أن نظرية داروين صَدَّقت على آرائه السياسية، وإنما على أن النظرية نفسها كانت نتاجًا للثقافة الفيكتورية، بما أن داروين ألزم نفسه منذ وقت باكر في حياته العلمية بنظرية الطبيعة، والتي عكست النوازع السوسيو-اقتصادية المالتوسية[8] للمجتمع الراقي البريطاني (Radick, 2009). وبمجرد ارتباط الإلحاد بنظرية التطور، فإنه انتقل من مجرد نَقض المعتقدات الدينية إلى التوكيد على الليبرالية،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
قدرى جاد
Admin
قدرى جاد


عدد الرسائل : 7271
العمر : 66
تاريخ التسجيل : 14/09/2007

مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية Empty
مُساهمةموضوع: رد: مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية   مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية Emptyالأربعاء مارس 27, 2024 1:28 pm

وبمجرد ارتباط الإلحاد بنظرية التطور، فإنه انتقل من مجرد نَقض المعتقدات الدينية إلى التوكيد على الليبرالية، والعقلانية العلمية، والشرعية الخاصة بمؤسسات العلم الحديث ومنهجيته. أي أنه في النتيجة، تحول من نقد ديني إلى نظام أيديولوجي كامل.

إضافة إلى ربط التطور بالليبرالية والرأسمالية، وجد الداروينيون في النظرية دعمًا لفكرة أوروبا الغربية باعتبارها المجتمع الأكثر تقدمًا (أو الأكثر تطورًا) في العالم. اكتسبت نظرية التطور أهمية هائلة خارج مجال العلوم الطبيعية، وقولبت الفكر الاجتماعي والسياسي بحيث «أصبح الانتقاء الطبيعي نوعًا من الوحي العام» (Budd, 1977: 131). إلى هذا الحد، أصبحت نظرية داروين أداة للأيديولوجية السياسية المحافظة بقدر ما كانت أداة لليبرالية. ويعتبر هذا أكثر وضوحًا في مثال هربرت سبنسر Herbert Spencer، الذي اعتمد على الأفكار الداروينية واللاماركية[9] في تصوره للتطور الاجتماعي. في نظرية سبنسر الاجتماعية، يحدد التطور «المراحل التي يمر عبرها التكتل الاجتماعي المتطور» (Wiltshire, 1978: 194). واﻵلية التي تقود هذه العملية هي الانتقاء الطبيعي، أو التنافس بين أفراد المجتمع الأكثر واﻷقل «صلاحية»: «يتقدم المجتمع حيثما يُسمح لأعضائه الأصلح بتأكيد صلاحيتهم بأقل عائق، وحيثما لا يُمنع الأقل صلاحية من الموت على نحو اصطناعي» (Spencer, 1965[1884]: 81). في هذه العبارة، نرى «وجهة النظر الراديكالية بعدم التدخل» الخاصة بسبنسر (Gondermann, 2007: 28)، وتحذير من الخطر الذي تشكله برامج دولة الرفاهة ودعم الفقراء على تقدم المجتمع، وكل هذا مصحوباً بشرعية توفرها نظرية علمية.

من المهم ملاحظة أن فكرة التطور الاجتماعي التقدمي هذه، برؤيتها حول «التكشف الطبيعي للتعقيد الاجتماعي» (Dunbar, 2007: 32)، إنما تستند إلى قراءة خاطئة لداروين. فقد اعتبر داروين التطور شجيرة مضيئة من التكيف والتفاضل، و«عملية عشوائية بدون اتجاه ثابت» (ibid.: 31)، بدلاً من النظر إليها كرحلة عبر خط واحد من التحسين كما هو الحال بالنسبة لسبنسر، والذي أثر على التطور البيولوجي بسياساته وتحيزاته المسبقة. مع سبنسر، انتقل التطور من الأيديولوجية الليبرالية-العقلانية إلى ما أصبح معروفًا باسم الداروينية الاجتماعية Social Darwinism. وفي العديد من الدوائر، العلمية وغير ذلك، أصبح الإلحاد متشابكًا مع هذه الأيديولوجية، على الرغم من أن داروين نفسه اعتبر الإلحاد موقفًا يتعذر الدفاع عنه. وبدلاً من ذلك، فإنه فضل الإشارة إلى نفسه باعتباره لاأدريًا (Desmond and Moore, 1991).

