تفسير سورة المرسلات_1
تفسير مجمع ومختصر
{ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً } * { فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً } * { وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً } * { فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً } *{ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً } * { عُذْراً أَوْ نُذْراً } * { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ } * { فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ } *{ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ } * { وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ } * { وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ } * { لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } * { لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } * { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ }
عن أبي هريرة { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } قال هي الملائكة أرسلت بالعرف. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود نحوه.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } قال الريح { فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } قال الريح { وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } قال الريح.
وأخرج ابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب أنه جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب،
فقال ما العاصفات عصفاً؟ قال الرياح.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } قال الريح { فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } قال الريح { فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } قال الملائكة { فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } قال الملائكة.
ةقال كثير من المفسرين: { المرسلات } ، الرسل إلى الناس و { المرسلات } الملائكة المرسلة بالوحي، وبالتعاقب على العباد طرفي النهار، وقالوا { المرسلات } ، الرياح،
وقال الحسن بن أبي الحسن: { المرسلات } السحاب و { عرفاً } معناه على القول الأول { عرفاً } من الله وإفضالاً على عباده ببعثه الرسل.
ومنه قول الشاعر: [الحطيئة]:
من يفعل الخير لا يعدمْ جوازيَهُ لا يذهب العرف بين الله والناس
ويحتمل أن يريد بقوله { عرفاً } أي متتابعة على التشبيه
بتتابع عرف الفرس وعرفا بمعنى متتابعة من عرف الفرس وهو الشعرات المتتابعة فوق عنقه فهو من باب التشبيه البليغ بأن شبهت الملائكة المرسلون فى تتابعهم بشعر عرف الفرس وانتصابه على الحالية اى جاريات بعضها إثر بعض على رقبته
وأعراف الجبال ونحو ذلك،
والعرب تقول: الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد بالعرف أي بالحق، والأمر بالمعروف، ويكون الصنف الآخر من الرياح في قوله { فالعاصفات عصفاً }
ويحتمل الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها،
ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي { العاصفات } ،
واختلف الناس في قولهم { والناشرات } فقال مقاتل والسدي هي الملائكة تنشر صحف العباد بالأعمال، وقال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره،
وقال بعض المتأولين: { الناشرات } الرمم الناشرات في بعث يوم القيامة يقال نشرت الميت
وكأنّه أشار بذلك الى الملائكة المرسلة بالآيات واشراط الساعة ولإثارة التراب من القبور ونشر الاموات منها وإخراج دابّة الأرض وتفريق المؤمن من غير المؤمن والقاء الذكر في قلوب الناس.
وقال آخرون: { الناشرات } التي يجيء بالأمطار تشبه بالميت ينشر. وقيل: أنها الأمطار تنشر النبات
وقال البعض : { الناشرات } طوائف الملائكة التي تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث فكأنهم يحيونهم،
و { الفارقات } قال ابن عباس وابن مسعود وأبو صالح ومجاهد والضحاك: هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام،
وقال قتادة والحسن وابن كيسان: { الفارقات } ،آيات القرآن،
وأما { الملقيات ذكراً } فهي في قول الجمهور الملائكة.
قال مقاتل جبريل وقال آخرون هي الرسل،
وقرأ جمهور الناس: " فالملْقيات " بسكون اللام أي تلقيه من عند الله أو بأمره إلى الرسل.
وقرأ ابن عباس فيما ذكر المهدوي، " فالملَقَّيات " بفتح اللام والقاف وشدها،
أي تلقيه من قبل الله تعالى،
وقرأ ابن عباس أيضاً " فالملَقَّيات " بفتح اللام وشد القاف وكسرها، أي تلقيه هي الرسل، و " الذكر " الكتب المنزلة والشرائع ومضمناتها.
واعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة
وذكروا فيه وجوهاً منها : أن المراد منها بأسرها الملائكة
فالمرسلات إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين جاؤا عرفاً واحداً
أوبمعنى العرف الذي هو نقيض النكرة
فإن هؤلاء الملائكة للرحمة و المعنى فيهم ظاهر
وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب، وإن لم يكن معروفاً لغير المؤمنين،
فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين
وقوله: { فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } فيه وجهان
الأول: يعني أن الله تعالى لما أرسل أولئك الملائكة فهم عصفوا في طيرانهم كما تعصف الرياح.
والثاني: أن هؤلاء الملائكة يعصفون بروح الغيرمؤمنين يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه،
وقوله تعالى: { وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، أو نشروا الشرائع في الأرض، أو نشروا الرحمة أو العذاب،
أو المراد الملائكة الذين ينشرون الكتب يوم الحساب، وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم،
وبالجملة فقد نشروا الشيء الذي أمروا بإيصاله إلى أهل الأرض ونشره فيهم
وقوله تعالى: { فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } معناه أنهم يفرقون بين الحق والباطل،
وقوله: { فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } معناه أنهم يلقون الذكر إلى الأنبياء،
ثم المراد من الذكر يحتمل أن يكون مطلق العلم والحكمة، كما قال:
{ يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ }
ومنها أنهم أقسام: فمنهم من يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء،
ومنهم من يرسل للزوم بني آدم لكتابة أعمالهم طائفة منهم بالنهار وطائفة منهم بالليل،
ومنهم من يرسل لقبض أرواح بني آدم،
ومنهم من يرسل بالوحي من سماء إلى أخرى،
إلى أن ينزل بذلك الوحي ملك السماء إلى الأرض،
ومنهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من البيت المعمور إلى الكعبة على ما روي ذلك في الإخبار،
فهذا مما ينتظمه قوله: { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } ثم ما فيها من سرعة السير، وقطع المسافات الكثيرة في المدة اليسيرة، كقوله:
{ تَعْرُجُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }
ثم ما فيها من نشر أجنحتهم العظيمة عند الطيران، ونشر العلم والحكمة والنبوة والهداية والإرشاد والوحي والتنزيل،
وإلقاء الذكر في القلب واللسان بسبب ذلك الوحي، في الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات الجسمانية والروحانية،
فلذلك أقسم الله بهم.
القول الثاني: أن المراد من هذه الكلمات الخمس بأسرها الرياح، أقسم الله برياح عذاب أرسلها عرفاً، أي متتابعة
ثم إنها تشتد حتى تصير عواصف ورياح رحمة نشرت السحاب في الجو،
و الرياح تعين النبات والزرع والشجر على النشور والإنبات
فبهذا الطريق تكون الرياح ناشرة للنبات و أن الله تعالى خرب بعض القرى بتسليط الرياح عليها،
{ فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } معناه أن العاقل إذا شاهد هبوب الرياح التي تقلع القلاع، وتهدم الصخور والجبال،
وترفع الأمواج تمسك بذكر الله والتجأ إلى إعانة الله، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية في القلب،
وقوله: { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ } المراد منها الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم،
وقوله: { عُرْفاً } أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير وكيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة والموصلة إلى مجامع الخيرات
وقوله: { وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } المراد أن آيات القرآن نشرت آثار الحكمة والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً،
وقوله: { فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } فذلك ظاهر، لأن آيات القرآن هي التي تفرق بين الحق والباطل، ولذلك سمي الله تعالى القرآن فرقاناً،
وقوله: { فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } فالأمر فيه ظاهر، لأن القرآن ذكر، أوهو ذكرالله الحي إلهاماً يلقيه في نفس الروح والعقل والقلب على نفس الطبع وهو الذكر الخفي.
و يمكن حملها أيضاً على بعثة الأنبياء عليهم السلام { والمرسلات عرفاً } هم الأشخاص الذين أرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير ومعروف،
{ فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } معناه أن أمر كل رسول يكون في أول الأمر ضعيفاً، ثم يشتد ويعظم ويصير كعصف الرياح
{ وٱلنَّـٰشِرٰتِ نَشْراً } المراد منه انتشار دينهم ومذهبهم ومقالتهم { فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } المراد أنهم يفرقون بين الحق والباطل والتوحيد وغيره { فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } المراد أنهم يدعون الخلق إلى ذكر الله، ويأمرونهم به ويحثونهم عليه.