ولكن على الرغم من تحفظات داروين، فإن نظرية التطور عنت للبعض أن العلم كان قادرًا على إتمام الانفصال عن الدين الذي حرضت عليه الثورة العلمية مع ثورة متزامنة في اللاهوت، وأصبح لديهم الآن تفسيرًا لأصل الحياة يكملون به تفسير الكون. إن إلحاد الداروينيين الفيكتوريين، الذي شكله هذا النموذج التفسيري للدين، إضافة إلى الليبرالية السياسية، والدفاع عن المبادئ التنويرية للتقدم، والكونية[10] universalism، والعقلانية العلمية، يمثل ما أسميه الإلحاد العلمي. تابع هذا النوع من اﻹلحاد النقد المعرفي، مع التركيز على لا عقلانية المعتقدات الدينية، والتوقع بتلاشي «”ظلامية” الجهل الديني والخرافات، عند التعرض لـ “أنوار” العقل» (Casanova, 1994: 31). ومن جدلية العلم/الإيمان التي وصفها باكلي، والتي بلغت أوجها في العصر الفيكتوري[11] في وجهة النظر القائلة بأن «العلم حل محل الدين كمفسر للعالم المادي، وأن الحداثيين، الذين يملكون العلم بحكم تعريفهم، يجب أن يرفضوا التفسير الديني» (Segal, 2004: 137)، ومع ادعاء العلم الحق منفردًا في تفسير الطبيعة، كان نقد الدين في جوهره بمثابة رفض للرؤى العالمية التي تحول دون شرعنة ومأسسة المناهج العلمية الحديثة.

من الجوهري ملاحظة أن الإلحاد العلمي لم يكن مقتصرًا على أولئك المشتغلين في مجالات العلوم الطبيعية. فقد أخذ أيضًا المفكرون في حقول السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا في افتراض الدين كمرحلة أدنى في تطور البشرية، كما هو الحال في قانون المراحل الثلاثة[12] Law of Three Stage لـ كونت Comte. وقد شارك إي بي تايلور E. B. Tylor النظرة اﻹلحادية العلمية للدين كفرضية علمية زائفة (ما يسميه ريتشارد دوكينز [2006] «فرضية الله»)، واعتقد أن «الدين يعمل لتفسير الأحداث في العالم المادي بشكل شامل ومنهجي مثل العلم» (Segal, 2004: 142). ومن المهم بنفس القدر، ملاحظة عدم أخذ جميع الداروينيين بالنظرة السبنسرية للتطور التقدمي، وأن الملحدين العلميين في التقليد الدارويني اليوم – ريتشارد دوكينز هو المثال الرئيس – يميلون إلى تحريف نظرية الانتقاء الطبيعي لتتناسب ورؤيتهم الخاصة للتقدم الاجتماعي. هذه الحقائق مجتمعة، تخبرنا أن الإلحاد العلمي ليس نتيجة ضرورية للنظرة الداروينية العالمية، وإنما هو أيديولوجية تستخدم «التطور» و «الانتقاء الطبيعي» كاستعارات في تطوير ما هو في الحقيقة موقفًا سياسيًا عميقًا.

من علم الله إلى علم الإنسان: الإلحاد الإنسانوي
الملاحدة المدافعون عن داروين، والذين شجعتهم النظرية الثورية للتطور عن طريق الانتقاء الطبيعي، والإجابة التي قدمتها على حجة التصميم، قاموا بتوسيع وصقل تقليد عصر التنوير الخاص بالنقد الديني، والأهم النقد المعرفي. في الوقت نفسه، كانت ثورة أخرى تجري في الفكر، ارتكزت على النظرية القائلة بأن المنهج العقلاني التنويري «لا يأخذ في الاعتبار القوى العميقة، وغير العقلانية التي دفعت البشرية إلى الإيمان بالله والدين» (Berman, 1988: viii). أنتجت هذه الثورة ما يسميه بيرمان «المنهج الأنثروبولوجي» لنقد الدين، والذي يوجه الإلحاد بعيدًا عن الأسئلة الأنطولوجية المتعلقة بوجود الله. وبدلاً من ذلك، فإن المفكرين في هذا التقليد «كانوا بأجمعهم تقريبًا غير مهتمين بالسؤال الجوهري حول وجود الله: بما أنهم افترضوا إلى حد كبير عدم وجوده، وقدموا روايات مستوعبة للأسباب التي أدت إلى الإيمان بالله واستدامة هذا اﻹيمان» (ibid.: ix).

قد تفهم هذه الخطوة باعتبارها انفصالًا عن الإلحاد العلمي، فهي إنكار لوجود الله، ودحض للتفسيرات الدينية للطبيعة (على عكس اﻹلحاد العلمي)، واتجاه نحو نهج حَوَّلَ التركيز من «الطبيعة» إلى «الإنسانية»، حيث «نزع الإلحاد بطاقاته الكبيرة في القرن التاسع عشر إلى تأليه الإنسان» (Buckley, 2004: 71). ولذلك، سوف أشير إلى إلحاد المنهج الأنثروبولوجي في النقد في القرن التاسع عشر، والنقد اللاحق المتجذر في هذا التقليد – الذي يفهم الدين كظاهرة اجتماعية ونفسية، وانبثق من العلوم الاجتماعية والإنسانية – على أنه إلحاد إنسانوي humanistic atheism. ظهر هذا المنهج إلى حد بعيد كاستجابة للسُخط من وعد عصر التنوير بأن الحداثة ستؤدي إلى سعادة أكبر للجميع. إضافة إلى الاعتراف بأن النقد المعرفي العقلاني للدين لم يفعل شيئًا لمعالجة المصادر غير العقلانية للمعتقد الديني، والتي تتضمن الاغتراب، والمعاناة، والعصاب الطفولي، وانعدام الأمن، والخوف من الموت. جعل اﻹلحاد اﻹنسانوي مهمته الأساسية، أن يكون أحد الكاشفين عن المقدَّس باعتباره إسقاطًا للاغتراب[13] alienation والمعاناة، وبالتالي مَركَزَة اﻹنسانية وهمومها الدنيوية – بدلاً من البُنى اللاهوتية – كموضوع للبحث. وكانت بداية الأمر مع فويرباخ Feuerbach، الذي كان سَلَفًا للمناهضين الرئيسيين الثلاثة لﻷلوهية.

كانت مساهمة فويرباخ في تطور الإلحاد، هي نظريته عن الله باعتباره إسقاطًا للإنساني على المقدس، والذي هو إسقاط للاغتراب: “الدين هو فكاك الإنسان عن نفسه؛ إنه يضع الله أمامه كنقيض لذاته” (Feuerbach, 1957[1841]: 33). وهذا يعني، أن كل ما هو عظيم في الله، إنما هو مغترب عن الإنسانية. يعتبر فويرباخ هذا الفعل من الإسقاط، وما يكشفه عن الحالة الإنسانية، الجوهر «الحقيقي»، و«الأنثروبولوجي» للمسيحية، بينما يرفض الدعاوى اللاهوتية لﻷخيرة باعتبارها «جوهرًا زائفًا». وهكذا، فإن مشروعه كان إصلاحًا لانقسام الإنسان، من خلال الكشف عن جوهر الدين السري أو «الحقيقي»، والذي هو أن الله ليس هو الذي يُعبد، وإنما الإنسانية هي التي تغترب عن نفسها.

يسعى هذا المشروع الفلسفي إلى رد الخصائص الإلهية إلى البشرية. وبالتالي فإن قِوَام إلحاد فويرباخ ليس عقلانيًا-علميًا يسَفّه من دعاوى اللاهوت، وإنما هو باﻷحرى اعترافًا بالشخصية الإنسانية الأساسية لله. ومع تأسيس هذا الاعتراف، يرى من المناسب اﻹعلان بأنه «بإلهه أنت تعلم الإنسان، وباﻹنسان تعلم إلهه؛ الاثنان متطابقان» (1957[1841]: 12). وهو تَبَصّر قاده إلى نوع مختلف من المقاربة للدين، تلتزم تحويل اللاهوت إلى أنثروبولوجيا. آمن فويرباخ بأنه لفهم الدين (ونقده بفاعلية)، فإن علينا فهم الظروف الحياتية التي أدت إلى قيامه. وكما ذهب جافين هايمان Gavin Hyman (2007)، فإن فويرباخ سعى إلى استبدال علم الله بعلم اﻹنسان. هذا التحول في التركيز، من الدعاوى اللاهوتية إلى الحالة الإنسانية، ومن فهم الدين كتفسير زائف للطبيعة (في رأي دوكينز [2006]، فرضية علمية زائفة) إلى فهمه كظاهرة اجتماعية، هو جوهر الإلحاد الإنسانوي. وقد تم تبني هذا المنهج من قبل كارل ماركس، والذي أعاد تشكيل نظرية فويرباخ من خلال تحديد أكثر دقة لطبيعة التجربة البشرية التي أدت إلى إِسقاطِيّة الله – أي الاغتراب.

شدد ماركس على أنه لا يمكن بطريقة ما أن ينتزع الدين من السياق الاجتماعي، وخصوصًا الظروف المادية للحياة الاجتماعية التي تنتج مسألة الاغتراب. وبصورة عامة، فإنه ردد فهم فويرباخ لله باعتباره إسقاطًا اغترابيًا: «إن القاعدة للنقد اللا ديني هي أن: الإنسان يصنع الدين، والدين لا يصنع اﻹنسان. الدين، في الواقع، هو وعي الذات والكبرياء لﻹنسان الذي لم يعثر على نفسه بعد، أو الذي خسر نفسه فعلًا» (Marx, 1983[1844]: 115). إن الذات المغتربة، المدفونة بفعل ظروف استبدادية، أسقطت على الشخصية اﻹلهية التي تَعِدُ بدورها في العالم اﻵخر بالتخليص من هذا الاستبداد. وقد خدم وصف ماركس للدين باعتباره «أفيون الشعوب» و «القلب في عالم بلا قلب» (ibid.: 115–16) في تفسير ما قصده فويرباخ بالجوهر الأنثروبولوجي «الحقيقي» للدين، مقابل الجوهر اللاهوتي «الزائف». فالدين حقيقي، ولكن ليس في دعاويه اللاهوتية، وإنما بمعنى كونه تعبيرًا ومظهرًا حقيقيًا للتجربة الإنسانية مع الاغتراب. وبذلك، فإن نقد الدين في حقيقته، نقد لعالم ظالم واستبدادي، و «نقد السماء يتحول إلى نقد للأرض» (ibid.: 116). يصر ماركس على أن العالم إذا أعيد بنائه طبقًا لرؤيته الاشتراكية، فإنه سيملك قلبه الخاص، وسيختزل الدين إلى عضو أثري من جسم اجتماعي استبدادي، سوف يُترك في النهاية في مزبلة التاريخ، جنبًا إلى جنب مع الرأسمالية. لقد وافق ماركس مع فويرباخ على أن القضاء على الدين ضروري للبشر لكي يُعادوا إلى إنسانيتهم. وبالتبعية، فإن هذا يتطلب إنهاء الاغتراب، الذي هو في القلب من العقيدة الدينية: «ينتهي نقد الدين في التلقين بأن الإنسان هو أسمى كائن للإنسان، وكذلك في الحتمية القاطعة لتدمير كل تلك الظروف التي يكون فيها الإنسان كائنا مهانًا، ومستعبدًا، ومنبوذًا، ومحتقرًا» (ibid.: 119).