و ما ذكره الزجاج واختيار القاضي،
وهو أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله: { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً } هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد { والعاصفات } ما يشتد منه، { وٱلنَّـٰشِرٰتِ } ما ينشر السحاب
أما قوله: { فَٱلْفَـٰرِقَـٰتِ فَرْقاً } فهم الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل، والحلال والحرام، بما يتحملونه من القرآن والوحي،
وكذلك قوله: { فَٱلْمُلْقِيَـٰتِ ذِكْراً } أنها الملائكة المتحملة للذكر الملقية ذلك إلى الرسل،
فإن قيل: وما المجانسة بين الرياح وبين الملائكة حتى يجمع بينهما في القسم؟
قلنا: الملائكة روحانيون، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح القول الثاني: أن الاثنين الأولين هما الرياح، فقوله: { وَٱلْمُرْسَلَـٰتِ عُرْفاً * فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } هما الرياح، والثلاثة الباقية الملائكة، لأنها تنشر الوحي والدين،
و تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرق بين الحق والباطل، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة، وهو محتمل،
وأما جعل الكل صفات لشيء واحد، فنقول: إن حملناها على الملائكة،
فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعاً، وذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال ، فإذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور الحق فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء،
فكأنه والله أعلم قيل: يا محمد إني أرسلت إليك الوحي الذي هو عنوان كل سعادة، وفاتحة كل خير، ولا بد من الصبر وتحمل المشقة، ثم فإذا جاء وقت النصرة يظهر ذلك الله على الألسنة، وفي المحاريب وعلى المنابر ويصير العالم مملوأ من ذكر الله، فهذا إذا حملنا هذه الكلمات الخمس على الملائكة، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر ما شابهه في الرياح وسائر الوجوه، والله أعلم.
وقد يكون المراد أن الرجل قد يكون مشتغلاً بمصالح الدنيا مستغرقاً في طلب لذاتها وراحاتها، ففي أثناء ذلك يرد في قلبه داعية الإعراض عن الدنيا والرغبة في خدمة المولى، فتلك الدواعي هي المرسلات عرفاً،
ثم هذه المرسلات لها أثران
أحدهما: إزالة حب ما سوى الله تعالى عن القلب، وهو المراد من قوله: { فَٱلْعَـٰصِفَـٰتِ عَصْفاً } والثاني: ظهور أثر تلك الداعية في جميع الجوارح والأعضاء حتى لا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا الله، ولا ينظر إلا الله، ثم عند ذلك ينكشف له نور جلال الله فيراه موجوداً، ويرى كل ما سواه معدوماً،
ثم يصير العبد في معرفة محبته، ولا يبقى في قلبه ولسانه إلا ذكر الله
و أقسم بالأنوار القاهرة التي أرسلت إلى النفوس الإنسانية متتالية متتابعة
ولوائح ولوامع وطوالع ثم تشتدّ وتقوى كالرياح العاصفة
فتعصف بالصفات النفسانية والقوى البدنية والروحانية
بتجليات صفات العظمة والجبروت فتقهرها وتذريها.
وإن فسر العرف بالذي هو ضدّ النكر فمعناه:
والمرسلات للإحسان فإن هذا القهر في ضمنه لطف خفيّ كما قال: " سبقت رحمتي غضبي " وقال أمير المؤمنين عليه السلام: واتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته
والأنوار التي تنشر وتحيي ما أهلكته وأفنته العاصفات من تجليات صفات المحبة والرحموت، فتفرق بينها بإقامة كل في مقامها ليتميز بعضها من بعض وتفصل بين الحق والباطل من أفعالها، فتلقي الذكروهوالعلم والحكمة.
وإلى لقاء غداً إن شاء الله
قدرى جاد الهرم
على بن أبى طالب
رمضان 2018
.