ينحرف ماركس عن تقاليد عصر التنوير في مخططه لكيفية إبطال الدين، مدعيًا بأنه عندما تتغير الظروف الاستبدادية التي يستلزمها المعتقد الديني، لن يكون الوهم المريح للدين ضروريًا مرة أخرى، وسيختفي ببساطة – فالأيديولوجية تتبدد بمجرد انهيار أساسها المادي. وبينما ركز الإلحاد العلمي على نقد الدعاوى «العلمية» للدين، فإن ماركس أشار إلى أن هذا لن يفعل شيئًا لتغيير العلاقات الاجتماعية الدُنيَوِيّة التي تشكل أساسها. وقد جادل بأن استراتيجية المُبَاحَثَة العقلانية rational deliberation محتومة الفشل، لأنها لم تتعرض لهذا الجوهر الحقيقي للدين. ومن ثم، فمثلما أراد فويرباخ تحويل علم الله إلى علم الإنسان من خلال «حلّ العالم الديني إلى أساسه العلماني» (Marx, 2002[1845]: 183)، فإن ماركس جادل بالمثل بأن نقد السماء يصبح بالضرورة نقدًا للأرض. كما يُلاحظ بأن «فويرباخ قام بحل الجوهر الديني إلى الجوهر الإنساني»، مضيفًا بأن هذا ليس تجريدًا فرديًا، وإنما باﻷحرى «مجموعة العلاقات الاجتماعية» (ibid.: 183). وبناءً عليه، فإن نقطة التركيز ليست هي التنوير، بل التحول الاجتماعي. وهذا التحول في المنظور، يشير إلى تطور تصاعدي ونقطة انفصال في الفكر اﻹلحادي، بالانتقال من الدحض العقلاني-العلمي للاهوت إلى اعتبار الدين ظاهرة اجتماعية.

مثل ماركس، وصف سيجموند فرويد الدين بأنه وهم. ورغم أن تفصيلات ذلك مختلفة تمامًا، فإن هذين المفكرين يشتركان في فهم القيمة الأساسية للدين بالنسبة للمؤمن. إن الأوهام الدينية لكليهما، هي في جزء منها آلية لتجاوز المعاناة والحقائق القاسية للحياة. لم يحدد فرويد جذور هذا الوهم في الظروف المادية لﻹنتاج، وإنما في شيء أقل حِسِّيّة: اللاوعي البشري. فقد نظر إلى المؤمن بالدين باعتباره طفلًا جبانًا ومذهولًا؛ عاجزًا، وخائفًا من طبيعة العالم وجاهل بها. العالم الذي يظهر أمامه كمكان مرعب ومُهَدّد. إنه يرسم لوحة لبشر يتحرقون شوقًا من أجل الحصول على قدر من السيطرة على قوى الطبيعة التي هي بالنسبة لهم مرعبة للغاية. وهذا ممكن فحسب، إذا تم التحكم في الطبيعة بواسطة شكل مجسم شبيه باﻹنسان يمكن التأثير عليه. والنتيجة هي فكرة الله، سيد وخالق الطبيعة كلها، الذي يمكن تملقه لمنع الانفجارات البركانية، والجفاف، والأعاصير، واﻷوبئة، في تسمية للبعض فقط من قواه اللا محدودة (Freud, 1989b[1927]: 20–1).

هذا العجز الذي يعانيه الشخص البالغ فيما يتعلق بالطبيعة، يشبه إلى حد كبير العجز الذي يعانيه «كطفل صغير، فيما يتعلق بوالديه» (Freud, 1989b[1927]: 21). وبوضع هذين العنصرين سويًا – العجز ضد الطبيعة والعجز الطفولي – فإننا نحصل على صورة للدين باعتباره:

. . . نظام العقائد والوعود، الذي يشرح له من ناحية ألغاز هذا العالم باكتمال يحسد عليه، ويؤكد له من ناحية أخرى أن عناية إلهية يقظة سترعى حياته، وتعوضه في الوجود المستقبلي عن أية إحباطات يعاني منها هنا. الرجل العادي، لا يمكنه تخيل هذه العناية الإلهية إلا في صورة الأب المتعالي للغاية. (Freud, 1989a[1929]: 22)

هنا، يُتمِّم فرويد الرؤية التفسيرية للدين، بتحليل نفسي يعلل اعتناق هذه المعتقدات. وهو في هذا، يتباعد عن الإلحاد العلمي الذي لا يتأثر بالاعتبارات اﻹنسانوية، وإنما يركز بالكامل على الصراع بين الادعاءات الواقعية للعلم والدين. في الوقت نفسه، ونظرًا إلى التطابق بين نظرته إلى الدين باعتباره تفسيرًا قديمًا وفاشلًا للطبيعة، ووصف دوكينز (2006) لـ” فرضية الله “، فمن المذهل أن يتجاهل المعاصرون من الملاحدة الجدد تمامًا، مساهمة فرويد في الإلحاد.

رائد آخر للإلحاد الإنسانوي هو نيتشه، المعلن نفسه معاديًا للإنسانوية anti-humanist. ترفض فلسفة نيتشه أي إبستمولوجيا للتَعَالِي أو الكونية. وإعلانه المشهور بأن «الله مات» (Nietzsche, 1974[1887]: 167) ليس بالطبع بيانًا للحقيقة حول وجود الله. وإنما يشير نيتشه هنا إلى حالة الحداثة، المتسمة بالشُكوكيّة، والتحول، والتسليم بإمكانية تقرير المصير. هذا يعني، أن مفهوم موت الله يشير إلى نهاية «الإيمان بأي نوع من المركزي المطلق أو الأساس الذي لا يتزعزع» (Caputo, 2007: 270). إنه خطوة ضرورية في تطور الإنسان، حيث «يُعَرَّف الإنسان كحبل يربط بين الحيوان واﻹنسان اﻷعلى Ubermensch»، عندما تصبح أخيرًا «البشرية الحقيقية هي “معنى” الأرض» (Ansell-Pearson, 1994: 138). هنا، نرى رابطًا بين نيتشه ونظرية فويرباخ عن الله باعتباره إنسانية مغتربة مسقطة. وهذا يعني، أن الإنسان لا يمكنه أن يصبح اﻹنسان اﻷعلى Ubermensch – سيد نفسه، وخالق حقيقته وأخلاقه – حتى يصبح الله، الأساس العالمي والاغترابي للحق والأخلاق، «ميتًا».

يتخذ نيتشه موقفًا ليس مغايرًا كثيرًا عن الإلحاد العلمي، لدرجة أنه يعتقد أن الإيمان يسلب الناس قدرتهم على الفهم، ويجبرهم بدلاً من ذلك على الاعتماد على الكنيسة لتفسير وجودهم، وتوفير المعنى له، مع تعميق اعتمادهم على رجال الدين. وفي الوقت نفسه، فإنه يتبع نهجًا إنسانويًا في تصوره للمعاناة التي هي في صميم المعتقد الديني: «لا يجب على اﻹنسان أن ينظر حوله، بل ينظر ﻷسفل إلى نفسه؛ لا يجب عليه أن ينظر في اﻷشياء بِتَفَكُّرٍ وحذر لكي يتعلم، يجب عليه ألا ينظر بأية حال: عليه أن يعاني. . . . وعليه أن يعاني بطريقة تجعله محتاجًا إلى الكاهن في جميع الأوقات» (Nietzsche, 2003[1895]: 177). لقد وصف نيتشه الدين باعتباره وهمًا أنشئ للفرار من الواقع: «إنه تعبير عن سُخط عميق من الواقع. . . . لكن هذا يفسر كل شيء. من وحده لديه السبب للكذب على نفسه بعيدًا عن الواقع ؟، إنه من يعاني منه» (ibid.: 137).

بهذا المعنى، يمكن لنيتشه أن يتفق مع ماركس وفرويد في تشخيصهما للدين كتعبير عن المعاناة والتعويض عنها. ويُعَبَر عن هذه الفكرة بالقوة اﻷكبر في احتقار نيتشه للأخلاق المسيحية، والتي هي بالنسبة له ليست سوى أخلاق العبيد، حيث يعيش المضطهدون بقانون أخلاقي يشرعن اضطهادهم، ويشجع سلبيتهم وخضوعهم للحكام الأقوياء. كان زرادشت قد عبر عن هذا الشعور، عندما قال إنه «غالبًا ما ضحك على الضعفاء، الذين اعتقدوا أنهم صالحون لأنهم لم يملكون مخالب» (Nietzsche, 1966[1885]: 118). من وجهة نظر نيتشه، يتَقَبَّل «العبيد» «إله العزاء، ويؤمنون بسعادة مستقبلية في الحياة الآخرة» (Salaquarda, 1996: 106) ما يزيل (أو على الأقل يسَكّن) الحافز على الثورة، والسعي للعدالة الدنيوية، من خلال وعد بعدالة إلهية ذات مغزى أكبر في المستقبل.

بالنسبة لنيتشه إذن، وكما هو الحال مع ماركس، يحول الدين انتباهنا بعيدًا عما هو مهم حقًا، أي العلاقات الاجتماعية الإنسانية، نحو استرضاء إله خارق للطبيعة لديه القدرة على إنهاء معاناتنا، إذا كنا فقط على استعداد للخضوع لإرادته – والتي بالطبع، هي إرادة رجال الدين الأقوياء حَتماً. وربما يكون الاختلاف الأكبر بين هؤلاء المفكرين في موقفهم تجاه المضطهدين. فبينما كان ماركس متعاطفًا بشكل واضح، فإن نيتشه استهزأ بالجماهير الضعيفة المُضَلّلة بأخلاق العبيد المسيحية، واحتقر فرويد بنفس القدر الأغلبية المتوحّلة في خيال طفولي، و«لن تتمكن أبدًا من الارتقاء فوق هذه الرؤية للحياة» (Freud, 1989b[1927]: 22). وأخيرا، فمن المهم ملاحظة أنه بينما مَيَّزَت بين الإلحاد العلمي والإنسانوي، فإنني لا أقترح أن تكون هذه خطوطًا متعارضة من النقد. ففي الواقع، يبدو فرويد، وحتى نيتشه، في لحظات مثل العقلانيين في انتقاداتهم للمعتقد اﻹيماني. والنقطة هي أن الملاحدة اﻹنسانويين اتخذوا الموقف العلمي كأمر مسلم به، وقدموا شكلًا أكثر تعقيدًا للاشتباك.

اﻹلحاد “الجديد“
يوفر التحليل التاريخي المقدم في هذه المقالة سياقًا لمناقشة الإلحاد الجديد، التيار الفكري والحركة الاجتماعية حديثة التكوين، التي تتزعمها وتقولبها كتابات ريتشارد دوكينز (2006)، وسام هاريس (2004)، ودانيال دينيت (2006)، وبدرجة أقل كريستوفر هيتشنز (2007)، الذي أعتبر كتاباته نوعًا من التطفل، لأن نقده يركز بشكل أكبر على الأبعاد السياسية والأيديولوجية للدين، وبدرجة أقل على صراع الأخير المستعصي المزعوم مع المعرفة العلمية. ورغم أن الدراسات العلمية حول الإلحاد الجديد والحركة الإلحادية آخذة في الظهور بشكل عام (على سبيل المثال Amarasingam, 2010; Cimino and Smith, 2007, 2010; Eagleton, 2009; Smith, 2011)، فإنها تميل إلى الافتقار للسياق التاريخي. وأنا أفترض أن الإلحاد الجديد إنما يُفهم بصورة أفضل، باعتباره امتدادًا للإلحاد العلمي الذي ظهر في العصر الفيكتوري. وسوف أتحول الآن إلى فحص موجز لبعض آثار نموذجي البحثي على فهمنا للإلحاد المعاصر، بما في ذلك بعض السبل للبحث المستقبلي.

يستخدم الملاحدة الجدد الخطاب الفيكتوري حول الصراع الأبدي بين الدين والعلم لغرض جِدَالِيّ، هو تعزيز الرأي القائل بأن الدين هو سمة متخلفة في العالم قبل الحديث، وأن «الحداثيين، الذين بحكم تعريفهم يملكون العلم، يجب بناء على ذلك أن يرفضوا الدين والسحر» (Segal, 2004: 135). هذا هو جوهر ما أسميته الإلحاد العلمي، ويمكن وضع فكر الملاحدة الجدد في هذا التصنيف. إن الجانب الأول واﻷكثر أهمية في الإلحاد العلمي مما تم تحديده أعلاه، هو نظرية الدين باعتباره تفسيرًا للعالم الطبيعي، وفرضية علمية زائفة، أو ما يشير إليه دوكينز (2006) باسم «فرضية الله». وكما كان يقال لنا، فإن أصول هذه الفرضية يمكن اكتشافها في تاريخنا التطوري. وبينما يذكر دوكينز المزيد من التفسيرات السوسيولوجية للدين (مثل «التعزية» وأهمية التنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة المبكرة)، فإنه يحرص على الملاحظة بأن هذه تفسيرات «قريبة» proximate. أما للحصول على تفسيرات «أبعد» ultimate، فإننا مكلفون بالنظر في فكرة الانتقاء الطبيعي، والذي يستمد منه دوكينز نظرية «المنتوج الثانوي التطوري» evolutionary by-product للمعتقدات الدينية.

يشارك دينيت (2006) هذا الرأي، بالتنظير بأن فكرة الله متجذرة في نزعة تكيُّفيّة تطورية ﻹسباغ القوة على الجماد والظواهر الطبيعية، أي «الموقف القصديّ» intentional stance. بينما يجادل هاريس بالمثل بأنه «نظرًا لأن عقولنا قد تطورت لاسكتشاف الأنماط في العالم، فإننا غالبًا ما نكتشف أنماطًا ليست موجودة بالفعل – تتراوح بين الوجوه في السحب إلى اليد الإلهية في أعمال الطبيعة» (2010: 151). يعتقد هؤلاء المفكرون أن التطور ليس فقط إجابة على لغز الدين، وإنما إجابة حتى على العديد من الأسئلة السوسيولوجية الأخرى. في الواقع، يصف دينيت فكرة الانتقاء الطبيعي بأنها «حمض عالمي» universal acid يشق طريقه من خلال أطر نظرية أدنى في عدد من المجالات، «واعدًا بتوحيد وتفسير كل شيء تقريبًا في رؤية واحدة رائعة» (Dennett, 1995: 82). هناك حيِّز صغير في الإلحاد العلمي لنوع التفسيرات «القريبة» التي يقدمها الإلحاد الإنسانوي، نتيجة الالتزام الأيديولوجي بالنُشُوئِيَّة evolutionism كسردية رئيسية، إضافة إلى متابعة المشروع الفيكتوري لتحرير العلم من الأشكال الأخرى من السلطة. وإذا كان الدين ظاهرة اجتماعية، فإنه سيصبح على العلوم الطبيعية التخلي عن سلطتها في هذا الشأن. ولذلك، فإن الملاحدة الجدد يتعاطون مع الدين باعتباره «ظاهرة طبيعية» (Dennett, 2006)، أو نتاج لعمليات طبيعية لا يمكن فهمها «جَوهريًّا» إلا بالاستعانة بالنظريات البيولوجية والسوسيو-بيولوجية فقط.

تعد نظريات الدين هذه، عَرَضًا لنزعة علموية أعم، وميل بين الداروينيين إلى اختزال جميع العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى فرع غير مطور من البيولوجيا التطورية، مع ضمها إلى «الرؤية الرائعة» المهيمنة للانتقاء الطبيعي. هذا المفهوم، وفقًا لدوكينز ودينيت (وعدد متزايد من علماء الاجتماع، مثل Blute, 2010; Frank, 2011; Hodgson and Knudsen, 2010; وغيرهم الكثير)، ليس مُجَهَّزًا لتفسير الأصول البدائية للمعتقد الديني فحسب، وإنما تفسير سائر الطبيعة، وتطور المجتمع والثقافة والاقتصاد البشري. هذا التوجه الدارويني يضغط على الملاحدة الجدد بعيدًا عن النقد العلمي للمعتقد الديني، في اتجاه نظام معتقدات بديل ومحمّل سياسياً. والنتيجة فرع أيديولوجي من الإلحاد، تم تلفيقه من خلال دمج الداروينية الفيكتورية وعقلانية عصر التنوير. وقد لاحظ تيري إيجلتون Terry Eagleton (2009) وجود صلة بين الإلحاد الجديد وصنف معين من الليبرالية السياسية، ترتكز على النزعة التقدمية progressivism والدفاع عن شرعية النمط الغربي الحديث للتنظيم الاجتماعي – الرأسمالية بشكل محدد. هذه الأيديولوجية، تُغَذَى بدورها بنظرية التطور (والعلموية بصورة أعم) كما كانت بالنسبة للداروينيين الفيكتوريين، بما في ذلك مؤسس النظرية نفسه.

وبينما يختلف المفكرون اﻷربعة الرئيسيين من الملاحدة الجدد في نقاط تركيزهم (هيتشنز وبوضوح، أقل اهتمامًا بالعلم من السياسة، كما أنه أقل ميلًا إلى طي الأخيرة في الأول)، والشيء الوحيد الذي يتشاركونه جميعًا هو الرؤية الغائية للتطور التقدمي للحضارة، والذي يعتقدون بحتميته في ظل إطلاق العنان للعلم والعقل، وعدم وجود عائق من قبل الدين. لا يدعم أيًا من الملاحدة الجدد صراحة الآراء السوسيو-اقتصادية السبنسرية. وفي الواقع، فإنهم يتجنبون عمومًا الاشتباك المباشر في موضوع الاقتصاد. ويقول إيجلتون عن الغياب البارز لأي ذكر للاقتصاد في أعمالهم، إنهم «لا يملكون الكثير ليقولوه عن شرور الرأسمالية العالمية على النقيض من شرور الإسلام الراديكالي. في الواقع، فإن معظمهم بالكاد يذكر كلمة “الرأسمالية” على الإطلاق» (2009:100). من وجهة نظر إيجلتون، فإن الملاحدة الجدد يتَعَرّضون للدين، جزئيًا على الأقل، باعتباره كبش فداء للرأسمالية. وينشرون العلم والداروينية، للمفارقة، كبدائل للوظائف الأيديولوجية للدين.

وفي حين أصاب إيجلتون الهدف بوصفه للملاحدة الجدد بأنهم عقلانيون ليبراليون، فإنه من الممكن ملاحظة ليبرالية عدم تدخل[14] laissez-faire liberalism أكثر تطرفًا، بل وحتى شبحًا للداروينية الاجتماعية، داخل الحركة الاجتماعية التي تتكتل حول كتاباتهم. وهذا أكثر ما يكون وضوحًا في حالة المركز اﻹنسانوي العلماني للبحث (CFI)، أبرز منظمة إلحادية في أمريكا الشمالية. فرغم وجود معارضة في صفوف CFI، إلا أن المركز متأثر بقوة بالملاحدة المتشددين، من المعلنين أنفسهم ذاتيًا ليبراليين، والذين يوظفون خطابات العقل والبحث الحر في تقديم فَردانِيَّة راديكالية ومعارضة الدولة. فقد شَبَّه توم فلين . Tom Flynn (2011)، محرر مجلة البحث الحر Free Inquiry، الدورية الفصلية التي يصدرها CFI (والتي تضمنت لسنوات عدة مساهمات منتظمة من كريستوفر هيتشنز، إلى جانب مقالات أكثر تقطعًا من قبل الملاحدة الجدد الثلاثة الرئيسيين الآخرين)، برامج الرعاية الاجتماعية بمخططات بونزي[15] Ponzi schemes. كما تصدر المجلة بانتظام افتتاحيات ومقالات للدفاع عن اللامساواة الاقتصادية والرأسمالية النيوليبرالية – حتى أنها تحتفل بـ الشركة[16] corporation باعتبارها «المؤسسة العلمانية المثالية» (Pasquale, 2010) – بينما تجادل ضد حق الدولة في الاقتطاع من ثروة القطاع الخاص، لأجل أغراض المساعدات الاجتماعية (على سبيل المثال Machan 2011). وبشكل واضح، فإن العلاقة بين الإلحاد العلمي والآراء الداروينية السوسيو-اقتصادية تستحق بحثًا إضافيًا.

هناك، بالطبع، خلاف داخل CFI حول مسائل العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وهو توتر داخلي يشكل ديناميات الحركة. مصدر آخر للنزاع يتعلق بالموقف العدواني المتزايد تجاه الدين، والمُعَبّرٌ عنه بين الملاحدة المتشددين، والموسومين بـ “الكفار الحقيقيين” true unbelievers من قبل بول كيرتز[17] Paul Kurtz (2010)، مؤسس المنظمة والذي أعلن نفسه إنسانويًا علمانيًا secular humanist (وليس ملحدًا atheist). باختصار، فإن القضية هي انقسام داخل الحركة اﻹلحادية، بين أولئك الذين يفضلون أسلوب «المواجهة» مع جميع أشكال الدين، وبين الذين يرغبون في اتباع استراتيجية «الموائمة» مع الجماعات الدينية وأشكال الإيمان التي لا تعادي العلم، من أجل العمل سويًا في القضايا ذات الاهتمام المشترك. وكان نقاشًا جماعيًا بين ممثلي هذه التوجهات، عنصرا رئيسيًا في مؤتمر CFI في العام 2010، نشرت أجزاء من العروض التقديمية فيه في عدد يونيو/يوليو 2011 من مجلة «البحث الحر». ولهذه المسألة أهمية حاسمة، لأنها تحدد بشكل أساسي أهداف الحركة. والملاحدة الجدد يؤيدون بوضوح أسلوب المواجهة.

هذا النقاش، والعلاقة بين «الإنسانويين العلمانيين» و «الملاحدة» بصورة أعَمّ، هما مصدر لتوتر مهم ومتنامي على ما يبدو داخل الحركة (Cimino and Smith, 2007, 2010). ومثل كل جانب آخر من جوانب الإلحاد تقريبًا، يستحق هذا التوتر دراسة أكثر صرامة. وأنا أود في ختام هذه المقالة، أن أقترح التخطيط التاريخي الذي أوجزته هنا كنموذج لمزيد من البحث. ﻷن التوتر بين الإنسانويين العلمانيين والملاحدة، يصبح أكثر وضوحًا عندما نضع حججهم في داخل التقاليد العلمية والإنسانوية للإلحاد. ففي حين ينبني الإلحاد العلمي على فرضية أن الدين هو نقيض العلم، وبالتالي يجب نزع الشرعية عنه من خلال النقد العلمي-العقلاني لمزاعمه عن «الحقيقة» (وهو ما يعني «المواجهة»)، فإن الإلحاد الإنسانوي يعترف بالطبيعة الاجتماعية للدين، وبالتالي يوجه النقد للمشكلات الاجتماعية التي قد تكون موضع اهتمام مشترك بالنسبة للعلمانيين والمؤمنين. ويمكن فهم المجموعات العدوانية داخل الحركة اﻹلحادية، باعتبارها انعكاسًا لهذا الانقسام في الفكر اﻹلحادي، حيث تهيمن حاليًا مجموعة واحدة على الخطاب الرسمي للحركة.

وثمة مسألة حاسمة تنشأ عن ذلك، تتعلق بالتوجهات السياسية لهذه الجماعات. فمن خلال دراسة أكثر تكثيفًا لمعسكرات «المواجهة» و«الموائمة»، قد نعثر على علاقة بين الإلحاد العلمي والليبرتارية[18] libertarianism/الليبرالية المفتوحة، وبين الإنسانوية العلمانية (التي تمثل تقريبًا الإلحاد الإنسانوي) والليبرالية الأكثر اعتدالًا الموجهة نحو العدالة الاجتماعية. وبينما ينبغي علينا ألا نتوقع مراسلات وانقسامات مباشرة وواضحة على هذا المنوال، واعترافًا بأن التسميات المستعملة هنا قد تتطلب تعديلا، فإني آمل أن يثري التحليل التاريخي والتأطير الذي قدمته، فهمنا لهذه الاتجاهات داخل الإلحاد المعاصر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مقالابات علمية للإلحاد والإنسانوية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» ذوات بشرية أم هيئات علمية روحية؟! لسيدي الباسل رضي الله عنه

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المودة العالمى :: حضرة المنتزهات والرياض  ::  جولة في فضــــاء النت-
انتقل الى: